في البدء كانت الأخلاق

في البدء كانت الأخلاق

“عجبت لمن لا يسع الناس بماله كيف لا يسعهم بأخلاقه”[1].

“وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت         فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا” !

ذلك حقًّا، أصدق ما جادت به قريحة أمير الشعراء، أحمد شوقي. ولعله أبلغ تعبير وأسنى وصف في عصرنا الموسوم بفساد الضمير وتراجع القيم، بدءًا بدنيا الأفراد واجتيازًا للاجتماع السياسي ولحوقًا بمشاهد العلاقات الدولية. سوف تظل – إذن – قولة شوقي أبلغ ما نطق به شاعر عربي في العصر الحديث، تطرق مسامعنا بعظيم فحواها وجليل بهائها. فالأمم – أي نعم- ترتقي في معارج نهوضها بأخلاقها. ولك بعد ذلك أن تسميها ما شئت، أخلاق مروءة، أو أخلاق الضمير، أو أخلاق الدين، أو أخلاق العمل … فالأمم ناهضة بها، باقية بقاءها. وإذا سلمنا بأن عصرنا الذي استفحل وضعه الأخلاقي، هو اليوم على شفى جرف هار وفي منتهى انسداده القيمي يدوس على ما تبقى من آثار ذلك الحطام الأخلاقي، كان العالم اليوم وأكثر من أي وقت مضى مشدودًا من أعناقه كي يدرك بأن الأخلاق مقوم أنطولوجي وواجب ليس في تركه أدنى مندوحة للمجازفة بالنوع. فالأخلاق ضرورة لا اختيار، وواجب لا ندب.

وقد يتساءل أي باحث في فلسفة الأخلاق، عن جدوى أمر كهذا في عصر انتظمت أنساقه على أسس إن لم تكن لا أخلاقية فهي لا تستنجد بها. عصر ارتداد إلى ما دون الأخلاق، فأصبح اقتصاده احتكارًا وتشيئًا وتسليعًا واستلابًا. فهو على أية حال ليس ذلك الكائن المفترض كهوية أخلاقية، بل هو – بالفعل – سلالة مستحدثة ليس لها من المشترك الإنساني إلا المشي باستقامة، الكائن – كما تعرفه بعض الرسوم المتحركة – بالماشي واقفًا. وهو هنا ما بعد الـ ” Homo-oeconomicus”. وحيث هنا وفي ضوء الانزياح في نمط المعاش وفلسفته القائمة على المتخيل الفرداني والتبئيس الجماعي، غدا الاجتماع ارتدادًا إلى العبودية، ومجتمع القطيع الذي هربت منه شخصانيته، غارقًا في تموجات التعويض والاستبدال والتخييل، إذ غدا كل ما هو إنساني، محض أشياء تحسب وفق معايير السوق، وحيث أصبح الإعلام نفسه صنعة الصنائع التي بها مسخ كل ما يحيط بالنوع إلى سلعة قابلة للعرض والطلب. حتى الجريمة وفساد الأخلاق وتراجعات الضمير، هي ظواهر مسوقة، في مجتمع لا يمكن أن يعيش إلا في قلب هذا الهدير الفاوستي؛ بين صناعة الفقر والغنى، كما صناعة الانحطاط وقمعه الصوري. هكذا غدا الاجتماع هو أيضًا تغالبًا مميتًا وعصبية وتشظّيًا أنويًّا … كما غدت سياسته طغيانًا بالمكشوف والمرموز واستبدادًا وظلمًا.

وكان أن وجدنا – وذلك قدرنا – أنفسنا أمام عالم بلغت وقاحته مبلغًا، أصبح فيه الحديث عن الإبادة النووية للنوع حديثًا مستساغًا ومتداولًا عفو الخاطر. والإخبار عن موت الأطفال بالجملة بمؤامرات وخيانات وسموم يصنعها الكبار، “حدوثه” لا تلين من يباس العقل السياسي الحديث(1)، وهي لذلك مجرد صور تزدان بها معارض الفرجة الموسمية المطعّمة بالشعارات والإحصائيات المغشوشة وخيبات الأمل. وربما أصبحت مادة خاضعة للاستهلاك الإعلامي “Masse-médiatisé”؛ في عالم موسوم بالوفرة والاستهلاك ينقاد فيه جزء من النوع زرافات إلى الموت الجماعي من فرط مجاعات لم نعهدها حتى في العصور الزراعية، أو تلك العصور الحجرية الأولى. وهو أمر يشكل ظاهرة يستأنس بها مستهلكوا الوفرة، كشاهد فرجوي على عظمة النقلة النوعية في مشوار الاستهلاك العمومي. وإن بدا أن عالم الجوعى هو هامش للنفايات وضحية الاحتباس الحراري الذي سجل فيها الفيتو الأمريكي داخل كيوطو ضربة أخلاقية تنضاف إلى سلسلة الزلازل الدورية. وفي عالم لا يتطلب شعوبه أكثر من رفع الإقامة الجبرية عن مسلسل نموها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المعاصر، أصبح الحديث عن الأخلاق، قضية ملحة، لعلها القضية الأولى فيما ينبغي الاشتغال عليه، لا سيما وقد وجدنا أنفسنا فجأة أمام هذا التحول النوعي على الصعيد الـ”بيو-تقني” الذي جعل الحديث ممكنًا، عن ضروب من الخلق (= تجوزًا) بالتقسيط – عن طريق استنساخ الأعضاء البشرية – الإنسانية، ليس بالضرورة يجب لها الوجود كاملة. أو لعلها توجد بلا رأس يحمل مسوغ إنسانيتها، وبالتالي من دون أخلاق تنظم سلوكها وتبرر وجودها. وهنا سنعود إلى ذلك المشترك الإنساني الحاكي بلسان الارتداد إلى سفح النوع أو دونه إلى عرف الآلة. فأي مستقبل إذن لإنسان تصاغ أخلاقه وقيمه حسب ما يفرضه علم جانح لا يتقيد بضرورات الاجتماع الإنساني، لإنسانية قد تصبح قابلة للتركيب والتفكيك إلى قطع غيار. إنه ليس ضربًا من الخيال الممتنع، ولا حتى قطعًا مع فكرة الهيولى البسيطة القابلة للصور، بل هو مسار ممكن على طريق التطور “البيو-تقني” في غياب شبه تام لأخلاق يتسع لها الضمير العلمي في جنوحه المتفلت، وذلك مذ كف أن يكون الإنسان غايته أو محورًا له. بل حتى لو اعتبرنا ماهية هذا الكائن هي ما يتقوم بوجوده وفاعليته واشتغاله، على مذهب السارترية، مقارنة إياه على أساس من أصالة الوجود، فإن هذا القدر من الحقيقة الوجودانية لإنسان غدا أبأس وجودًا من مجرد وهم يتحرك على ترنيمة أطياف الوعي المتخيل، بفقد “أناه”، والاستعاضة عنه بنمط آخر وبلحظ المرآوية “اللاكانية”(2). بل هو كله على بعضه سيكولوجيا وجسدًا، أصبح متحصّلًا بلحظ هذه المرآوية. فالأجيال الحاضرة بقدر ما تنتفض اليوم ضد سلطة التراث وأركيولوجيته، فهي تنتفض ضد سلطة المستقبل ورهاناته، من خلال التحكم بالنوع وصياغة أنوياته، وأيضًا التحكم بالجسد في ثورة تاريخية عبثية ضد تعلق الصور بهيولاها تعلّقًا هو حتمية هذا الوجود الإنساني نفسه، أو الدازاين – الهايدغيري- المقذوف به هاهنا. هذا الكائن الذي خضعت هيولاه لهندسات بيو-تقنية. كائنًا محسوبًا ومصمّمًا سلفًا، ليس فقط مجرد كائن مسخ، لنسميه – خلافًا للسائد- كائنًا “أنطو-ميتريا”(3)، فإنّ ثمة ما هو أنكى في هذا المقطع “التراجيكوميدي”، هو أن الارتداد إلى عصر الأبوية يتم مقنعًا ومخاتلًا ومجتزئًا، حيث ليس للاحق حق تقرير نمط فعاليته ونموه واختياراته الحضارية والأخلاقية، بل إنه عصر نحدده نحن. ونصيغ مصائره نحن، فالصفعة التي تلقتها اتفاقية كيوطو هي بالأحرى واحدة من الصفعات التي وجهت للتنمية المستدامة. ومشاريع الاستنساخ الكلي أو الجزئي التي بدأت تتردد هذه الأيام، ويحضر لها عنوة، هي ارتكاس إلى أصالة الماهية المغشوشة التي يتحكم بها الإنسان في تحديد وصياغة ماهية إنسان الغد، فيما يشبه انبعاثًا لمنظور بيو-تقني يتواطأ مع نزعة أبوية آخذة في الاستفحال!

