المحمل المصري لكسوة الكعبة تراجيديا سياسية بنكهة دينية

المحمل المصري لكسوة الكعبة تراجيديا سياسية بنكهة دينية

مقدمة … الإسلام في مصر

فتح المسلمون مصر عام 20 من الهجرة النبوية /641 من ميلاد السيد المسيح، فكانت إضافة مالية اقتصادية مهمة بالنسبة للدولة الإسلامية الناشئة في المدينة المنورة، فقد كانت مصر سلة غذاء الإمبراطورية الرومانية طوال 600 عام، ومنذ فتحها المسلمون ظلت سلة غذاء الإمبراطورية العربية الجديدة، والخلفاء استنزفوها، كما استنزفها الرومان، رغم أن المصريين ظلوا على دينهم المسيحي الأرثوذكسي ولغتهم القبطية، ولم يدخل المصريون الإسلام، بصورة جماعية إلا في العصر الفاطمي، وبعدها أمست مصر دولة إسلامية قلبًا وقالبًا، بل تعربت وتعرب معها الأقلية من المصريين الذين بقوا على دينهم المسيحي.

وظل المصريون يدفعون الجزية وخراج الأرض للخليفة في المدينة أو دمشق أو بغداد، وتم استنزافها ماليًّا واقتصاديًّا، وظل الحجاز يعيش عالة على معونة مصر وعلى غيرها من البلاد المفتوحة مثل فارس والشام. ففي عام الرمادة عام 18 هـ، حدثت مجاعة في المدينة، في عصر الخليفة الثاني “عمر بن الخطاب”، فأرسل لعمرو بن العاص والي مصر وفاتحها، قال عمر في رسالته: “إلى العاص بن العاص … أتأكل أنت ومن معك ونهلك نحن هنا … يا غوثاه يا غوثاه، أنت ومن معك ومَن قِبَلك وما أنت فيه، ونحن ما نحن فيه”، فأرسل إليه عمرو ألف بعير تحمل القمح والدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدهن (اللحوم)، وبعث إليه بخمسةِ آلاف كِساء، وبالتأكيد إن هذه الغلال لم تؤخذ إلا من خلال السخرة، وليس عن طيب خاطر من أهلها الفلاحين الفقراء في القرى والمدن الصغيرة.

ولاية مصر

صارت مصر ولاية إسلامية، وبقي عمرو بن العاص واليًا على مصر، ثم عزله الخليفة عثمان بن عفان، وعيّن مكانه عبد الله بن سعد بن أبى سرح، واستطاع الأخير جمع أموال من مصر أكبر مما استطاع أن يجمعه عمرو بن العاص، بسبب فرضه ضريبة رؤوس فوق الخراج، فجمع أربعة عشر ألف ألف (مليون) دينار، وسر ذلك عثمان بن عفان فقال لعمرو بن العاص: “درت اللقحة (الناقة أو البقرة) بعدك يا أبا عبد الله، بأكثر من درها الأول”، فرد عليه عمرو بن العاص “نعم، ولكن أجاعت أولادها”؛ يعنى أن مصر بقرة حلوب، تم تجويعها بفرض ضرائب الرؤوس، كرؤوس الماشية، أما عن كيفية الحصول على المعونة من القرى المصرية، ومن فقراء الفلاحين المصريين، فقد كانت بالعنف والسخرة كما ذكرنا، ومنذ ذاك الوقت، كانت مصر تغيث وترسل الغلال والأقوات إلى الخلفاء في المدينة أو دمشق أو بغداد، فكان منصب والي مصر يقل قليلًا عن منصب الخليفة، وكانوا يشترون ولايتها مقابل رشاوى مالية أو سياسية، فقد كانت رشوة لعمرو ليساعد معاوية في حربة ضد أمير المؤمنين(ع).

كما كانت مصر مسؤولة عن خياطة الكسوة الخاصة بالكعبة، وكان العرب في الجاهلية، لا يكسون الكعبة المشرّفة إلا بقماش “القبّاطي”، نسبة إلى”القبط”، ومصطلح القبط هو من أسماء المصريين.

