التعدّدية الدينية قراءة مسيحيانية

التعدّدية الدينية قراءة مسيحيانية

جون هيغ

تعريب عن الإنكليزية: سامية داهود إسماعيل

 

بدأت حياتي المسيحية كمتشدّد. عُمِّدتُ طفلًا رضيعًا في كنيسة إنكلترا، وكرّست نفسي صغيرًا ومراهقًا لخدمتها التي كانت بالنسبة لي مسألة ضجر غير متناه، (الشـيء) المسيحي بأكمله بدا لي ميتًا تمامًا، وغير مشوق، ولكن بالرغم من ذلك، كنت مدركًا لكوني في حالة من عــدم الرضى، والبحث الطويل الأمد، فمفهومي الشامل كان غير ناضج، ومن منطلق بشري. في سـن السادسة عشر كنت مأخوذًا بكتابات نيتشه، وكنت أستمتع جدًّا بمطالعة     برتراند راسل، لكن كطالب حقوق في كلية “هول الجامعية”. في سن الثامنة عشر خضعت لتحوّل إنجيلي قـوي تحت تأثير صورة المسيح في العهد الجديد. لأيام عديدة كنت في حالة ضياع ذهني وعاطفي شديد، مما جعلني أكثر فأكثر مدركًا “لحقيقة سامية”، وواقع عظيم يلحّان علي، ويطالــــبان بتعريفي وتفاعلي. في البداية كان هذا طلبًا مزعجًا، ومتحدّيًا وأمرًا غير مرحب به بشدة ظنًـا مني أنه لم يكن سوى ثورة في الهوية الشخصية. لكن بعد ذلك الطلب المزعج أصبح دعـوة معتقة. فالحقيقة التي كانت تلحّ علي كانت إضافة إلى ذلك جذّابة بشكل لا يقاوم، ودخلت بسعادة كبرى، وإثارة في عالم الدين المسيحي. بعض أصدقائي الطلاب كانوا أعضاءً في منتخــب الزمالة المسمى “منظمة المخيم الإنجيلي”، فضممت قدري إلى قدرهم، قبلت وبدون مناقشة الدين الإنجيلي بكل تفاصيله. الإلهام اللفظي للإنجيل، خلقًا وتنزيلًا، يسوع الإله المتجسد بالابـــن المولود من عذراء، المدرك لطبيعته الإلهية، والقائم بمعجزات عبر هذه القوة، المفتدي للإنسان بدمه من الإثم والذنب، البعث الجسدي ليسوع، الصعود والعودة المستقبلية بمجد، الجنة والنار.

انتقلت إلى جامعة أدنبورغ لدراسة الفلسفة التي كنت قد سحرت بها قبل الذهاب إلى الــمعهد بسبب عزمي الالتحاق بكهنوت كنيسة مشيخية إنكلترا خاصة؛ لأن أصدقائي في المنتخب كانوا مشيخيين. هذا، وبالإضافة إلى الجلسات المنتظمة للصلاة، ومجموعات دراسة الإنجيـــل فـي الاتحاد الإنجيلي في أدنبورغ التي شغلت مقدارًا كبيرًا من وقتي، انهمكت أيضـًــا في نشاطاتها الأخرى كإدارة مهام جناح استشفائي في مستشفى أدنبورغ الملكي. على أية حال، كان هذا عام 1941 عامي الأكاديمي الثاني، وبداية الحرب العالمية الثانية في أوروبا. ساهـمت سابقًا في هول، برفقة طلاب آخرين، في رصد الحرائق، وكنت في الخدمة خلال الليالي الثلاث حيث دمر مركز هول بكامله من جراء القصف. في صيف 1942 طلبت للخدمة العسكرية. مع أن معظم أصحابي الطلاب تقريبًا انضموا إلى القوى العسكرية، وجدتني أرفض حمـــل السلاح لالتزامي بتعاليم الدين المسيحي. الطريقة التي فكرت بها آنذاك كانت ببساطة أن تعاليم يسوع غير منسجمة مع ضخامة عنف الحرب. وأوّد هنا أن أضيف أنه بصرف النظر آنذاك عن تبرير أي صراع خاص ­ الحرب العالمية الثانية كانت في ظروف التهديد النازي لأوروبا ربما مبررة للجهة الخلفية كأية حرب تقريبًا – الحرب بين الأمم هي جنون جماعي للقتل، وللتشويه ولتدمير أصولنا البشرية المشتركة. قد يقول مراقب من العالم الخارجي إنه في حرب  عالمية، يغضب الجنس البشري لحين، فيقضي على كثير من نـخبة جـيـله الحاضـر، يشـوّه مستوى الحضارة الذي توصل إليه، وحتى أنه يمكن له في آخـر الأمر أن يدّمر نفسه، الطريقة الوحيدة للتعـبير عـن الرأي كانت فعلًا رفض المشاركة في الحرب. بينما كانت مهمة بعـضنا الآخر المشاركة فـيما كـان بالنسـبة لهم أهون الشرين. على أية حال، لم أستطع التملص من خيار الحرب نفسها، بـل فقط من خيار إرادة القتل؛ لذا انضممت إلى وحدة إسعاف الأصدقاء، وهذا الخيار كان موافقًا عليه من قبل مجلس المعارضين الدينيين. خدمـت فـي وحـدة إسعـاف الأصدقاء خلال سنوات الحرب الـثلاث الأخيرة ­ أولًا في مستشفيات في لندن وأدنبورغ ­ ثم في أماكن متنوعة في مصر، إيطاليا واليونان.

شكوك عقلانية

بـعـد الحرب عـدت إلـى جامعة أدنبورغ للسنوات الثلاث الباقية من مقرر دراستي الفلسفية. انضممت مرة أخرى للاتحاد الإنجيلي، لكن سرعان ما وجدت أني لم أعــد أنسجم معه تمامًا، تدريبي الفلسفي كان يقودني لطرح أسئلة خرقاء. مثلًا كيف يستطيع أحد ما فهم بـقـاء الشمس ساكنة ليوم تقريبًا. كما سُرِدَ في يشوع؛  10:13 على ضوء معرفتـنا الحديثة بعلم الفلك، وأن الأرض التي تدور بسرعة تقارب آلاف الأميال بالساعة كما أثبت علم الفلك الحديث تكف فجأة عن الدوران؟ بصراحة هذا مربك للعقل.

وفوق ذلك؛ هل يمكن للتطور البيولوجي أن يرفض، فقط لأنه مخالف لكتـاب سفـر التكوين، أليس هناك عدد كبير من التناقضات بين هذا النص الإنجيلي وذاك؟ وهل يمكن أن توجد حقًّا عبارة للحب اللامتناهي بإرسال غالبية الجنس البشري إلى عذاب مخلد في الجحيم؟ وهـكـذا دواليك. ولكن وبالرغم من هكذا أسئلة توجه بصدق، بدا لي أن هناك نفورًا واضــحًا من قبل الطلاب، وقيادة الكلية عند مواجهتها، شعور بأنها كانت خطرة، ولا ينبغي أن تطرح، وأنها شكلت إغواء بالانحراف عن الدين. هكذا ابتعدت عن الحركة الطلابية الإنجيلية المتحفظة، مع استمرار كوني لعدة سنوات، متحفظًا لاهوتيًّا. وفي السـنـة التي تخرّجت فيها، أُقرِّت لي منحة تعليمية تدعم خريجي الفلسفة التابعة لجامعة أدنبورغ للقيام ببحث علمي في “أكسفورد “، استلمت هذه المكافأة، أصبحت أول طالب في”معهد أوريل” في أكسفورد يعمل لدرجة دكتوراه في الفلسفة بإشراف البروفيسور برايس. وكتبت أطروحتي الإيمان والاعتقاد. التي عدّل عنوانها لاحقًا إلى “الإيمان والمـعرفة”. بعد أكسفورد، درست لمدة ثلاث سنوات في “المعهد اللاهوتي للرهبان”، “كلية وستمنستر، كامبردج”. أذكر أنني صدمت بشدة بأحد الطلاب الذي جادل بأن يسوع ليس مجسدًا للإله، بل إنسانٌ مميزٌ، في نهاية المقرر الدراسي عيّنت قسيسًا لرعية كنيسة الرهبان في إنكلترا.

بعد الاجتماع بالأبرشيات ومن ثم الكنيسة البروتستنتية المتحدة. في نفس الفترة تزوجت، وخدمت  للسنوات الثلاث التالية في أبرشية قرية تقع مباشرة جنوب الحدود الإسكتلندية، وهناك  استمتعت جدًّا بالعمل، وازدهرت الأبرشية، وولد طفلنا الأول. على أية حال، ذات يوم وصلت رسالة غير متوقعة كليًّا من قسم الفلسفة في جامعة  كورنيل، تسأل إذا ما كنت مهتمًا بالذهاب إلى هناك، والعمل كمساعد بروفسير في تدريس فلسفة الدين. ذهبنا إلى هناك ونعمت جدًّا في كورنيل، حيث نشرت أول مقالة لي في جريدة الدين الإسكتلندية صدرت في آذار 1958، وقد انتقدت فيه مقالة تحت عنوان: “التناقض الظاهري للرحمة” لـ د.م بايليى كريستولوجية الرحيل، من مبدأ الأرثوذكسية الخلقيدونية  بعبارات أخرى، لم أكن بعد قد ابتعدت عن الدين المتحفظ الذي كنت قد ابتدأت به. الانطلاق الأول الملفت للنظر حدث عام 1961، أثناء  التدريس في معهد برنيستون عندما سألت إذا ما  كان الاعتقاد بالتجسّد يستوجب الاعتقاد بالتاريخية الحرفية للولادة البتولية. عقيدة الحبل بلا دنس.

حتمية سيطرة العقلانية على الدين المسيحي

سردت هذا الجزء من سيرتي الذاتية؛ لأبين للقرّاء المتشدّدين مدى تفهمي لنظريتهم، لأنها كانت ذات يوم نظريتي، فهي كانت نقطة انطلاقي، تبدلت تدريجيًّا نتيجة تأثير الاختبارات الفلسفية من جهة، وقراءة ودراسة العهد الجديد من  جهة أخرى، هذا بالإضافة إلى محاولة التبشير بالإنجيل بطريقة مفهومة لرجال ونساء القرن العشرين العاديين بغض النظر عن أعمارهم.

تجربتي في التحول، بقيت بسيطة برغم إدراكها القوي للوجود الإلهي، الذي كان واعيًا بعمق للحضور الإلهي، الذي كان خلّاقًا، ومنشطًا، وباعثًا للحياة في آن واحد. لكن الأفكار المتشدّدة التي يفترض التسليم بها دون نقاش انتهت منذ فترة وتحطمت، وأستطيع الآن على أية حال أن  أقول ­ ما لم يقله بعض المسيحيين المتحررين ­ إن الجناح الإنجيلي المتعصب للمسيحية يؤدي دورًا ناشطًا في اعتراض الشباب، ودفعه خارج الفلسفة الإنسانية العلمانية النافذة في ثقافتنا.

