مشكلة الإرادة الحرة

مشكلة الإرادة الحرة

نحن أمام خيارات صعبة إزاء تحديد مجال حريتنا فيما نفعل، وما تنطوي عليه تلك الحرية، وتنشأ هذه الصعوبات من الطبيعة البشرية والتي يكتنفها الغموض على صعيد تحديد مكوناتها الأساسية والعلائق التي تربط بينها، ونتيجة هذا الغموض تشعبت الآراء والموضوعات، وتشكّلت منها مواقف محتدمة سيما إزاء ما بات يعرف اليوم باسم مشكلة الإرادة الحرة.

مشكلة الإرادة الحرة هي المشكلة المتعلقة بكوننا متحكّمين في أفعالنا وطريقة تصرفنا، وبحسب النظرية القروسطية، تحدث الأفعال الاختيارية من خلال تأثيرات أفعال الإرادة المبدئية. وينتج عن هذا أن الفعل لا يمكن أن يكون حرًّا إلا إذا كانت الإرادة حرة. وعليه فإن حرية التصرف، في جوهرها، هي حرية الإرادة. أما حركات الحيوان فهي تحدث فقط كنتيجة لرغبات غير عقلانية أو إحساسات؛ فلا يوجد تفكير سليم؛ ومن ثم لا يوجد اتخاذ قرارات؛ ومن ثم لا يتضمن الأمر أي حرية على الإطلاق.

وعلى هذا، نظرية الفعل بشكل عام إرادية في الأساس؛ والجزء العملي من الفعل يقع بالكامل في حيّز الإرادة، فإن كل ما نفعله مباشرة هو أن نقرر أن نؤدي هذا الفعل بدلًا من ذاك. أما بقية ما نفعله فيعتبر من عملنا غير مباشر؛ أي لا يزيد عن كونه تأثیرًا مقصودًا لكوننا قد قررنا بشكل مسبق القيام به.

والشيء المهم في النظرية القروسطية، هو أن الإرادة – أي مقدرتنا على اتخاذ القرار – ينظر إليها باعتبارها شيئًا غير مادي. فالإرادة تمثل مقدرة على الاستجابة للتفكير؛ والتفكير لا يمكن تجسيده في شكل مادي. وكذلك قدرتنا على الفعل المتعمّد، هي قدرة على الاستجابة للتفكير العملي.

منذ القرن السابع عشر، تم التشكيك بوجود أي علاقة بين حرية الفعل وحرية الإرادة؛ ومال الكثير إلى أن الحرية تتطلب أن تكون أفعالنا محدّدة سببيًّا مسبقًا،  فيما جنح البعض الآخر إلى القول بأن الحرية مستحيلة؛ لأنها لا تتناسب مع الحتمية وكون أفعالنا مقررة مسبقًا، كما لا تتناسب مع اللاحتمية وكون أفعالنا حركات عشوائية.

***

تتوزع الاتجاهات العامة المعاصرة في الموقف من الإرادة الحرة في الغرب ضمن ثلاثية محددة، تعرض لها كل من “توماس بينك”[1] و”سام هاريس”[2] في كتابيهما عن الإرادة الحرة. وتتحدّد هذه الاتجاهات بحسب هاريس من خلال: الحتمية والتحررية والتكاملية.

يقول هاريس: في الأدبيات الفلسفية، يوجد ثلاث مقاربات للفكرة: حتمية وتحررية وتكاملية.. واليوم، تعد الطريقة الفلسفية الوحيدة المقبولة لتأييد الإرادة الحرة هي أن تكون تكامليًّا؛ لأننا نعرف بأن الحتمية صحيحة بكل معنى يتعلق بالسلوك البشري.

أما توماس بينك، فيجعل هذه الاتجاهات أيضًا على ثلاث: ليبرتارية[3]، وتوافقية وتشككية. يقول بينك: تؤمن الليبرتارية بأن الحتمية السببية غير حقيقية؛ أي أن أفعالنا غير محددة سببيًّا بواسطة أحداث سابقة.. وقد مال الكثير من الفلاسفة المحدثين – أو معظمهم – بدلًا من ذلك إلى التوافقية أو التشككية.. والكثير من النقاش حول مشكلة الإرادة الحرة خلال القرن العشرين كان يتعلق بمحاولة إظهار أن حرية الفعل تتسق حقيقة مع الحتمية السببية.. فإذا كانت أفعالنا حرة بحق، فكيف يتسنى أن تكون مقررة مسبقًا؟ ولذا فقد واصل بقية الفلاسفة رفض التوافقية، مصرين على أن الحرية غير متسقة مع كل من الحتمية واللاحتمية، ومن ثم فإن الحرية مستحيلة.

