قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. (سورة الأنبياء، الآية 105).

في فلسفة التاريخ توجد لدينا توجهات فكرية دينية وغير دينية، ويمكن اختصارها بثلاثة توجهات:

التوجه الأول: وهي نظرية فوكوياما (نهاية التاريخ) والإنسان الأخير، فهو يرى أن الديمقراطية الليبرالية وقيمها من الحرية والفردية والمساواة والعولمة والليبرالية الاقتصادية، تشكّل ذروة التطور الأيديولوجي للإنسان بعد إجماع معظم الناس على صلاحيتها، وعدم وجود بديل أفضل.

وقد ثبت بطلان هذه النظرية نظريًّا وعمليًّا؛ إذ إن  دولًا عدّة بدأت تكبر وتعود للسيطرة، وهناك قيم أخرى ظهرت في العالم، ومنها قيم العالم الإسلامي، ولا سيّما بعد ثورة السيد الخميني (قده)، وبعد الصحوة الإسلامية العارمة في العالم الإسلامي، ولا يوجد إجماع على النظرية، والبديل متوفر فكريًّا وجغرافيًّا.

التوجه الثاني: نظرية الفوضى، وهي نظرية تبنّاها صموئيل هنتنغتون، والفوضى البنّاءة التي تعيد بناء العالم، وهي أيضًا ذات توجّه أمريكي تبشّر في الأخير بهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، وتؤمن أيضًا بالصراع الحضاري الذي تنتصر فيه قيم الغرب على غيرها.

وهذه النظرية أيضًا استعمارية استعلائية تهدد البلدان واستقرارها، وكذلك هناك توجه ديني يقول: إن الكون يتجه نحو الفوضى، وهو أيضًا اتجاه مسيحي.

فنهاية التاريخ هي الفوضى العارمة والدمار الشامل.

التوجه الثالث: وهي نظرية القرآن الكريم وأهل البيت (ع)، بل عموم الفكر الديني الإسلامي، فالآية أعلاه تتحدث عن نهاية التاريخ، لكن في ظل فلسفة القرآن التي تقوم على البلاء والابتلاء، ومن ثم سيادة الإنسان الأخير، وهو إنسان القرآن والتقوى والاستضعاف، وليس إنسان القيم الغربية التي باتت تهدّد أصل وجود الإنسان، حتى على مستوى تكاثره واستمرار نسله، حيث باتت تنادي بالمثلية وإنكار العائلة.

وقد بشّر النبي (ص) بالإمام المهدي (ع)، وقد رويت فيه الأحاديث الصحيحة، فقد ورد عنه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (ص): “لَتُمْلَأَنَّ الأرضُ ظلمًا وعدوانًا، ثم لَيَخْرُجَنَّ رجلٌ من أهل بيتي، حتى يملأَها قسطًا وعدلًا، كما مُلِئَت ظلمًا وعدوانًا”. (صحيح الجامع، الصفحة أو الرقم: 5074)، (حديث صحيح).

وهذا يعني صحة أحاديث الإمام المهدي (ع)، لا كما ذهب ابن خلدون إلى عدم صحتها، وكذلك إسلامية هذه الفكرة العالمية، لا أنها مختلقة من الشيعة جراء الظلم والجور، فإذا كان الشيعة قد اختلقوها بسبب الظلم، فلماذا يُحدّث بها أهل السنة وقد كانت الخلافة فيهم، ولم يتعرضوا للظلم الذي تعرض له الشيعة؟

ثم إن القضية المختلقة سرعان ما تزول وتضمحل وتموت بزوال أسباب اختلاقها واختراعها، فالشيعة اليوم خرجوا من دائرة التقية، ومن ربقة الظلم الكبير، وأسسوا دولًا، ومع ذلك لا يزالون يؤمنون بها كفكرة عالمية، وفلسفةً للتاريخ، ووعدًا إلهيًّا كبيرًا في قيادة العالم ونهاية التاريخ على أساس العدل والقسط ورفع الظلم.

إن هذه الرؤية الخلّاقة تستدعي منا أمورًا:

الأمر الأول: بيان قضية الإمام المهدي (ع) وفق هذا المنظور العلمي الفلسفي القرآني، وإبعادها عن المختلق من الأحاديث والرؤية الضيقة.

الأمر الثاني: هذه الرؤية، رؤية بنيوية تبني الإنسان، وتخلق منه الإنسان المنتظر والممهّد الذي يتسلح بقيم الإسلام والإيمان والمذهب، إضافة إلى انفتاحه على قيم العصر وقراءتها وفق المنظور المهدوي في خلافة الأرض، كما تستدعي منه التسلّح بعلوم العصر؛ إذ إن المهدي (ع) هو خطوة كبيرة في تقدم التاريخ وخلق أفق جديد، وليس دعوة رجعية، أو انتكاسة حضارية وتقهقرًا إلى الوراء.

الأمر الثالث: علينا معالجة الدعوات المهدوية التي برزت وفق هذا المنظور العالمي التقدّمي، لا وفق ما تطرحه من أفكار متخلّفة، وأتباع جهلة، وقادة أجهل منهم.

الأمر الرابع: علينا التركيز في البناء المهدوي على هذا المنظور، فإن أي أمّة تملك فلسفة للتاريخ وللوجود لا تسقط في العدمية وضياع المعنى، وتخلق جيلًا مؤمنًا واعيًا ممهّدًا سعيدًا، وليس فقط أن نركّز على علامات الظهور، وإذا ركّزنا عليها فليكن وفق هذه الرؤية الكلّية، لا عبر أحداث مجتزأة قد تُحرّف العديد من الشباب في ظل الموقّتِين الدجّالين الداخلين في دهاليز السياسة ونفق المخابرات الدولية.

اللهم عجّل لوليك الفرج، والنصر، والتأييد، والأعوان.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.