يمكن بعدة حالات، أن يكون جيدًا اجتياز تحول متعصب شريطة أن يتم التمييز بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول عقلًا، على أن ينبذ في آخر الأمر ما هو غير مقبول عقلًا.

الأسلوب الديني في التعاطي مع الكتاب المقدس والوحي

بعد التمييز كان علي أن أوضح بعد هذا الحد للقارئ المتعصب كيف اختلف عنه في مسائل الوحي، وصلاحية نصوص الكتاب المقدس. لا أظن أنه من الممكن إثبات مسائل لاهوتية اعتمادًا على أقوال الإنجيل؛ الذي هو مجموعة وثائق مكتوبة خلال فترة تقارب الألف عام بواسطة أناس مختلفين، عاشوا في حقب، وبأحوال تاريخية وثقافية مختلفة الكتابات متعددة الأجناس مثل سجلات المحكمة، التي تعتبر تاريخيًّا محرّفة ومزورة، تعابير نبوية، ترانيم، رسائل، مقاطع يوميات، ذكريات يسوع التاريخي، صور أبدعها الإيمان بدلالاته الدينية، الكشف الرؤي الخاص بسفر الرؤية وغيره التأليف البشري والخلفية التاريخية يجب أن تكون دائمًا مأخوذة بالحسبان أثناء استخدام نصوص الإنجيل. نحتاج اليوم مثلًا، لتبني معتقدات قبعلمية، وفرضيات ثقافية لأناس عاشوا في الماضي البعيد في عالم بشري مختلف كثيرًا إذ كانوا يظنون بأن الأرض مسطحة، وأنّ الأمراض الجسدية سببها الجن، ليس علينا أن نتبعهم في ذلك إن ما يهم هو تجربتهم الدينية. الإله موجود معنا دائمًا وفي كل مكان، فوقنا تحتنا، وفي داخلنا. وعندما يكون الكائن البشري على نحو  منفتح على الوجود الإلهي يكون عنده إدراك واستشعار حيوي نحو الله، هذا ما يسمّى عندها وحيًا. عادة ضمن تراثنا اليهودي ­المسيحي يأخذ هذا الإدراك شكل اختبار بعض الأحداث الفردية في حياة أحدنا الشخصية. أما على صعيد الشعوب، فإن هذا الإدراك يكون توسطًا وكشفًا لحضور وحيوية الإله. هكذا عاين أنبياء العهد القديم على نحو مميز بعض الأحداث في تاريخ إسرائيل كموجبات لوجود الإله على شكل إرشاد، مساعدة، تحذير أو عقاب، مثلًا النبي أرميا رأى هجوم الجيش الكلداني على القدس كوسيلة إلهية لمعاقبة إسرائيل الكافرة. لم يكن هذا ­ على ما أعتقد ­ تفسيرًا دينيًّا ارتجاعيًّا، بل تفسير للطريقة التي اختبر فيها النبي في الواقع الحدث آنذاك.  دون شك عاين آخرون الحدث نفسه من زاوية أخرى، سياسية، أو اقتصادية محضة. الطريقة الدينية لاختبار صلاحية الكتاب المقدس لا تنفي هذه الطرق العلمانية، بل تضيف طبقة أخرى من المعايير إلى التجربة. هكذا كان للكلدانيين أهدافهم البشرية الخاصة بهم على نحو خاص، لكن النبي أرميا عاين هذه اللحظة التاريخية متضمنة هذه الأهداف البشرية كخدمة هدف إلهي.

الفرق بين الأنماط الدينية، والعلمانية لاختبار نفوذ الكتاب المقدس يحدث في العنصر التأويلي خلال تشكيل التجربة. غير الخاضع لتجربة دينية.

اعتراف العهد الجديد بيسوع

وماذا عن العهد الجديد؟ هو مجموعة من الوثائق المسيحية من القرن الأول بعد الميلاد، ما يرجع بنا بعيدًا إلى يسوع التاريخي، ومنشأ النصرانية. الوثيقة الأقدم، رسالة بولس الأول إلى التسالونيقيين على الأرجح يعود تاريخها إلى ما يقارب الخمسين سنة بعد الميلاد. وأقدم إنجيل هو إنجيل متى ويعود تاريخه إلى حوالي 70 سنة بعد الميلاد. علينا أن لا نعتبر هذه الكتب الأربعة على أنها شاهد عيان ينقل من خلال مراسلين في الحال.

كانت مكتوبة بين أربعين وسبعين سنة بعد موت المسيح من قبل أناس لم يكونوا حاضرين شخصيًّا في الأحداث التي  يصفون، كلها اعتمدت على مصادر لا يمكن اعتبارها شاهد عيان.

علاوة على ذلك، حدثت تطورات مكثّفة ضمن الجالية المسيحية خلال تلك العقود التقويمية. على أية حال، فإن الوثائق كلها وثائق اعتقادية. كلها ترى يسوع كتوسط للوجود الإلهي، ودعوة إلهية للعيش كمواطنين في المملكة القادمة. أقدم تعريف للتفاعل الإيماني الذي يظهر المسيح على أنه نبي، وشافٍ مليء بالروح هو في العبارات المنسوبة إلى الرسول بطرس في أعمال الرسل: “يا رجال إسرائيل اسمعوا هذا الكلام. إن يسوع الناصري الرجل الذي أشير لكم إليه من الله بالقوات والعجائب والآيات التي صنعها الله على يديه فيما بينكم كما أنتم تعلمون”. هذا الرجل الملهم من الله يظهر أنه قد فهم دوره كآخر نبي، معلنًا قدومًا وشيكًا للمملكة الإلهية إلى الأرض والكنيسة القديمة عاشت توقعًا متحمسًا لعودته، كأداة إلهية لتولي المملكة. مع اضمحلال هذا التوقع، كان يسوع ممجدًا في ذاكرة طائفية، رفعته من نبي مرسل، نبي بعث وحساب إلى مرتبة إلهية.

وثائق العهد الجديد كتبت خلال المراحل القديمة لهذا التطور، وحوت مشاهدًا وأحداثًا سابقة ليسوع البشري الإنساني، وتوقعات المسيح الإلهي لمذهب الكنيسة الرسمية الحديثة معًا. لست متأكدًا تمامًا إذا ما كان معروفًا بشكل  عام بالنسبة للطلاب في العالم الإنجيلي، إن كثيرًا من الناس سمّوا “أبناء الله” في العالم القديم، لم أكن أعرف هذا عندما كنت طالبًا في ذاك العالم. اليوم، في مجتمعنا حيث يسيطر العلم العلماني قد يحتاج الأمر إلى معجزات مزلزلة تجعلنا نعتبر رجلًا، أو امرأة كائنًا إلهيًّا لكن في العالم القديم، ولغة الألوهية كانت محررة أكثر، أباطرة، فراعنة وفلاسفة عظام، وهيئات دينية كانت تسمّى أحيانًا “ابن الله”، وكانت تعتبر إلهية بالمعنى الإجمالي الشامل لمفهوم الألوهية آنذاك، فيما بعد أصبح مصطلح  “ابن  الله” مألوفًا في  الديانة اليهودية، إسرائيل بكاملها كانت تدعى ابن الله. (هوشع: 11 ­ 1 )، الملائكة كانت تدعى بابن الله. (أيوب: 38 ­ 7)، والملوك كانت تتوج كأبناء الله. (سفر الملوك الثاني: 7­14)، (والمزامير: 2 ­ 10 ). لذا فالمسيح الذي هو الامتداد الملكي لداوود يصبح أيضًا ابن الله.  قد يسمّى أي يهودي تقي ظاهريًّا بابن الله، يعني شخصًا كان قريبًا من الله، خدم الله، عمل بروح الله. وبعباراتنا المعاصرة يسمّى ذلك استعارة ومجازًا. لم يعتبر أحد أن المـــــلك داوود، الذي قال له الله في تتويجه: “أنت ابني اليوم ولدتك”. (المزامير: 2 ­ 7 ). كان حرفيًّا ابن الله، وإلا لكان من الطبيعي تمامًا أن يعتبر يسوع، كونه مبشرًا وشافيًا وخارقًا، ابن الله. على أية حال، كانت هذه الفكرة مجازية لكن أقل وضوحًا في العالم المسيحي. وعندما أخذ الرسول بولس الإنجيل إلى ذلك العالم، هذا المجاز ابن الله. أخذ يتغير عندما أُلِّهَ يسوع تدريجيًّا في أذهان المسيحيين النصارى، أصبح ابن الله النصف مجازي والنصف حرفي، ومن ثم أخيرًا بعد عدة قرون، أصبح الابن الحرفي للإله، الشخص الثاني لثالوث مقدس. كل هذا عمل الكنيسة حيث مرت بمراحل جديدة، وخصوصًا عندما أصبحت في القرن الرابع الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية.

لذا، أرى أن علم اللاهوت هو صياغة بشرية، لا أصدق أن الله يكشف لنا (تناقضات) افتراضات قضايا سواء بالعبرية، اليونانية، الإنكليزية أو أية لغة أخرى. أعتقد أن صياغة النظام اللاهوتي هو نشاطات إنسانية، دائمًا، وبالضرورة توظف المفاهيم وتعكس فرضيات، وانحيازات ثقافية للاّهوتيين المعنيين. مثلًا، تعاليم التكفير المتعاقبة التي أصبحت بارزة خلال تاريخ المذهب المسيحي، عكست أوضاع المجتمع الذي انتحت خلاله.

تحدي الديانات الأخرى

بالعودة إلى السيرة الذاتية، التي كنت أسردها، هناك على الأقل اختلاف واحد كبير، بين تجربتي الشخصية التي مضى عليها أكثر من نصف قرن، وبين جيل الشباب الحاضر.

كانت مسألة الديانات الأخرى، والتحدي الذي يطرحه وجودها نادرًا آنذاك أمام المعتقد المسيحي المحافظ، أما اليوم فهذا التحدي أصبح بارزًا ومحتومًا في  المعهد اللاهوتي تعلمت قليلًا من “هـ. فارمر” لاحظت أن كتابه “الكشف والدين” من أول سطر فيه إلى آخره، كان يرى أن النصرانية متممة لما كان متوفرًا جزئيًّا في ديانات العالم الأخرى، وباستثناء اليهودي، لم أكن قد قابلت أحدًا غير مسيحي، على الأقل إسميًّا. كنت راضيًا بالفرضيات المسيحية العامة آنذاك، والتي تقول إنها إرادة الله أن يكون العالم كله مبشرًا بالإنجيل، وأن البشرية تتحول ببطء، ولكن بالتأكيد إلى مسيحية. في ذلك الوقت، أذكر أنني صدمت عندما أعلن راينولد نيبور إن تبشير اليهود بالمسيحية كان خطأ.