ويبدو أن الموقف الأخير (التكاملية/التشككية) هو الموقف الأكثر تطرّفًا هنا، وهو موقف يتضمن في سياقه تحريضًا لافتًا، إذ يضع أمامنا توصية مشددة بضرورة إهمال فكرة الإرادة الحرة، ومن ثم اتخاذ موقف اللامبالاة منها، كونها لا تعني شيئًا أكثر من أننا نفعل ما نرغب به، وهذا المقدار كاف للقول بأن لدينا إرادة حرة، وإن كانت الإرادة الحرة نفسها، ووفقًا لأي صياغة من الصياغات المحتملة لها، هي في النهاية أمرًا باطلًا ومستحيلًا. سيما الصياغة التي تزعم قدرتنا على التحكم في تصرفاتنا.

وفي المقابل، تظهر ردود فعل خافتة، يطلقها دعاة التحررية (الليبرتارية)، وهي تعاني مع ذلك من مشكلة الغموض والإبهام على صعيد تظهير ما تنطوي عليه الإرادة الحرة، ولا تملك رصيدًا داعمًا لها إلا في إطار من طبيعتنا التلقائية والعفوية والتي قد نتلمّس خلالها حريتنا الذاتية من خلال التحكم في الفعل والإرادة، وذلك على المستوى المباشر والمعيوش لا أكثر.

وإزاء هاتين المقولتين المتعارضتين، يمكن أن نسجل على هذا العبث المتسارع، تلك السطحية المبالغ بها في تناول المشكلة، وذلك من خلال اعتماد أدوات غير فلسفية، تستند في غالبها إلى عينات عشوائية من طبيعة نفسية أو اجتماعية أو تقنية أو حتى تلقائية عفوية، ولا تتجاوز في أفضل حالاتها حدود الاحتمال في الإسناد المعرفي، مثل هذا التناول السطحي دفع بمشكلة الإرادة الحرة إلى أن تكون أشبه بمشكلة عبثية، تدور رحاها على وقع التصادمات والعوائق الخارجية، وليس على صعيد الأسس والتشابكات الداخلية والحقيقية للمشكلة.

يمكن أن نشهد هذا النمط من الترويج لموضوع الحرية والمتغلّف في إطار من الثقافة الدعائية، بوضوح في كتابات كل من “توماس بينك” و”سام هاريس” حول الإرادة الحرة، فكل منهما دوّن أفكاره تحت العنوان ذاته “الإرادة الحرة”، وكل منهما تبنّى وجهة نظر هي على النقيض من وجهة نظر الآخر.

***

يذهب توماس بينك – من دعاة التحرّرية – إلى أننا نتحكّم حقًّا في أفعالنا، وإن طريقة تصرفنا تؤول إلينا حقًّا. والحرية عبارة عن تحكم الشخص في أفعاله، وأيلولة أفعاله إليه. وهو يرى أن حريتنا حرية فعل؛ أي حرية القيام بأشياء أو الامتناع عن القيام بها. وهذا التحكم ينطوي على القدرة على اتخاذ القرارات، ذلك أن اتخاذ القرارات تعد في جوهر قدرتنا على التحكم في أفعالنا والسيطرة عليها. فإن استبعاد الإرادة هو استبعاد للحرية أيضًا. وبدون الإرادة، لن نكون قادرين على إدراك أي معنى لحرية الفعل. من المهم أن يكون لدينا هذا التحكم إذ تقدم لنا مبادئ الأخلاق معايير إلزامية، بحيث نكون مسؤولين عن الامتثال لها، ونلام لومًا مستحقًّا وعادلًا إذا لم نلتزم بها. وهذه المعايير تنطبق على الفعل، إن أفعالنا هي التي نُسأل عنها مساءلة مباشرة في حياتنا. وأن السبب الذي يجعلنا مسؤولين أخلاقيًّا عن أفعالنا يحتكم إلى الحرية؛ فطريقة تصرفنا تؤول إلينا مباشرة.

