بُعدٌ يتجاوز الامتناع عن الطعام

ملخص تقديمي.

يستعرض هذا المقال تجربة الصوم في الإسلام من منظور شامل، يتجاوز الامتناع عن الطعام ليصبح نمط حياة متكامل يؤثر على الفرد والمجتمع، ويربط بين البعد الروحي، النفسي، الاجتماعي، الثقافي والفكري. يهدف المقال إلى تقديم قراءة جديدة وأصيلة للصوم، تبرز قيم الصبر، والانضباط، والتأمل، والتوازن، والوعي الإنساني، وتعكس الأبعاد الإنسانية والثقافية والدينية لهذه التجربة المحورية.

في التجربة الإنسانية، يُمثل الصوم أكثر من كونه مجرد امتناع عن الطعام والشراب؛ إنه تجربة روحية واجتماعية وفكرية تمتد لتشمل جميع أبعاد حياة الإنسان. وفي الإسلام، يأخذ الصوم مكانة خاصة، فهو أحد أركان الدين الخمسة، وركيزة أساسية في تربية النفس وتنمية الوعي الذاتي والاجتماعي. لكن لنتوقف قليلًا ونتساءل: هل الصوم مجرد عبء جسدي يتحمله الإنسان شهريًّا، أم أنه دعوة لإعادة ترتيب علاقته بذاته، وزمنه، ومجتمعه؟

يمتد الصوم في الإسلام إلى نطاق التنمية الذاتية والروحية. عندما يمتنع الفرد عن الطعام والشراب من الفجر إلى غروب الشمس، لا يقتصر الأمر على السيطرة على الشهية الجسدية، بل يمتد إلى ضبط النفس من الغضب، والغيبة، والكذب، وسائر أفعال الانفعال اللحظي. هذه الرقابة على النفس تجعل الصوم وسيلة لتربية الروح، وترسيخ مفهوم الصبر والقدرة على التحمل، وتطوير شعور المسؤولية الذاتية. ففي كل لحظة صامتة من يوم الصائم، تتشكل إمكانية إعادة تقييم سلوكياته وعاداته، والانخراط في حوار داخلي يربط بين دوافعه وأفعاله، وبين هدفه الروحي والأخلاقي.

من جانب آخر، يعكس الصوم مفهومًا فلسفيًّا للزمن. فالزمن أثناء الصوم لا يُقاس بالساعات أو بالوجبات، بل يُقاس بالوعي واليقظة والنية. يعيش الصائم تجربة زمنية مختلفة، حيث يصبح كل لحظة فرصة للتأمل، والتفكر، واستشعار قيمة الحياة وعلاقاتها المختلفة. إن توقيت الإفطار والسحور ليس مجرد ترتيب عملي، بل يمثّل لحظات تأملية مهيكلة تعيد إدراك الإنسان لعلاقته بالمكان والزمان، وتجعله يعيش حالة من الانضباط الذاتي والتوازن النفسي. الزمن، في هذا السياق، يتحول من مجرد وحدة قياس ميكانيكية إلى أداة للتدريب الروحي والفكري.

أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الصوم يشكل نمط حياة يعزز الروابط المجتمعية، والتضامن الإنساني. ليس الإفطار الجماعي، والحرص على مساعدة المحتاجين، والتكافل الاجتماعي، مجرد شعائر شكلية، بل هي فرص لإعادة بناء مجتمع مبني على الوعي بالآخرين. في شهر رمضان، يزداد الشعور بالمجتمع الواحد، ويصبح الصائم أكثر قدرة على التعاطف مع الجوع والفقر والمعاناة. هذه التجربة الإنسانية تجعل الصوم أداة للتربية الاجتماعية، تعيد تشكيل القيم الفردية والجماعية على حد سواء، وتزرع روح التضامن والمشاركة الإنسانية في النفوس.

