الفكر العربي الحديث والمعاصر | الجابري والعقل المستقيل

الفكر العربي الحديث والمعاصر | الجابري والعقل المستقيل

بعد أن تعرّفنا على كيفية قراءة الجابري للتراث الإسلاميّ، ننتقل في هذا القسم لمعالجة موضوع العقل عنده، لنرى ما هو العنصر الجديد الذي قدمه في هذا المجال، فهذا المفكر جعل من هذا الموضوع المادة الأساسية لاشتغاله الفلسفيّ، واعتمد على كيفية التعامل معه من أجل النهوض الحضاري، وهو في سبيل هذه الغاية بدأ بطرح مجموعة من التساؤلات مستبقًا الاستغراب، الذي قد يثيره عن القارىء، ويقول: “عبارة العقل التي جعلناها عنوانًا لهذا الكتاب ستثير في ذهن القاريء، أكثر من سؤال[…] هل هناك عقل “خاص” بالعرب، دون غيرهم؟ أوَلَيسَ العقل خاصية ذاتية للإنسان، تميزه و”تفصله” عن الحيوان؟ وهل يتعلق الأمر، ومن جديد، بذلك التمييز الذي أقامه بعض المستشرقين والمفكرين الأوروبيين في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن بين “العقلية السامية” (“التجزيئية”، “الغيبية”)، و”العقلية الآرية (“التركيبية”، “العلمية”)”[1]، ويتوقف أمام سؤال مركزي، لماذا لم يمل من هذه الكلمة الإشكالية المتمثلة بالعقل، واستخدم بدلًا منها كلمة الفكر، فيوضح الفارق بينهما “الفكر” و”العقل”: “ذلك أنّ كلمة “فكر” خصوصًا عندما تقترن بشعب معين كقولنا “الفكر العربي”، أو “الفكر الفرنسي”… تعني في الاستعمال الشائع اليوم، مضمون هذا الفكر ومحتواه، أي جملة الآراء والأفكار التي يعبر بها، ومن خلالها، ذلك الشعب عن اهتماماته ومشاغله، وأيضًا عن مثله الأخلاقية ومعتقداته المذهبية وطموحاته السياسية والاجتماعية، بهذا المعنى هو و”الأيديولوجيا” اسمان لمسمى واحد. وهذا بالضبط أحد أنواع الخلط الذي نريد تجنبه”[2].

فالجابري في مشروعه، لا يريد أن يتحدث عن الأيديولوجيا بما هي موضوعات الفكر، إنّما يريد أن يبحث عن العناصر التي تشكل الفكر: “فالفكر العربيّ مثلًا هو عربيّ، ليس فقط لكونه تصورات أو آراء ونظريات تعكس الواقع العربيّ، أو تعبر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل أيضًا نتيجة أو أسلوب في التفكير ساهمت في تشكيلها جملة معطيات، منها الواقع العربي بكلّ مظاهر الخصوصية فيه”[3]، فليس كل فكر يمكن أن يحمل هذه التسمية إلا إذا كان: “التفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها”[4]. إذًا وبعد هذه المقدمة، يرجح الجابري معنى العقل لأنّ الغاية من عمله إبستمولوجية، وليست أيديولوجية، فهو يريد أن يتعرف على آليات إعمال العقل، وليس القضايا التي يتكلم عنها، فهو يريد البحث في مرجعية الثقافة وإحداثياتها الأساسية من محددات الثقافة ومكوناتهاـ وفي مقدماتها الموروث الثقافيّ والمحيط الاجتماعي والنظر إلى المستقبل، وبالنظرة إلى العالم، إلى الكون، والإنسان، أي يريد التحليل العلمي للعقل الذي: “بوصفه أداة للإنتاج النظري صنعتها ثقافة معينة لها خصوصيتها، هي الثقافة العربية”[5]، التي تحمل معها تاريخ العرب الحضاري العام، وتعكس واقعهم، أو تعبر عنه وعن طموحاتهم المستقبلية. كما تحمل وتعكس وتعبر في ذات الوقت عن عوائق تقدمهم وأسباب تخلفهم الراهن[6]، وهذا الكلام يضعنا أمام مشروع الجابري، الذي يريد أن يعالج فعالية العقل داخل الثقافة العربية. فهذا العقل ليس عقلًا مجردًا ومغلقًا وجاهزًا، بل هو عقل تحكمه علاقة جدلية مع الثقافة التي ينتجها، فهو يطمح في البحث عن العقل كملكة وأداة منتجة للأفكار. وهذا ما عبّر عنه عندما قال: “لقد استبعدنا مضمون الفكر العربي – الآراء والنظريات والمذاهب، وبعبارة عامة الأيديولوجيا- من مجال اهتمامنا، وحصرنا محاولتنا هذه في المجال الإبستيمولوجي وحده، فقلنا إن ما نريد تحليله وفحصه هو الفكر العربي بوصفه أداة للإنتاج النظريّ، وليس بوصفه هذا الإنتاج نفسه”[7].