كيف إذا تبنيت مفهومًا للتعددية في العلاقة بين النصرانية، واعتقادات العالم الواسع الأخرى؟ وما هو هذا المفهوم؟ أستطيع الإجابة على هذه الأسئلة من خلال إكمال سرد القصة. بعد التدريس في كورنيل ثم في معهد برينستون اللاهوتي لجامعة برمنغهام مدينة في وسط إنكلترا؛ وهي مركز صناعي،كانت خلال الخمسينات والستينات، إحدى المستقبلين الأساسيين للمهاجرين القادمين من الجزر الكاريبية ومن شبه القارة الهندية.

كان هناك بالتالي وجود ضخم للتقاليد غير المسيحية مؤلفة من الجاليات الجديدة الإسلامية والسيخية، والهندوسية. بالإضافة إلى جالية يهودية صغيرة، ولكنها قديمة، ومن ثم تواجدت مجموعات بوذية متعددة. كانت الهجرة آنذاك عرضة لنقاشات حادة، وكانت الجبهة القومية، “النازيون الجدد”، فعّالة في المنطقة، فولدت جوًّا من الضرر، الأمر الذي دعم التمييز العنصري ضد الشعب الأسود، والأسمر وضد اليهود.

كان ذلك وقت تحدٍ، وموقعًا لإيجاد الذات، خلال سنواتي الخمسة عشر في برمنغهام أصبحت متورطًا بعمق في علاقات اجتماعية متعددة. كنت أحد المؤسسين لحركة “كل العقائد من أجل عرق واحد” المؤسسة في هندورث حيث يكثر السود، وكنت رئيسًا ومستشارًا “لمركز برمنغهام” لتبادل المعلومات حول الأديان، وكنت رئيس المحلفين الديني، والثقافي للجنة علاقات مجتمع برمنغهام المدعومة حكوميًّا، ورئيس لجنة تنسيق المؤتمر التشريعي المنعقد تحت صك التربية عام 1944 لابتكار منهج دراسي متفق عليه للثقافة الدينية في مدارس المدينة. بعد سنتين، تم وضع منهج دراسي متعدد الأديان؛ ليحلّ محلّ السابق المسيحي الحصري. كانت هذه فترة نشيطة ومثيرة أحيانًا. مدير أفور الأول كان قد تعرّض للاعتداء بعنف لمرات عديدة من قبل سفاكي الجبهة القومية، كما طعن الصحافي المحقق اليهودي الذي تعاونت معه في كشف محرر لسجلات قادة الجبهة القومية الذين كان عددٌ كبيرٌ منهم في السجن، وآخرون منا تلقوا التهديدات.  وسط هذا كله، وجدت نفسي برفقة مسلمين، يهود، هندوس، سيخ، ماركسيين، وإنسانيين بالإضافة إلى زملاء مسيحيين، يجب القول: إن في السبعينات لحسن الحظ كان الوضع مختلفًا عن عصرنا هذا، كانت الكنائس البريطانية بعيدة عن قيادة المعارضة للتمييز العنصري، فهي كانت غير مهتمة بحل  المسألة، وغير مهيأة لمواجهة القضايا، والمسائل الدينية التي أبرزتها حقيقة الأكثرية الدينية.

أثناء هذا العمل، ذهبت كثيرًا إلى معابد للسيخ، للهندوس، ولليهود، ولمساجد إسلامية، وبالطبع، كنائس عديدة. في أماكن العبادة هذه، سرعان ما استنتجت شيئًا جليًّا كفاية منذ ملاحظته لأول مرة، لكنه خطير جدًّا في  مضامينه. وهو أنه بالرغم من أن اللغة، العبارات، الطقوس الدينية، وروح الجماعة تختلف الواحدة عن الأخرى على نطاق واسع، لكن من وجهة نظر دينية أساسية، ينطبق الأمر نفسه على الجميع؛ أي إن الناس يتفقون، ضمن إطار قديم، أو متطور جدًّا، في كشف قلوبهم، وعقولهم لله وإذعانهم له، وفي أن له حق الاطلاع المطلق على حياتهم، وأنه يطلب منهم بعبارات أحد الأنبياء إقامة العدل، حب الفضل، المعروف، ومرافقة الرب بتواضع.  (ميخا:  (6 ­ 8.

الرب God معروف بالمعابد اليهودية بالسيد Adonai  رب آباء إبراهيم، إسحاق، ويعقوب، في  المساجد يعرف بالله الرحمن الرحيم، في معابد السيخ بالإله الأب المحب، السيد، المعطي المشار إليه بالغورو War Guru، وفي معابد الهندوس فشنو وراما، وشيفا  Vishnu, Rama, Shiva  تجسيد لكريشنا، بالإضافة إلى  آلهة كثيرة إناثًا وذكورًا. وكلهم اعتبروا تجليات حقيقة براهما المطلقة. وفي الكنائس النصرانية الثالوث الإلهي، الآب، والابن، وروح القدس، ومع ذلك، كل  هذه الجماعات توافق على أنه لا يمكن أن يوجد سوى إله واحد فقط.

إذا كان هناك بالفعل إله واحد فقط، صانع السماء والأرض، هناك احتمالان جليّان،  يطرحان نفسيهما:

الاحتمال الأول: أن الله المعروف ضمن ديانة معينة؛  أي الخاص  بها، هو الإله الحقيقي، وأن الآخرين غير حقيقيين.

 والاحتمال الثاني: أن الله المعروف لدى النصارى، اليهود، المسلمين، الهندوسيين، السيخ وغيرهم يمثّل تجلّيات مختلفة بالنسبة للإنسانية، ووجوه مختلفة أو أقنعة، أو شخص الإله المقبول، أو المحبوب، الحقيقة المطلقة.

لكن يوجد أيضًا احتمالٌ وسطٌ مُتبنًّى اليوم من قبل أغلبية اللاهوتيين المهتمين أن الله كما هو معلوم في اليهودية، الإسلام، الهندوسية المسيحية لمحات جزئية، أو محرّفة للإله الحقيقي المعروف تمامًا في النصرانية. وعلى الأرجح،  أنه لا يوجد احتمال رابع.

يبدو أن هذه السلسة من الخيارات تغطي الساحة، وتبدو طاغية، فلماذا إذًا أتبنى نظرية التعدّدية التي تقول: إن أشكال الله في الديانات الموحدة هي إدراكات إنسانية مختلفة للمطلق، في حين أن النظرية المسيحية التقليدية تقول: إننا وحدنا نملك معرفة حقيقة الرب. إن هذا التبنّي نابع من دائرة المراقبة، والتجربة الشخصية التي لم تتكون فقط أثناء وجودي في “برمنغهام” التي تتعدّد المعتقدات فيها، ولكن أيضًا من “خلال الزيارات إلى الهندوس، المسلمين، السيخ، البوذيين، السيرلانكيين، وأصحاب الديانات اليابانية، وأيضًا من خلال المشاركة في حوارات جرت بين اليهود ­ المسيحيين، والمسلمين، وحوارات بين البوذيين والمسيحيين …”.

الأخلاق في أغلبية ديانات العالم

من خلال معرفتي لعائلات عادية بالإضافة إلى بعض الأفراد الاستثنائيين الذين تشكّلت رؤيتهم من خلفياتهم الدينية، والتقاليد المختلفة التي تحكم حياتهم، والتي ما زالت تعيش معهم، لم أجد في ديانات العالم الآخر، بشكل عام، مستوى أخلاقي وروحي مختلف عن  المسيحيين، لقد بدوا  بمستوى عادي لا أفضل، ولا أسوأ من المسيحيين. بوضوح أقول: أنا أفترض معيارًا عموميًّا، معنىً عامًا لما نقصد بالصلاح البشري الإنساني الذي يعكس علاقة قوية مع الله، هذا المعنى المتعارف عليه عالميًّا بالخير، يتألف من الاهتمام بالآخرين، اللطف، الحب، الشفقة، الأمانة والصدق. الفكرة الأساسية للمحبة، والاهتمام بالآخرين، ومعاملتهم كما تحب أن يعاملوك هو في الواقع معلم في كل النواميس الدينية الشهيرة العظيمة، قال يسوع: “كما تحب أن يفعل الناس بك، افعل أنت بهم”.

قال كونفوشيوس: “لا تفعل بالآخر ما لا تحب أن يفعله بك” (Analetecs7)، تقول الطاوية: الرجل الفاضل يعتبر مكاســب الغير مكاســبه هو، وخسـارتهم خسارته (تاي –شانغ 3)، تصرح الزراددشتية: أن الطبيعة جيدة وفاضلة فقط عندما لا تفعل لغيرها ما ليس جيدًا لنفسها.  Daistan- I – Dinik 95:5) ). في الهندوسية تقول المهابهاراتا: لا يجب أن يفعل أحد لغيره ما يراه مؤذيًا لنفسه. هذا باختصار هو قاعدة الدراما (Amuhanaprava113:7 )  . تخبرنا الكتب الدينية المقدسة، بأن  الواحد عليه السير من  خلال: “معاملة كل المخلوقات في العالم كما يرغب نفسه أن يُعامل”.  katangasutra, bk. I, lat. 11:33))، أما الكتب البوذية فتحتوي على وصايا بالرأفة، وفضيلة المحبة مثل: ” كما تهتم أم لولدها طيلة حياتها، كذلك على المرء أن يكون معانقًا لكل المخلوقات” (sutra nipata, 194)  . التلمود اليهودي يخبرنا أن: “ما هو مكروه لنفسك لا  تفعله بزميلك”،  هذا ما  ورد في  التوراة، Babylonian Talmud, Sabbath 31 a))، وفي الإسلام، نقرأ  كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله لا يؤمن أحدكم حتى يتمنّى لأخيه ما يتمناه لنفسه “سنن ابن ماجة”. في كل مرة تمثّل هذه الفضائل مُثُلًا عُليا ليس للمسيحيين فحسب، إنما لمجمل الديانات الأخرى، والسؤال المهم الذي يمكن أن يثار هو النطاق الذي يمكن أن تطبق عليه هذه المثل العليا؟ الجواب الصادق، أن هذه المثل قد طبّقت بشكل مبتور وناقص؛ لأن لكل دين تقليدًا خاصًّا به. المذنبون والقديسون العظام بالإضافة إلى أناس عاديين يعيشون حالة تشوش في الوصول إلى المثالية. ولكن بسبب طبيعة السلوك البشري، فالجميع غالبًا ما يتعامل بطريقة أنانية وحاقدة. ليس بإمكاننا القيام بإحصاء دقيق للتصرفات الفردية لمئات الملايين من الأشخاص ضمن ديانات العالم العظمى على مرّ العصور. من السهل اختيار مظهر من مظاهر الظلم والوحشية في مجتمع غير مسيحي،  ومقارنته مع مظهر من مظاهر الصلاح الحقيقي في  مجتمع مسيحي. ويمكن أن نفعل العكس بسهولة، وفي كلا الحالتين لن  تكون هذه المقارنة عادلة. وأيضًا قد نعتمد على المراقبة  الشخصية، وعلى تقارير الآخرين العصرية التاريخية، ومن ثم تشكيل انطباع شامل، هذه الطريقة أيضًا لا يمكن الاعتماد عليها في  الحكم. إن انطباعي الشخصي الشامل الذي  تشكل من خلال معرفة عدد محدد من  العائلات، والأفراد وقراءة مقدار  محدد من التاريخ، وكذلك روايات المسافرين، هو أن الفضيلة، والرذيلة منتشرتان بالتساوي بين البشر، بغض النظر عما   إذا كانوا مسيحيين، يهود، مسلمين، هندوس أو سيخ.