الصوم كذلك يرتبط بالفكر والتأمل الفلسفي. إنه يشكّل فرصة للتفكر في الحياة، والموت، والقيم الأخلاقية، والغنى الحقيقي للإنسان. عندما يمتنع الإنسان عن ملذاته الجسدية، يجد نفسه مضطرًا للبحث عن الملذات الروحية والمعنوية، فيكتشف أن السعادة ليست في الكثرة المادية، بل في السلام الداخلي، وفي القرب من الله، وفي الصلة بالآخرين بروح من الإنسانية. هذا البعد الفكري يجعل الصوم تجربة فكرية بامتياز، لأنه يضع الإنسان أمام سؤال الوجود: كيف أعيش حياتي؟ وما هو الهدف من أفعالي اليومية؟

ومن منظور نفسي، يظهر الصوم كأداة لتنمية التحكم بالذات والانضباط الداخلي. فالامتناع عن الطعام والشراب يمثل تدريبًا للجسد على التحكم بالرغبات، بينما الامتناع عن السلوكيات السلبية يمثل تدريبًا للعقل والروح. هذا التمرين النفسي المستمر يعيد تشكيل الشخصية الإنسانية تدريجيًّا، ويعزّز قدرة الإنسان على اتخاذ قرارات واعية، ويطور مهارات الصبر والتأمل الذاتي. الإنسان الذي يصوم يدرك تدريجيًّا أن قوته ليست في الرغبات اللحظية، بل في قدرته على التوازن بين الاحتياجات المادية والروحية.

وعلى مستوى التربية الأخلاقية، يعتبر الصوم مدرسة أخلاقية حقيقية. فهو يعلّم الإنسان ضبط النفس، واحترام الآخرين، والرحمة بالفقراء والمحتاجين، والصدق في القول والفعل. يتعلم الصائم أن السيطرة على رغباته الخاصة هي الطريق لتقوية الروح، وأن احترامه للآخرين يظهر في أفعاله اليومية وفي تفكيره، وليس فقط في شعاراته. هذه الأبعاد تجعل من الصوم ممارسة شاملة لتزكية الأخلاق، إذ يتعلّم الإنسان من خلالها أن القيم ليست مجرد نظريات تُقال، بل أفعالٌ يومية ملموسة.

في دراسة المجتمعات الإسلامية، يمكن ملاحظة أن الصوم يؤثر أيضًا في نمط الحياة اليومية. فالشعور بالجوع والامتناع عن الطعام يحث على تنظيم الوقت، وإعادة ترتيب الأنشطة اليومية، وتحديد الأولويات، والتركيز على الأعمال المفيدة، سواء كانت علمية أو اجتماعية أو روحية. الصوم إذن ليس مجرد فعل محدود بالساعات، بل نمط حياة شامل يعيد هيكلة اليوم ويضبط الروتين اليومي بطريقة تعكس الحكمة الإسلامية في تنظيم حياة الإنسان.

من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى الصوم كوسيلة للتجربة الإنسانية المشتركة. إنه يجعل الفرد جزءًا من نظام جماعي، حيث يعيش ملايين المسلمين حول العالم نفس التجربة، متجاوزين الحدود الجغرافية والثقافية واللغوية. هذه التجربة المشتركة تعزّز الشعور بالانتماء إلى جماعة، وتعيد تأكيد الهوية الثقافية والدينية، وتخلق نوعًا من الوحدة الإنسانية التي تتجاوز الاختلافات الفردية. الصوم هنا ليس مجرد عبادة فردية، بل جسر يربط بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الفرد والمجتمع، وبين الأرض والسماء.

وفيما يتعلق بالصحة الجسدية، فإن الصوم له فوائد مثبتة علميًّا، فهو يتيح للجسم فرصة للتخلص من السموم وتنظيم وظائفه الحيوية. ولكن الفائدة الجسدية ليست الهدف الوحيد، بل هي نتيجة طبيعية لنمط الحياة المتوازن الذي يفرضه الصوم. الصيام يدعو الإنسان إلى الانتباه لطعامه، وتنظيم ساعات نومه، وممارسة الرياضة العقلية والروحية، مما يعيد ترتيب العلاقة بين الجسد والروح، ويخلق انسجامًا داخليًّا بين مكونات الإنسان المختلفة.

