إن الإنجاز العظيم للإمام الرضا (ع) يتمثّل في الحفاظ على شجرة التشيّع وسط أعاصير الحوادث التي عصفت خلال فترة إمامته على قِصر مدّتها. ومَنعَ من تشتت جهود آبائه التي قد باتت مهدّدة بالزوال بسبب الوفاة المُلتبسة للإمام الكاظم في السجن، خصوصًا بالنسبة للشيعة في الأماكن البعيدة، حتى بلغ الأمر بالبعض إلى إنكار موته من رأس، بسبب الملابسات الخفية للوفاة.

إضافةً إلى ذلك، حدث في عهد إمامة الرضا (ع) حدثٌ هو الأوّل من نوعه في تاريخ جهاد الأئمة ضد سلطات الحكم المتعاقبة، تمثّل في تحوّل أسلوب السلطة جذريًّا، (وإن بالظاهر فقط)، مع حركة الأئمة. حدثٌ يمثّل المسألة الأكثر جدلًا وأهميّةً في سيرة الإمام (ع)، ألا وهو اختيار المأمون إياه لولاية عهده. مما يعني أنه سيكون الخليفة الشرعي من بعده، كما يعني ضمنًا إخراج الخلافة من الأسرة العباسية إلى خصومهم من البيت العلوي.

سنحاول في هذا المقال، بإيجاز، تقديم الآراء التي فسّرت هذه الحركة الانقلابية التي قام بها المأمون. تتلخص هذه الآراء بثلاثة رئيسية:

الرأي الأول: يعتبر أن المأمون كان حسن النية في تولية الرضا (ع) لنذرٍ كان قد نذره بالسابق، وهو رأي الشيخين المفيد والصدوق.

والرأي الثاني: يعتبر أن المسألة كانت من ابتكار وزير المأمون الفضل بن سهل عن حسن نية، وهو رأي جرجي زيدان، وبعض المستشرقين.

والرأي الثالث: المشهور الذي يفسّر حركة المأمون بدوافع سياسية بحتة، ويعتبر أن المأمون بحركته هذه كان يسعى إلى الاستمرار بسياسة آبائه، ولكن بوسيلة مختلفة.

الرأي الأول: أن المأمون كان حسن النية في تولية الرضا (ع)، وهو رأي الشيخ المفيد والشيخ الصدوق[1]:

فيعتبر أصحاب هذا الرأي أن المأمون كان مخلصًا في البداية، ولكنه ندم فيما بعد، وغيّر نواياه. فنقل الشيخان ما مفاده: أن المأمون خلال حديثه مع شخص ذكر أنه عندما تتابعت عليه الهزائم في حربه مع الأمين، نذر على نفسه نذرًا بأن يسلم الخلاقة إلى أصحابها الشرعيين إذا انتصر. وبالفعل، بدأت بعد ذلك الأمور تتغير لصالحه، ولم يمن بأية هزيمة إلى أن استتب الأمر له بصورة كاملة، وقتل الأمين، ونصّب نفسه خليفة. فعمل على تسليم ولاية العهد للإمام وفاءً لنذره. ولكنه تراجع عن ذلك لطمعه في الملك العقيم، فكما قال هارون لولده المأمون: “لو نازعتني الذي فيه (أي الملك) لأخذت الذي فيه عيناك لأن الملك عقيم”. 

هذا الرأي وارد، ولو كان لا ينسجم كثيرًا مع السياق التاريخي للمرحلة، بتبسيطه للحدث واختزاله بمسألة النذر. 

الرأي الثاني: أن المسألة كانت من ابتكار الفضل بن سهل عن حسن نية، وهو رأي جرجي زيدان، وبعض المستشرقين[2]:

 فقد كان للمأمون وزيرًا من أصل إيراني اسمه الفضل بن سهل، الملقب بذي الرياستين (باعتبار أنه كان وزير المأمون، والقائد العام للجيش)، وكان الفضل ذا نفوذ واسع في بلاط المأمون، بل إن البعض اعتبره المتسلّط الفعلي على أمور الدولة، وأن المأمون هو مجرد آلة بيده. 

وبحسب هذا الرأي، قضية ولاية العهد كانت من ابتكار الفضل بن سهل، وأن الفضل كان شيعيًّا مؤيّدًا للإمام (ع)، وأن نيته كانت التعاون مع الإمام للقضاء على المأمون، ومن ثم تسليم الخلافة إلى الإمام.

وهذا الرأي لا يتفق مع رفض الإمام لولاية العهد، بل إن كثيرًا من الروايات والتواريخ تؤكّد أن الإمام (ع) كان يخالف الفضل بأشد مما كان يخالف المأمون نفسه، وأن الفضل كان كثير السعاية ضد الإمام.

الرأي الثالث: أن المسألة كانت من ابتكار المأمون، ولكن لا على أساس خلوص النية، بل لأسباب سياسية بحتة (وهو المشهور):

ينطلق هذا الرأي من عدد من المقدّمات:

المقدمة الأولى: أن الإمام (ع) كان على رأس جسم تنظيمي هائل ذات حضور متنامي، ويمتد على غالبية أراضي الدولة الإسلامية المترامية الأطراف عبر سلسلة من الوكلاء، ويشكّل بدوره المحور والمعتمد الأساس للأئمة في جهادهم وعملهم لإرساء الحكومة الإسلامية، وأن الخلفاء العباسيون كانوا مدركون لوجود هذا التنظيم، وخطره على الدولة، وكان القضاء عليه من أولويات سياسة الأمن القومي للخلفاء المتعاقبون.