هل نحن أحرار على مستوى الرغبات؟

هل نمتلك أن نفكر في رغباتنا ونعمل على توجيهها وتعديلها ولا نقبع عند حدود السلوك الغريزي؟

يرى “بينك” إن إحدى السمات المشتركة بين أفعال البشر وأفعال أسماك القرش هي السعي وراء هدف أو غاية. كلاهما يحاول أن يحصل على شيء يريده. ومع وجود هذه الغائية، يأتي نوع من القدرة على الاقتناع والرغبة، حتى وإن كانت هذه القناعات والرغبات بدائية إلى حد بعيد. مع ذلك، فإننا نفترض أن سمكة القرش ليست حرة في التصرف على نحو معاكس لما تفعله في العادة. فالتحلي بتحكم أصيل في طريقة تصرفنا يتطلب أن نتحلى بالقدرة على أن نتصرف بعقلانية؛ أي أنها تتطلب دراسة أيّ الأهداف هي الأكثر استحقاقًا للوصول إليها، وأيّ الأفعال ستمكننا من الوصول بأفضل شكل إلى هذه الأهداف. إن أفعال أسماك القرش مبنية على الغريزة لا التفكير، واختيار أي الأفعال تقوم بها ليس أمرًا متروكًا لها. وأن ممارسة التحكم في شيء ما تتطلب على أقل تقدير إعطاءه إرشادًا وتوجيهًا مقصودًا؛ قدرة على التفكير العملي.

هل نحن أحرار على مستوى الإرادة؟

يصرّح بينك، أنه إذا كانت الحرية تتوقف على العقلانية العملية، فهي أيضًا تعتمد على ما هو مرتبط بالعقلانية العملية؛ امتلاك إرادة. والإرادة عبارة عن قدرتنا على اتخاذ القرارات، تلك القدرة التي لا بدّ أن يحركها التفكير لإتيان الفعل. إننا بوصفنا فاعلين أحرارًا لا بدّ أن نكون أيضًا صانعي قرارات أحرارًا. فالأمر يؤول إلينا في الكيفية التي نقرر أو نختار بها أن نتصرف. لا أن قرارنا أشبه بشعور، شيء يحدث لنا فحسب.

هل نحن أحرار على مستوى الأهداف والمقاصد (النيات)؟

بنظر بينك فإن اتخاذ القرار يحدّد أي الأفعال الاختيارية سنقوم بتأديتها في نهاية الأمر، أي الطريقة التي سنتصرف بها في المستقبل بأن يترك لدينا النية في التصرف. وما لم يتم تعديل القرار نتيجة وصول معلومات مختلفة، سوف يستمر انعقاد النية – مثلما قررنا – إلى حين وقت تأدية الفعل على ضوء الهدف المقرر مسبقًا.

وإذن، فالتأثير الفوري لقراري هو أن يترك لدي هدفًا أو غاية محددة، هدفًا صار من الآن مقصدًا لي. أما تحديد النتائج الاختيارية النهائية فيكون لاحقًا لذلك. وهذا يعني: أن اتخاذ قرار بالقيام بفعل ما، معناه عقد نية عليه. والنية عبارة عن وضع المرء لشيء ما هدفًا. وهذا الفعل المبدئي المتمثّل في تبني الأهداف والغايات هو الذي يحدّد فعلنا الاختياري في المستقبل؛ أي النتائج الاختيارية التي سنحققها في النهاية.

هل نلام على المقاصد والنيات أيضًا أم على نتائح الفعل فحسب؟

إذا كانت حرية الفعل تتشكل من حرية الإرادة، فإن هذا يعني أن تحكّمنا في أفعالنا الاختيارية يكتنف أيضًا تحكّمًا في غاياتنا، في المقاصد التي من أجلها نتصرف، لا نتائج الفعل فقط.

نحن في العادة نفكر في اتخاذ القرارات، وتبنّي الأهداف، كأفعال حرة في حد ذاتها. وفي الحياة العادية، فإن الالتزام يستوعب بالفعل الأهداف والمقاصد مثلما يستوعب النتائج الحقيقية.

إن إدراك المعنى وراء هذا اللوم المرتبط بالهدف أو الغاية يجب ألا يمثل مشكلة إذا استطعنا أن نفهم تبني الأهداف أو المقاصد بوصفه ممارسة للحرية. يمكن أن يلام الفرد على أنانيته إذا كانت هذه الأنانية من صنع يده وتقع ضمن نطاق تحكمه.

هل نحن أحرار على مستوى الأفعال (أصالة الفعل) أم أن الفعل مجرد تأثير إرادي لا غير؟

يرى بينك أن الفعل الاختياري أكبر من مجرد تأثير لفعل سابق جرى تنفيذه بالكامل داخل عقلي. الحرية لا يمكن ممارستها من خلال القرارات وعقد النيات فقط؛ فهي تمارس أيضًا وبنفس الشكل المباشر في الأفعال الاختيارية، فلا بد أن تعامل الأفعال الاختيارية كأفعال أصيلة ومميزة. لا أنها تحدث فقط كتأثيرات لاحقة.