وإذا أدركنا أن نهضة الإسلام نفسها هي استكمال لهذا المشوار، ذلك لأن صاحب الدعوة نفسه قال وقرر بأن بعثته إنما هي استكمال لمكارم الأخلاق، فها هنا يصار إلى القول، بأن العقل وحده مجرّدًا، ليس حاسمًا في تقدم الأمم ونهوضها، إن لم تكن هناك أخلاق تقومه. فالعقل بلا أخلاق لاحظة لنشاطه، حطام بلا معنى، بل آلة لتدمير الاجتماع. لقد نهض الغرب بعقل كان في البدء متيمًا بالضمير، لكنه اليوم في مسعى للطلاق الصريح، عقلًا بلا ضمير يسوغ لمأسسة ناهضة على المصالح العجلى، قد تعير وتسوغ عقلًا على مذهب التجريد، لا على مذهب المصالح الباقية.

إن الغرب الناهض على ضمير حي وأخلاق عمل وإنتاج ذريعي يواجه اليوم مأزق عقم حضارة تغول فيها العقل المجرد، ودار دورته الجنونية كي يجد نفسه جانحًا في مقدمة قاطرة موت الإنسان. ولا يخفى أن النزيف الأخلاقي في الغرب بلغ حدًّا انتفت معه الحاجة إلى الإطناب في عرض وجوهه، ما دام أمرًا باديًا في اعترافاتهم وقلقهم اليومي. لكن ما هو مسوغ القول الأخلاقي في عالمنا العربي والإسلامي، حيث درجة الانحطاط الأخلاقي هي أظهر في سلوك الفرد العربي ذي السيكولوجية الهشة، وفي الاجتماع السياسي ذي المؤسسات المغشوشة وفي النشاط المهني المفرغ من الروح والمهنية … حتى لكأن معضلة هذا العالم اختزلت أيما اختزال في سقوطه الأخلاقي، الذي اجتاح كافة مؤسساته السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية.

 

القول الأخلاقي ومصائر الفعل السياسي

لطالما أعجب “تشرشل” بالقاعدة المأثورة في الفكر السياسي الحديث، “السياسة فن الممكن”. غير أن الزعيم البريطاني رآها تبريرًا لجنوحه وتسلطه، حتى أن “لويد جورج” لم يفتأ يحذر من سياسته الحمقاء، داعيًا إلى ضبط اندفاعاته لتجنيب السياسة البريطانية حماقات الزعيم المغامر واللامسؤول. لم يكن تشرشل إلا نموذجًا لهذا النوع من الجنوح السياسي الذي لا يزال ساريًا في مواقف زعماء سياسيين في أكبر الدول ديمقراطية وأكثرها انزياحًا ليبراليًّا. فالديموقراطيات في أرقى نماذجها لم تستطع إنقاذ المجتمع من النتائج الكارثية لسياساتهم(4). لقد خرجت الأخلاق من السياسة كي تصبح هذه الأخيرة تدبيرًا جهنميًّا وضحكًا على ذقون الشعوب المنقادة انقياد القطيع. لكن ماذا لو تعلق الأمر بعالمنا العربي والإسلامي؟ وما هي المساحة التي تحتلها الأخلاق في الممارسة السياسية دولًا وأحزابًا ومنظمات مدنية؟ لا حاجة إلى جواب !إن العالم العربي اليوم، ربما هو أقل منزلة مما كان عليه بالأمس. فعلى الأقل حينما كان هناك ما يحجب بعضًا من تلك المقاتل السياسية، أي أخلاق الملك التي جعلت الإرث السياسي الفارسي، وإن حال دون التحول إلى نظام سياسي أكثر تحررًا من الاستبداد الفردي والألغارشي، فإنه قد خفف من طبائع الاستبداد الوحشي.

ليست مشكلة النظام السياسي في الإسلام التاريخي تختزل في سيادة العقل السياسي الفارسي الذي جاء متأخرًا، بل المشكلة بدأت في صلب الارتداد القبلي ذي النزعة الأبوية شديدة القمع والبطش. ولم تكن أخلاق “الطاعة” في النظام السياسي الفارسي التقليدي إلا ارتدادًا ربما خفّف من سطوة المفارقة السياسية أو لنقل، من التوحش السياسي القبلي العربي. وإن  كان قد حال دون تحقق ما كان يحلم به منظّروا العقل السياسي العربي، حيث لم تكن هناك صيغة أرقى من ذلك، ولا ثمّة صيغة للحكم أضمن من صيغة تستدمج العقل السياسي الفارسي إلى جانب الحطام النظري الإسلامي والعربي. ومع ذلك نقول: إن هذا القدر نفسه من أخلاقيات “المنصور” بالله أو المستبد العادل، لم يعد لها حضور في السياسة العربية والإسلامية المعاصرة. حتى أن الزعيم العربي لم يعد يملك النطق بما يحقق لأمته الحد الأدنى من مصالحها وحقوقها المصيرية، ولا يملك من الضمير ما يكفي لترجيح مصلحة العموم على مصلحة شخصه المفدى. فظاهرة المافيا السياسي حتى على صعيد الأحزاب والتنظيمات السياسية هو مما يندى له جبين الضمير الأخلاقي. حتى أنك تجد المجتمع المدني ممزقًا بين تنظيمات مختلفة في بلد قد تفوق أحزابه عدد السنين والحساب، لكن السياسة فيه مجرد تهريج وكذب وتواطؤ وخيانة. حتى أن السياسة كادت في بلادنا تساوق معنى المؤامرة والخيانة والدجل.

أي قيمة لساسة أقاموا سلطانهم فوق رؤوس “الغلبة” والأميين والمهمشين. وأي شطارة سياسية تلك التي تجعل الساسة يحولون السياسة إلى معسكرات لكلاب الحراسة الجاثمة على أعصاب شعوبهم. وبأي وجه يا ترى يلقى العالم، سائس يسوس الفقر والفقراء في جمهوريات البؤس والبؤساء. وإذا افتخر ساسة البلاد المتقدمة على غيرهم بأنهم يقودون شعوبًا قوية حرة متقدمة، فبأي فضيلة يفتخر السائس العربي، الذي طلق حتى أخلاق المستبد العادل التي أخفت استبداده الصريح إلى حين، وغطت على تسلطه الشمولي، حينما يجد نفسه على رأس شعب هو بالأحرى قطعان من عبيد، فاقدة لكل شيء إلا لمخزون القمع والخواف السياسي والبؤس والتهميش؟ وكل ذلك نتيجة انهيار منظومة القيم وتراجع الأخلاق من الممارسة السياسية، تلك التي أسر بها ميكافيل إلى الأمير، وتلقاها الساسة العرب هدية معتبرة، وبقي شيء من الضمير – على الأقل – في السياسة الغربية اتجاه رعاياها، ومات الضمير نهائيًّا من الممارسة السياسية العربية. فلا المسؤولون يملكون هذا الضمير ولا الأحزاب ولا الشعوب أصبحت قادرة على الإمساك بناصية مصيرها السياسي، وتلك هي مشكلة غياب الضمير وفقدان قاتل لقدر أدنى من التخليق السياسي.

