الفكر العربي الحديث والمعاصر | بعض القضايا الفلسفيّة عند بدوي (2)

الفكر العربي الحديث والمعاصر | بعض القضايا الفلسفيّة عند بدوي (2)

 

لم تعد الفلسفة مع عبد الرحمن بدوي عملًا نظريًّا مجرّدًا، إنّما انتقلت إلى العيانيّ والمعيوش والمعاناة، أي إلى الوجود الفعليّ والتجربة الشخصيّة. وبمعنًى آخر انتقلت وارتبطت بالعواطف والمأساة وقيمها، من هنا أخذت على عاتقها معالجة القضايا التي يجدها الإنسان في حياته الخاصّة المعاشة، وأولى هذه القضايا مشكلة الموت.

ج.1. الوجود الإنسانيّ ومشكلة الموت

أ. الموت إشكاليّة

يتّصف الموت بصفة الإشكال[1] الذي يثير في الإنسان الأسئلة والقلق، فهو فعل يقضي على كلّ فعل آخر عبر وضعه نهايةً لحياة الفرد، ما يعني نهايةً للإمكانيّات مع بقاء كثير منها غير متحقّق. وهذا الموت هو بحدّ ذاته إمكانيّة معلّقة أو مؤجّلة لا بد من أن تقع يومًا ما، مع جهل مطلق من ناحية معرفة موعده. فضلًا عن أنّ الموت حادث كلّيّ كلّيّةً مطلقةً، من ناحية، فالكلّ سيفنى، وحادث جزئيّ شخصيّ جزئيّةً مطلقةً، من ناحية أخرى، لا يمكن أن يكون شخصًا آخر بديلًا عنّي في الموت، ووفقًا لهذا القول يرى بدوي:

[…] وهذا هو عين الإشكال من ناحية المعرفة، إذ لا سبيل إلى إدراك الموت مباشرةً بوصفه موتي أنا الخاصّ، لأنّني في هذه الحالة […] لا أستطيع الإدراك. ومعنى هذا أيضًا أنّني لا أستطيع أن أدرك الموت إدراكًا حقيقيًّا، لأنّ إدراكي للموت سينحصر حينئذ في حضوري الموت. ومثل هذا الإدراك ليس إدراكًا حقيقيًّا للموت كما هو في ذاته، بل هو إدراك للموت في آثاره[2].

بالإضافة إلى ذلك نحن لا نعاين موت الميّت إنّما احتضاره، وبهذا فإنّ الموت كلّه إشكال من الناحية الوجوديّة أو من الناحية المعرفيّة.

ب. الموت مشكلة

يتحوّل الإشكال إلى مشكلة عندما يشعر به المرء شعورًا قويًّا، وعندما يعيشه في ذاته بشكل عميق، وهذا ما يحوّل الموت إلى أمر ذاتيّ ومشكلة شخصيّة، وهذه المشكلة تتكاثف كلّما قويت الشخصيّة، وتخفّ كلّما ضعفت، حتّى تصل إلى الاضمحلال عند الإنسان العاديّ، وإن كان الكلام هنا عن الشخصيّة الإنسانيّة، فهو يصحّ، كذلك، على الفلسفة، فلا يستطيع كلّ مذهب في الوجود يفني الشخصيّة في الروح الكلّيّة أن يدرك المشكلة الحقيقيّة للموت. وهذا ما فعله مذهب المثاليّة، وخصوصًا في أعلى صورة بلغها هذا المذهب، نعني بذلك المثاليّة الألمانيّة، وعند هيغل بشكل خاصّ، الذي لم يستطع الإحساس بها، لأنّه لا وجود للفرد عنده إلّا من حيث

كونه مشاركًا في وجود المطلق، أيًّا ما كان الاسم الذي نعطيه لهذا المطلق: فسواء سمّيناه “الأنا المطلق”، وهو الأنا الذي يضع نفسه بنفسه، كما فعل فشته، أو سمّيناه “الروح الكلّيّة”، وهي تلك “الصورة” التي تعرض نفسها على مرّ الزمان [هيغل]؛ فإنّ هذا من شأنه أن يحجب عنّا إحدى المميّزات الجوهريّة للموت، ونعني ارتباطه بالفرديّة، أو الشخصيّة، أو الذاتيّة، كلّ الارتباط[3].

لم يستطع هيغل أن يضع الموت موضعًا حقيقيًّا بحكم تأثّره بالفلسفة المسيحيّة من جهة والرومنتيكيّة من جهة أخرى، فأنتج قضيّةً زائفةً.