بماذا تتعلق مشكلة الإرادة الحرة؟

السبب المباشر الذي يجعل الإرادة الحرة مشكلة من الأساس هو أننا نفترض تلقائيًّا أن تحكّمنا في طريقة تصرفنا يعتمد على كون أفعالنا غير محددة سببيًّا ومسبقًا من خلال عوامل خارجة عن نطاق سيطرتنا؛ مثل البيئة التي نولد فيها، والجينات التي نولد بها، والرغبات والمشاعر التي تنتابنا دون أن يكون لنا سيطرة عليها. إننا بطبيعتنا نفترض أننا نتحكم في طريقة تصرفنا، وأن الحرية غير متوافقة مع التحديد السببي المسبق لطريقة تصرفنا من خلال عوامل خارجة عن تحكمنا.

يفترض الكثير من الفلاسفة المحدثين أنه إذا كانت أفعالنا غير مقررة سببيًّا، فلن تعدو أن تكون حوادث عشوائية تجري دون تفكير، ولا بدّ أن تقع أفعالنا خارج نطاق تحكمنا، ولن نستطيع أن نؤديها بحرية! فضلًا عن أنه لا يمكننا التأكد من تحقق مثل هذا الشرط.

مضافًا إلى ذلك، لا يوجد اتفاق بشأن أهمية الحرية في مبادئ الأخلاق، أو أن للفعل أي أهمية أخلاقية خاصة. فيری ديفيد هيوم أننا لا نتحمل أي مسؤولية أخلاقية خاصة تجاه أفعالنا؛ فالأفعال هي تأثيرات وعلامات الشيء المهم حقًّا. ترتبط مبادئ الأخلاق بالرغبة والعاطفة أكثر من ارتباطها بالأفعال نفسها.

***

يمكنك أن تتابع قراءة الإرادة الحرة للسيد توماس بينك، وهو يحاول أن يتجاوز مشكلة الإرادة الحرة من خلال تقديم بعضًا من مقترحاته وجهوده الخاصة، إلا أنه فيما تقدم ذكره، صورة وافية عن الشكل الاعتراضي الذي تواجهه الإرادة الحرة كمشكلة تحررية معاصرة. مشكلة يستحيل تجاوزها بنظر المعارضين لها؛ لاستحالتها الذاتية؛ إذ تبدو مسألة الإرادة الحرة عند “سام هاريس” كما لو أنها غير موجودة بالفعل، أو أنها شيء له وجود فقط في اعتقاد المؤمنين به، ويستحق أن يبادروا إلى العلاج الشافي منه.

يقول هاريس: يبدو بأن التصور الشائع للإرادة الحرة يرتكز على افتراضين: الأول، أن كل واحد منا يمكنه التصرف بشكل مختلف عما فعلناه في الماضي. والثاني، أننا المصدر الواعي لمعظم أفكارنا وأفعالنا في الحاضر. وعلى أي حال، فإن كلا الافتراضين خطأ.

وبعد أن يستعرض حالة إجرام قام بها رجلان، يعقب هاريس على ذلك بأنه لا يمكن لهذين الرجلين أن يعرفا لِمَ هما كذلك. كما لا يمكننا تقرير لماذا لسنا مثلهما..  لو كنت في مكان أحدهما، فسأكون مثله. لو كان لدي مورثاته [الجينات] وخبرته الحياتية ودماغًا مطابقًا (أو روحًا) في الحالة نفسها تمامًا – لكنت تصرفت تمامًا كما فعل، وعليه، يبدو دور الحظ حاسمًا.

إن كلمة حظ هنا، تشير إلى العوامل الغامضة التي لا يمكن لنا أن نمارس عليها أي سلطة واعية. وكما يقول هاريس: سيبدو فهم الفسيولوجية العصبية للدماغ كصك براءة مثل اكتشاف ورم فيه، وكيف يمكننا فهم حياتنا، وتحمل الناس لاختياراتهم، بالنظر إلى الأصول اللاواعية لعقولنا الواعية؟ إن الإرادة الحرة وهم. ببساطة، نحن لا نصنع إراداتنا. تنشأ أفكارنا ونوايانا من مسببات مضمرة لا ندركها، ولا نمارس عليها سلطة واعية. ليس لدينا الحرية التي نعتقد بأننا نمتلكها.

ويخلص هاريس من ذلك إلى القول: في الحقيقة، إن الإرادة الحرة أكثر من وهم (أو أقل)، وعليه لا يمكننا جعلها مترابطة فكريًّا، سواء أكانت إراداتنا مقررة من مسببات مسبقة ونحن غير مسؤولين عنها، أم أنها نتاج صدفة ونحن لسنا مسؤولين عنها. فإذا كان اختيار أحدهم إطلاق النار على الرئيس مقرّرًا من نمط معين من النشاط العصبي، والذي هو في المقابل نتاج مسببات مسبقة – ربما مصادفة سيئة الحظ من المورثات السيئة وطفولة مضطربة والأرق والتعرض للأشعة الكونية – فما الذي قد يعنيه القول بأن إرادته “حرة”؟.. يبدو بأن الأفعال العدائية تنشأ لا إراديًّا، ببساطة (سواء أكانت مسببة أم غير مسببة أو محتملة الانحراف، لا فرق في ذلك)، ولا يمكن تقفي أثرها وصولًا لمنبعها في عقولنا الواعية.