بعد هذا التقديم ينتقل الجابري ليستعير من لالاند تقسيمه للعقل بين العقل كأداة منتجة للفكر، وبين الفكر كنتاج معرفي، فقام بتقسيمه بين العقل المكوِّن أو الفاعل(La Raison Constituante)  والعقل المكوَّن أو السائد (( La Raison Constituee: “الأول يقصد به النشاط الذهنيّ الذي يقوم به الفكر حين البحث والدراسة والذي يصوغ المفاهيم ويقرر المباديء. وبعبارة أخرى إنّه: “الملكة التي يستطيع بها كلّ إنسان أن يستخرج من إدراك العلاقات بين الأشياء مبادئ كلية وضرورية، وهي واحدة عند جميع الناس”. أما الثاني: فهو مجموع المبادئ والقواعد التي نعتمدها في استدلالاتنا، وهي على الرغم من كونها تميل إلى الوحدة فإنّها تختلف من عصر لآخر، كما تختلف من فرد لآخر”[8].

بعد المقدمات التوضيحية التي قدمها، يصل الجابري إلى القول: “إن ما نقصده بـ” العقل العربي” هو العقل المكوِّن، أي جملة المباديء والقواعد التي تقدمها الثقافة العربية للمنتمين إليها كأساس لاكتساب المعرفة، أو لنقل: تفرضها عليهم كنظام معرفي، أما العقل المكوَّن فيكون هو تلك الخاصية التي تميز الإنسان عن الحيوان أي القوة الناطقة باصطلاح القدماء”[9]، وبذلك يكون الجابري قد حدّ العقل الذي يريد الحديث عنه، وهو العقل الذي سيعمل على تجديده انطلاقًا من زاويتين: “فمن جهة يمكن النظر إلى “العقل” بوصفه عقلًا سائدًا قوامه جملة قواعد تؤسس المعرفة في الثقافة العربية. وفي هذه الحياة يكون من الممكن جدًا القيام بتحليل موضوعيّ علميّ لهذه المبادىء والقواعد التي تشكل، في ذات الوقت، أساسيات المعرفة، أو نظمها في الثقافة العربية. ومن جهة أخرى يمكن النظر إلى “العقل العربي” بوصفه عقلًا فاعلًا ينشيء ويصوغ العقل السائد في فترة تاريخية ما، الشيء الذي يعني أنّه بالإمكان إنشاء وصياغة مبادىء وقواعد جديدة تحل محل القديمة، وبالتالي عقل سائد جديد، أو على الأقل تعديل أو تطوير أو تحديث أو تجديد، العقل السائد القديم”[10].