ولا مجال بعد للحديث عن حقوق الإنسان العربي في تحديد مصيره السياسي(5)، وعن ذلك الخطر الذي يتهدد العالم العربي بأن يتحول دون غيره من عوالم البشر إلى أسواق نخاسة ترتد فيه نسب الأثمان والأسعار إلى حد بات فيه الكائن العربي نموذجًا لعبد طائع غير آبق. فلا الشعوب أمكنها انتزاع حقوقها بنضالات مستميتة تهز الضمير العالمي، ولا أهل القرار من الحياء بحيث تجعلهم مروءتهم يشعرون بالحرج حيثما استقبلوا نظراءهم في البلاد المتحررة، بوصفهم ممثلين لقطعان من العبيد، وبوصفهم حرّاسًا لمعسكرات المنبوذين، حتى يقال لهم، ما توليتموهم إلا لأنكم مثلهم، فالزعيم المفدى الذي يقبل بأن يقيم سلطانه فوق رؤوس المنبوذين والعبيد، يجعل من نفسه شاهدًا على أنه أب المنبوذين بامتياز. فإن كان العرب قد رفضوا هذا الحد الأدنى من حقوق الإنسان كما جاء في ميثاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بحجة الخصوصيات، بل – وعجبًا، وهذا ما يندى له الجبين- بحجة الاستكفاء بشريعة الإسلام السمحة- التي أنكروها – فإن تلك حيلة لا مناص أنها هروب سافر من تحمل المسؤولية، وذلك بعد أن رفض العرب الإسلام والميثاق معًا. ولا مبرر لهم بعد ذلك، فإما يفتحوا الباب على مصراعيه استجابة للميثاق أو الاستكفاء الجاد بشرعتهم السمحة، فما عدا ذلك من ضروب الالتفاف دونه خرط القتاد.

واليوم، ها قد تراءى لنا أن الأخلاق السياسية، ما هي إلا دعابة أو لعبة مؤقتة، وليس محايثة حقيقية، فالأخلاق لا تحضر في السياسة إلا كتكتيك سياسي أو نفاق سياسي- حيث ما إن غابت الأخلاق عن السياسة حتى تحول النفاق إلى تكتيك(6) – أو أنها مجرد ارتداد يعقوبي يحيلنا إلى قدسات “روبسبير” الثوروية، أو انهدادًا يائسًا في ردهات الوعي الشقي. وما الانهيارات العربية السياسية إلا مصداقًا واضحًا لهذه الانهيارات الأخلاقية التي أصابت الضمير العربي، وحالت دون تحقيق وحدته أو تضامنه. وما خمسين سنة من عمر الصراع العربي-الإسرائيلي، إلا تعبيرًا عن نكسة هذا الضمير الذي أشرب في قلبه الخيانة والتآمر والغدر والاستبداد. وما الاستبداد نفسه إلا ضعف وخور أصاب الضمير العربي وفتك بأخلاقه. فالأعداء استقووا علينا باستبدادنا لا بعدد الرؤوس النووية. والاستبداد استقوى علينا بفساد الضمير لا بتدابيره الأمنية. ها هنا نعود إلى أمير الشعراء، فالأمم تنهض بمكارم الأخلاق، وتستقوي على الأغيار بعلو شأنها وضميرها المعافى. وبعد ذلك تأتي الشروط الأخرى داعمة لا مقوّمة. فإذا ما رأيت اليوم المسؤولين عن فساد الضمير السياسي العربي وقد زاغت أبصارهم وضاقت بهم الدنيا بما رحبت، يوم أشار إليهم “الكوبوي” بالبنان. حيث رأوا في ذلك خذلانًا ممن استقووا به على شعوبهم حينًا من الدهر. وأي خذلان هذا، إذ كيف للكوبوي “المدمقرط” أن يحترم من خانوا شعوبهم. فالكوبوي ينسى مودتهم بمجرد امتطائه جواد العودة. لقد أومأ إليهم –الكوبوي-  برأسه ملامسًا قبعته، تاركًا يتاماه العرب المستبدين يتأملون النقع حسرة، ويبحثون عن لغة جديدة وأثداء جديدة بعد هذا الفطام المفاجئ. فمنهم من أصبح يتمثل لغة ثوروية في الوقت الضائع، ومنهم من أمسى لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ومنهم من أصبح يدعو “لامساس”… كل ذلك نتيجة دائرة السوء التي ولجوها متفرعنين بفساد ضمائرهم. واليوم فقط أدركوا أنهم ضحايا طغيانهم وسوء تقديرهم لمصائرهم السياسية. تلك المصائر التي لا يمكن أن تنهض إلا على مداميك أخلاقية !

الأخلاق والحرب

لقد شاءت طبائع الأشياء، أن يكون الموت هو الثمن الوحيد للحروب. وهو ثمن مفروض على الغالب والمغلوب معًا سواء بسواء. ويبقى الحديث بعد ذلك فيما يميز موتًا عن موت. فثمة شهداء خالدون في تاريخ النوع، وثمة جيف تلفظها ذاكرة التاريخ. ثمة أحرار وثمة عبيد، لكن التقنية قوضت أخلاقيات الحرب، وجعلت الموت ثمنًا للمغلوب فقط، كما جعلت معايير النصر هي الإبادة الشاملة للبيئة والنوع.

إذا كان السيف قد فرض قيمًا وأخلاقًا على الحرب والمحارب، حيث لا قتال إلا لمن احتك بك منازلًا. فلا أقبح ولا أجبن ممن يطعن مقاتلًا في الظهر ولا أبشع مهانة وأفسد ضميرًا ممن شهر سيفه مطاردًا النساء والأطفال والشيوخ، أو ناسفًا البيوت، أو قالعًا الأشجار، أو رادمًا الآبار. فالحرب اليوم تسوغ للأقوى بأن يتحاشى الجبهات ويجتاز المقاتلين ليغير على الآمنين. فالحرب على المدنيين هي من يحسم الحرب، الموت للمدني والحياة للمقاتل. وما دخلت المرأة الحرب إلا بعد أن فقدت الحرب مدلولها الإنساني وتحولت إلى صنعة سهلة لكنها قذرة، تعتمد بطش التقنية ووسائل الإبادة المريعة. لقد ولّى بالفعل زمن العنتريات، وحلّ عصر المحاربين الخفافيش الذين أكسبوهم دربة فائقة على تسميم النوع، ومرانًا قل نظيره على تلويث البيئة. لم تعد القنبلة النووية التي صنعت لتدمير العالم وتخريب الكون والتي شكلت جريمة استخدامها في الحرب العالمية الثانية مفصلًا في تاريخ ووظيفة الحروب، هي وحدها الاختراع الجهنمي للحرب بوصفها نقيضًا للأخلاق، بل إن الاستخدام اللاأخلاقي لمادة اليورانيوم المخصّب هي واحدة من أبرز علامات فساد الضمير الحربي، حرب مستدامة تجعل عمر الفتك والإبادة في المجال تمتد إلى بلايين السنين.

ومع ذلك، قد يهون كل هذا، متى ما سمعنا بأن صناع هذه السموم القاتلة ومستعمليها الذين يخفون بها جبن مقاتليهم وأنانيتهم، وإن لم يكترثوا لاستعمالها ضد الأغيار فهم يجتهدون في حماية رعاياهم مهيئينهم للطوارئ محصنينهم بقوة الاستشعار عن بعد. فقارن ذلك بمن لا يرى غضاضة – في عالمنا الموبوء بداء الاستبداد- في استخدامها ضد رعاياه، مبيدًا بني جلدته وملوثًا محيطهم الحيوي.كما هو شأن طاغية العراق المخلوع الأرعن.  وهو جرم من استعملها ضد أهله وجيرانه يتقاسمه مع من زوده بها لهذا الغرض. كل ذلك آية من آيات تراجع الضمير وفساده. ولا عجب أن يفسد السلاح في مخازنه ويصدأ السيف في غمده، مهما استباحنا الأعداء وأغاروا. لكن هذا السيف الجبان يمسي مسلولًا في وجه الأحرار من هذه الشعوب المعذبة. فالمقاتل المدرب تدريبًا عاليًا على خوض الحروب الكبرى، لحماية الرعايا الذين يساهمون في تكوينه بالضرائب التي يدفعونها على القيمة المضافة، سرعان ما يجدون أنفسهم في ميادين ما يسمى بمكافحة الشغب، يطاردون الأطفال والرعايا العزل. ولك بعد كل هذا أن تستفظع ما شاء لك، حينما ترى “الأباتشي” تطارد طفلًا فلسطينيًّا أو ألـ”بي إثنان وخمسون” تحلق فوق رؤوس الأمهات بالعراق الجريح أو “توماهوك” الذي يسقط على ظهر حمار في أفغانستان … ولكن قبل ذلك كله وبعد ذلك كله عن الـ”سكود” الذي يدمر قبة حرم أو يسقط على المتدرعين بعتبة مقدسة، من قبل مسؤول متعسكر. فالحديث عن الحرب والأخلاق في عالمنا العربي، هو حديث ذو شجون !