وبعد إسلام أغلبية المصريين، بدأت تدافع عن الإسلام بصورة إيمانية غير مسبوقة، وأقامت الدولة الفاطمية مصنعًا خاصًّا بكسوة الكعبة في مدينة “الفيوم”، ترسلها لتصل في آخر شهر ذي القعدة من كل عام، وكان الخليفة الموجود يحصل على الشرعية السياسية والدينية، عندما يشرف فعليًّا على الحجاز من خلال والي يعينه للحجاز، ويدعو الخطباء للخليفة من فوق منابر الحرمين الشريفين، ولذلك كانت أي خلافة ناقصة، إن لم يدعو الخطباء لهذه الخلافة أو لذاك الخليفة.

عمارة البيت الحرام

وكانت مصر مسؤولة عن عمارة وصيانة البيت الحرام بعد أن أسلم أهلها، ولا نغالي عندما نذكر أن الذي أشرف على بناء الكعبة قبل البعثة النبوية، عندما اختلفت القبائل في من يحمل الحجر الأسود، وجاء الحل المشهور من النبي (ص)، عندما وضع الحجر في عباءته الشريفة، ونالت كل قبيلة قرشية شرف حمل الحجر، كان المشرف على البناء “باخوم”، وهو من الصنّاع المصريين، وقد ذكر ذلك الدكتور طه حسين في كتابه “على هامش السيرة”، وفي كل تجديد تقوم به العمالة المصرية المدربة.

المحمل المصري منذ العصر المملوكي

منذ عصر السلطانة المملوكية “شجرة الدر” (1219 تقريبًا – 1257، حيث اختلف في تاريخ وفاتها، أي ماتت قبل سقوط بغداد عام 1258)، ونشأة الدولة المملوكية تحت غطاء الخلافة العباسية الاسمية في القاهرة.

كان المحمل المصري دليلًا على تبعية الحجاز لمصر، ومنذ عصر “شجرة الدر”، بدأت ترسل الكسوة مع بعثة طبية وفقهية واقتصادية، فكان يرحل مع الكسوة، الجمال المملوءة بالقمح ومعهم الأطباء والفقهاء، وتم تسمية كل هذه القافلة “المحمل المصري”، حيث كان يرحل مع الراحلين، أولئك الراغبون  في الحج من المصريين، حيث ينتظرون الحجّاج القادمين من الشمال الأفريقي لتكون قافلة واحدة، تنطلق نحو سيناء، وتنتظر قريبًا من غزة الفلسطينية حجّاج الشام، ثم تنطلق نحو البيت الحرام في مكة المقدسة، مع العلم أنه كان يوجد محمل عراقي ومحمل شامي، ولكن المحمل المصري كان الأكبر، فضلًا عن حمله الكسوة الشريفة.

أما الكسوة التي كانت تعلق على الكعبة الشريفة‏، كانت غطاء مطرز بالذهب‏،‏ ونهاية حوافه مطرزة بالفضة وملبسة بقشرة من الجواهر‏،‏ ويشرع في صنعها في شهر ربيع الثاني لتصبح جاهزة خلال ستة أشهر‏، وكان الوالي يفتش عليها بين الحين والآخر، ويقوم بوزنها الذي كان يصل عادة إلى سبعة عشر قنطارًا؛ (القنطار = 143 كيلو جرام) من الحرير‏،‏ وثلاثة قناطير من الفضة الخالصة‏.‏

أما الغلال المرسلة للحرمين إذ كان على الخزينة المصرية أن ترسل ‏40‏ ألف أردبًا؛ (الأردب = حوالي 50 كيلوجرام) من الغلال كل عام لإطعام أهالي مكة والمدينة.

وكان يتم نقلها بالطريق البحري من السويس إلى جدة‏، ومعها تعيينات أشراف الحرمين التي كانت ترسل للأشراف‏، وغالبًا ما كانت تقدم على شكل نقدي،  وهي تورث من الأب للابن مثلما يورث مركز الشريف نفسه.

وخروج هذا المحمل من القاهرة، من منطقة “بركة الحاج”، باحتفالية رسمية وشعبية من ملامح الحياة الدينية المصرية في العصر المملوكي، يجري التأريخ له، وله مؤسسة رسمية خاصة تقوم بكسوة الكعبة وتسيير المحمل في حماية العسكر الذين يقودهم شخص ذو مكانة عالية ليكون أميرًا للحج، ومعه كبار الفقهاء والأمراء والنفقات والحبوب والمواد الغذائية لسكان الحرمين، والذين ينتظرون قدوم المحمل، ويتعيشون من صدقاته من الأوقاف المصرية المحبوسة على رعاية الحرمين والسكان هناك.