يمثّل الصوم أيضًا دعوة لإعادة النظر في العلاقة بالملذات المادية. في مجتمع اليوم، حيث يسيطر الاستهلاك والرغبات اللحظية على حياة الإنسان، يصبح الصوم تجربة تحررية، تدعو الإنسان إلى إدراك محدودية الاحتياجات الحقيقية، وفهم قيمة القناعة، والعيش في بساطة. الإنسان الذي يصوم يكتشف أن الحرية ليست في الامتلاك، بل في السيطرة على النفس، وأن السعادة ليست في الكثرة، بل في التوازن والرضا.

كما أن للصوم بعدًا ثقافيًّا وتجميعيًّا، فهو يحافظ على الهوية الإسلامية من خلال شعائره، ويؤكد على الترابط بين الأجيال، حيث تنتقل العادات والقيم من كبار السن إلى الشباب، ومن المعلمين إلى الطلبة، ومن الأهل إلى الأطفال. هذه الأبعاد تجعل من الصوم ممارسة تعليمية وثقافية، يعاد فيها إنتاج الوعي الديني والأخلاقي والاجتماعي عبر الزمن، ويظل ركيزة أساسية للحياة الجماعية في المجتمعات الإسلامية.

إن الجمع بين البعد الروحي، والفكري، والاجتماعي، والنفسي، والأخلاقي، يجعل الصوم في الإسلام تجربة شاملة لإعادة ترتيب الحياة. الصائم لا يكتفي بمجرد الامتناع عن الطعام، بل يشرع في رحلة داخلية وفكرية تمتد إلى كل أوجه وجوده: جسده، وروحه، وعقله، وعلاقته بالآخرين، وعلاقته بالزمان والمكان. هذه الرحلة تجعل الصوم ليس مجرد عبادة، بل أسلوب حياة متكامل، يعيد تشكيل الإنسان ويدفعه نحو الانسجام الداخلي والتوازن الاجتماعي والوعي الأخلاقي.

الصوم، بهذا المعنى، يمثل تجربة إنسانية حقيقية، تتيح للإنسان الوقوف أمام نفسه، وفهم أفعاله، وإعادة ترتيب أولوياته، وتعميق علاقته بالله، وتوطيد علاقاته مع الآخرين. كل وجبة مؤجلة، وكل لحظة صبر، وكل عمل خيري، هو بمثابة حجر في بناء شخصية إنسانية متوازنة، قادرة على مواجهة تحديات الحياة اليومية بروح من الصبر، والوعي، والمسؤولية.

وعندما نتمعن أكثر، نجد أن الصوم يشكل فرصة لفهم الذات بعمق. الإنسان الذي يصوم يواجه ذاته، ويتعرف على حدود قدراته، ويختبر مدى تحمله للحرمان المؤقت، ويختبر مدى قدرته على التحكم بالرغبات. هذا النوع من التجربة الذاتية يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وذاته، بين جسمه وعقله، بين رغباته وحاجاته، ويخلق مساحة من الوعي العميق بالوجود.

في هذا السياق، يصبح الصوم ممارسة فلسفية للتأمل في الحياة. فهو يدعو الإنسان إلى التساؤل عن معنى الجوع، وعن معنى الرغبة، وعن الفرق بين الضروري والكمالي، وعن الهدف الحقيقي من الحياة. هذه التساؤلات تجعل من الصوم تجربة فكرية وروحية في آن واحد، وتفتح المجال أمام الإنسان لإعادة صياغة فهمه للعالم ولذاته.

ومن الزاوية الإنسانية، الصوم هو أيضًا تعبير عن التعاطف والمشاركة في معاناة الآخرين. الامتناع عن الطعام يجعل الإنسان يشعر بما يشعر به الفقراء والمحتاجون، ويزيد من قدرته على الرحمة، والتكافل الاجتماعي، والبذل. إنه تجربة تعلم الإنسان أن السعادة لا تكتمل إلا بمشاركة الخير مع الآخرين، وأن الحياة الإنسانية تتسم بالترابط والتكافل.

الصوم، إذن، ليس مجرد عبادة شكلية أو واجب ديني، بل هو مدرسة للحياة. يعلّم الإنسان الصبر، والانضباط، والتأمل، والرحمة، والتواضع، والوعي الاجتماعي، والحرية الداخلية، والتمتع بالقليل، والتقدير لما يملكه. كل هذه القيم تشكّل معًا نمط حياة متكامل، يجعل من الصائم إنسانًا أفضل، وأكثر إدراكًا لنفسه وللعالم من حوله، وأكثر قدرة على العطاء والإحسان، وأكثر وعيًا بالهدف الحقيقي للوجود.