وبعد أن انتهى من تحديد العقل العربي، انتقل الجابري إلى موضعته في السياق العام للحضارات، وهنا يبدأ الرحلة الحقيقية باتجاه الغاية التي يسعى إلى تحقيقها، يظهر ذلك عندما اعتبر أنّ العقل العربي، يتمّ موضعته إلى العقل اليوناني والعقل الأوروبيّ- وهو في هذا الكلام وكأنّه يقوم باستعادة “طه حسين” مع تطوير لمقولاته كما وردت في كتاب مستقبل الثقافة في مصر- وعلى طريقته في امتصاص الأزمات، يتساءل الجابري لماذا فقط العرب واليونان وأوروبا؟ ليكون جوابه كالتالي: “إن المعطيات التاريخية التي نتوفر عليها اليوم تضطرنا إلى الاعتراف للعرب واليونان والأوروبيين بأنّهم وحدهم مارسوا التفكير النظري العقلاني بالشكل الذي سمح بقيام معرفة علمية أو فلسفية أو تشريعية منفصلة عن الأسطورة والخرافة، ومتحررة إلى حدّ كبير عن الرؤية الإحيائية، التي تتعامل مع الأشياء الطبيعية كأشياء حية، ذات نفوس تمارس تأثيرها على الإنسان وعلى إمكانيته المعرفية”[11]، أي أنّ الحضارة العربية لا تنتمي إلى الشرق: “صحيح إنّه كان بكلّ من مصر والهند والصين وبابل وغيرها حضارات عظيمة، وصحيح كذلك أنّ شعوب هذه الحضارات قد مارست العلم: أنتجته وطبقته. ولكن كذلك أنّ البنية العامة لثقافات هذه البلدان، مهد الحضارات القديمة، هي- حسب معلوماتنا الراهنة- بنية يشكل السحر أو ما في معناه، وليس العلم، العنصر الفاعل والأساسي فيها”[12]، كلام جميل، ولكنّه لا يستقيم مع الوقائع الحضارية، لكمن المضمر الأيديولوجيّ واللاوعيّ هو الذي يحرك دون شك مشروع الجابري بهذا الاتجاه، لأنّ هل صحيح أنّ الحضارة المصرية هي كما قدمها؟ وهل أنّ كل حضارة من الحضارات التي ذكرها كانت على الشاكلة التي ذكرها؟ وهل تتشابه الحضارة الهندية والحضارة الصينية؟ والحضارة البوذية ألا تشبه الحضارة اليونانية القديمة بالكثير من مفاصلها الأساسية؟ وحتى نكلف البحث عناء مقاربة من الممكن أن لا يحتملها، نعود إلى الجابري لنرى سبب خياره هذا، حيث سنلاحظ قوله: “إنّ الحضارات الثلاث اليونانية والعربية والأوروبية الحديثة هي وحدها التي أنتجت ليس فقط العلم، بل أيضًا نظريات في العلم، إنّها وحدها التي مارست لي فقط التفكير بالعقل، بل أيضًا التفكير في العقل”[13].

بعد أن يصل الجابري إلى هذه النتيجة، ينتقل لتفصيل كلامه، ويعمل جاهدًا على إيجاد المشترك بينهما، فيذهب إلى اليونانية القديمة، ويقارن بين “هيراقليطس” و”أناكسجوراس”، ويرى أنّهم أقاما فلسفتهما على العقل: “ومهما يكن من أمر الاختلاف بين تصور كلّ من هيراقليطس وآناكساجوراس للعقل الكلي، فإنّ القول بمحايثته للطبيعة أو انفصاله واستقلاله لا يغير جوهر التصور اليونانيّ للعلاقة بين الطبيعة وهذا العقل الكليّ الذي يتنزل منزلة الإله في الديانات التوحيدية، وبينه وبين الإنسان”[14]، يريد الجابري أن يقول: إنّ العقل الأوروبي، يتألف من ثنائية قطبية هما العقل والطبيعة، وهذا عين ما نجده في الحضارة العربية، حيث تتمحور العلاقة حول قطبين اثنين هما: الله والإنسان[15]. ويوضح الجابري هذا التمايز بقوله: “هنا في الثقافة العربية الإسلامية يطلب من العقل أن يتأمل الطبيعة ليتوصل إلى خالقها: الله، وهناك في الثقافة اليونانية الأوروبية يتخذ العقل من الله وسيلة لفهم الطبيعة أو على الأقل ضامنًا لصحة فهمه لها هذا إن لم يستغن عنه بالمرة”[16].