انطلاقًا من ذلك، يصبح الموت جزءًا أساسيًّا من حياة الإنسان ووجوده، فهو الذي يعطيها معنًى، لأنّ الموت يقتضي وجود الشخصيّة الذاتيّة، والإحساس بها يوصلها إلى الإحساس بحرّيّتها، فقدرة الإنسان على أن يموت هي أعلى درجة من درجات الحرّيّة، فأنا حرّ حرّيّةً مطلقةً لأنّني قادر قدرةً مطلقةً على أن أنتحر وأن أموت. وهذا يعني ضرورة إعادة تعريف الوجود وتفسيره مجدّدًا، على اعتبار أنّه يحتوي الفناء في طيّاته[4]، فالفناء عنصر وجوديّ في كينونة الفرد.

ج.2. الموت يفسّر الوجود

أعادت فلسفة بدوي، من خلال هذه الرؤية، النظر في الموضوع الذي وضع فيه رينيه ديكارتR. Descartes الفكر الإنسانيّ أساسًا للوجود، وبالتالي رسمت حدودًا فاصلةً بين المثاليّة والمادّيّة في طريقة معالجتها للذات والموضوع، فأخذ بوجهة جديدة اعتبر من خلالها – وبتأثير من هايدغر – أنّ كلّ موجود أداة لشيء آخر، أي “من أجل” شيء آخر، وهذه “المن أجليّة” هي جوهر الوجود في العالم، وهي تجعل الصلة صلة “اهتمام”. وعليه، ستكون المعرفة، دائمًا، مطبوعة بطابع عاطفيّ انفعاليّ، يتشكل كـ”هَمّ”.

وهكذا، يصبح للوجود معنيَين: الأوّل إمكانيّ ماهويّ، والثاني واقعيّ يتمثّل في الآنيّة، وهما بنفس الإطار الذي تحدّثت عنه الفلسفة التقليديّة بتقسيم الوجود إلى قوّة وفعل، مع وجود صلات ثلاث بين القوّة والفعل، فمن حيث إنّ الوجود بالقوّة يشير إلى إمكان لم يتحقّق بعد، فتسمّى هنا الصلة إضمار وتصميم، فالإضمار يعني غياب التحقّق والتصميم هو الإصرار على التحقّق، ومن حيث إنّ الوجود بالفعل يعني الانتقال إلى حالة التحقّق فصار وجودًا بالفعل، وإن كان قد تحقّق جزء ضئيل من الذي انتقل من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل، وهنا تسمّى هذه الصلة بالواقعيّة، ومن حيث إنّ الوجود بالفعل هو وجود بين أشياء أو وجود في العالم فتسمّى الصلة حينئذ سقوطًا.

تشكّل هذه الصلات الثلاث الآنيّة، وفيها نجد أنّ الإضمار والتصميم يشيران إلى شيء لم يتحقّق بعد، وهو يتّسم بسمة الاستقبال، أي يمكن لها أن تتحقّق في المستقبل. تدلّ الواقعيّة على أنّ التحقّق للإمكانيّة قد كان، وأنّها بهذا تتّسم بسمة الماضي، والصلة الثالثة مطبوعة بطابع الحضور لأنّها تدلّ على الوجود حاضرًا بين أشياء، فكأنّ الآنيّة تتّسم بسمة المستقبل والماضي والحاضر، أي بآنات الزمان الثلاث.

وبالتالي، تتعلّق حركة الوجود الإنسانيّ بالإمكانيّات التي لم تجد طريقها للتحقّق بعد، والتي تُبقي الإنسان منفتحًا باتّجاه تحقيقها، أي إنّها في حال استقبال. فالمستقبل، إذًا، هو جوهر الوجود، ولا يمكن للآنيّة في حالة المستقبل أن تكون كلًّا تامًّا لوجود إمكانيّات أخرى لم تزل غير متحقّقة، بل لا بد من أن يوجد فيها نقص بسبب عدم تحقّق جميع الإمكانيّات، أي إنّ “الآنيّة” في حالة تأجيل باستمرار، والتأجيل هنا يعني “ليس بعد”. وهذا “الليس بعد” معناه النقص، وهو عنصر جوهريّ في الوجود، أي إنّ هذا الوجود ينقصه شيء باستمرار. فهو إذًا في حالة نقص مستمرّ، على  الرغم من أنّ “الليس بعد” يعتبر إمكانيّةً، لكنّها إمكانيّة ممتنعة التحقيق بالضرورة، لأنّها عنصر جوهريّ في الوجود و”الليس بعد” هو درجة من درجات الإمكانيّة، لأنّه إمكانيّة عامّة، ولكنّه أعلى إمكانيّة لأعلى امتناع كذلك، والامتناع هنا مطلق، فالإمكانيّة هنا مطلقة، وهذا “الليس بعد” هو الموت، والموت عنصر جوهريّ في الوجود، فحين يكون الوجود بالضرورة موت، والموت هو النهاية، لكن نهاية موجودة في الوجود مذ هو وجود، أي منذ كينونته. ويجب أن تفهم النهاية بالنسبة إلى الموت بمعنى أنّ الوجود منذ كينونته هو وجود “الفناء”، وتلك هي المشكلة الحقيقيّة للموت، فهي مشكلة تناهي الوجود جوهريًّا[5].