ولعل من أهم أبعاد الصوم التي لم تحظَ بالقدر الكافي من الدراسة، هي تأثيره على العلاقات الأسرية والمجتمعية. فالأسرة هي الوحدة الأساسية للمجتمع، والصوم يوفر فرصة لإعادة ترابط أفرادها. أثناء شهر الصيام، تتجمع العائلات حول مائدة الإفطار، وتزداد اللقاءات اليومية، ويُعاش جو من الحوار والتواصل والتفاهم. هذه اللحظات المشتركة ليست مجرد وجبات، بل هي مساحة لتبادل الخبرات، ولغرس القيم الأخلاقية في نفوس الأطفال والشباب، ولتعميق روابط المحبة والمودة بين أفراد الأسرة. يمكننا القول: إن الصوم هو ممارسة تربوية تعيد توزيع الوقت والعاطفة بين أفراد الأسرة بطريقة تجعل العلاقات أكثر وعيًا وانسجامًا.

كما أن الصوم يؤثر على العلاقات الاجتماعية بشكل أوسع. إنه يذكّر الإنسان بأن حياته مرتبطة بالآخرين، وأنه جزء من مجتمع يشارك فيه الفرح والحزن، ويشترك معه في التجارب الإنسانية. تتزايد في شهر رمضان المبادرات الخيرية، وتتضافر الجهود لمساعدة الفقراء والمحتاجين، وتتنوع أشكال التضامن الاجتماعي. الإنسان، من خلال تجربته اليومية للصوم، يصبح أكثر وعيًا بمسؤولياته اتجاه مجتمعه، وأكثر قدرة على العطاء بلا انتظار مقابل، وأكثر حساسية لمعاناة الآخرين. هذه التجربة الجماعية تعيد صياغة معنى الانتماء والمسؤولية الاجتماعية بطريقة عميقة وجوهرية.

من ناحية أخرى، للصوم بعد ثقافي وفني في حياة الإنسان والمجتمع. لقد ألهم الصوم الشعراء والفنانين والمفكرين في مختلف العصور الإسلامية، فأنشأت الثقافة الإسلامية حول شهر رمضان فنونًا أدبية وموسيقية تعكس الروح الإنسانية للتجربة. الشعر الرمضاني، على سبيل المثال، لا يكتفي بوصف الجوع والعطش، بل يصف الصبر، والانتظار، والقدرة على التحمل، والرحمة، والتواصل مع الآخرين. كذلك، الأعمال الفنية والمعمارية التي تشكلت حول المساجد والساحات التي تُقام فيها الشعائر الرمضانية، تعكس تجربة الإنسان المرتبطة بالزمان والمكان، وتجسد تفاعله مع الفضاء الروحي والاجتماعي بشكل ملموس.

الصوم، بهذا المعنى، يمثل توازنًا بين الفرد والمجتمع، والجسد والروح، والواقع والروحانية. إنه ممارسة شاملة تعيد ترتيب أولويات الإنسان، وتجعله يعيش حياته بوعي أكبر، ويستشعر قيمة الوقت، ويعيد تقييم العلاقة مع ذاته ومع الآخرين. فالالتزام بالواجبات اليومية أثناء الصيام، سواء في العمل أو الدراسة أو العبادة، يعيد تشكيل مفاهيم الانضباط والتنظيم، ويزيد من القدرة على التركيز، ويخلق شعورًا بالمسؤولية اتجاه النفس والمجتمع.

من جانب آخر، يمكن النظر إلى الصوم كأداة لإعادة توازن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا في العصر الحديث. ففي مجتمعنا الرقمي، حيث يسيطر الإعلام الاجتماعي، وتكثر الملهيات، ويصبح الإنسان في غالب الأحيان مستهلكًا سلبيًّا للمحتوى الرقمي، يتيح الصوم فرصة لإعادة النظر في استخدام الوقت والموارد. الصائم مدعو للتفكير في كيفية استثمار وقته بشكل أكثر وعيًا، وللتأمل في حياته بعيدًا عن الانشغال المستمر بالتقنية، مما يعيد ترتيب الأولويات، ويقوي الإدراك الذاتي، ويخلق مساحة للروح والتأمل العميق.