وهنا استدرك الجابري سؤالًا آخر من الممكن أن يسأل عنه، لماذا لم يُسمِّ العقل باسم العقل الإسلاميّ؟ وهنا يجد جوابًا، يقوم على التفكيك بين الإسلام والعروبة، وهذا التفكيك ظاهريّ، لأنّه يريد من خلال وصله بمذهبية إسلامية خاصة، ولكن آثر هذا الفصل، لكي لا يدخل فيها فرق إسلامية، لا تنتمي إلى الإسلام الذي شكل الذات العربية، يحاول أن يقيم عمارة فكرية تُظهر الموضوعية من خلال قوله: “النقد اللاهوتيّ العقائديّ الكلاميّ ليس من مجال اهتماميّ”[17]. ونجده يصرّح في نص آخر: “أنا لا أطمح إلى إحياء أو إنشاء (علم كلام) جديد، إنّ موضوع عملي هو الثقافة العربية الإسلامية، أعني الثقافة التي تم بناؤها داخل اللغة العربية وبواسطتها، والنقد الذي اخترته يتناول المعرفة وليس العقيدة”[18]، ولكنّه سرعان ما يعود للمزج بين العروبة والإسلام عندما يقول: “إنّ من يفكر في النقد اللاهوتي على غرار ذلك النقد الذي عرفته أوروبا يتجاهل الفرق بين الدين الإسلاميّ والدين المسيحيّ، الدين الإسلاميّ له كتاب مقدس لم يلحقه تغيير ولا تحريف منذ أن جمع في عهد عثمان، وليس هناك دليل قاطع على أنّ نوعًا من التحريف أو البتر أو التغيير قد حدث في فترة ما بين نزول القرآن وجمعه”[19]، وهذا الكلام وإن كان دقيقًا، ولكن يطرح سؤالًا ما هو المائز الذي يجعل العقل العربيّ عربيًّا، ولماذا هذا القطع والفصل الذي يلجأ إليهما الجابري، وهل هناك غاية من وراء ذلك؟

للجوب على هذا السؤال، يبدأ الجابري باستعراض مراحل تطور الفكر العربي، كما قدمت في الدراسات العربية، وكيفية تقسيمها، يقول الجابري: “واضح أنّ الصورة التي رسمناها أعلاه لـ”تطور الفكر العربي ترتكز على التسليم بثلاث بدايات. فمن جهة هناك البداية الأولى التي تنطلق من نقطة ما داخل “الجاهلية”، ومن جهة ثانية هناك البداية الثانية التي تنطلق من مع انطلاقة الإسلام لتشكل بداية “التاريخ”، باعتبار أنّ ما قبلها كان عبارة عن “ما قبل التاريخ”، وأخيرًا هناك جهة ثالثة بداية النهضة العربية الحديثة، التي ينظر إليها هي الأخرى على بداية جديدة”[20]، وبعد مناقشة هذه الأزمان، فينفي الجاهلية لخصوصية المكان وعدم شموليته لكلّ العالم العربي، والنهضة الحديثة بسبب الاختلاف في الظروف التي عاشها هذا العالم، يرجع باتجاه نقطة جامعة، يستطيع أن يبني عليها نظرته، فيختار عصر التدين كنقطة انطلاق، فهو الإطار المرجعيّ: “الذي يتحدد ما قبله (على مستوى الوعي العربي بطبيعة الحال). فصورة العصر الجاهلي وصورة صدر الإسلام والقسم الأعظم من العصر الأموي، إنما نسجتها خيوط منبعثة من عصر التدوين، هي نفسها الخيوط التي نسجت صور ما بعد عصر التدوين. وليس العقل العربيّ في واقع الأمر شيئًا آخر غير هذه الخيوط بالذات، التي امتدت إلى ما قبل فصنعت صورته في الوعي العربي، وامتدت وتمتد إلى ما بعد لتصنع الواقع الفكري الثقافي العام في الثقافة العربية العامة، وبالتالي مظهرًا أساسيًا من مظاهرها”[21].