المقدمة الثانية: أنه كان هناك عدد من الثورات العلوية المشتعلة في أنحاء المدينة والعراق واليمن ضد حكم المأمون.

المقدمة الثالثة: أن الإمام أُحضر إلى خراسان بدون التشاور المسبق، ولا بأخذ الموافقة منه.

المقدمة الرابعة: أن الإمام قبل بولاية العهد مكرهًا، فهو قد كان قد امتنع عن قبولها حتى هدده المأمون بالقتل فوافق بعد ذلك، (وهذا يدل على سوء نية المأمون).

المقدمة الخامسة: أن الإمام لم يتجاوب مع المأمون بعد تنصيبه وليًّا للعهد، مما يعني أنه كان يعلم نية المأمون، وسياسة الإمام هذه هي ما أفشل خطة المأمون الذكية. 

فالمأمون، مجرد أن حسم الحرب مع أخيه لمصلحته، وتحول إلى الخليفة بدون منازع، كان من أول تدابيره التفرّغ لحل مشكلة العلويين وجهاد التشيّع. وفي السعي لبلوغ هذا الهدف، وضع المأمون أمام عينيه تجربة سلفه من الخلفاء.

“تجربة أظهرت القدرة والشمولية والعمق المتزايد لنهضة الأئمة، وعجز أجهزة السلطة عن اقتلاعها أو إيقافها ومحاصرتها. لقد كان يرى سطوة وهيبة هارون حتى مع السجن الطويل وتسميم الإمام الكاظم في السجن لم تتمكن من منع الانتفاضات والمواجهات السياسية والعسكرية للشيعة”[3].

وبهذا العرض، نفهم السياق التي حدثت خلاله مسألة ولاية العهد، مما يوضح ما رمى إليه المأمون في فعله هذا. والخطأ الذي وقع فيه أصحاب الآراء الأخرى أنهم أخذوا المسألة منفصلة عن سياقها التاريخي، ففسروها على أساس أحداث هي صحيحة في ذاتها، ولكنها مبتورة عن سياقها العام.

فالمأمون بفعله هذا سعى وراء عدة مقاصد:

أولها: إضفاء الشرعية على حكمه، فالمأمون بحركته هذه، “كأنه يريد أن يعود بالتاريخ القهقرى، إيهامًا للشيعة بأن مطالبهم المزمنة قد باتت حقيقة، وعليه لم يبق من سبب لحراككم وجهادكم السري، فاستكينوا أيها القوم واقعدوا”[4].

ثانيها: “تبديل ساحة المواجهة إلى ساحة النشاط السياسي الهادئ البعيد عن الخطر” [5]، وهذه سياسة تتبعها بعض الأنظمة لاستيعاب المعارضة عبر إعطائها موقعًا في السلطة. فالمأمون نتيجة عجزه عن الإحاطة بالتنظيم السري، أراد بأن يجرد هذا التنظيم من ميزته وعامل قوته الأساس، وهي بعده عن أعين السلطة. 

ثالثها: إطفاء الثورات العلوية المشتعلة في عدة مناطق من الدولة الإسلامية، وبالفعل نجحت سياسة المأمون بتحقيق هذا المقصد إلى حد كبير.

من الواضح “أن تلك كانت خطة بارعة، وسياسة في الغاية من المكر والدهاء. قد توصل صاحبها إلى مقاصده من أقرب طريق، دون أعباء تذكر، وإنما هي كلام في كلام”[6]. ولكن الإمام بحكمته وعبقريته، لا إنه فقط أفشل خطة المأمون التي كان هدفها القضاء على التشيّع، بل جعل من سياسته التي اتّبعها تنقلب عليه، “فالسهم الذي كان يريد أن يرمي به مقام ومكانة وطروحات الإمام (ع)، أصاب المأمون، بحيث إنه وبعد مضي فترة قصيرة أصبح مضطرًا لأن يعتبر كل تدابيره وإجراءاته الماضية هباءً منثورًا”[7].

فالمأمون في هذه المقامرة الكبرى، فضلًا عن أنه لم يحصل على شيء، فإنه فقد مكاسب كثيرة، وكان على طريق خسارة ما تبقّى له. مما أجبره إلى اللجوء إلى نفس الأسلوب الذي لطالما اتبعه أسلافه. فانتهى به الأمر إلى أن يسمّم الإمام بنفسه في شهر صفر من سنة 203 هــ؛ أي بعد سنتين تقريبًا من خروج الإمام (ع) من المدينة إلى خراسان، وبعد سنة ونيّف من صدور قرار ولاية العهد.

[1] الشهيد مرتضى مطهري، حياة الأئمة الأطهار، بيروت، الدار الإسلامية للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1992، الصفحة 176. 

[2] المصدر نفسه، الصفحة 190.

[3] الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 عام، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، الطبعة الثانية، 2015، الصفحة 414.

[4] الشيخ جعفر المهاجر، الإمامة والأئمة، بعلبك- لبنان، مركز بهاء الدين العاملي، الطبعة الأولى، 2023، الصفحة 116. 

[5] إنسان بعمر 250 عام، مصدر سابق، الصفحة 416.

[6] الإمامة والأئمة، مصدر سابق، الصفحة 116. 

[7] إنسان بعمر 250 عام، مصدر سابق، الصفحة 420.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.