يرتبط الصوم أيضًا بالجانب النفسي للإنسان. إنه تجربة تحررية من الضغوط الداخلية والخارجية. الامتناع عن الطعام والشراب ليس مجرد تحدٍّ جسدي، بل هو فرصة لفهم رغبات النفس والتحكم فيها، ومواجهة الأزمات الداخلية، وممارسة الصبر والقدرة على التأقلم. هذه التجربة النفسية تعزز القوة الداخلية، وتساعد الإنسان على تطوير مرونته العاطفية، وتحقيق نوع من السلام الداخلي الذي بدوره يؤثر إيجابيًّا على جميع جوانب الحياة، بما في ذلك العلاقات الاجتماعية، والقدرة على العمل والإبداع، ومواجهة صعوبات الحياة اليومية بثقة وحكمة.

وعلى صعيد فلسفي، يمكن النظر إلى الصوم كدعوة للتأمل في معنى الحرية والاختيار والمسؤولية. فالحرية الحقيقية، كما يشير الصوم، ليست في القدرة على الإشباع الفوري للرغبات، بل في القدرة على التحكم بالنفس، واختيار ما هو صائب، والامتناع عن ما هو ضار. يعلّم الصوم الإنسان أن الاختيار الواعي هو أساس المسؤولية الأخلاقية، وأن الحياة الإنسانية ليست مجرد سلسلة من الاستجابات اللحظية، بل هي مشروع متكامل يتطلب الوعي، والانضباط، والتأمل، والتخطيط.

لا يمكن أيضًا تجاهل البعد الاقتصادي للصوم، فهو يشجع على الاقتصاد في الاستهلاك، وإعادة التفكير في النفقات، والمساهمة في ترشيد الموارد. الإفراط في الطعام والشراب غالبًا ما يُستبدل بالممارسة المعتدلة والوعي باحتياجات الجسد، مما يعكس فلسفة الاعتدال في الحياة اليومية. ومن خلال هذا الوعي، يصبح الإنسان أكثر إدراكًا للعلاقة بين المال والقيم، ويزيد من قدرته على العمل من أجل الخير العام، ومساعدة المحتاجين، والمشاركة في النشاطات المجتمعية الخيرية.

وبالطبع، للصوم تأثير كبير على العقل والفكر. فالتركيز على العبادة، وعلى الانضباط الذاتي، وعلى التأمل الروحي، يجعل العقل أكثر وضوحًا وانفتاحًا للتفكير النقدي والتحليل الفلسفي. يصبح الصائم أكثر قدرة على مراجعة معتقداته وسلوكياته، وأكثر وعيًا بالصلة بين أفعاله ومبادئه، وأكثر استعدادًا للتعلم واكتساب المعرفة. بهذا الشكل، يصبح الصوم ممارسة تعليمية، تزرع في النفس القدرة على التفكير العميق، وتطوير الحس النقدي، وتعزيز الفهم الشامل للعالم وللذات.

بهذا، يظهر الصوم كنمط حياة متكامل. إنه ليس مجرد عبادة لحظية، بل عملية متواصلة تعيد تشكيل الإنسان في كل جوانب وجوده: الروحية، والنفسية، والاجتماعية، والفكرية، والثقافية. تجربة الصوم تجعل الإنسان يعيش حياة أكثر وعيًا، أكثر توازنًا، وأكثر قدرة على التعامل مع تحديات العصر الحديث، وتحافظ على القيم الإنسانية الجوهرية، وتعزز الانسجام بين الفرد والمجتمع، وبين الجسد والعقل والروح، وبين الإنسان وبيئته المادية والاجتماعية.

وهكذا، يظهر الصوم كأداة أساسية لفهم النمط الإسلامي للحياة: حياة تتوازن فيها الروح والمادة، وتتوازن فيها الاحتياجات الفردية مع المسؤوليات الاجتماعية، وتصبح الممارسة اليومية فرصة للتعلم، والتربية، والتأمل، والنمو، والعطاء. يدعو الصوم الإنسان إلى حياة واعية، حيث يتحول كل فعل، وكل لحظة، وكل قرار، إلى فرصة للتقوى، والرحمة، والوعي الذاتي، والتواصل الإنساني العميق.