وهذا العصر الذي يتكلم عنه، هو ما يجب أن يعمل عليه، لأنّه الإطار المرجعيّ الذي يشد إليه جميع خيوط الثقافة العربية، بفروعها وتموجاتها اللاحقة إلى يومنا هذا، كما أنّه يشكل الإطار المرجعي الذي يتحدد به ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام: “وليس العقل العربيّ في الواقع شيئًا آخر غير هذه الخيوط بالذات، التي امتدت إلى ما قبل فصنعت صورته في  الوعيّ العربي، وامتدت وتمتد إلى ما بعد لتصنع الواقع الفكري الثقافي العام في الثقافة العربية العامة، وبالتالي مظهرًا أساسيًّا من مظاهرها”[22]، وهذا العقل لم يتغير ولم يمارس عليه النقد منذ إطلاقه، لذلك، لا بد من مقاربة نقدية له، وهذا لن يتم إلا من خلال معرفة محتواه والكشف عن بنيته.

 

بنية العقل العربي

بدأ الجابري عمله في هذا المجال بدراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. وحدده في ثلاثة: البيان؛ العرفان؛ والبرهان، ووزعها على الشكل التالي:

أ- البيان: هو “الظهور والإظهار والفهم والإفهام، وكحقل معرفي هو عالم المعرفة الذي تبنيه العلوم العربية الإسلامية “الخالصة”، علوم اللغة وعلوم الدين”[23]، كما أنّه ممارسة نظرية، قام بها: “علماء البيان من لغويين ونحاة وبلاغيين وعلماء أصول الفقه وعلماء الكلام، سواء كانوا معتزلة أو أشاعرة أو عن الظاهرية أو من “السلفيين” قدماء ومحدثين. إنّ هؤلاء جميعًا ينتمون إلى حقل معرفيّ واحد هو النظام المعرفي البياني [24]“، وتعود أهميته إلى كونها هي أول ما حقق الأشكال من الثقافة الشفاهية العامية إلى الثقافة المكتوبة العالمة بعد عصر التدوين داخل الثقافة العربية الإسلامية، فكانت عملية التدشين قد بدأت مع النحو والفقه والكلام وهي كلها علوم تمحورت حول نص رئيسيّ هو القرآن، يقصد منه جعل الخطاب الديني خطابًا عقليًا، يقوم على مباديء عقلية من قبيل الجدل والحجاج، وهو عبارة عن نظام معرفيّ، يحمل: “جملة من المباديء والمفاهيم والإجراءات التي تعطي لعالم المعرفة ذاك بنيته اللاشعورية: أعني المحددات والسلطات التي تحكم وتوجه المتلقي للمعرفة المنتج لها، داخل الحقل المعرفي البياني، دون أن يشعر بها، دون أن يختارها”[25]. يمكننا أن نقول إذن: إن النظام الإبستيمي الأول للثقافة العربية، هو نظام من المعارف النظرية التي تتخذ من النص الديني الإسلامي نموذجًا لها، بحيث تسود العقل العربي وتوجهه لا شعوريًا، أو لنقل إنه البيان.

ب- العرفان: فهو: “جملة التيارات الدينية التي يجمعها كونها تعتبر المعرفة بالله تقوم على الإرادة بديلًا عن العقل، أما العرفانية ” gnosticisme ” فتشير إلى معنى أخص هو “تلك المذاهب الدينية التي ظهرت في القرن الثاني للميلاد تخصيصًا”[26] ؛كالهرمسية والمانوية وهي مذاهب تستخدم السحر والتنجيم والكيمياء والعلوم السرية، وهو قريب من البيان من حيث هو فعل، وحقل، ونظام معرفي: “ومنهج في اكتساب المعرفة ورؤية للعالم، وأيضًا موقف منه انتقل إلى الثقافة العربية الإسلامية من الثقافات التي كانت سائدة قبل الإسلام في الشرق الأدنى وبكيفية خاصة في مصر وسورية وفلسطين والعراق [27]“. ولجوء الجابري إلى تحديد النطاق الجغرافي، هي عملية مقصودة لإظهار أنّ هذا القسم لا ينتمي إلى الحضارة العربية، فهو تولد في بيئة غريبة عن الإسلام، ويحمل في طياته ما لا يتآلف معه: “هو عبارة عن خليط من عقائد وأساطير تتلون بلون الدين الذي تقوم على هامشه لتقدم له ما يعتقده العرفانيون أنه “الحقيقة” الكامنة وراء ظاهر النص”[28]. وإذا أردنا أن نلخص هذه النزعة، فنقول: إنّها تقوم على الأسس التالية:

1- القول بإله واحد لا يعبر عنه بوصف ولا يدرك بالعقل، وإنّما يتوصل إليه بالزهد والتطهير ومواصلة الدعاء والتبتل.