القول الأخلاقي وتراجع ضمير المعاش

حتى وإن كان الاقتصاد قد أصبح مجالًا مستباحًا لسيطرة الترييض –La Mathematisation- كما أراد له “فالراس” أن يستقيل عن الإنسانيات(7)، لم يعد مجالًا يتسع لمطلب العدالة الاجتماعية. أما الوضع في العالم العربي فهو أبشع من ذلك الفصل التعسفي الذي وجد له – على الأقل – في البلاد المتقدمة تبريرًا فلسفيًّا وتعويضًا سياسيًّا واجتماعيًّا من خلال حركة الرقابة والحقوق، وإن لم يكن لهم دخالة في الإنتاج، فإنهم لا يكلون عن طلب حقوقهم وانتزاعها عبر ممارسة مطلبية سياسية ومؤسسية تملك حدًّا أدنى من المصداقية. فالاقتصاد في المجتمع العربي لا يزال ريعيًّا وجبائيًّا. وقوامه ليس في مردوديته وأدائه الإنتاجي، بل قوامه استنزاف المواطن وشل قدرته الشرائية بحصار متعسف من الضريبة على القيمة المضافة، حقًّا مفروضًا على المستضعفين من الطبقات السفلى من الناس من الذين لا حيلة لهم أمام عاصفة المحسوبية والتعقيدات الإدارية التي تشكل المستنقع الآسن لازدهار الرشوة وانفلات أباطرة المال وكبار الإقطاعيين وكهنة نظام الامتيازات وصيادي “الكوطات”. ولا حديث بعد ذلك عن غياب إجراءات الرقابة على المال العام وغياب مساطير واضحة وشفافة تجعل المعاش وحساباته ظاهرًا للعموم. وتجعل سراق المال العام المستهدف الأول للقانون وليس طلاب الحقوق.

وحينما تصبح الرشوة والمحسوبية وانهيار العدالة الاجتماعية ثقافة شائعة، أو ربما عقيدة راسخة، كان لزامًا على الاقتصاد عندنا أن يصبح مجالًا خارج نطاق ما يعرف بإشكالية الإنتاج والاستثمار والتنمية المستدامة… بل يغدو بالدرجة الأولى موضوعًا أخلاقيًّا، ما دام هناك غياب لحد أدنى من أخلاقيات العمل وأخلاقيات التوزيع. وإذا كانت ركيزة الرأسمالية الملبرلة متقدمة بأخلاقيات العمل وحريته: دعه يعمل، فإن ما لم تقف عليه هذه “الويبرية” الوصفية، أن لا نهضة إلا على جناحي الحرية والعدالة. أي “دعه يعمل”، وأيضًا “أعطه حقه”. أخلاقيات عمل إلى جانب “أخلاقيات توزيع”.

ثم ماذا تبقى للعرب من ماء الوجه، وقد وضعوا في آخر قائمة الأميين في العالمين، وهم الأمة التي أول من ناداه الوحي بـ”إقرأ” كما يقولون. وماذا تبقى من ضمير وقد أصبحنا جميعًا أعجز ما نكون عن إنتاج ما يعادل ربع الإنتاج الألماني نحن العرب جميعًا، وقد تربعنا بغباء فوق أكبر احتياطي عالمي  للطاقة. وأي كرامة للمتشدقين بالتنمية المستدامة، وقد قبلنا بدفن النفايات النووية في أتربتنا الوطنية، وبعد أن شفطنا كل خيرات الأمة لصالح إنفاقات احتفالية فرجوية. فيما المعذبون الحالمون من هذه الشعوب تدفع فاتورة التهميش. ولا نقول إن المسألة هي مسألة إنتاج فقط، بعد أن ظهر أنه حيثما تراكم لدينا ما به ندفع قاطرة الإنماء أشواطًا، برز من خفافيش الظلام من يمد يده إليه ناهبًا، كي يعيدنا إلى قاع صفصف حيارى في دائرة السوء نمد اليد الذليلة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمساعدات الخارجية المشروطة؛ قاصمة الظهر. فإذا بالمسلسل يعود كما بدأ، ترسانة إملاءات تخليفية تحثنا على شد الزنار تقشفًا بلا غاية تحد من معاناتنا نحن الأمة التي لا زالت تئن من غلواء الحصار. فيما العيون الزائعة على كل ما تراكم قليلًا أو كثيرًا تتربص به، في مسلسل تنموي تراجيدي، هو أقرب إلى محاولات كتب عليها الترنح في هذه الدحرجة السيزيفية الأزلية. فأي إنسان بقي لنا، نراهن عليه في نمو ونهوض حضاريين، وقد فتك به التهميش وتآكل في دوامة العطالة حتى غدا هاربًا من ظله مستمسكًا بقشة حلم تمحوه فواجع قوارب الموت أو شاهرًا سيف الجريمة الموصوفة مروعًا الآمنين، ممن لا يزيدون على حاله المنكوب إلا بما يسد الحد الأدنى من ضرورياتهم أو يرفعهم قاب قوسين أو أدنى من ذل السؤال. حتى بتنا نفاجأ بأبنائنا، طفولة معذبة ضائعة على أرصفة التيه والانحراف، لا يتسع لهم سوى الليل وأهواله أو زمهرير حاويات النقل في رحلات الشتاء والصيف إلى حيث عالم الجنة الموعودة التي عرفناها لهم كإنجاز مستحيل علينا وإن كدحنا كدح السنين. أو لعلنا فوجئنا بهم على الشطآن ملفوظات بحرية بعد أن خضعوا لغريزة المستثمرين في البؤس، وربما فوجئنا بهم معروضات أيروتيكية لسدوم الجديدة … فمظاهر البؤس والتهميش لا تعد ولا تحصى. وبعد ذلك، أي مصداقية لنا نحن من يملك أكبر احتياطي دولي للطاقة، أو نحن من يملك سلة العالم العربي في قطره الواحد. لا بل نحن الأمة التي تملك أن يكون قطرها الواحد سلة العالم الغذائية رغمًا عن الأكذوبة المالتوسية(8). نحن من يملك أكبر احتياطي من الشباب ومن الأدمغة المهاجرة. هذا مع أننا نملك مفاتيح هذا التخليق التنموي، ونحن من لا يزال يقرع مسامعنا حكمًا “إيكونوميتريا” من إمام المستضعفين: “ولعل” باليمن من لا عهد له بالشبع”. أو قوله تحسرًا على الرعية في خشونة العيش: “أو مشوي الكراكر في بيت أمير المؤمنين” !