هناك – بنظر هاريس – من يتخذ القرارات عنا، ويوهمنا بأنها قراراتنا، وبحسب تعبيره: أن النوايا للقيام بأمر ما وعدم القيام بآخر لا تنشأ في الشعور، بل تظهر في الشعور، كما أي فكرة أو رغبة قد تتعارض معها.

وفي سبيل تدعيم فكرته هذه، يقدم هاريس شواهده التقنية على النحو التالي: لقد اشتهر عن بنيامين ليبت[4] عالم وظائف الأعضاء، استخدامه لجهاز الرسم الكهربائي للدماغ[5] لكي يظهر أنه يمكن الكشف عن النشاط في القشرة الحركية للدماغ قبل 300 ميلي ثانية، تقريبًا من شعور الشخص بأنه قرر التحرك. ووسع مختبر آخر هذا العمل باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي[6] حيث طلب من الذين خضعوا للاختبار [العينات الخاضعة للاختبار] أن يضغطوا على زر واحد من بين زرين أثناء مشاهدتهم “ساعة” تتكون من تسلسل عشوائي من الأحرف التي تظهر على الشاشة، وقالوا بأن الحرف كان ظاهرًا في اللحظة التي قرروا فيها الضغط على أحد الزرين. وجد القائمون على التجربة بأن منطقتي الدماغ تحتويان معلومات حول أي زر سيضغط عليه الخاضعون للاختبار قبل سبع إلى عشر ثوان كاملة من القرار الذي اتخذوه عن وعي. وحديثًا، أظهرت تسجيلات مباشرة من القشرة الدماغية أن نشاط 256 خلية عصبية كان كافيًا لتوقع قرار الشخص للتحرك قبل 700 ميلي ثانية من إدراكه لذلك، وبدقة توقع 80 بالمئة.

إذن، وقبل لحظات من إدراكك ما ستفعل تاليًا – الوقت الذي يبدو فيه أن لديك شخصيًّا الحرية الكاملة للتصرف كما ترغب – يكون دماغك قد قرر فعلًا ما الذي ستفعله، وبالتالي تصبح مدركًا لهذا “القرار” وتعتقد بأنك تعمل على اتخاذه. سيكون هنالك دائمًا بعض التأخير بين الأحداث الفسيولوجية العصبية الأولى التي تلتمع فيها فكرتي الواعية التالية والفكرة بحد ذاتها. وحتى لو لم توجد- حتى لو كانت جميع الحالات الذهنية متطابقة مع حالاتها الكامنة في الدماغ- فلا يمكنني أن أقرر بما سأفكر فيه أو ما أنويه تاليًا حتى تظهر الفكرة أو النية. كيف ستكون حالتي الذهنية التالية؟ لا أعرف، إنها تحدث وحسب. أين هي الحرية في ذلك؟

يقول هاريس: تخيل جهازًا رائعًا لتصوير الأعصاب يسمح لنا باكتشاف أرق التغيرات في وظائف الدماغ وتفسيرها. قد تمضي ساعة في التفكير والتصرف بحرية في المختبر، إلى أن تكتشف بأن العلماء الذين يعملون على فحص دماغك كانوا قادرين على إنتاج سجل كامل لما ستفكر به، وتقوم به، قبيل لحظات من كل حدث. وبالطبع، ستستمر بالشعور بالحرية في كل لحظة راهنة، ولكن حقيقة أن هنالك شخصًا آخر يمكنه إخبارك بما أنت على وشك التفكير به والقيام به، سيكشف هذا الشعور على حقيقته: إنه وهم..

ينبّه هاريس إلى أن المسألة لا تنبع من الأساس المادي لمفهوم الرغبة أو الإرادة، ويفترض تاليًا – دون أن يقدم حجة على ذلك – أنه : حتى لو كان الذهن البشري مصنوعًا من مادة روحية، لن تمنحك العمليات اللاواعية للروح حرية أكثر مما ستمنحك إياه الفسيولوجية اللاواعية لدماغك. إذا لم تكن تعرف ما ستقوم به روحك تاليًا؛ فأنت لا تتحكم بها.