الصوم، إذن، ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تجربة إنسانية كلية، تضبط العلاقة مع الذات، مع الزمن، مع الآخرين، ومع العالم بأسره. إنه أسلوب حياة شامل، يربط بين كل عناصر الوجود الإنساني، ويخلق انسجامًا داخليًّا وروحيًّا، ويقوّي الشعور بالمسؤولية، ويعزّز القيم الإنسانية الأساسية، ويعيد ترتيب أولويات الحياة بطريقة تجعل الإنسان أكثر انسجامًا مع ذاته ومع مجتمعه.

الصوم والفنون والأدب والهوية الثقافية.

لم يكن الصوم في الإسلام مجرد عبادة يومية، بل كان مصدر إلهام للفنون والأدب والممارسات الثقافية. فالشعراء، على مر العصور، كتبوا عن الصبر، والجوع، والرحمة، والانتظار، وبرزت موضوعات رمضانية في الأدب تعكس تجربة الإنسان الروحية والاجتماعية. نجد أن القصائد الرمضانية غالبًا ما تمثل انعكاسًا لعمق التجربة الإنسانية للصائم، حيث تمتزج المشاعر الجسدية بالروحانية، ويُجسّد الشعور بالانتظار، والانضباط، والمشاركة في تجربة جماعية واسعة.

لعبت الفنون التشكيلية والمعمارية أيضًا دورًا في إبراز أبعاد الصوم، من خلال المساجد، والساحات الرمضانية، والزخارف الإسلامية التي تُحتفى بها خلال الشهر الكريم. هذه الأعمال الفنية لم تكن مجرد زينة، بل وسيلة لإحياء تجربة الصوم وتعميق الانتماء المجتمعي والديني، وتعكس الهوية الثقافية التي تربط الفرد بتاريخ أمة كاملة وتجربة إنسانية مشتركة.

في هذا السياق، يصبح الصوم أيضًا حافظًا للهوية الدينية والثقافية. فالشعائر، والطقوس، والعادات الرمضانية، تعيد إنتاج الوعي بالقيم الإسلامية، وتؤكد على الانتماء الجماعي، وتغرس القيم الأخلاقية والاجتماعية عبر الأجيال. الصوم إذن ليس مجرد تجربة فردية، بل ممارسة ثقافية تربط الماضي بالحاضر، وتضمن استمرار الهوية الإسلامية عبر الزمن، وتعزز الروابط بين الفرد والمجتمع، وبين الأجيال المختلفة.

الخاتمة.

يمكن القول: إن الصوم في الإسلام هو تجربة شاملة تتجاوز مجرد الامتناع عن الطعام والشراب. إنه نمط حياة يعيد ترتيب العلاقة مع الذات، ومع الزمن، ومع المجتمع، ومع العالم بأسره. من خلال الصوم، يتعلم الإنسان الصبر، والانضباط الذاتي، والرحمة، والوعي الاجتماعي، والتأمل الفلسفي، ويكتشف معنى الحرية الحقيقية والمسؤولية الأخلاقية، ويعيد تقييم أولوياته الحياتية.

يجمع الصوم بين البعد الروحي والفكري والاجتماعي والنفسي والأخلاقي، ويجعل من الفرد كائنًا متوازنًا قادرًا على مواجهة تحديات الحياة بروح من الحكمة والإنسانية. إنه ممارسة تربوية شاملة تعيد تشكيل الشخصية، وتقوي الانتماء الجماعي، وتحافظ على الهوية الثقافية والدينية، وتخلق انسجامًا داخليًّا وروحيًّا يعكس حكمة الإسلام في تنظيم حياة الإنسان.

بهذه الطريقة، يصبح الصوم أكثر من عبادة شهرية؛ إنه أسلوب حياة متكامل، يزرع القيم الإنسانية الجوهرية، ويعزّز الوعي بالذات والمجتمع، ويتيح للفرد أن يعيش تجربة إنسانية أصيلة، تتسم بالرحمة، والوعي، والتوازن، والانتماء، والحرية الحقيقية.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.