العدالة الاجتماعية لا تتحقق حتى ولو امتلكنا مال الدنيا أو حققنا أعلا منسوب نمو في العالم. ألم يوجد بين ظهرانينا من لا عهد له بالشبع في زمن فاضت فيه الريوع على الخلافة من كل حدب وصوب. حتى كاد بعضهم يكسر قطع الذهب بالفؤوس. واقتطعت لهم من الأرض ما لا عهد به لإقطاعيي العصر. أليس هناك في أرقى دولة الرفاه – الولايات المتحدة الأمريكية – من لا يجد مقامًا إلا في مجاري المياه يزاحم الفئران مأواها الطبيعي فيما ينتصب فوق رأسه تمثال الحرية شامخًا يبشر بأزمنة الوفرة؟ فالحرية وحدها لا تكفي إن هي لم تعانق العدالة الاجتماعية. فلا طوباوية “برودون”، ولا تلفيقية “فالراس” كفيلتان بحل هذه المعادلة المعقدة. فالعدالة الاجتماعية بلا حرية للمبادرة الفردية دونها خرط القتاد. ولكن لا الحرية ولا علم الإنتاج الطارد للعدالة الاجتماعية إلى منفاها الإنسانوي العاطفي كفيل بذلك. فالعدالة الاجتماعية والحرية تبدآن منذ اللحظة الأولى للإقلاع، شبرًا بشبر، تزعجان الإنتاج إزعاجًا يصل أحيانًا إلى حافة “نكون أو لا نكون”. فقبل الإنتاج، كانت العدالة الاجتماعية. ألا ترى أن الكيان الاجتماعي قد ينهار مهما نمت وفرته وعظمت، متى ما تهددت حريته. وإذن، لما المراهنة على وفرة فئوية تناهض العدالة الاجتماعية. وهذه الأخيرة ليست موضوعًا عاطفيًّا، بل هي موضوع علمي-أخلاقي !فلا تنمية –إذن – بلا ضمير ولا إرادة سياسية – اقتصادية بلا مسوغ أخلاقي يطلقها ويحميها. فتصبح العدالة الاجتماعية كما ذكرنا علمًا للإنتاج نفسه، باعتبار الإنتاج هو نفسه فنًا وعلمًا إنسانيًّا فلا مجال للشروخ الفالراسية الكانطية.

ثم هاهم لا يفتئون يحدثوننا عن الاستهلاك العام. ويزفون ألـ”Homo-oeconomicus”، عروس الأزمنة الحديثة، حيث كل شيء تنكر، مع أننا نعيش عصر الارتداد الأكبر إلى حيث عهود التوحش والعبودية. فالاقتصاد حينما أصبح علمًا وفنًا رياضيًّا وكفى، أعاد صياغة الإنسان وتدخل في ماهيته ماسخًا إياه إلى كائن اقتصادي لعله أصبح عنوانًا للاستهلاك. بل غدا الاستهلاك رمزًا من رموز كينونته، وعلامة من علامات وجوده الاجتماعي كما يؤكّد بودريار؛ كائنًا هاربًا من ذاته أبدًا. يجد معناه في لعبة الاستهلاك الذي فاق الضروريات حدًّا أصبح معه أشبه بدائرة السوء، جعل الاقتصاد محورًا لفعالية هذا الكائن أو بالأحرى المسخ “الأنتو-ميتري”، بدل أن يكون مجرد وسيلته لطلب كمالات إنسانيته الروحية والنفسية والحضارية. أين هو الإنسان الماهوي الذي وجد نفسه مستدرجًا لأكذوبة اقتصادية حولته إلى جملة أرقام تبادلية، وخرجت من مجال تحكمه لتلتف عليه مجددًا وتحوله إلى عرض اقتصادي، قد لا يكون هو بالضرورة الأشرف من باقي الأعراض.

ولا أريد هاهنا الإطناب فيما تبشر به العولمة الاقتصادية من حيث هي ثالثة الأثافي في هذا المشروع، أو الموجة التسلطية الكاسحة، التي لا تزال تبحث لها عما لم يتقوم بعد من نشاز في معزوفتها التسليعية التمامية. فلا هامش بعد اليوم لمنطقة عذراء تستعصم من فحولة هذه العولمة التي أخذت على عاتقها تحويل العالم إلى  “Super market” أو مشروع سوق على غرار “نافتا”، يستجيب لكافة قرارات مؤامرة ألـ”Mai” بما يعني تحويل الشعوب إلى أيادي عاملة بلا حقوق تنقاد لسوط المستثمر، للقبول بهذه الديكتاتورية الرأسمالية المتلبرلة، الفيكتورية الجديدة، التي تسعى إلى محو كل أثر لسياسة اجتماعية ما. وفطامًا للأساطير المغذية لهذه اللغة المطلبية المزعجة والدخيلة على حرم الليبرالية المتوحشة. فلا حقوق للمجتمع ولا للبيئة، ولا مسؤولية اتجاه بقاع الأرض أو بهائمها. كل هذا لا رادع له ولا منتهى إلا بيقظة الضمير الأخلاقي. ذلك لأنه وضع ما كان له أن يكون إلا بلعبة الاستبعاد الفالراسية تلك. والتي ما هي إلا التعبير المناسب عن فصل شارخ بين الإنتاج والعدالة الاجتماعية. من هنا تعين أن تؤخذ العدالة الاجتماعية في موضوع الإنتاج نفسه. فما الذي يمنع من قيام علم للعدالة الاجتماعية يجعلها أرقامًا محسوبة وعلمًا مقعدًا، لا ينهد في أهواء المتسلطين على النوع. أليس الاختراق الذي عانت منه العدالة الاجتماعية، هو نتيجة استبعاد العدالة الاجتماعية ونفيها إلى هوامش العاطفة الإنسانية، بينما كان المطلوب، أن تغدو علمًا محسوبًا خاضعًا لقانون الأشياء، أليس العدالة الاجتماعية هي قانونًا وعلمًا، “فما رأيت من نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيع”.

القول الأخلاقي والإعلام

إذا كان كل قطاع في المجتمع يشكل أو يعكس صنعة ما، فالإعلام ما كان له أن يبلغ منزلة رابعة السلط أو سلطة السلط، لو لم يكن هو صنعة الصنائع. فالدجل السياسي والبؤس الاقتصادي والاضمحلال الاجتماعي، كل هذا الحطام ليس له لسان يسوغ به مشروعيته إلا إعلامًا غدا ليس مجرد تابع للمقاولة فحسب، بل أصبح هو المقاولة نفسها، خاضعة لشروط الاستثمار في الحقيقة والخبر. فالإعلام الهجين في بلادنا العربية قسمان: قسم أعمى غارق في المديح. وقسم أعمى هو الآخر غارق في الهجاء، وكلاهما “المديح” و”الهجاء” المغرقان، طرفان أقصيان لموقف تعادلي مفقود، يمثلان مرض الخطاب الإعلامي العربي. فثمة بلدان خرجت توًّا من عنق الزجاجة خاوية الوفاض، برصيد من الكبت السياسي والقمع الذي لم يخفف من وطأته مسلسل الانفراجات السياسية، لم تعد تملك الصحافة الموسومة بالمستقلة فيه سوى رياضة التلاسن الإعلامي والتراشق بالألقاب والتعريض بالأشخاص دون تثبت أو بيان. وبعد أن انحط المحتوى وبدا الإفلاس للعيان، تراجع الاقتدار المهني وأخلاقياته، فأصبح الإعلام وسيلة للتلبيس والتضليل. ومجالًا للتزوير والتزييف والتقويل، باختراع الملفات وافتعال ما يحل أزمة الغلاف. فالمسألة لم تعد مسألة مشروطة بإطار أخلاقي، بل غدا أكثر الإعلاميين أو المحسوبين عليه قابلين للمساومة على شرف المهنة ـ إلا ما نذرـ فإذا بهم صيادوا جوائز ومحترفوا دجل ولاعبون على الحبال ويبتزون ويمدحون بقدر ما يهجون. وكل ذلك حسب المصلحة، فليس غريبًا حينما تفقد الأخلاق من الممارسة الإعلامية، أن يتحول الإعلامي إلى عميل ضد أمته، متنكرًا إلى أقرب المقربين إليه، جاعلًا من الإعلام وسيلة لتصفية حسابات وأحقاد غامضة أو مزايدًا على الشرفاء في انتمائهم الوطني وقناعاتهم، مع أنك تجد من بين هذا الصنف من الإعلاميين الذين ابتلى بهم عصرنا الرديء، من ارتضى لنفسه دور الخفافيش، ليس ذودًا عن مبادئ لا يملك منها رصيدًا، بل تخابثًا في الأوكار المشبوهة، حتى إذا طلع عليه النهار ووعدك بأن في جعبته من أقاصيص شهرزاد ما يستنسر به على الشرفاء، ألفينا عنده من خبائث أهل الليل ما لا يرضي البغاث، وليس في حوزته سوى بقايا نقر ندماء الشر وغلمان الأبالسة. وكل ذلك حينما أصبح للإعلام نزوعات خارج أخلاقيات المهنة، كما لا يخفى على الغرير !

