كيف يبدو حال التعليم الديني في العراق المعاصر؟ هذا ما يروم أ.د. حسن مجيد العبيدي، الباحث والأستاذ في الجامعة المستنصرية – بغداد الإجابة عنه (دار قناديل، بغداد، 2025). والبداية الزمنية تمتد من تشكيل العراق الحديث في عام 1921، إلى الاحتلال الأميركي لبلاد الرافدين في العام 2003. والتركيز على المؤسسات التي اضطلعت بمهمة نقل المعرفة الدينية مثل المدارس والجوامع والحوزات. وكان للدولة أيضًا نصيبها من هذا التعليم، ولا سيّما الخاص بالإسلام، من المرحلة الأولية، وحتى المرحلة الثانوية، وذلك بحكم إعلان  الدستور أن “دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وهو مصدر أساسي للتشريع، ولا يجوز سنّ قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الدين الإسلامي”. (الباب الأول، المادة 2)، ما اقتضى تكريس حصص دراسية للتعليم الديني في المدارس الحكومية لا تزيد عن ساعتين في الأسبوع. وقد اعترض بعض رجال الدين على أداء الدولة لهذه المهمة.

التعليم الديني في المدارس.

 يبدأ التعليم من المرحلة الابتدائية (الصف الأول)، وينتهي في مرحلة الدراسة الإعدادية (السادس ثانوي). وتشمل المواد الدراسية المقدّمة تحت مسمى “التربية الإسلامية”: حفظ سور قرآنية محدّدة، وأحاديث نبويّة شريفة، تُركّز على الأخلاق القويمة، وتُشيع مبادىء الإيمان، وتؤكد على النظافة وآداب الطريق، وحفظ حقوق الآخرين، وعدم الاعتداء عليهم، وإفشاء السلام بين الناس، واحترام الأديان الأخرى.

وكان غرض الدولة من التعليم الديني إحلال الوئام بين الأديان والمذاهب والأعراق من دون تفرقة أو تمييز، في بلد تتعدّد فيه المذاهب والإثنيّات والقوميّات، ومُنع غير المسلمين من المشاركة في هذا النمط من التعليم. وينتقد د. العبيدي حصر الأمر في المسلمين، ويعدّه “عيبًا” في التشريع.

والحال، يقوم بالتعليم مُدرّس مختص إمّا خريج معاهد وكليات أصول دين وشريعة، أو من خريجيّ أقسام اللغة العربية في كليّات الآداب والتربية، بسبب قدرة هؤلاء على ضبط أصول قواعد اللغة العربية والنحو والصرف والتلاوة. ولهذه الغاية أنشأت جامعات وكليات أقسامًا مختصة في دراسة علوم الشريعة، بهدف منح شهادات تتيح تدريس التربية الدينية الإسلامية في المدارس.

التحولات.

وقد استمرّ التعليم الديني على هذا المنوال حتى العام 1958، إلى حين قيام الثورة المعروفة بثورة 14 تموز/يوليو، بقيادة عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف، فأطاحت بالملكية الهاشمية، وقضت على الملك فيصل الثاني وأسرته، وأسست الجمهورية العراقية، منهيةً عهد الحكم الملكي، ومُعلنةً بداية فترة جديدة في تاريخ العراق الحديث، متأثّرة بالتيارات القومية العربية، ومناهضة للسياسات الغربية. وبتأثير من هذه الفكرويات الجديدة (القومية والعلمانية)، انحسرت ساعات التعليم الديني، وحتى تمّ دمجها مع مادة اللغة العربية. وتحكّمت الرؤية الأيديولوجية للدولة، فبات التركيز على الشخصيات الدينية المساهمة في التاريخ الإسلامي، وكانت الغاية “تكوين موقف موحد للطلبة اتجاه تاريخهم”.

وفي العام 1980 وتزامنًا مع الحرب العراقية التي شُنّت على إيران، استحضر النظام الحاكم آنذاك الحوادث والشخصيات من بطون الماضي التي تعزّز موقفه ضد الجمهورية الإسلامية، أي تلك التي أنهت وجود “الإمبراطورية الكسروية” في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. فتم وسم الفرس بـ”المجوس”، وخضع التعليم الديني حينها لعملية أدلجة واسعة، ووضعت مناهج دراسية تتناسب مع مجريات الحرب ضد إيران، ما أثار معارضة واسعة من جمهور الشيعة في العراق، المتعاطفين مع أبناء مذهبهم الإثني عشري.

وفي العام 1990، عام غزو الكويت، سعت السلطة في مواجهة أميركا وحلفائها، إلى فرض نوع من التعليم الديني يرى أن الإسلام مستهدف من طرف “الشيطان الأكبر والعدو اللدود للإسلام”.

وفي العام 1991، عام الانسحاب من الكويت، ومباشرة الحصار على العراق، تم فرض هدف آخر على التعليم الديني وهو تعزيز المعنويّات، والدعوة إلى الصبر “والمطاولة والجهاد”، والدعوة إلى “التحمّل” لأن الله “سيُجازي الصابرين بالنعمة والرحمة، وسيخلّصهم مما هم فيه، وينصرهم على العدو الذي فرض عليهم هذا الحصار الظالم”.