مهما يكن، لا نعرف ما ننوي القيام به إلى أن تظهر النية بحد ذاتها. ولفهم ذلك، علينا أن ندرك بأننا لسنا مؤلفي أفكارنا وأفعالنا بالطريقة التي يفترضها الناس عادة.. إذ تحدد الأفعال العصبية غير الواعية أفكارنا وأفعالنا، وهي بذاتها تتحدد من مسببات مسبقة/ محددة لا ندركها ذاتيًّا، إن “الإرادة الحرة” التي يدافع عنها التكامليون ليست الإرادة الحرة التي يشعر معظم الناس بأنهم يمتلكونها.

***

ما هي مشكلة الإرادة الحرة تحديدًا؟

هل يمكن القول بأننا مسحوقين إراديًّا إلى هذا المستوى الذي يجعلنا من الحالمين بفكرة الإرادة الحرة، والتي لا تتوقف على مستوى القرار حتى على شعورنا ورغباتنا؟

وفي المقابل، هل يفترض للإيمان بالإرادة الحرة أن نمتلك القدرة على التحكّم في جميع مفاصل وجودنا؟ ألا يكفي أن نتحكم في إرادتنا العقلانية فحسب؟

وكما في حالة بينك، سوف يفترض هاريس أيضًا أن الإرادة الحرة تستدعي التحكم في جميع العوامل التي تحدد الأفكار والأعمال؛ يقول: لكي يكون لديك إرادة حرة بالفعل. عليك أن تكون مدركًا لجميع هذه العوامل التي تحدد أفكارك وأفعالك، وستحتاج لأن تتمتع بسيطرة كاملة على هذه العوامل. ولكن هنالك مفارقة تبطل الفكرة المحددة للحرية: ما الذي يؤثر على المؤثرات؟ أهو مزيد من المؤثرات؟ ليست أي من هذه الحالات الذهنية الطارئة تمثل حقيقتك. أنت لا تسيطر على العاصفة، كذلك لست تائهًا فيها، أنت العاصفة.

من جانب آخر، قد تظهر مشكلة الإرادة الحرة في التحررية/الليبرتارية بصورة عدم انسجام حرية الفعل مع فكرة العشوائية، إلا أن المشكلة في جوهرها لا تكمن هنا، وإنما المشكلة الحقيقية والتي يتشارك فيها التحررية مع كل من الاتجاهات الأخرى، هي مشكلة المادية البحتة التي لا تلتقي بطبيعتها الحتمية مع مطلب الحرية.

فيرى دعاة التحررية، أنه يمكننا أن نفهم الكيفية التي يكون بها المخ – عضو تفكير واستدلال – عضوًا مادّيًّا. فالقدرة على اتخاذ القرار يجب أن تكون بشكل ما مجسدة في المخ. ويصعب الإيمان بلامادية قدرتنا على اتخاذ القرار.

وبهذا يتضح أن مشكلة الإرادة الحرة تتعلق في الأساس بكيفية إجراء توفيق بين الحرية وبين احتمالية أن تكون الأفعال هي أحداثًا تقع داخل العالم المادي، وخاضعة لقانون السببية المادية مثل أي نوع من الأحداث.

في ظل التحديد السابق، وأن القدرة على اتخاذ القرار – الإرادة – مادية لا عقلية، لا يمكن أن يتحدث دعاة التحررية عن الإرادة الحرة في سياق من عشوائية الفعل (عدم كونه مقررًا سببيًّا مسابقًا)؟

يمكن لنا أن نتساءل بحق حول القيمة العلمية لهذه المزاعم المطروحة والجدل الدائر حول فكرة الإرادة الحرة، ذلك أنها تفتقر إلى الحجج والإسنادات التي تدعم هذه المزاعم، ويبدو أن الكتابة في هذا الموضوع تخضع لمزاج من التفكير العشوائي الخارج عن إطار الضبط المعياري. فلا تحتكم الرؤى في إسناداتها إلى نصوص محددة، كما في النص الديني مثلًا، أو إلى حجج عقلية، وإنما يبدو أنه يكفي أن ينسجم الكاتب مع الاتجاه الثقافي العام الذي يتبناه وينتمي إليه على صعيد الرؤية.

إن كونك ليبرتاريًّا يفرض عليك مسبقًا أن تجتنب جميع أشكال الحتميات، ما يعني أن العلاقة بين الحتمية والحرية محددة مسبقًا، ولكن دون أي تبرير محدد لذلك. وهكذا تتضخم محمولات الحرية وسوالبها دون أي ضابط ترتكز عليه؛ بحيث يتطلب الأمر تفكيك محمولات حرية الإرادة وسوالبها والنظر في بنية تركيبها من الأساس.