2- القول بترابط العالم السفلي والعالم العلوي وعدم إقامة أية فواصل بين السماء والأرض، وتفسير ذلك نظريًّا باتصال “آفاق” الكائنات بعضها مع بعض؛ أفق المعادن متصل بأفق النبات، وأفق النبات متصل بأفق الحيوان…

3- القول بسلاسل الأسباب غير المنتظمة، الأسباب التي يغلب فيها الشذوذ على الاطراد، وتخضع لتقلبات التجربة وليس للضرورة العلمية.

ويضيف الجابري لهذه الخصائص، خاصيتين هما :

1- القول بالأصل الإلهيّ للنفس وما يتصل بذلك من نزعة تصوفية.

2- عدم الفصل بين العلم والدين[29].

وقد دخل العرفان إلى الإسلام عن طريق السياسة كالشيعة، أو عن طريق السياسة والعقيدة كما عند الطرق الصوفية، وهاتان المجموعتان عملتا على الاستثمار بالنص، من أجل أن: “يخدم السياسة ويستثمرها في نفس الوقت، صراحة أو ضمنًا، وذلك بتوظيف الزوج الولاية/النبوة الذي يكافئ ويوازن الزوجين الأصل/الفرع، والجوهر/العرض في النظام البياني”[30]، ولا ينسى طبعًا أن يدخل “ابن سينا” في هذا المعمعة، ليظهر خروج هذا الفكر عن الإطار الإسلاميّ، وهو يصل إلى حدّ القول: “إذا نحن جردنا العرفان الشيعي الاثني عشري والإسماعيلي من مضمونه السياسي، وجردنا العرفان الصوفي من الشكل البياني الذي ارتداه، فإنّنا سنجد أنفسنا هنا وهناك أمام مادة معرفية تنتمي كلّها إلى الموروث العرفاني القديم السابق على الإسلام، والهرمسي منه خاصة”[31].

ج- البرهان: أما في الاصطلاح المنطقي فالبرهان هو: “العمليات الذهنية التي تقرر صدق قضية ما بواسطة الاستنتاج، أي يربطها ربطًا ضروريًّا بقضايا أخرى بديهية أو سبقت البرهنة على صحتها”[32]، وهو: “استدلال استنتاجي (مقدمات فنتائج تلزم عنها)، وكحقل معرفي هو عالم المعرفة الفلسفية العلمية المنحدر إلى الثقافة العربية عبر الترجمة، ترجمة كتب أرسطو خاصة”[33]. ثم ينتقل الجابري لتوضيح الفرق بين البرهان والبيان حيث يتجلى الفرق بينهما في كون أنّ البيان يتخذ من النصّ والإجماع والاجتهاد سلطات مرجعية أساسية، وغايته تأسيس تصور للعالم يخدم العقيدة الإسلامية، أما العرفان فإنه يتخذ من الكشف الطريق الوحيد للمعرفة ويهدف إلى تحقيق وحدة مع الله، أما البرهان فيعتمد على الحواس والتجربة والعقل في اكتساب المعرفة حول العالم تتميز بالدقة واليقين.كما أن البرهان يختلف عن البيان والعرفان منهجًا ورؤية لأنّه يعتمد على منهج أرسطو ويوظف رؤيته عن الكون، الله، الإنسان، وهذا ما جعله يدخل في حالة اصطدام مع البيان.