الخطاب الأخلاقي ونهاية المثقف

ليس الأمر هاهنا يتعلق بنهاية المثقف العضوي الغرامشوي، أو ذلك المثقف الملتزم الذي عادة ما يؤرخ لبدء سلطانه السياسي مع فولتير -Voltaire- في موقفه من قضية كالاس -Calas-، أو إميل زولا بخصوص قضية دريفوس أو ما سمي بعد ذلك ببيان المثقفين بمؤازرة ليون بلوم ومارسيل بروست، أو تلك الصورة النموذجية والمثالية عن المثقف السارتري المناضل … بل الحديث هنا يتعلق بنهاية ليست لها بداية في هذا المجال العربي، إذ ليس لنا من همة هذا المثقف سوى ترانيم الزمر التي اختارت سبل الفرجة والادعاء والسرقات الأدبية وتمثل الأفكار وابتلاعها بلا هضم إلى حد الإسهال. وذلك كناية عن نخب مزيفة مغشوشة، وعن مثقفين اختاروا عن قناعة مقنعة لعبة الصعلكة ومعاكسة القيم تعبيرًا عن جنون مفتعل، وتحت غطاء من الوهم، يتحول مثقفونا الصعاليك إلى صكوك منمذجة وزمر مرضية، سيكوباتية، تتحكم بها جملة من التقمصات الفاضحة، حتى أنك تجد من هذه البابغاوات البائسة من يزف شكله في مشاهدنا الثقافية كأحناط وجودية، لا رصيد لها من خبرة الوجود سوى “بهدلة” تعينها الوجودي المنحط. مثال الراوي الذي جعلت منه وقاحته نجمًا في سماء الأدب “الانحطاطي” كما يصفه تولستوي، أو مثال الشعرور الذي امتطى صهوة النجومية الرخيصة في مزادنا الشعري المستباح، ليصب على المتلقي المخدوع جام كذبه. وحيث ليس له من جنون “جون جوني” أو “أرتور رامبو” أو “جون بول فرلين” سوى الادعاء، هو الذي لم يجرب من بلاء الوجود سوى انطوائيته الحلزونية وفهلوته المغشوشة في حارة “الغلبة” التي لم يغادرها مذ عرف الوجود، كي يتمثل جنون شعراء جالوا عبر البحار وتنقلوا بين المحيطات واستوعبوا كل ألوان الطيف من ثقافات وأذواق وصروف الدهر. وأمثال هذا البؤس الشعري والأدبي الذي يريد أن يقيم سلطانه البائس على حساب كل القيم الجميلة كثير كثير. وكذلك ما يتعلق بذلك المثقف أو المفكر، الذي يفتعل جنونه وتمرده الممسرح، معانقًا فكر المجاوزة والهدم في”عدمية” عديمة الأقصيان، -الماضي والمستقبل-، أو في رمنسة القبح. متمثّلًا تقليدًا نيتشويًّا أو فوكونيًّا لا تجريب فيه لمعاناة من جربوا أقصى العقل وأقصى الجدية والالتزام، بحثًا عن راحة مقاتل على هامش عقل متمركز أو التزام صارم. هذا المسلسل من الفرجة التي يتزعمها مثقفون مختلقون وممثلون بائسون، هي مثال عن تراجع الضمير والأخلاق والإبداع الحقيقي من الممارسة الثقافية العربية. فيكفي المثقف أو الشعرور المزيف عندنا أن يتحامق ويتمسرح كي يفوز بوسام الرمنسية من الطراز الرفيع… ويكفي المرء أن يتسكع بين الحانات وينضم إلى زمرة المستثمرين في ذيل الثقافة المطعمة بسفه السوقة كي يصبح ليبراليًّا… وهكذا دواليك.

ولا حاجة بعد ذلك للحديث عن أخلاقيات المثقف اللاهث وراء الإغراء المادي أو الوجاهة المشبوهة على حساب عذابات الشعوب وجراحهم، ضاربًا عرض الحائط كل مبادئه، متنكرًا أو مجزّءًا أو مبررًا لخيانته وأطماعه الأشعبية. هذا ناهيك عن ذاك اللجاج المستحكم بين المثقفين المتناحرين حول أوهام أيديولوجية رثة. حيث جعلوا من النظر المعرفي مجالًا للمبارزات وتصريفًا لأحقادهم ونزوعاتهم “الطفالية”. فالمثقف العدواني الذي إذا ما انتقد قصم ظهر خصيمه. وإذا ما انتقد – بضم التاء- أرعد وأزبد، وكأن مثقفنا العربي الطهراني صورة عن ذلك الإمبراطور الداعي إلى التمسك بأهذاب إمبراطوريته العظمى. لا يهمه مقدار ما أفاد به جمهوره، بل إن همه أن يحافظ على مكانته وامتيازاته التي ليس قوامها ثقافي بحت. ففي سعيه ذاك والتماسه العون من خارج اقتداره الإبداعي وخدماته المعرفية، دليل على اهتزاز مصداقيته. فالمثقف العربي اليوم، حتى وإن كان ناقدًا محترفًا ينكر عليك انتقاده ولو لمصلحة السيرورة العلمية، فهو ناقد لا ينتقد وعارف لا يعرف. ولو ملك سلطانًا وسيعًا، إذن لقمع الفكر وأباد النوع وحاصر السؤال. فهو يؤمن بالمديح مقدار كفره بالنقد، فالنقد هجاء !

ولقد كفت الثقافة مذ تهاوى صرح الأخلاق العتيد، عن أن تكون شأنًا معرفيًّا خالصًا. أو جهدًا إبداعيًّا واعدًا، لا سيما في زمن الشلليات المقيتة والمحسوبيات الثقافية، حينما مسخت المعايير وغلا ذهان الادعاء الرخيص، وانخفضت أسعار الألقاب والنعوث في سوق الثقافة. وحيث ظهر جليًّا أن ثمة أصالة في الإنتاج إلى جانب تقليد يتربص بها. لك أن ترى ذلك حيثما وليت وجهك، ستلقى عينات من هذه الفظاعات، لمثقفين وأنصافهم ممن صار همهم تسويد الصفحات بأي ثمن دون أدنى قيمة مضافة ترفد المتلقي بما يحي لوعته الفكرية أو يشفي ظمأه المعرفي. فهو يستغبي القارئ غافلًا عن أن من جمهور القراء من هو ذو شأن واقتدار، محشدًا في مكتوبه، مملًا في مقوله، مسرفًا في تناصه. وحظ العالم العربي من قراصنة الثقافة غير قليل. وهواية السطو على الأفكار واغتصاب ملفوظات الأغيار لها محترفون متألقون. ويا لهول الأوصاف – بعد ذلك- ويا لبئس الألقاب(9).