لكن هذا ما كنا نتوقع، إن كان للمسيحيين وسيلة أكمل وأصوب من أي دين آخر للوصول والتقرب بالله     ألا يجب لثمرة الروح، التي هي المحبة، وفقًا للرسول بولس: “أما ثمر الروح فهي المحبة، والفرح، والسلام، والأناة واللطف، والصلاح، والإيمان، والوداعة، والعفاف”. رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية (5 :22-23 )، أن تكون ظاهرة في حياة المسيحيين أكثر مما هي في حياة  غير المسيحيين.

بالطبع، لن يكون من العدل توقع أن يكون مسيحي قد اختير عشوائيًّا أسمى أخلاقيًّا من أي شخص غـير مسيحي، بـل ولا يبـدو لـي بعـد أن المسـيحيين أسمى أخلاقيًّا وبشكل مميز من اليهود، والمسلمين، والهندوس، أو السيخ، أو البوذيـة. وعوضًـا عـن اقتراح مقارنة قياسية للنوع؛ وهو أمر غير ممكن، أنا أقترح استنتاجًا أكثر تواضعًا، وتجرّدًا، أنه  ليس من الممكن تشريع العلوية الأخلاقية لأتباع أي من الديانات العظيمة على أخرى.

وعندما ننكب على تعابير التفاسير ذات النطاق الواسع للدين في مجتمعات، وحضارات بشرية على مر العصور، أجد أننا منقادون إلى استنتاج مماثل هو أن الثقافات المسيحية، الإسلامية، الهندية، البوذية الصينية الإفريقية،  وحضارات أخرى بدائية هي خليط من الخير والشر.

لكن الخيرات والشرور تكون غالبًا غير متكافئة، كيف يمكن للمرء أن يجعل الشر عند الطائفة الهندوسية في إطار منظومتها المعرفية، والذي يمكن أن نجد مثيلًا له في المجتمعات المسيحية، وفي المجتمعات الهندوسية في الهند على مر  العصور أعظم من الشر عند نظام الطبقة الأوروبية عبر العصور ذاتها؟ كيف يمكن للمرء أن يقارن فقر العديد من البلدان الإسلامية، الهندوسية، والبوذية وفي مقابل الاستعمال الجشع للموارد غير الممكن تجديدها والدمار الطائش للبيئة بواسطة  الدول المسيحية الغربية؟ كيف يمكن لمرء أن يزن المشاكل الاجتماعية الموجودة في مدننا الداخلية الخاصة، التي تحتوي جرائم القتل اليومية، والعنيفة بالإضافة إلى الاستعمال المدمّر للمخدرات. أو كيف يمكن أن نقارن قسوة بعض الأنظمة الغربية، وما يعرف باللاسامية المعادية لليهودية في أوروبا المسيحية التي بلغت ذروتها في محرقة “الهولوكوست” أربعينيات القرن الماضي.

بالطبع، من السهل أن نأخذ وجهًا ظاهريًّا من حضارتنا، ومقارنته مع وجه شرير لحضارة ثانية. لكن كما سبق، ليست هذه طريقة صائبة للتقدم. من جديد أقترح أنه يبدو سهلًا الوصول إلى استنتاج متواضع، ومتجرّد، وهو أن أحدًا لا يستطيع تشريع الأعلوية الأخلاقية الفريدة لأي من ديانات العالم العظمى على الأخرى.

البعض سوف يعارض هذا التقييم لسوء الحظ، وأية مناقشة لهذا الموضوع هي على الأرجح غير حاسمة. لكن الأمر يستحق العناء إلى حد طرح السؤال على زملائي المؤلفين في هذا المحور إذا كانت نظرتهم، وأوضاعهم، ورؤيتهم للدين المسيحي تجعلهم يعتقدون أن الدين المسيحي أسمى أخلاقيًّا من الديانات الأخرى. وإذا كانت هذه القناعة لديهم، هل هي ادعاء قبلي Apriori أو ادعاء يظنون أنهم يستطيعون برهنته؟ فهل أعطى هذا الإنسان طعامًا، وشرابًا للجائعين؟ هل استقبل الغرباء؟ هل كسَى العريان، وزار المريض، والمسجون؟ (متى 25 : 31- 46). هذا هو المعيار للدين الحقيقي: “من ثمارهم تعرفونهم هل يجتنون من الشوك عنبًا، أو من العوسج تينًا، هكذا كل شجرة جيدة تصنع ثمارًا جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع ثمارًا ردية” ( 7:16-17)، لكن يبدو أن ثمار الدين المسيحي ليست أفضل، ولا أسوأ من ثمار اليهودية والإسلام، والهندوسية، أو البوذية، ألا يدفعنا ذلك للتفكير أكثر في هذه المناهج العظيمة؟  طريقة التفكير هذه الناتجة عن الاستدلال، والقدر الكافي من المطالعة، تعني لي أن ميدان الخلاص أوسع بكثير من ما هو متعارف في اللاهوت المسيحي.

هذا يقود إلى فهم جديد لوظيفة الأديان بما فيها الدين المسيحي، إذا عرفنا الخلاص على أنه مغفرة الله وقبوله بأن المسيح مات مصلوبًا، فهذا يبطل أن المسيحية وحدها القادرة على منح الخلاص، أما إذا عرّفنا الخلاص على أنه تغيير فعلي للإنسان، والارتقاء التدريجي من الأنا، ومحورها الذات. (بكل ما ينتج عنها من شرور). إلى توجه جوهري جديد يكون اللّه محوره، ويكشف عن ثمار الروح، عندها يبدو جلّيًّا أن فكرة الخلاص أصبحت مشتركة بين جميع الأديان، وفي نفس المكانة. بناء على هذه النظرية التي لم تبن على أساس لاهوتي، لكنها نتجت من خلال معاينة الحقائق الملموسة للحياة الإنسانية، فإن الخلاص ليس معاملة قضائية مدونة في السماء، ولا رجاءً معقودًا ينال بعد هذه الحياة. (علمًا أنه كذلك).

ولكنه حركة تغيير روحية أخلاقية وسياسية قادرة على أن تحدث الآن وفي أصل بناء مفهوم الحقيقة. وقد أعطي هذا المصطلح “الخلاص” تفسيرات مختلفة بحسب اختلاف الديانات، مع  أن مصطلح الخلاص بالأصل مصطلحٌ  مسيحيٌ.

والفداء مصطلح مشترك بين المسيحية واليهودية. المسلمون يستعملون مصطلحًا مختلفًا ينبثق من التسليم المطلق لله، واهب الحياة، الرحمن الرحيم بالعباد. الأديان الشرقية في الهند والصين لا تلحظ دائمًا الحق المطلق الذي نسميه الله على أنه ذات مستقلة، ولا يوجد عندها مصطلح الذنب، أو الغفران، مفهوم الخلاص عندهم نوعًا ما، يعني التحرّر والاستنارة، يعني إزالة الحجب عن الكمه الروحي الذي يسمّى عندهم أفيديا، واكتشاف الاتحاد المطلق مع البراهمن الحق الأبدي.

اليقظة والانتباه مصطلح شرقي آخر؛ يعني الانتباه لأصل طبيعة الحقيقة عندما تلاحظ من  وجهة نظر الكون. هذا الانتباه التحولي عبارة عن تحسس كلّي للحياة يسمّى “نيرفانا”، هذه تجارب مختلفة من خلال تصورات متكاملة، مختلفة لكليات دينية مختلفة.

لكن كل هذا أشكال مختلفة، ومتعددة، لانتقال الإنسان من دائرة الذات إلى دائرة الحق المطلق كما فهمه، وفسّره كل على حسب طريقته؛ مما أدّى إلى تأسيس الثقافات الدينية العظيمة على الأرض. وبالنسبة لي، أجدني معتادًا على استعمال المصطلح المهجن “الخلاص”؛ لأنه مصطلح مشترك بالإجمال.

إن عمليات الاستنتاج هذه، والتي اعتمدتها أيضًا تكون استقرائية؛ لأنها حصلت اعتمادًا على معلومات تم ملاحظتها، ومعاينتها وهي ليست استدلالية؛ بمعنى الاعتماد على مقدمات منطقية سابقة، أو استخلاص النتائج منها، منطلقًا من خلال المعتقدات المسيحية، ملتزمًا بمبادئ العقيدة التي تفيد أن تجارب وممارسات الدين المسيحي ليست كالإيمان الشكي، مجرّد بروز إبداعي فقط، ولكنه استنتاجاتنا للحق المطلق العلي، هذا الحق الذي نسميه الله. إن تجربتي  الدينية تشكّلت كلّيًّا من الديانة من سيئات وحسنات، وقد شكّل هذا التراث بكل أجزائه عالمي الروحي. ألاحظ أنه يوجد في هذا العالم تيارات قديمة منتشرة، ومعقدة أيضًا من الأديان، والمعتقدات، وكل من هذه التيارات لها حسناتها، وسيئاتها، وبعد التدقيق في هذه الأديان ومن ضمنها المسيحية أجد مفهوم الخلاص والتحرر مفهومًا ناقصًا.

هذه المفاهيم تشكّلت عندما توجه الإنسان بنسب متفاوتة بشكل عام من الذات الإنسانية إلى الحق المطلق. إن قدرة اللاهوت الخلاصي عندهم تمّ تقييمها على المستوى البشري الإنساني من خلال نتائجهم الإنسانية، وهذا النتاج برأيي كان متساويًا بين كل الثقافات العظيمة.