إن الفكر الهاديء والعميق قد تجاوز ذلك الصراخ الذي يتردد صداه اليوم بوضوح في إطار معالجة موضوع الإرادة الحرة، وذلك على قاعدة المبدأ القريب والمتوسط والبعيد، حيث يتأسس الفعل على العلم كمبدأ بعيد، يتلوه الشوق ثم الإرادة فالقوة العضلية. الأمر الذي هيأ للعقل الإسلامي أن يسبر مناطق شاسعة في ثنايا الفعل الإنساني الإرادي في إطار من التفكير المتماسك البعيد عن الصخب الجدلي.

وعلى أرضية التفكير العقلي نفسه، تم تعميق قضايا تتعلق بتصنيف ما لمؤثرات الفعل وعلله، وتمييز أنماط السلوك التي يتبعها الفاعل الإلهي أو الفاعل البشري، وتنقيح الحتمية نفسها من جهة الطبع والقسر والجبر، بحيث لوحظ في معالجة الحتمية أنحاء متمايزة من السلوك والتي غابت كليًّا في نمط التفكير الحديث، أي الفكر المنهمك بدراسة الوضع الإنساني في سياق يغلب عليه المواجهة مع حتمية الطبيعة.

بينما تشعبت دائرة معالجة الفعل في سياق الفكر الفلسفي الإسلامي بحيث أمكن لها أن ترصد مناطق أكثر إيغالًا، فتميز بين الفاعل بالقصد والفاعل بالعناية والفاعل بالتجلي.. ونحوها من فاعليات يمكن أن تحدث تأثيرًا لافتًا على مستوى نتائج البحث لولا أنها أخرجت عن التغطية في الأبحاث المعاصرة بدون مبرر يذكر.

كما يمكن لنا أن نتساءل بحق حول المسار الذي اتبعته تلك السردية الغربية للإشكالية، وعن طبيعة البحث؛ هل هو من طبيعة فلسفية أم أخلاقية .. والسبب في ذلك، أنه عندما نتحدث عن اللابدية والضرورة، لا بد أن نلحظ التنوع الدلالي على صعيد الفوارق بين الضرورة المنطقية، والضرورة الفلسفية، والضرورة الأخلاقية. وبناء على تحديد طبيعة البحث، ومحوريته، تتحدد دلالة الضرورة ومعناها.

يبدو أن مبحث الإرادة الحرة يحتاج إلى المزيد من التركيز على مركزية العقل بمعنى الإدراك، فإن ما يمكن أن يشكل شيئًا جديدًا بخصوص الإنسان – على الأقل لدى مدارس كبيرة وعريقة – هو الإدراك نفسه، بصرف النظر عن نوع ذلك الإدراك، وما إذا كان إدراكًا عقليًّا أو حسّيًّا أو غير ذلك .. ففي النتيجة هو إدراك.

من الواضح هنا، الغياب المركزي للعقل والإدراك. كأنما الإرادة تشتغل من دون رؤية: هل يعقل أن يكون هناك إرادة إذا لم يكن هناك دور للإدراك والعقل والرؤية؟ وما هي الإرادة؟ وماذا يترتب عنها، وما هي علاقتها بالإدراك؟ فلا بدّ من تنقيح العلاقة بين الإدراك والإرادة وما ينجم عنها. هذه الإرادة تتيح لي أن أعملها بما أختار.

لقد خطا المسلمون خطوة إلى الأمام حين ميّزوا ما بين الرغبة بمعنى الشهوة، والرغبة بمعنى الحب والعشق الذي هو أكثر ثباتًا، والذي يجد جذره فيما هو فطري جبلي. ويبدو من المبالغ به القول بأن الخيارات هي أمر تتحكم فيه غلبة الميول، إذ إن هناك حالات كثيرة لا تنسجم مع ميول الإنسان ورغباته، ولا حتى تدخل في الضرورات الموجودة عنده، مثلًا لا يدور الأمر بين أن أختار تناول الدواء وبين ازدياد حالة المرض، فأقوم بتناول الدواء بناء على ذلك، ليس هو المثال الحصري، وإلا فمع يقيني بأن التدخين يسبب أمراضًا، وأن العقل يدعو لتركه، والميل يدعو لفعله، هنا قد نعطل دور العقل وتذهب الإرادة باتجاه الفعل والتدخين. إذن، العلاقة ما بين الإرادة والإدراك ليست علاقة جبرية، إنما هي علاقة كشف وترشيد وإيضاح الطريق، والميل هو محفّز وليس أمرًا موجبًا. وانطلاقًا من هذه الإرادة أذهب نحو اختيارات. هنا، أين تقع الحرية؟ هل تقع في دائرة تفرّع عن الإرادة، أو عن الاختيار؟

يكفي أن تعمل الإرادة المختارة، التي ترغب فعلًا بالقيام بالشيء، فتشرع به، حتى أقول إنني قد أعملت حريتي. فلا يشترط أن يكون هناك خيارين، يمكن الاختيار بينهما، حتى يسمى ذلك حرية.