وبعد أن يستعرض الجابري النظم الثلاث، ينتقل لدرس العلاقة فيما بينها، وهنا يوجد مفهوم “البنية المحصلة” التي نتجت عن عملية التداخل بين النظم الثلاث. فهذه الأنظمة الثلاث لم تكن متداخلة في بدايتها، بل كانت متصارعة حول السيطرة على العقل المعرفيّ والعلميّ، لكن حصل أن بدأت تتداخل فيما بينها شيئًا فشيئًا في عصر التدوين، حيث نلاحظ التداخل بين البيان والعرفان مع الحارث المحاسبي، وبين البيان والبرهان مع الكندي، وبين البرهان والعرفان مع إخوان الصفا والفلاسفة الإسماعيليين. والتداخل في المرحلة الأولى، لم يكن خطيرًا إلى أن حصل “التداخل التلفيقي مع الغزالي، الذي عمل على أن ينفتح البيان على آليات المنهج البرهاني (القياس) بدل القياس البياني؛ كما ناضل من أجل أن ينفتح البيان على العرفان الصوفي الذي جعل من الجانب السلوكي منه فقهًا للكشف”.

بعد هذا العرض، ما هو العقل المستقيل عند الجابري، وما هو دوره؟ العقل المستقيل عند الجابري هو ذلك العقل الفلسفيّ القديم الذي مثلته الهرمسية والمانوية وغيرها، وهو دخل إلى الثقافة العربية، وشكل عقبة منهجية أمامه لبلوغ هدفه في النهوض، والحلّ يكون من خلال القطع معه، واستعادة العقل العربي بعد تخليصه منه. وهكذا يريد الجابري أن يظهر المشكلة كلّها تتعلق بالعرفان ليس بما هو كذلك، إنّما لكون العرفان ينتمي إلى أصول شرقية لا بد من التخلص منها حتى يستطيع تحقيق النهضة التي يتصورها، ومن وراء ذلك يريد أن يبني عصبية جديدة، لا يمكن أن تبنى إلا بواجهة تيار فكريّ، يستطيع أن يستفيد من وقائع وأحداث تاريخية لتثبيته.

كما أنّ الجابري على الرغم من ادعائه بالحيادية والموضوعية والابتعاد عن الأيديولوجية إلا أنّه قام بتثبيتها، وبنى عليها منظومة متكاملة، فاللاوعيّ واللامفكر فيه هو حضور الشرق كعدو أو منافس، لا يمكن للمجتمعات العربية أن تتقدم إلا من خلال تصفيته، والتوجه باتجاه الغرب، الذي يمتلك البنى الفكرية نفسها، التي من الممكن أن ينطلق العربي منها، وما تبنيه لابن رشد إلا من خلال هذه المدخلية.

 

 

مصادر البحث:

[1]  محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، الصفحة 11

[2]  المصدر نفسه، الصفحة 12.

[3]  المصدر نفسه، المعطيات نفسها.

[4]  المصدر نفسه، الصفحة 13.

[5]  محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، الصفحة 13

[6]   المصدر نفسه، الصفحة 14.

[7]  المصدر نفسه، المعطيات نفسها.

[8]  المصدر نفسه، الصفحة 15.

[9]  المصدر نفسه، المعطيات نفسها.

[10]  محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، الصفحة 17.

[11]  المصدر نفسه، المعطيات نفسها.

[12]  المصدر نفسه، المعطيات نفسها.

[13]  المصدر نفسه، الصفحة 18.

[14]  محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، الصفحة 20.

[15]  المصدر نفسه، الصفحة 27.

[16]  المصدر نفسه، الصفحة 29.

[17]   محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مصدر سابق، الصفحة 331.

[18]   المصدر نفسه، الصفحة 330.

[19]  محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية في الوطن العربي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، الصفحة 274.

[20]   محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، الصفحة 49.

[21]  المصدر نفسه، الصفحة 62.

[22]  المصدر نفسه المعيطات، نفسها.

[23]  محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، الجزء 2 الصفحة 5.

[24]  المصدر نفسه، الصفحة 13.

[25]  المصدر نفسه، الصفحة 556.

[26] المصدر نفسه، الصفحة 254.