من هنا، يبدو لي منطقيًّا أن أستنتج أن المسيحية، ومعها كل المعتقدات الأخرى هي إدراكات إنسانية للمطلق، فهي رأت الألوهية المقدسة، والمطلقة من خلال المنظار التصوري الإنساني، واكتشاف الألوهية من خلال أشكال مختلفة من الرياضة الروحية التوافقية للتجارب الدينية.

فيبدو أنه تمّ تأسيس صحوات إنسانية أصيلة، وإدراك المطلق، والحق ومنشأ كل شيء ومنتهاه لنرى الآن ما علاقة كل هذه بالفكرة الأساسية لهذا المقال؟ وهي قدر غير المسيحيين بالنسبة للدين الأرثوذكسي التقليدي، فهذه  مشكلة دقيقة لأنها تعتبر أن القدر الأبدي للغالبية العظمى من الجنس البشري في خطر. الناحية المرفوضة من نظرية الاستئثار القديمة التي تقول إن من لا يؤمن بالمسيحية فهو ضائع، أو مخلد في النار إلى الأبد. وهذه الفكرة تم نسبتها إلى الله، وطبيعته بشكل سيء.

هل يمكن لله الذي لا حدود لحبه الإلهي أن يكون قد أقرّ أقلية من الناس الذين صادف أن ولدوا في الجزء المسيحي من العالم، كي ينالوا الحياة الأبدية. عندما قمت بالدعوة لمعتقد خلاص كوني، وانطلاقًا من تعاليم الدين المسيحي أخذ هذا الموضوع شكلًا مختلفًا من وجهة نظر التعدّدية الدينية. لم يعد السؤال محصورًا بقدر غير المسيحيين،  بل بقدر المسيحيين، وكل من سواهم، هل يمكن لكل أو بعض، أو حتى لأحد من الجنس البشري، مسيحيًّا كان أو  بوذيًّا، أو مسلمًا، أو من أصحاب الفلسفة الإنسانية، أن ينال وفاءه الأخير مع الحق الإلهي. بنظري، التفاؤل الكوني للثقافات العظيمة، وإعلانه عن وجود أبدي أفضل للجميع، انطلاقًا من الكيان المطلق للحق، يؤكّد أن جميع الخلق في النهاية سوف ينالون هذا الوفاء، ربما بعد أن يحيوا عدة مرات في عوالم مختلفة.

لكن النقطة هنا أن مفهوم الخلاص، والتحرر الكوني، أو المحدود عند الأديان المتعددة ينطبق بالتساوي على الناس من مختلف دياناتهم حتى عند الأشخاص الذين لا يملكون دينًا لا فرق بين المسيحيين أو غيرهم كما في المعتقدات  الأرثوذكسية التقليدية.

التعدّدية كتفسير فلسفي للظواهر الدينية

هذه التعدّدية ستطرح سؤالًا كبيرًا، كيف نفهم موقف التعدّدية من تراث الأديان العظيمة التي تدرك وتتوصل إلى المطلق والحق بطرق متعددة من خلال مناهج وعقائد إيمانية متناقضة. ولكن ومع ذلك، تشترك من قريب أو بعيد بالدعوة إلى خلاص، وتحرر الإنسانية، والبعض يكون مقتنعًا فقط ليثبت أن هذه الأمور من المسلّمات من دون أن يقدّم أي برهان عقلي. ولكن أصحاب الفكر الفلسفي يريدون أن يفهموا هذا الأمر، وأقترح فلسفيًّا أن الجواب يكمن في مبدأ نظرية المعرفة التي طرحها توما الأكويني منذ زمن بعيد عندما كتب: “الأمور المعروفة عند العارف بحسب نمط شاكلته”؛ يعني أن عقل الإنسان ليس عبارة عن  صفحة بيضاء يطبع العالم عليها نفسه. على العكس من ذلك فالعقل البشري، وبحالة مستمرة  يقوم بتحليل، وتغيير المعلومات المدركة  طبقًا لحدود الأنظمة التصورية التي نعيش فيها. بكلمات أخرى، العالم الملحوظ جزئيًّا فقط جزئيًّا، يتم بناؤه وفهمه من خلال النشاط الفكري الإدراكي. ويوحّد الواقع في ذلك؛ وهو أن الشكل الذي ندرك من خلاله نابع من أنفسنا، هذا هو النقد الواقعي لنظرية المعرفة.

لذلك؛ يجب أن نميّز بين العالم بذاته، العالم المحجوب، ونفس هذا العالم، ولكن من خلال الإدراك الإنساني لها، مثلًا أن مكتبي المؤلف من مساحات قاسية إذا نقرت عليها تصدر صوتًا، من وجهة نظر الفيزيائيين، هي رزم متناهية الصغر تتحرك بسرعة هائلة يدعونها ذرات لا لون ولا صوت ولا وزن لها، وهي دائمة التحرك. ولكن بالنسبة للإنسان الذي يملك هذه الحواس الدقيقة للإدراك لا يمكن أن يدرك هذا العالم إلا كما هو، وليس كما يراه الفيزيائيون. ولا بدّ أن نفس هذا العالم هو شيء مختلف بالنسبة للسمكة، أو العصفور، أو الحصان.

بناءً عليه، وكما مثّل إيمانويل كانط يجب أن نميز بين الشيء بذاته، وبين الإدراك البشري لهذا الشيء الذي يدرك على أنها ظاهرة وحدث، هذا الأسلوب أصبح لا يدخل فقط اعتبارات نظرية المعرفة، ولكن أيضًا دراسات علم النفس، وعلم الاجتماع.

إذا اعتبرت هذه حقيقة عامة حول العقل الإنساني؛ أي أن تصرفاتنا، وردات فعلنا، وإدراكنا لمحيطنا يتكوّن من خلال نشاط تحليلي دائم ومستمر، فإن هذه الحقيقة تكون صادقة أيضًا بالنسبة لوعينا وإدراكنا الديني، فيجب عندها أن نتوقع مشاركة إنسانية في صنع مفهوم إدراكنا للعالم المطلق، الوجود الكوني للألوهية.

لذا، فإن كل ثقافة دينية تفهم الحقيقة المطلقة بشكل مغاير؛ لأن كل دين يعرفها من خلال نمط، أو طبيعة، وولاية إدرا كية خاصة به. إذا أردنا عند ذلك أن نميّز بين الحق المطلق، الألوهية بذاتها، وبين الحقيقة في المفهوم الإنساني نستطيع حالًا أن نجد تعدّدًا للأديان المختلفة التي تشارك في إدراكها الإنساني للمفهوم المطلق. هذه هي أديان العالم العظيمة.

الحق والمفهوم الإنساني له

استعملت مصطلحات متعددة كالمطلق، والحق المطلق لما يسمى الإله عادة أثناء التخاطب الديني المسيحي. ابتداء من الآن سوف أستعمل مصطلح الحق مبدئيًّا لأنه ينطبق مع طريقة تفكيرنا المسيحية في الإله، حيث إنه وحده الحق الكامل والمطلق أيضًا. الحق يعني تمامًا “سات” في السنسكريتية والحق في العربية. عندما نعتبر أديان العالم العظيمة مختلفة في دعواتها الفعّالة للخلاص والتحرر، يجب أن نفكر بالعبادة التوحيدية لها، بعيدًا عن تجسيمهم وتشبيههم بصورة الله. يجب أن ندرك أن الحقيقة التي نسميها الله تتجاوز مستوى الفكر البشري. لذا، فإن أحد أباء الكنيسة غريغوريوس النيصي أكّد أنه لا يمكن بكلمات، أو أفكار البشر أن تحيط بذات اللّه وكتب قائلًا: “إن الإيمان الحقيقي بكل بساطة يفترض اللّه كما هو لا تحيط به الصفات ولا الأفكار، أو أي من أدوات الفهم، يبقى أبعد من أن يناله ليس فقط الإنسان، ولا الملائكة، ولا حتى الذكاء الخارق، لا يحويه فكر ولا وصف، فهو فوق كل تعابير الكلمات، ليس له إلا اسم واحد، يمثّل طبيعته الحقيقية، اسم وحيد هو فوق كل الأسماء”، أوغسطينوس صرّح: “بِأنّ الله يتجاوز العقل”. أنسلم  عرّف الله على أنه أعظم من أن يصل إليه الفكر، مضيفًا أن الله هو: “الأعظم من أن يناله فكر”. إذا ظننا أننا نعرف من هو الله، فحتمًا إن ما نعرفه هو ليس الله. قد عكس توما الأكويني هذا الرأي، عندما كتب: “هل نعرف الله حقًّا عندما نؤمن به على أنه فوق كل شي‏ء، وأنه من المستحيل أن نفكر بذاته و… وبعظمته وجلاله أن مادة المضمون الإلهي تتجاوز كل الأشكال التي يمكن أن يصل إليه فكرنا”.

وقد قال بهذا الأمر بعض المفكرين المسيحيين التقليديين من حيث المبدأ، ومن ضمن هؤلاء لقطنطيوس، ديونيسوس الأريوباجي، جون سكوت أريجونا، القديس جون الصليبي، وكاتب ثيولوجيا حرمانيكا  _Theologia germanica مارتن لوثر كينغ، قال ذات مرة: إنه يدين لكتاب: “Theologia germanica”  أكثر من أي كتاب آخر غير الإنجيل وأعمال أوغسطين، فرفض معرفة الله بمعزل عن غايات الله ومقاصده‏؛ لأنها تمثل علاقته بنا (الإنسان). الله هوAbsconditus Duos  الإله المحتجب في طبيعته الإلهية الأبدية. كارل بارث  _Carl barth في القرن العشرين، أيضًا نحا باتجاه الحديث عن كمال وإعجاز الله عندما تحدّث على أنه الآخر المقدس. Wolly other ،كما أن بول تيللش  _Paul tillich  تحدث عن: “الإله الذي هو فوق التوحيد”، مردّدًا ما كان قد أقامه مايستر إيكهارت بين اللّه   godhead deitas، والله بالذات   Dues.