وبالتالي الذهاب إلى الاختيارات، إما منشؤه قناعة، أو منشؤه الرغبات والميول السطحية السريعة، والتي يمكن تسميتها بالمنفعة ونحو ذلك. وأحيانًا – وهنا تكمن النظرية الإسلامية – يصير هذا المنشأ هو أنه لدي رغبة تحولت إلى أصالة اسمها التوق نحو المطلق، والتمثّل به بالتكامل .. (التشبه بالمطلق). هذا ما يسمح باختيار الفعل المنسجم مع ذلك.

مصادر البحث:

[1] توماس بينك: محاضرٌ متخصِّصٌ في الفلسفة في جامعة كينجز كوليدج لندن. يُركِّز عمله على الأخلاقيات، وعلى فلسفة العقل والفعل، والفلسفة السياسية، وفلسفة القانون. كما يكتبُ عن الفلسفة في العصور الوسطى وفي أوائل العصر الحديث، وله العديدُ من المؤلفات؛ من بينها: «سيكولوجيا الحرية». وكتابه الذي ننهل منه نشر بعنوان “الإرادة الحرة”، ترجمة ياسر حسن، ط1 ، 2015 ، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.

[2] سام هاريس Sam Harris (مواليد 9 نيسان 1967) هو مؤلف وفيلسوف ومفكر وعالم أعصاب أمريكي وهو أحد مؤسسي مشروع إدراك Project Reason ومديره التنفيذي. حصل على درجة البكالورويس في الفلسفة من جامعة ستانفورد Stanford University عام 2000. وعلى شهادة الدكتوراة في علم الأعصاب الإدراكي في عام 2009 من جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس UCLA. ألف كتاب «نهاية الإيمان» the end of faith. وكتاب “الإرادة الحرة” :

A translation of “Free Will” © 2012 Sam Harris, Translation published by Ideas Beyond Borders 2018, Translated, Edited, and Proofread by Ureed

[3] في الموسوعة الفلسفية : الليبرتارية (من الفرنسية: Libertaire”، “Libertarian؛ من اللاتينية: Libertas ، “الحرية”) هي فلسفة سياسية وحركة تدعم الحرية كمبدأ أساسي. يقدر الليبرتاريون بشدة الحرية الفردية، ويرون أن احترام الحرية الفردية شرط أساسي للعدالة. يشير سام هاريس الى عبارة “التحرريين” الذين يشكلون توجها في مبحث الإرادة الحرة بقوله: (لا علاقة لهم بالفلسفة السياسية التي تحمل الاسم نفسه).

[4] Benjamin Libet

[5] Electroencephalogram – EEG

[6] fMRI


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الإرادة الحرةالإرادة

المقالات المرتبطة

ثم ماذا ما بعد الغرب؟!

توشك كلمة “ما بعد” أن تصير لازمةً مفهوميةً تُمسك بناصية التفكير الغربي، ولا تترك له فسحة من راحة العقل. لكأنما الغرب استحال ظاهرة زمانية، أكثر منه حقيقة واقعية راسخة في جغرافيا ومستقرة فيها. وإلَّا كيف نفسِّر شَغَفَهُ المَرَضِيَّ باليوم التالي، وهو لا ينفك يمكث في جوف الحاضر المستمر لحداثته المهزوزة؟

تاريخ علم الكلام | الدرس الخامس | كلام غير الإماميّة في حقبة التنظير: نشأة المعتزلة وتاريخها

مسألة الإمامة وقيادة المجتمع الإسلامي، مسألة الإيمان والكفر، مسألة القضاء والقدر وعلاقتها باختيار الإنسان، ومسـألة الصفات الإلهيّة.

تاريخ علم الكلام | الدرس الرابع | نشوء علم الكلام وتشكُّلُه في القرن الأوّل الهجري

أوضحنا سابقًا أنّ علم الكلام هو أحد العلوم الإسلاميّة الأصيلة التي ظهرت تلبيةً لاحتياجات المجتمع، مستفيدةً من المصادر الأصيلة والأساسيّة، لكن لا بدّ لنا من الالتفات إلى أنّ ظهور العلوم ونشوءَه يسلك سيرًا تدريجيًّا ولا يحصل بنحو دفعيّ.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*