لقراءة البحث الكامل اتبع الرابط أدناه:
بعض القضايا الفلسفيّة عند بدوي – الدكتور أحمد ماجد

 

[1] يميّز بدوي بين الإشكالية وبين المشكلة، فالإشكالية صفة تطلق على كلّ شيء يحتوي في داخل ذاته على تناقض وعلى تقابل في الاتّجاهات، وعلى تعارض عمليّ، أمّا المشكلة فهي الشعور بالألم الذي يحدثه هذا الطابع الإشكاليّ، ويحاول القضاء عليه. فالحياة، مثلًا، تتّصف بصفة الإشكال، لأنّها نسيج من التناقضات والأضداد، ولكنّها ليست مشكلةً بالنسبة إلى الرجل الساذج الذي يتماشى معها من دون شعور منه بما في هذه الحياة من إشكال.

[2] انظر، عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، (بيروت: المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، الطبعة1، 1984)، الجزء 1، الصفحة 299.

[3] موسوعة الفلسفة، الجزء 1، مصدر سابق، الصفحة 300.

[4] المصدر نفسه، الصفحة 303.

[5] موسوعة الفلسفة، مصدر سابق، الجزء 1، الصفحة 305.

 

الدكتور أحمد ماجد

الدكتور أحمد ماجد

من مواليد خربة سلم، قضاء بنت جبيل. حاز الإجازة في الفلسفة من الجامعة اللبنانيّة 1991. كما حاز ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1997 عن أطروحة تحت عنوان "المصطلح الفلسفيّ عند صدر الدين الشيرازي"، تألّفت اللجنة المشاركة في النقاش من الدكتور رفيق العجم والدكتور علي زيعور والدكتور عادل فاخوري. حاز أيضًا الدكتوراه في الجامعة الإسلاميّة في لبنان عن رسالة تحت عنوان "مكانة الإنسان في النصّ والتراث الإسلاميّين في القرون الثلاث الأولى للهجرة"، تألّفت لجنة المناقشة من كلّ من الدكاترة: الدكتور علي الشامي، الدكتور هادي فضل الله، الدكتورة سعاد الحكيم، الدكتور ابراهيم بيضون، الدكتور وليد خوري. عمل في مجال التعليم في عدد من الثانويّات منذ 20 عامًا. عمل في الصحافة، وكتب في عدد من الوكالات والمجلّات اللبنانيّة والعربية الفلسفية المحكمة. باحث في قسم الدراسات في معهد المعارف الحكمية. أستاذ مادة منهجية البحث العلمي في معهد المعارف الحكمية. عمل مدير تحرير لعدد من المجلّات، منها مجلّة المحجّة. كتب في تاريخ الأديان من كتبه: المعجم المفهرس لألفاظ الصحيفة السجّاديّة بالاشتراك مع الشيخ سمير خير الدين. تحقيق الصحيفة السجّاديّة. الخطاب عند سماحة السيّد حسن نصر الله. تحقيق كتاب الأصول الثلاثة لصدر الدين الشيرازي. الحاكمية .. دراسة في المفهوم. العلوم العقلية في الإسلام. - بالإضافة إلى عدد كبير من الأبحاث والدراسات. العلمانية شارك في عدد من الكتب منها: الكتاب التكريمي بالدكتور حسن حنفي، نشر في القاهرة من قبل جامعة الزقازيق الكتاب التكريمي بالدكتور عبد الرحمن بدوي مؤتمر الديمقراطية دراسة علوم الإنسان في جبيل برعاية الأونسكو النتائج السياسية للحرب العالمية الأولى/ التشكلات اليسارية/ مجلة البيان المصرية شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية.



المقالات المرتبطة

محمّد جواد مغنيّة: مسألة الأخلاق وقيمة الإنسان

على صعيد البعد الأخلاقيّ، عالج “موقع الأخلاق وهدفها” و”الأخلاق والحياة العمليّة” و”الأخلاق والعادات” وصولًا إلى نقد المدارس الفلسفيّة الغربيّة.

إطلالة في تعريف “أدب المقاومة”

شاع استخدام مصطلح “أدب المقاومة” خلال النصف الآخر من القرن العشرين. وربّما لعبت آثار معركة يونيو 67 دورًا في شيوع المصطلح،

تاريخ علم الكلام | الدرس الثامن | كلام أهل السنّة من القرن الرابع حتّى القرن التاسع: تاريخ الماتريديّة وعقائدها

سنتعرّف في هذا الدرس على مدرسة أخرى من المدارس الكلاميّة عند أهل السنّة، وهي مدرسة الماتريديّة، التي ظهرت في الفترة الزمانيّة نفسها لظهور مدرسة الأشاعرة، وحملت الأهداف نفسها.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*