هذا ما جرى في الديانة المسيحية منذ البداية، والذي يعتبر المركز الذي تعتمده تعاليمنا في مسألة التمييز هذا الذي سبق أن تكلمنا عنه. ويظهر هذا الأساس في كل تعاليم الأديان العظيمة الأخرى في العالم، في الشكل المسيحي أن التمييز يدور بين مفهوم الله الذات في حقيقة وجوده الذاتي الخالد، مستقلًّا عن الخلق، وبين الله الموجود في علاقاته مع الجنس البشري، كما نعرفه الخالق الفادي والملهم. إن تعاليمنا الدينية المسيحية، وبحكم الظروف تتعامل مع مفهوم الإله كما هو معروف لنا، مسلّمة أن الله في وجوده الإلهي مطلق، هو فوق ما يتصوره فكرنا المحدود. المفكر الكاثوليكي نيكولاس دا كوسا     Nicolas of cosaفي القرن الخامس عشر طورّ بعض مضامين هذه الفكرة عندما كتب: كخالق، الإله هو ثلاثة في واحد، أما كمطلق فليس بثلاثة، ولا هو واحد من الأشياء التي نستطيع أن نقولها، أما الأسماء، أو الصفات التي نسبت للإله فهي من مصدر بشري‏؛ لأن الإله نفسه هو فوق أن يوصف، أسمى من أن يسمّى أو ينعت، لقد أشرت أن هذا التمييز من جهة بين الحق ذاتًا، وكما أشير إليه بالفرنسية  a  se  وفي الألمانية الكانطية  _an sich  وفي الإنكليزية   In Itself (التي تميل أن تكون محايدة؛ لأنها لا تستعمل للتذكير أو للتأنيث )- من جهة أخرى، كما هو معروف إنسانيًّا، هذا التمييز يظهر في جميع التعاليم الأساسية. المفكر اليهودي العظيم ابن ميمون ( Maiimonides ) ميّز بين الجوهر، والتجليات الإلهية، كما أن المتصوفين اليهود والمسلمين ميّزوا بين مفهومي الجوهر والعرض، ميزوا بين مفهوم (الحق Einsof   في القابالة اليهودية، والحق عند الصوفية الإسلامية)، وبين الإله المعرف بذاته في الإنجيل العبري والقرآن. مخطوطات ا‏لطاوية تبدأ بإعلان أن الطاو الذي يعبّر عنه هو غير الطاو الأبدي. في الفكر الهندوسي التمييز يكون بين نيرفانا البراهمن (مثلًا براهما غير الموصوف فوق تصورات الإنسان)، وبين ساغونا  (Saguna ) البراهمي (مثلًا براهمي كما اختبر إنسانيًّا على أنه إله الشخص) في تعاليم بوذية المهايانا، هناك تمييز في تعليم التريكايا بين دارماكايا المطلق، والحق الذي لا يوصف، والذي لا يمكن التعبير عنه بأي شكل من أشكال الفكر البشري، وبين سامبوغاكايا المؤلف من صور وأشكال بوذا السماوية الذي تجسد في التاريخ الإنساني على شكل نيراماراكايا . بشكل عام، فإن التمييز واقع بين الحق كما هو بذاته، والحق المتصور إنساني وبأشكال مختلفة، وبين الصور الإلهية الشخصية، والمختبرة والكليات الشخصية في ديانات العالم. فرضية التعدّدية، والتي اعتبرت على مرّ القرون تفسيرات دينية للدين في العالم، كانت نتيجة لهذا التمييز بالإضافة إلى مبدأ نظرية المعرفة، والذي يقول بوجود اشتراك تأويلي للمعرفة البشرية كافة. الفرضية هي لديانات مختلفة نسميها الهندوسية، اليهودية، البوذية، الطاوية، الكونفوتشيوسية، الديانات الأفريقية الأساسية، المسيحية، الإسلام والسيخية. يجب علينا أن نسلّم جدلًا بالحق المتعالي المطلق مبدأ وأصل كل شي‏ء، والذي هو بذاته فوق منظار التصورات البشرية، ولكن تم تمثله بسبل مختلفة؛ وبالتالي اختياره، والاستجابة له في الحياة، من هنا كل الديانات مختلفة.

يجب أن يطرأ تغيير على مبدأ الذات الذي هو الحق المطلق الذي لا يوصف، حيث يتنزه عن أشكال فكرنا البشري. هذا يعني أنه يمكن أن نضع تعابير اصطلاحية بحتة حتى “الذي لا يوصف” منزّه عن الصفات، لكن هذه تفاهة منطقية. لا يمكن أن ننسب إلى الجوهر أي صفات جوهرية، مثل: كونه شخصيًّا أو غير شخصي، خيرًا أو شرًّا، هدفًا أو غير هدف، ماديًّا أو عمليًّا، حتى واحدًا أو أكثر، تابعًا لحدود اللغة التي ترغمنا على التحدث عنه بصيغة المفرد بدلًا من الجمع. مثلًا لا يمكن أن نثبت أن الحق هو لا شخصي (أو لا موضوعي) بإنكارنا أنه شخصي بذاته. هذه القطبية في المعاني ببساطة لا تنطبق عليه.

وسائل تعابيرنا البشرية لا تستطيع أن تحيط بالحق المطلق. إن مفهوم الحق يدخل في تصنيفنا البشري من خلال الفهم، والاختيار الإنساني فقط.

كيف يمكننا إذًا أن نعبد الحق إذا كان متعاليًا عن كل الخصائص، والمدركات البشرية؟ الجواب، هو أننا لا نعبد الحق بذاته، ولكن دائمًا من خلال تجلّياته البشرية، مثل: تعاليم الأب السماوي للمسيح، الله بحسب مفهوم القرآن، أو مثل السيد  Adonia كما في التلمود اليهودي، أو مثل فشنو، أو مثل شيفا، أو مثل   Pratitia Samathpada (الشخص الذي يواجه نفسه من خلال التأمّل باتجاه النيرفانا عند البوذيين غير الموحدين)، أو مثل طبيعة بوذا الكونية  Sunayata أو كما عند الهندوس غير الموحدين. كل من يواجه نفسه من خلال التأمل إلى طبيعة براهما الكونية، مثلما نفعل جميعًا في أعماقنا، كل هذه الطرق مختلفة للرجوع إلى الحقيقة المطلقة، وللتنبيه لما هو السلام، والسعادة، واللطف، والرحيم المناسب للحياة. وبعبارات أخرى، فرضية التعدّدية ليست دينًا جديدًا، يسعى من أجل تجاهل، أو نسخ الأديان الموجودة. إنه بل فلسفي لحالة الدين بشكل عام، في حين أنها لا تتدخل بأية تعاليم تنفتح حوارًا مع التعاليم الأخرى، ومن خلال نقد وآراء متبادلين. إن قبول أي شكل من أشكال التعدّدية، يحدث في بعض الأحيان تغييرًا مهمًّا لبعض التعاليم أكثر من تعاليم أخرى‏؛ لأنه يحثّ على غربلة، وصيغة هيئة فهمها الذاتي، الذي يستلزم دعوة لاستعلاء فريد على أديان العالم الأخرى.

تأثيرات التعدّدية على المسيحية

ما هو تأثير فرضية التعدّدية هذه على المذاهب المسيحية؟ في المسيحية، وكما الإسلام، فإن ادعاء الأفضلية متجذرة في عمق النظام الاعتقادي. من هنا، تصبح التعدّدية مصدرًا للتعارض، والانزعاج الشديد؛ ولهذا السبب فإنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن لا تعتبر التعدّدية معصية بنظر المؤمنين المتشدّدين، ولعل الأكثر تشدّدًا يعتبرها عملًا من صنع الشيطان، لا يسعني القول: سوى أنني لو وضعت نفسي مكانهم لتفهمت خوفهم، على كل حال، فقد اكتشفت أنه لا يوجد أي مبرر للخوف من الانفتاح بشكل أعظم على الحضور الإلهي من خلال الحياة الدينية لكل أنواع البشر، بل على العكس هناك تحرر وانفلات من رأي منحصر نسبيًّا إلى ما هو اعتقاد مسيحي ناضج، وأكثر واقعية وصدق عقلي.

كما كنت أقترح أن ادعاءات المتشدّدين بخصوص استعلاء فريد للديانة المسيحية، تكون من خلال وقائع ملحوظة. ولكن كيف يستلزم اللاهوتيون المتشدّدون استعلاءً فريدًا للديانة المسيحية؟ الأرثوذكسي التقليدي يقول: يسوع الناصري هو تجسد للإله‏؛ أي أنه ابن الإله، الشخص الثاني للثالوث الأقدس، والذي أصبح رجلًا ليموت من أجل خطايا العالم، ومن أجل من أوجد الكنيسة حتى انتشر ذلك في أطراف أخرى للأرض، وبذلك فإن كل من تقبّل المسيح بإخلاص على أنه الرب، والمنقذ فإنه سيشمله الموت التكفيري، ويرث الحياة الأبدية.

وهذا يعني أن الديانة المسيحية وحدها من بين الديانات الأخرى في العالم، هي الديانة المرسلة من الله شخصيًّا؛ فالرب تنزل من السماء إلى الأرض، وبشر بالحركة الخلاصية التي عرفت بعد ذلك بالديانة المسيحية. من هذه المقدمة يبدو جليًّا أن الله أراد من جميع الكائنات البشرية أن تدخل هذا التيار الجديد إلى الحياة المنقذة؛ بحيث تبطل الديانات المسيحية كل الديانات الأخرى. قد تحمل هذه الديانات الأخرى بعض الخير، وقد تصلح أن تكون إلى حدٍّ ما عملًا تحضيريًّا للإنجيل، لكن دون شك الديانة المسيحية وحدها هي دين الرّب، والذي يقدم حياة متكاملة لا يمكن لأي تعاليم أن تقدمها، وهذا مُصَمَّمٌ إلهيًّا لكلّ رجل وامرأة من دون استثناء.

كل هذا ينبع منطقيًّا من صميم عقيدة ألوهية المسيح، وكل التعاليم الأخرى، لمعتقد الثالوث المقدّس، ومعتقد التكفير بدوره ينبع منطقيًّا من هذا. بينما كان الرب على الأرض بشكل المسيح، كان وفي نفس الوقت الرب في السماء، وعندما تضيف الروح القدس (الذي لم يكن بأي حال منفصلًا في الطبقات الأولى في العهد الجديد عن روح المسيح، والذي لم يكن أساسًا مشارًا إليه على أنه موجود ثالث) نحصل عندها على ثالوث. إن مبدأ التكفير الإلهي التقليدي، يشكل النظرية الأولى للفداء، أو نظرية الرضا الكاثوليكية، أو نظرة النيابة الجزائية المعدّلة تفترض فكرة ألوهية المسيح‏؛ لذا فإن الأعمدة الثلاثة للتقاليد الأرثوذكسية، تصبح وبشكل أساسي عرضة للانتقاد عند أي محاولة لإثبات عالمنا اللاهوتي في ضوء الإدراك، علمًا أن المسيحية ليست الممر الوحيد للخلاص، ولكن واحد من كثير.