وأتت الذروة في ما أطلق عليه “الحملة الإيمانية” بإشراف مباشر من رأس الدولة، رافقها إصدار قوانين وتشريعات تعزّز من حضور الدين الإسلامي في حياة العراقيين اليومية. وكان أن زادت ساعات التعليم الديني، ووضعت “مناهج دراسية جديدة تهتم بحفظ القرآن الكريم وتفسيره وتلاوته وحفظ أحاديث نبوية كثيرة”، وبقي الحال هكذا حتى الغزو الأميركي في نيسان/أبريل من العام 2003 وسقوط النظام.

ومن تداعيات ذلك، تغيّر واقع التعليم الديني، لتأخذ المذاهب على عاتقها عملية التدريس، فأُنشئت كلّيات وجامعات ومعاهد “على أسس مذهبية وطائفية”، هدفت إلى خدمة المذهب والطائفة، ما أحدث شرخًا عميقًا في المجتمع العراقي، حيث ارتفعت نغمة المكونات والقوميات والأعراق، ومن تداعيات ذلك تفجير مرقد الإمامين العسكريين في العام 2006. وتلوّن التعليم الديني الرسمي الذي أضيفت إليه مواد أخرى، بلون المنطقة التي يُدرس فيها، ما هشّم الهويّة الوطنية العراقية.

وكان لإلغاء وزارة الأوقاف، التي من أحد مهامها تأمين التعليم الديني لأبناء العراق أثر سلبي كبير؛ إذ تولت المؤسسات الطائفية المختلفة مهام خاصة بأبنائها فحسب، فكان “الوقف الشيعي”، و”الوقف السني”. أما الديانات غير الإسلامية فليس لديها مدارس خاصة أو تعليم ديني خاص.

وأمام هذا الواقع المُقلق والمُشرذم، يقترح د. العبيدي رفع “مادة التربية الإسلامية من المناهج الدراسية لتحل محلها مادة تربوية تساهم في تنمية الوعي بالمواطنة لدى الطلاب”.

التعليم الديني في الحوزة.

وليكتمل المشهد، لا بدّ من فحص هذا النمط من التعليم في الحوزة والتي لا تستجيب لمطلب العنوان الرئيس، أي زمن العراق المعاصر، فهي أقدم كثيرًا، لا بل يُعدّ نظامها التعليمي من الأقدم في العصور الإسلامية، ويُقال: إن النشأة الأولى مع الشيخ أبي جعفر الطوسي (ت 460 هـ/1071 م)، وفيه يتمتع  الطالب بحرية اختيار المادة والأستاذ رغم إلزامية المواد الدراسية المؤهلة له للتخرج.

يركز د. العبيدي على حوزات النجف الأشرف باحثًا عن مزاياها، وفي مقدّمها إسقاط شرط العمر، كما أنها لا تشترط أي تخصص علمي للالتحاق بها، لأن الغاية هي نقل المعرفة الدينية، وإعداد طلبة الحوزة للتفقّه في الدين وفاقًا للمذهب الشيعي الإثني عشري فحسب، وتاليًا نشر هذا الاعتقاد والدفاع عنه. وللتعليم الحوزوي ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة المقدّمات: ولا توجد مدة زمنية لإنهائها. يتلقى الطالب أثناءها كثيرًا من المواد، أهمها الفقه وأصوله، وتفسير القرآن، والحديث النبوي الشريف، والنحو والصرف والبلاغة. وهناك كتب معتمدة في هذا التدريس وضعها أهم علماء الشيعة، أبرزها “عقائد الإمامية” للشيخ محمد رضا المظفر.

المرحلة الثانية: مرحلة السطوح: وتمتاز هذه المرحلة بالتعمّق العلمي أكثر في المواد التي دُرِّست سابقًا، إذ يتفرغ الطالب في خلالها كلّيًّا لدراسة الكتب الفقهية والأصولية والفلسفية، وهي كثيرة تمده بمعارف جمة. كما يُوجّه الطالب إلى تعلّم بعض اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والفارسية، ويتوجّب على الحوزويّ إعداد بحثٍ محاولًا تكوين رأي خاص به.

 أما المرحلة الثالثة: فهي بحث الخارج، وفيه تعمّق في دروس الأصول والفقه والتفسير، ويخضع الطالب فيها لامتحانات محدّدة من طرف مُجتهدين.

وللتعليم الحوزوي نظام قديم موروث يقوم على فكرة الحلقات التي يترأسها أستاذ/ فقيه. ومن بعد العام 2003 لم تعد مدينة النجف المركز العراقي الأوحد للحوزات العلمية، فقد أنشئت حوزات في المدن الأخرى، في بغداد والكاظمية وسامراء، من دون أن ينال ذلك من المكانة الدينية والروحية للنجف. ولطلبة النجف، في عرف د. العبيدي، مزايا خاصة، منها: الاستقلالية، والتعمّق والنظر، والمراجعة المستمرة لما يُلقى عليهم من معارف، وحرية الاجتهاد، وتكريس النفس لخدمة المذهب، والجدل والمناظرة المؤدية إلى تجديد النظر.

وفي خلاصة أخيرة، يعزو د. العبيدي نجاح التعليم في النجف الأشرف إلى أسباب ثلاثة: الجانب الروحي المتمثل بالمرجع الديني الأعلى، والجانب الاقتصادي المتمثل بالخمس والزكاة، والجانب التعليمي المعتمد على النظام الدراسي الممنهج الذي يخدم المذهب الإمامي الإثني عشري.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.