ولا حديث بعدها عن ذلك الداء الذي تفاقم واستفحل حد الغثيان. في هيامهم الحداثوي المغشوش المؤدلج. حتى قيل – بلا منازع-: لا حداثة إلا على أنقاض الأخلاق. وقد رأينا كيف تفجر ذلك الاستفحال في أدلوجة “نسا-ذكورية” هجينة. اقتادت المرأة مغررًا بها إلى ضروب جديدة من الوأد الجاهلي، ما بين وأد ظلامي هو اللغة المنسية لموقف غالي لم يقطع حبله السري مع ذهان التوحش الأبوي، وما بين وأد حداثوي اختزل مسيرة التحرير في لغة التعهير الفرجوية. ما بين إقبار سافر منبعث من حفريات الذكورة الجامحة فوق خط الحقوق العادلة، ممعنة في التفاحل – من الفحولة – لإقصاء كل فاعلية مشروعة للأنثى. وما بين فسخ ومسخ منبعث من رماد التسليع الشامل للكائن ورموزه، في التفاف ذكوري مقنع يسعى إلى إبادة الرشاقة وذلك المعنى الجميل لتاء التأنيث من لغة عالم صمم سلفًا، بأن ليس ثمة من مخرج للأنثى في هذه المسيرة المطلبية الشاقة إلا بأن “تتذكر”. فلا حق لأنثى كما هي ريحانة وليس قهرمانة. لقد استفحل أمر هذه الحداثوية المؤدلجة الغارقة في اللجاج حدًّا باتت مقززة، بمثابتها خضراء الدمن، تتعالى فوق ترابية الانحطاط العربي في أقصاه الانزياحي، وتتهاوى تحت نباتية الحداثة المغرية الاستعراضية في أقصاها الأدنى الاستتباعي. وهي اليوم بين ترابية ونباتية لا ماهية تسم وجودها، سوى عزفًا فيفالديًّا على إيقاع الفصول الأربعة. غربانًا متطاوسة في هجراتها إلى الشمال. هكذا اختزلت الحداثة عندنا في “الطاسة والقرطاسة” – كما نقول نحن المغاربة -. وضاع المعنى الجميل لحداثة تحيل على يقظة الضمير وطراوة الإبداع. فهي كدح واستماتة وهمة وحزم. وليس فيما ذكرنا من هذا التراخي والتمسرح الحداثوي إلا أقل ما يقال في عقيدة حداثوية مسخت في المزاج السيء لمثقفين اكتفوا بحداثة الثرثرة، مسخوها كما مسخوا كل شيء جميل تلقفوه دون بصيرة ولا أخلاق عمل وانتهاض، فلا ضمير لمن تنادي !

الخطاب الأخلاقي وخدعة الطلاق بين الديني والأخلاقي

لقد عانى الوسط الديني من ظاهرة تراجع الأخلاق ما عانت منه قطاعات أخرى حتى كاد أن يصبح الدين نفسه في بعض الأوساط ممارسة سطحية بلا روح. وهاهنا يصبح الخطر مضاعفًا، لما يستعيض المكلف الشرعي عن مكارم الأخلاق، بالالتزام بالحد الأدنى من الأحكام، التي قصاراها تحقيق معذرية المكلف وليس الارتقاء به إلى مراتب الشكر وإلى حيث رشاقته الإنسانية. فهو يستكفي بما يبرئ ذمته، لا بما يحقق كماله الروحي أو بما يفيض عليه من نعماء تخلقه على النوع تحقيقًا لما ينفع الناس. فهي مكارم من الكرم الذي يغمر الأغيار لا مجرد إبراء الذمة الفردية التي هي الأقصى – الأدنى في تشرع المكلفين وليس الأقصى-الأعلى الذي هو شرعة الصديقين. على أن هذه الخدعة تجعل المجال الديني مهددًا بالخطر إذ الأخلاق هي الدين نفسه. فحيثما ساد الفصام بين الواجب التكليفي في أقصاه الأدنى عن الواجب الأخلاقي في أقصاه الأعلى، سادت التحريفية والسطحية، حتى إذا محصوا بالبلاء، قل منهم الديانون. على أن ثمة ذمتين متكاملتين: ذمة فقهية غايتها معذرية المكلف، وذمة أخلاقية غايتها كمال النفس. وتحقق المعذرية وفراغ الذمة الفقهية لا يبرر فراغ الذمة الأخلاقية. لقد تضخم الفقه الصناعي ليبتلع الأخلاق. وقد وجد بعض ضعاف النفوس في الفقه وتخريجاته رسومًا وترسانة من التبريرات والانزياحات، لا أثر فيها لورع أو أثر ما لجهاد أكبر يتدبر النفوس بما يحييها.

فيكون الأشطر من بين طلاب الفقه الأقدر على الالتفاف والتخريج الفقهيين. فإذا كان الفقه يحدد أحكامه في الخمس، فإن أحكام الضمير لا تتجاوز حدين لا ثالث لهما، أن تفعل أو لا تفعل(10). فالندب الفقهي يرقى أحيانًا عند المتخلق إلى مرتبة الفرض. هكذا يتعين على المعاهد والمدارس والحوزات العلمية العمل على تخليص الطالب من أمراضه الخلقية ومما ران على قلوبهم من أحقاد، عادة ما يحملونها من منابتهم بحكم التربية الفاسدة. التخليص الذي لا يقف عند التوجيه النظري أو التشديد الرقابي على السلوك، بل يتعداها إلى وصفات العلاج العلمية بتفعيل نظام تربوي متكامل. فلا يخفى على المتتبع للشأن الديني ومؤسساته أن الطالب أحيانًا يدخل حرم الدرس الديني بأخلاق سيئة ويخرج كذلك وربما أسوأ، والسبب واضح؛ ألا وهو التراخي في التدبير النفسي والروحي وخلو النظام التربوي من برنامج تخليقي جاد. الأمر الذي يتيح لسيء الأخلاق أن يخفي آفاته ويجعلها في حالة كمون إلى حين، بل وأخطر من ذلك، أن يجد في المحيط ذاته من لا يرى خطورة في ذلك، ويتفضل في تبريرها له. مما يجعل المجتمع والوسط الديني عرضة للخطر(11).. إن غياب الأخلاق والاكتفاء بحرفية النصوص والحد الأدنى من الامتثال التكليفي المحرر للذمة الفقهية، هو ما يجعل من الفقه أو الشريعة هدفًا مطلقًا وليس وسيلة لكمالات الإنسان. الفقه يحدد مجالات الإتيان والترك وذلك ما يجعل المكلف في مقام عبودية العبيد الخائفين من الوعيد أو مقام عبودية التجار الطامعين في النعيم. ولكن ثمة ما هو أسمى مقامًا، وأرقى غاية: عبادة الأحرار(12). ولا يخفى أن هذه الأصناف الثلاثة بقدر ما هي مقامات في التعبد والتخلق، فهي مداخل ومراقي متكاملة. إن غياب الأخلاق وضمورها في خضم الامتثال الفقهي – أي الحد الأدنى من إبراء الذمة – والاكتفاء به غاية وليس مدخلًا لكمالات النفس في مراقيها المختلفة أو أرضية لإقلاع القلوب، هو آفة المتدين الذاهل عن شرط التخلق في الدين – ولا أقول مع الدين، إذ التخلق من الدين بمثابة الروح من الجسد – حيث هاهنا تعينت الحاجة إلى درس العلاقة العضوية بين الدين والأخلاق ومنزلتهما الحلولية في حياة الإنسان.

المسألة الأخلاقية وأزمة التواصل

لئن كان ثمة ما يفرض الحاجة إلى تحيين الاهتمام الأخلاقي، وتكثيف النظر في مسائله، هو ما يشهده اجتماعنا العربي من ضروب الردة إلى أزمنة العصبيات. فكل حزب بما لديهم فرحون، وكل فئة مغلقة على يقينياتها. في عصر يتحرك نحو وحدة الأذواق والأخلاق، فغياب حد أدنى من أخلاقيات الحوار، جعل التواصل في حكم الممتنع بين أبناء الوطن الواحد أو الأمة الواحدة أو الدين الواحد. ولا أدل وأخطر من ذلك العراك والفصام النكد الذي يندى له جبين العقلاء وتنفطر من هوله قلوب الصديقين، بين الفئات والمذاهب والطوائف المسلمة. إذ ارتد النزاع إلى عهود اللجاج المجرد عن أخلاق تلجم ممثليه عن الإسراف والتمادي حتى بات وضعها قاب قوسين أو أدنى من العنف الأزلي الإيرلندي بين بروتستانتينية وكاثوليكية تجاوزت عصبيتها رحمة المسيح  (ع) حيث بلغ العنف والعنف المضاد في أفق الخلاف وفي حدته المفتعلة بين السنة والشيعة، مبلغهما في بلاد مثل “باكستان”، أو اللعن والسباب والتكفير كما في بلدان أخرى. في حين تزدان دماثة الفاعلين الطوائفيين أو المذاهبيين، وتثمر تلاقيًا سمحًا وسلوكًا ناضجًا وتخليقًا تواصليًّا، يكذب تلك العصبيات وينسخ توترها، تسامح يظهر مشرقًا في لبنان والعراق وإيران – كمثال فقط – على أن الحوار مع المختلف ينبغي ارتكازه على برهان متين وأخلاقيات مؤسسة له. أو كما قال علي بن أبي طالب: “فلا يرفع أحدكم صوته على أحد بغير حجة. واعلموا أن الظفر لمن احتج لا لمن لجّ” !