إن إعادة النظر في التعاليم التقليدية للتجسّد، يعني ضمنًا، إعادة النظر في نظرية التثليت، والتكفير. إعادة النظر هذه، قد بدأت عند بعض المسيحيين بشكل مستقل بعيدًا عن ضغوطات التعدّدية الدينية. الكثير منهم وجدوا أنهم يستطيعون أن يحبّوا، يوقروا، ويتبعوا يسوع الناصري كما هو معروف في وثائق العهد الجديد، دون الحاجة لأن يؤمنوا بأن المسيح هو تجسيد إلهي للرب. هذا يضع العقيدة التقليدية أمام مشكلتين:

المشكلة الأولى: أن المسيح المعروف تقليديًّا وتاريخيًّا، لم يعلم هذه التعاليم. فهي صنيعة الكنيسة التي كان المسيح نفسه اعتبرها كافرة. نحن هنا على حافة البؤرة التي لا نهاية لها للتأويل الإنجيلي، حيث وفي هذا المجال لم يقل أي باحث به إلا ونفاه باحث آخر. لذا علينا وفي كل حال أن نفصل بين المتعصبين للإنجيل الذين يقولون بعصمة الإنجيل حرفيًّا، وبين السواد الأعظم للباحثين في الإنجيل، مثل الذين يدرسون في الجامعات، والكليات المعتمدة أكاديميًّا. بالنسبة للأوائل فإن فكرة التجسّد يمكن الإشارة إليها من خلال النص التالي: (يوحنا: 13 :10)  و”كل من رآني فقد رأى الأب”. (يوحنا: 9:14). أما بالنسبة للآخرين، وهم التعدديون يمكن أن يشيروا إلى مفهومهم من خلال النص التالي: “أنا الطريق، وأنا الحقيقة، والحياة ولا يمكن لأحد أن يأتي إلى الأب إلا من خلالي‏”. (يوحنا:  (6:14.

ولكن من ضمن الباحثين الأساسيين للعهد الجديد، في كل من المشددين والمتحررين، الكاثوليك والبروتستانت، هناك إجماع اليوم على أن هذه ليست أقوالًا للمسيح، ولكنها كلمات نسبت إليه من بعد خمسين، أو سبعين سنة من قبل أحد الكتّاب المسيحيين، الذي قام بصياغة هذه التعاليم الدينية، التي ازدهرت فيما بعد أثناء نمو الكنيسة.

إن اختلاف الخطابات بهذه الطريقة من أجل الشهرة، وتضخيم صور الماضي، مشتمل على رأي الكاتب في الدلالة الحقيقية لتلك الصورة الماضية، كان عادة طبيعية في العالم القديم، والأحاديث المنسوبة إلى المسيح في الإنجيل الرابع تعتبر اليوم عند معظم الباحثين المعاصرين أكبر مثال على ذلك، على كل حال، ليس كل منتمٍ إلى الجناح الإنجيلي في الديانة المسيحية مدركًا لذلك. لذا علي أن أروي مقاطع لباحث أو اثنين من الدارسين المتشدّدين للعهد الجديد، والذين يؤمنون من صميم قلبهم بالتجسّد، ولكنهم في الوقت نفسه يدركون عدم إعلان هذا الأمر من قبل المسيح شخصيًّا.

فها هو (س. ف. د. مول ) الذي يعتبر من ركائز علماء الدين الأرثوذكس يقول: “إن أية قضية أساسية في علم الدين المسيحي اعتمدت على القضايا المنسوبة إلى المسيح حول شخصه، وخاصة في الإنجيل الرابع هي بالتأكيد مشكوك فيها”،  كما أن رئيس أساقفة كونتربري ميخائيل رمساي وهو ركيزة من ركائز الأرثوذكسية الدينية على غرار مول كتب يقول: “إن المسيح لم يدَّعِ الألوهية لنفسه”. و”إن عنوان ابن الله ليس دلالة قوية بحد ذاته، حيث إنه في الدوائر اليهودية قد لا يعني أكثر من المسيح المبشّر، وبالتأكيد فهو يدل على كامل الأمة الإسرائيلية، وفي الهليّنية كان هناك العديد من أبناء الله‏؛ أي رجال قديسون ملهمون”. البروفيسور جايمس دين وهو باحث مميّز ومتشدّد في العهد الجديد، كما أنه مدافع عنيد عن علم الدين الأرثوذكسي، يستنتج في كتاب واسع الانتشار عن الأصول المسيحية أنه: “لا يوجد أي دليل حقيقي في تعاليم المسيح الأول ما يمكن بالحقيقة أن يسمّى باستشعار الألوهية”، هذا المفهوم مقبول بشكل عام حتى بالنسبة للاهوتيين المتشدّدين، الذين يدافعون عن مذهب التجسّد التقليدي، فهم يسلمون به ضمنًا في إطار المعلومات الأساسية التي يأخذونها بالحسبان، من هنا فإن “كانون برين هبلشويت”، وفي معرض دفاعه الأساسي عن مذهب التجسّد التقليدي وصل إلى نتيجة: “ليس من الممكن بعد الآن الدفاع عن ألوهية المسيح من خلال ما بيّنه المسيح”.

والبروفسور دافيد براون   _David Brownوهو عالم آخر متشدّد كتب يقول: “يوجد دليل جيد أن المسيح نفسه، لم يَرَ ذاته لائقًا بالعبادة”؛ هذا يعني: “أنه من المستحيل أن نبني أي إعلان لألوهية المسيح على أساس استشعاره عندما نرفض الإطار التقليدي كما عكس في الفهم الحرفي لإنجيل يوحنا، إن عدم إعلان المسيح عن نفسه بأنه الرب يقطع الطريق أمام المدافعين عن العقيدة المسيحية القديمة والتي استعملتها مرات عدة عندما كنت طالبًا إنجيليًّا في إدنبورغ والتي تقول: إن من يدّعي الألوهية يجب أن يكون إما مجنونًا، أو شريرًا، أو إلهًا، ولأن المسيح لم يكن شريرًا، أو مجنونًا فهو إله. فمن الواضح الآن أن المسيح لم يدَّعِ الألوهية، يجب على المؤيدين لمذهب التجسّد الحرفي أن يتراجعوا من خلال السلطة الربانية عما يعتقدونه حجّة جدلية تقول إن كلمات وأفعال المسيح تدَّعي ضمنيًّا الألوهية. لا شك أن المسيح أعلن غفران الله للأفراد كما يفعل بالتأكيد الكهنة والأساقفة. كما ورد في إنجيل مرقس: “لابن الإنسان سلطانٌ على الأرض أن يغفر الخطايا”. (مرقص: 10:2)، ولكن حيث إنه يوجد نظريات مختلفة حول معنى ابن الإنسان، لم تقترح أي من هذه النظريات أنه إما أن يكون كائنًا وسيطًا، أو يكون بساطة ابن الإنسان أي أنه إنسان.

المشكلة الأولى التي تعترض مبدأ التجسّد التقليدي إذًا هي أن المسيح لم يُعلمْها، والاعتقاد السائد أنه دعا إليها ادعاء مشكوكٌ به بشدة. إنه من الصعب والوهن أن يبني أحدهم معتقده على تأويل من نصوص قديمة مشكوك فيها. السؤال الذي يجب مواجهته هنا على أي أساس نستطيع أن ندعي أننا نعرف من هو المسيح بطريقة أفضل مما عرّف بها نفسه.

المشكلة الثانية: هي أنه بعد حوالي خمسة عشر قرنًا، لا يمكن إثبات إمكانية إعطاء أي معنى صريح لفكرة أن المسيح له طبيعتان كاملتان، إحداهما إنسانية، والأخرى إلهية. إن عنصر المفارقة للفكرة واضح. فمن أجل أن يكون المسيح بشرًا كاملًا وبشكل صادق، يجب أن يكون قد حصل على كل العناصر البشرية، وحتى يكون المسيح إلهًا كاملًا، وبشكل صادق، يجب أن يكون قد حصل أيضًا على كل العناصر الإلهية. وهذا يتضمن كونه خالدًا، غير مخلوق، موجدًا لنفسه، خالق كل شي‏ء سوى الإله، أحادي القطب، كلي الإبداع، كلي الظهور، روحًا دون جسد، ويكون كاملًا فيه كل فضيلة مثل الإحسان، الحب، العدالة، الرحمة، المجد. إن أي شخص يفتقد أيًّا من هذه الخصائص ليس إلهًا كاملًا.

إن جوهر الخصائص الإنسانية لا يسهل إحصاؤها؛ لأننا لا نملك علم الإنسان الأرثوذكسي الذي يتماشى مع علم اللاهوت الأرثوذكسي. ولكن هذه الخصائص حتمًا تحتوي على وجود جسد بشري مع حجم محدّد؛ أي ليس كلي الحضور؛ وهو مخلوق يعني ليس خالقًا لكلّ شي‏ء، غير الإله، يملك طاقة محدودة، فهو ليس كلّي الأقطاب، كونه يملك حدودًا للفضائل المتنوعة وليس المرتبة اللامتناهية.

إذًا، السؤال الذي أغضب علم اللاهوت، والذي لم يجد جوابًا مقنعًا، هو أنه كيف يمكن لشخص أسطوري (تاريخي) الذي هو يسوع الناصري أن يحتوي على كل الخصائص في آن واحد؟ هذا إذا كنا مقتنعين بالأمر بالتأكيد. هل حقًّا نريد القول: إن المسيح كان لديه المعرفة المطلقة التي يملكها الإله، ولكن فقط تظاهر بالجهل كما ورد في (متى: 26:24)، وهل نريد القول: إنه من الممكن حقًّا للمعرفة المطلقة أن يحتويها عقلًا لإنسان المحدود. إن عدد خلايا الدماغ عند الإنسان، مع أنها كثيرة، ولكن تبقى قدراتها محدودة. ولذا لا يستطيع أن يحوي إلا كمية ضئيلة من المعلومات. إذًا كيف يمكن للمسيح أن يملك العلم المطلق؟

أيضًا، وباعتبار الوجود المطلق. هل نريد حقًّا القول: إن المسيح صاحب الحضور المطلق تظاهر أنه ليس كذلك كما ورد في (مرقس:  5:6)؟ أكثر من ذلك، فإن المسيح ومن خلال الأناجيل، وبشكل إجمالي يظهر على أنه مخلوق، وليس خالق الكون، وأنه ظهر إلى العالم في وقت محدّد، فهو ليس الكيان أبدي الموحد لنفسه، وأنه كان موجودًا في مكان محدّد إذًا فهو ليس الكيان الأبدي الواحد لنفسه، وأنه كان موجودًا في زمن محدد، إذًا فهو ليس حضورًا مطلقًا. وفي الوقت الذي كان فيه محبًّا، خيّرًا، حكيمًا عادلًا، ورحيمًا، فإن هناك مشكلة بدون شك هي أنه كيف للكيان الإنساني الحدود أن يحمل في ضمنه هذه الفضائل بشكلها الكامل اللامتناهي؟

إن المجمع الخلقدوني، الذي أقرّ لأول مرة التعاليم الأرثوذكسية، أكّد بكل بساطة: “إن المسيح كان في ذات الوقت إلهًا كاملًا، وبشرًا وهذا فهو له طبيعتان، إلهية وبشرية موحدتان دون أي تعارض، وأي تغيير، وأي انقسام، بدون أي انفصال، وأن التمايز بين الطبيعتين لا يمكن بأي شكل أن يتعارض مع الاتحاد، ولكن على العكس‏؛ فإن خصائص كل طبيعة تتكامل، وتتشارك لتشكل شخصًا واحدًا. “هكذا فإن المسيح يمتلك كلًّا من الخصائص الإلهية، والبشرية، وهذه الخصائص محفوظة ومصانة. لكن الحاكمية لم تبين كيفية إمكانية هذا الأمر. في حين أصرّت على أن المسيح كان بشريًّا بالكامل، وإلهيًّا بالكامل، وتعمّدت حذف كل التعاليم التي أنكرت أيًّا من الطبيعتين، ولكنها لم تبيّن المقصود من ماهية البشري، والإلهي الذين وجدا في ذات الوقت.