قبيل رحيل المحمل

تقدم الدكتورة “ليلى عبد اللطيف” صورة لتلك الاحتفالات في كتابها “المجتمع المصري في العصر العثماني”، ومما جاء فيه، أنها تقام في منتصف شهر شوال‏،‏ فيدور المحمل في احتفال كبير بعد أن يقوم أرباب الحوانيت التي سيمر بها بتزيينها.

وكان يحتشد الكثيرون من سكان القاهرة لمشاهدة الركب الذي توضع فيه الكسوة الثمينة على جمل مزين، يشق طريقه وسط زغاريد النساء ودعاء العامة وتهليلهم‏، متقدمًا إلى القلعة،‏ وأمام الموكب يسير الفرسان، وتصطحبه فرق الموسيقى العسكرية حتى يصل إلى القلعة فينزل السلطان لتسليم الكسوة الشريفة إلى‏ أمير الحج‏، ويلي ذلك احتفال آخر يقام بخيمة في البركة.

وكان يشرف على تصنيع وتطريز كسوة الكعبة مسؤول يسمى “ناظر الكسوة”، ونقلها للحجاز كان يتم تحت إشراف أمير كبير يسمى “أمير الحج”، وعندما كان يقترب المحمل من مكة كان يخرج أميرها لاستقبال المحمل ويستقبل الجمل حامل الكسوة باحترام شديد، وتقول المصادر التاريخية أنه كان يقبل حافر الجمل احترامًا لهيبة الكسوة ولتعظيم سلطان مصر.

عودة المحمل

وبعد الحج يعود المحمل حاملًا الكسوة القديمة للكعبة، بعد إبدالها بالكسوة الجديدة، وتقطع إلى قطع وتوزع على النبلاء والأمراء، وما زالت هذه القطع موجودة في متحف كسوة الكعبة، وهو التقليد السائد في السعودية حتى اليوم، حيث توزع قطع من الكسوة المنزوعة على الأمراء ورجال الدولة الكبار، وبعض الأتباع الوهابيين، وهو شبق سياسي بغطاء ديني.

المحمل في العصر العثماني

وقعت مصر تحت الاحتلال العثماني عام 1517، وصارت ولاية عثمانية، ولكن لم تنقطع العادة المصرية في إرسال المحمل، وبالطبع على نفقة الدولة المصرية، بدون أي مساعدة من جانب السلاطين العثمانيين. يقول الدكتور فؤاد الماوي في كتابه “العلاقات الاقتصادية والمالية بين مصر والحجاز”، بتفاصيل كثيرة عن الأعباء المالية التي تحملتها مصر في العصر العثماني اتجاه الحجاز‏، وكان المحمل أحدها‏‏، ومنها مصروفات حماية قافلة الحج التي تراوحت بين نفقات القوة العسكرية التي تصاحبها‏،‏ والتي كان يقل عددها إلى خمسمائة جندي في سنوات الاستقرار، ويزيد ليصل إلى ألفين في أعوام القلاقل‏، ومصروفات القلاع المنتشرة بطول درب الحجيج‏،‏ وعوايد (هبات مالية) العربان القاطنين على جانبي هذا الدرب‏.‏

التكيّة

بأمر الحاكم “محمد علي” تم بناء التكيّة المصرية في مكة المكرمة عام 1811، كانت التكية تضم أيضًا مكتبة ومدرسة ويوجد بها أطباء لمعالجة المرضى، سواء المقيمين والأهالي والوافدين، وقد حظيت التكية بالعناية التي خصها بها والي مصر محمد سعيد باشا وأوقفت لها 4751 فدانًا فقط للتكية المصرية في مكة والمدينة المنورة، وبعد وفاة محمد سعيد، جاء الخديوي إسماعيل الذي أمر بزيادة الأرزاق من أموال ومحاصيل زراعية للتكية المصرية، ودام الحال كما هو في الأسرة العلوية الحاكمة، حتى عصر الملك “فؤاد الأول”، والذي حدث الاعتداء على المحمل في عصره.