[27]  المصدر نفسه، الصفحة 253.

[28] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مصدر سابقن الصفحة 257.

[29]  محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مصدر سابق، الصفحة 193.

[30]  المصدر نفسه، الصفحة 557.

[31]  محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مصدر سابق، الصفحة 372.

[32] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مصدر سابق، الصفحة 337.

[33] المصدر نفسه، الصفحة 557.

الدكتور أحمد ماجد

الدكتور أحمد ماجد

من مواليد خربة سلم، قضاء بنت جبيل. حاز الإجازة في الفلسفة من الجامعة اللبنانيّة 1991. كما حاز ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1997 عن أطروحة تحت عنوان "المصطلح الفلسفيّ عند صدر الدين الشيرازي"، تألّفت اللجنة المشاركة في النقاش من الدكتور رفيق العجم والدكتور علي زيعور والدكتور عادل فاخوري. حاز أيضًا الدكتوراه في الجامعة الإسلاميّة في لبنان عن رسالة تحت عنوان "مكانة الإنسان في النصّ والتراث الإسلاميّين في القرون الثلاث الأولى للهجرة"، تألّفت لجنة المناقشة من كلّ من الدكاترة: الدكتور علي الشامي، الدكتور هادي فضل الله، الدكتورة سعاد الحكيم، الدكتور ابراهيم بيضون، الدكتور وليد خوري. عمل في مجال التعليم في عدد من الثانويّات منذ 20 عامًا. عمل في الصحافة، وكتب في عدد من الوكالات والمجلّات اللبنانيّة والعربية الفلسفية المحكمة. باحث في قسم الدراسات في معهد المعارف الحكمية. أستاذ مادة منهجية البحث العلمي في معهد المعارف الحكمية. عمل مدير تحرير لعدد من المجلّات، منها مجلّة المحجّة. كتب في تاريخ الأديان من كتبه: المعجم المفهرس لألفاظ الصحيفة السجّاديّة بالاشتراك مع الشيخ سمير خير الدين. تحقيق الصحيفة السجّاديّة. الخطاب عند سماحة السيّد حسن نصر الله. تحقيق كتاب الأصول الثلاثة لصدر الدين الشيرازي. الحاكمية .. دراسة في المفهوم. العلوم العقلية في الإسلام. - بالإضافة إلى عدد كبير من الأبحاث والدراسات. العلمانية شارك في عدد من الكتب منها: الكتاب التكريمي بالدكتور حسن حنفي، نشر في القاهرة من قبل جامعة الزقازيق الكتاب التكريمي بالدكتور عبد الرحمن بدوي مؤتمر الديمقراطية دراسة علوم الإنسان في جبيل برعاية الأونسكو النتائج السياسية للحرب العالمية الأولى/ التشكلات اليسارية/ مجلة البيان المصرية شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المحلية والدولية.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الفكر العربي الحديث والمعاصرمحمّد عابد الجابري

المقالات المرتبطة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | الحضارة والتراث في فلسفة عبد الرحمن بدوي (3)

ينظر عبد الرحمن البدوي إلى الحضارات انطلاقًا من هويّاتها الخاصّة، لذلك يرى ضرورة محافظة كلّ حضارة على بنيتها المتميّزة، لأنّ خلاف ذلك يؤدّي إلى انهيارها وسقوطها.

الفكر العربي الحديث والمعاصر | النّصّ وجدلية التفسير والتأويل عند أبو زيد

ينفتح النّصّ دائمًا على العديد من التأويلات، وكلّها مشروعة بدءًا بتأويلات المعتزلة وانتهاءً بتأويلات “ابن عربي”، وعلى هذا الأساس انحاز

الفكر العربي الحديث والمعاصر |حسين مروة وقضية المنهج الأسس والتطبيقات

قدّم حسين مروة قراءة نقدية للدراسات التي عملت على التراث العربيّ الإسلاميّ، واعتبرها لا تلبي احتياجات النهوض الحضاري، لأنّها لم تتوفر على أسس تاريخية مما أفقدها قدرتها التغييرية وأبقاها تعيد إنتاج الماضي

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*