الشكل الأبسط، والأكثر معقولية هو أن يكون عقلًا إلهيًّا في جسد بشري، ولكن حتى هذا كان مرفوضًا؛ لأن أي كائن لا يمتلك عقلًا بشريًّا لا يمكن تصنيفه على أنه كائن بشري. إشكالات سفسطائية متعددة اعتمدت، مثلًا:Appollinairs   أقترح أن الكائن البشري يتألف من جسد وعقل وروح. وفي حالة المسيح فإن العقل والجسد كانا بشريين، ولكن الروح كانت الرمز الرباني. ولكن حتى هذه الفكرة رفضت‏؛ لأن المسيح لو لم يكن يمتلك روحًا إنسانية، فهذا يعني مجدّدًا أنه ليس إنسانًا بالكامل. محاولات عديدة، بعضها ذكي، حصلت في فترة الجدلية المسيحية بين القرن الثالث، والتاسع ولكن اعتبرت كلها هرطقة؛ لأنها فشلت في الإنصاف بين الألوهية والإنسانية في المسيح. هذه المحاولات تستمر في يومنا هذا، ولعل أكثرها إلفاتًا للنظر في عصرنا نظرية ذي العقلين لتوماس موريس Thomas Morris وغيره .لقد قمت بنقد هذه النظريات وأنا مستعد لنقدها مرة ثانية إذا كان أي من الكتّاب المشاركين يعتقد أن نظرية ذي العقلين مقبولة.

ألا يمكن تجاوز كل هذه المشاكل من خلال فكرة الكنوسيس الإلهي‏؛ أي تجديد الذات في الألوهية؟ ألا يمكننا القول: ومن خلال فكر جامع لكل مدارس علم اللاهوت المسيحي، إنه بصيرورته رجلًا، افرغ لابن الإلهي نفسه من كل الخصائص الإلهية حتى يصبح إنسانًا كليًّا وكاملًا؟ ولكن هذه النظرية التصورية كانت أيضًا محلًّا للانتقادات. هل يبقى الإله إلهًا إذا ما جرّد من الخصائص الإلهية؟ وبأي معنى يندرج التجسّد الإلهي في المسيح إذا افتقر الإله إلى عناصر العظمة الإلهية على عكس ما قاله الخلقدونيون باستحالة الفصل نقول: إن المسيح كان يمتلك بعضًا من الخصائص الإلهية، ولا يمتلك البعض الآخر. ولعل الإله الابن جرّد نفسه من هذه الصفات من الوجود، والعلم والحضور المطلق، ولكنه احتفظ ببعض الصفات الأخرى مثل الحب، الخير، المجد، الرحمة والعدالة من الضرورة إيجاد تفسير لكائن موجِدٍ لنفسه أن يوجِدَ نفسه. ولكن حتى أن يتمّ تفسير ذلك، فإن فكرة النصف الإلهي مشكلته الأساسية. كيف تكون صفات الأخلاق الإلهية مطلقة؟ وكيف للنوع المطلق أن يختزن في الكائن البشري المحدود، والكائن المحدود لا يمكن أن يحصل على الصفات المطلقة؟ يجب علينا القول في المقابل: إن المسيح اختزن من الصفات الأخلاقية قدر ما يمكن اختزانه في حياة الإنسان المحدودة، وغير ذلك: “كل الكمال الإلهي يكمن جسديًّا”.

اقتراح التعدّدية فيما يتعلق بالتجسّد ويسوع

لكن هذا الاختزال للألوهية نجده تميز عن المفهوم التحرّري ليسوع كرجل كان جدّ منفتحًا جدًّا على وجود الإله، ومستجيبًا جدًّا لإرادته التي استطاع تطبيقها على الأرض من خلال أفعاله المجسّدة. التجسّد هنا استعارة كما في قولنا: “إبراهيم لنكولن تجسّد لروح الاستقلال الأمريكي”، وهتلر مجسد للشر، وبهذا المعنى المجازي يمكننا القول: إنه بقدر ما يُنفّذُ أي مخلوق بشري إرادة اللّه، فاللّه مجسّد في عمل كل شخص، كلما تصرف بحب مع مريض بالجسد، أو الفكر، مع الضعيف، والمظلوم، مع اللاجئين والأطفال المنتكسين، مع الفقير المستعبد، أو المحروم المفجوع، والمحزون، بهذه المواضع يتجسد اللّه دائمًا على الأرض.

بهذا المعنى، تصبح فكرة تجسد المسيح على الأرض معقولة، وليس بمعناها الحرفي، فالمسيح كان مكشوفًا جدًّا للوحي الإلهي مستجيبًا له.

النوع المناسب لهذه العقيدة من الثالوث هو الذي تصبح فيه هذه المفاهيم الثلاثة بغير معناها الحاضر الآن، والمتمثلة بالوعي والإرادة، بل المفهوم القديم حيث شخص برسونا persona (هو دور يلعب على المسرح الروماني كان يضع الممثل قناعًا للدلالة على دوره في المسرحية) هكذا الأشخاص الثلاث، هم ثلاث طرق‏؛ حيث يكون الإله الواحد متمرسًا بتعامله مع الجنس البشري كخالق، وكمحول، أو فاد وكروح باطنية. وليس هناك مذهب كفارة مشترط بالمعنى النظري حول كيفية تمكن اللّه من غفران ذنوبنا بموت يسوع‏؛ لأن يسوع علّمنا من خلال الصلاة الربانية أن نقترب من اللّه مباشرة، وكأنه أبونا السماوي، وأن نتلمسه ونتوقع المغفرة الإلهية بدون أي وسيط، أو تضحية مكفرة.

مجددًا، في حكاياته الرمزية عن الابن السخي المبذر، علمنا يسوع أن الإله يغفر بحرية، ويتقبل أولئك الذين يتوبون بإخلاص توبة نصوحة. عندما يعود الابن الضال الآثم بتوبة عميقة، فإن والده لا يقول له: “لأنني مستقيم بالإضافة إلى كوني أبًا محبًّا، لا أستطيع أن أسامحك حتى تكفّر عن ذنبك تمامًا”، لكن: “والده رآه، وأشفق عليه، وركض وعانقه وقبله…”، وقال: “لنأكل ونمرح‏؛ من أجل هذا مات ولدي، وهو حي من جديد كان ضالًّا واهتدى، كان ضائعًا ووجد”. (لوقا: 15: 20 –24).

في قصة الفريسيين وجائب الضرائب، الأخير وقف بعيدًا، حتى أنه لم يرفع عينيه نحو السماء، لكنه ضرب صدره قائلًا: “ربي كن رحيمًا بي أنا مذنب”.

ثم قال يسوع: “أقول لكم، هذا الرجل نزل إلى بيته بريئًا من الأثم دون الآخر”.  (متى: 18: 13- 14). مجدّدًا، هناك إصرار من يسوع من خلال حضوره على إدخال المذنبين في رحمة الإله بخلاف المذاهب التقليدية، وذلك من خلال قبول توبتهم، وهو بهذا الأمر يريد أن يحقق رغبة اللّه بالرحمة من خلال التوبة: “اذهب وتعلم معنى هذا”، “أنا أود الرحمة، وليس التضحية”.

وعلى خلاف التعاليم التقليدية، فكل هذا يتطابق مع التعدّدية الدينية، حيث يمكننا رؤية يسوع على أنه الشخص الذي جعله لنا اللّه حقيقيًّا، والذي أرانا كيف نعيش كمواطنين في مملكة الرب، يسوع الذي يمثّل القائد الروحي الموقر، الملهم والمثل الأعلى، يمكننا أن نفعل كل هذا دون أن نضطر لأن ننكر على الشعوب الأخرى قادتهم الروحانيين، وقصصهم الإلهامية التي تعم بنفس الطريقة من خلال تعاليم دينية مختلفة.

 

جون هيك

جون هيك

ولد في كانون الثاني 1922، أستاذ في علم اللاهوت، وفلسفة الدين. حاز على شهادة الحقوق من جامعة "هل"، وعمل كأستاذ فخري لفلسفة الدين في جامعة كليرمونت للخريجين في كاليفورنيا، وأستاذ الثيولوجيا الفخري في جامعة برمنجهام، ودرّس في جامعتي كورنل وبرينستون. كما شغل منصب نائب رئيس الجمعية البريطانية لفلسفة الدين ونائب رئيس الكونغرس العالمي للأديان. من أهم مؤلفاته فلسفة الدين. • Faith and Knowledge. • Evil and the God of Love. • Death and the Eternal Life. • An Interpretation of Religion. • The Metaphor of God Incarnate.


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
التعدّديّة الدينيّة

المقالات المرتبطة

سوسيولوجيا الغدير قراءة مفاهيمية في ماهية سلطة الغدير وعلاقتها بسلطة الفقيه الشيعي

تعدّ سوسيولوجيا الغدير موضوعًا حديثًا غريبًا لعامليْن ينبغي ملاحظتهما. العامل الأول هو اقتصار دراسات قضية الغدير على الناحية التاريخية والدينية والأدبية.

محاكمة تحليلية لمفهوم الوجود على ضوء الخلفيات والنتائج

لا شك في أنّ مسألة أصالة الوجود هي إحدى الركائز الأساسية التي تنهض عليها الحكمة المتعالية عند صدر المتألهين. والغرض من هذه المقالة هو استعراض مراحل نمو وتطوّر هذه المسألة، ومتابعة سيرها منذ أقدم العصور وإلى وقتنا الحاضر.

نحو فلسفة القيم الحضارية (مساهمة إسلامية)

عندما يلف الوجوم وجه العالم، يقع الإنسان في عمق وجدانه فريسة القلق القاتل. حينها تسقط حضارات وتتغير وجوه من قيم

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

لن يتمّ نشر عنوان بريدك الالكتروني.
الحقول الالزاميّة مشار إليها*