الاعتداء الوهابي على المحمل

عندما تأسست الدولة السعودية الأولى واحتل سعود الكبير الحجاز، بعث برسالة جافة إلى السلطان العثماني سليم الثالث، قال له فيها: “إني دخلت مكة، وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد أن هدمت ما هنالك من أشباه الوثنية… فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والمزمور، فإن ذلك ليس من الدين في شيء”، ولكن الدولة السعودية الأولى ثم الثانية لم تستمر طويلًا، ثم جاء عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة الحديثة المستمرة حتى اليوم، احتل الحجاز، وبسيطرتهم على مكة سيطر على شعيرة الحج، ومع وجود عبد العزيز فيها، كان لا بدّ أن يحدث صدام بينهم وبين الحامية العسكرية المصرية التي جاءت بالمحمل المصري، حيث العادة المستمرة قرونًا.

في يوم ‏11‏ يونيو عام‏1926‏ تم الاحتفال بوصول المحمل إلى جدة، في استقبال خاص في دار القنصلية المصرية، حيث اجتمع حاكم المدينة وأعيان وقناصل الدول وممثلوها والجالية، وبدأ البحث عن الجمال اللازمة للسفر إلى المدينة بعد الحج عن طريق ينبع لأنها الأصلح،‏ وكأن كل شيء يسير في طريقه المرسوم‏،‏ غير أنه لم يمض وقت طويل حتى حدثت الواقعة بكل مضاعفاتها‏، والتي دخل معها تاريخ المحمل المصري أيامه الأخيرة‏.

الإخوان الوهابيون رأوا المحمل، فهرولوا إليه وهم يهتفون: “الصنم … الصنم … مزمار الشيطان مزمار الشيطان”، (لأنهم وما زالوا يعتبرون الموسيقى ولو كانت عسكرية مزمارًا للشيطان)، ثم قاموا بمهاجمته وإلقاء الحجارة عليه، فأصيب ضابط وثلاثة من الجنود المصريين، فتصدى لهم العسكر المصري وأطلق عليهم النار وقُتل ‏25‏ من الوهابيين، وعلم عبد العزيز بالأمر فأسرع بنفسه يحجز بين الطرفين، ثم أرسل ولي عهده الأمير سعود (الملك فيما بعد) ليعتذر له عمّا حدث.

توقف المحمل

عاد المحمل من جديد، ولكن بدون المراسم التقليدية، خاصة وأن الحج صار أسهل وأيسر، بالبواخر والطائرات، ولكن ظلت مصر ترسل الكسوة الشريفة كل عام، ولكن السعوديين كانوا يؤسسون لمصنع خاص للكسوة الشريفة، لإضفاء شرعيتهم الدينية الوهابية على جميع المسلمين.

وهو ما تحقق لهم، حيث استغلوا خلافاتهم السياسية مع الرئيس جمال عبد الناصر، فتوقف المحمل نهائيًّا عام 1962، بعد أن دام أكثر من ألف عام.

واستغل السعوديون الإشراف على الحرمين الشريفين، فنشروا فكرهم الوهابي التكفيري، وآثاره ما زالت باقية حتى اليوم، وهم يتخذون السيطرة على الحجاز دعمًا لنفوذهم الديني، وصولًا إلى مكانة سياسية فوق جميع المسلمين، وهي كما كتبنا في عنوان المقال … تراجيديا سياسية بنكهة دينية، والله كان في عون الأمة…


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
سياسةالبيت الحراممكّةمصر

المقالات المرتبطة

مارتن هايدغر استعاد الكينونة من دون أن يفقه سرَّها المكنون

ليس يكفي لنتعرَّف إلى هايدغر أن ندخل عالمه من باب واحد. أو أن نسائله كما لو كان هو، هو، من مبتدئه إلى خبره. إنه من بين ندرة مضوا في سَيْريّة تفكُّر

من التصوف التنويري إلى التحرير العقلي

ليس الهدف من هذه الدراسة هو تعريف التصوف وتاريخه ومراحل تطوره، والفروق بين التصوف الطرقي والتصوف الفلسفي، ولكنّ الهدف منه هو إبراز كيف يمكن للتصوف الإسلامي

العلم وسؤال الحقيقة! هل يتعهّد العلم أن يكشف لنا كل الحقائق؟!

العلم اليوم لم يعد – بإطلاقه الصناعي – يمثّل راياتِ الكشف في طريق الحقيقة، بل أصبح راية “التجربة” في طريق الكشف. إنّ بزوغ نجم علم الطبيعة في القارة الأوروبية

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<