على أن الوحدة الإسلامية إن أريد لها الانتهاض على تقويض الاختلاف في الفروع أو ردم الاختلاف في تأويل الأصول، فلن تقوم لها قائمة البتة. ما دمنا نرفض التوحد على المشترك الإسلامي والانتهاض على أرضية تخليق الاختلاف. فالوحدة الإسلامية نفسها كما ترى، مرتهنة بادئ ذي بدئ لهذا المطلب الأخلاقي. ويكفيك شاهدًا على هذا التدهور الأخلاقي إصرار قطاع واسع على التصدع في الصفوف وتكريس الشعث والفرقة مهما كلف الثمن. حتى بات هناك من تخصص في فن التشتيت والتفريق، لا يرعوي مهما تقدمت له خطوات على طريق التقريب. وثمة من فضل نفش الريش والتطاوس في اللجاج الطائفي البغيض، مكفرًا ومزندقًا أهل النهى، كما لو أن تكليفه الشرعي تحدد في توزيع صكوك الكفر والإيمان، حتى أنه لم يعد من سبيل لإقناع هذا الرهط من المفرقة الجدد بعد أن قضوا مسبقًا أن كل ما يصدر عنك هو محض تقية وتبييت، فأين يا ترى المفر، إن كانوا قد ركزوا بين السلة والذلة !حتى بات من هذه الشعبة المسرفة من لا يرضيه منك قول أو وجود، إلا أن تستأصل استئصالًا وتندثر من لوح الكينونة اندثارًا، بعد أن لم تر في هذه “الشين” سوى شينًا وشنارًا (13). ولن تحفظ لك مأثرة ولا فضلًا مهما فعلت. ولعمري لو اجترحت لهم المعجزات، لكذبوك وسفهوا أحلامك. ومع ذلك لا مندوحة لمتخلق إلا أن يصفح ويحسن صابرًا وفي العين قذى، وليس له إلا أن ينحو منحى أمير المؤمنين قائلًا وفي الحلق شجى: “لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، وكان الظلم فيها علي خاصة”.

ولقد رأينا من هذه الشعبة ما تنفطر له القلوب وتفور منه الدماء. وقد أصابنا من هول إسرافها ما لا طاقة لنا به لولا يقيننا بأنه يجري بعين الله، فإن قلت: ألا ترعووا من هذا التفتين والتجديف، تجاسر عليك من لا هو في العير ولا في النفير، مسفها أحلامك. حتى يصبح حاميها حراميها. وإن سلمت وقلت تواضعًا ومحبة: إنك “غلبان” خفظًا لجناح الذل من الرحمة، داخل هذا الموج الذي لا قرار للمرء فيه إلا أن يكون حلس جوانيته، لا ضرع يحلب ولا ظهر يركب، رأى فيها المناوئ الطائفي خوفًا وتراجعًا. على أن الخوف عز عليه أن يسكن أفئدة سكنتها شهادة أبي الأحرار، ولهج لسانها بهيهات منا الذلة. ولكن كل هذا ليس مرده إلى خلاف في الفروع أو اجتهاد في الكلام. بل هو تدهور في القيم المهذبة للحوار والضامنة لحرية القول. لقد رأينا ما تشيب من هوله الولدان، لما يستغل منظروا التشتيت الطائفي من غير المتخلقين سكوت الهاربين فرقًا من هول الفتن التي هي “أشد من القتل”. فينبري لك من يختزل التشيع في التمتع كما لو كان التمتع بالنكاح عقيدة لهذه المدرسة وليس من جزئيات الفروع التي لها فقه يعالجها. أو ينبري لك “فصعول” طائفي ينعت “الصدوق” بالكذوب، ثم تملي له الغرارة الادعاء بأنه يملك استئصال شأفة هذه المدرسة من خلال أصولها، كما لو أن محض إطلالة فضولية أو “حشرية” في مدوناتها الأخبارية المعتبرة لا قطعية الصدور كافيًا لفهم ما انعقدت عليه أصولها وفروعها. بل ثمة من لا يزال على معزوفته شديدة النشاز لا يرعوي عن اتهامك بانفرادك بقرآن لا عهد للأمة به، وما إليها من صور اللجاج والسفاهة والادعاء، لا أجد له أبلغ قيل مما ذكره عميد الأدب العربي (طه حسين): “ما أكثر ما شنع خصوم الشيعة على الشيعة”(14). ففاسد الضمير لا يرى في سكوتك التفافًا على الفتن ما ظهر منها وما بطن. ولا في صبرك، جلدًا ولجمًا لحصانك الجموح كي لا يزيغ عن السكة مثيرًا نقع اللجاج. وإن كان ذلك فيه ظلم عليك خاصة أو رفض لمعروض قد يغري السفهاء، من شأنه أن يجعلك على رؤوس عصبة قائدًا للفتن وزعيمًا اختزلت مهمته في نبش رماد المواجع ورميم الفواجع.

ولا مخرج فيما نرى لهذه الفرقة إلا ببعث أخلاقي زاحف على طريق الاختلاف والتعايش السعيد. فلئن كان ثمة من أمر يتعين إضافته إلى مباحث علم الكلام الجديد، فهو أخلاقيات التواصل، بل وما المانع أن ننهض بعلم جديد، هو “علم كلام” الاختلاف السعيد !

الأخلاق والدين: أية علاقة؟

يتحدث الباحثون العرب، المشتغلون على قضايا الفكر الأخلاقي النظري، بأن ثمة قلة اهتمام، إن قديمًا أو حديثًا، بالتحليل أو النقد أو النظر الأخلاقي ومنظومة القيم العربية-الإسلامية. ربما لم يكن لهذا الاختصاص من اهتمام المشتغلين على الفكر العربي والإسلامي وفلاسفته، اهتمامًا أزود مما حظيت به باقي الصنعات والعلوم، نظير الفقه وأصوله واللغة وفقهها. حتى ليبدو للناظر في تراثنا الفكري والفلسفي، بأننا أسرى لمفارقة تاريخية كبرى، نحن الأمة الناهضة على تمام مكارم الأخلاق، لم نمنح الأخلاق من اشتغالاتنا ما منحناه غيرها إلا لمامًا أو اجتزاءًا. وقد ظل النظر إلى الأخلاق-كعلم- قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح نافلة، بل ومهجورًا في أروقة الدرس الشرعي نفسه، الأمر الذي ينذر بأزمة خطيرة تمس الأسس. لا سيما بعد أن أصبح الفكر العربي والإسلامي يتجرد بدل أن يتخلق.

وبعد أن تحول الفقه نفسه إلى محض رسوم بحكم الاختصاص. إلا أن الواقع ليس بهذه الصورة التي يعتقد الدارسون للفكر الأخلاقي العربي-الإسلامي، لأن الأخلاق في هذا المجال لم تنتظم كصنعات أو مشروع صنعات كما بدا من أعمال ابن مسكويه إلا كرد فعل لما آل إليه وضع المعرفة والعلوم العربية والإسلامية التي غدت خاضعة للنظم، بعد أن كانت خاضعة لسجية المشافهة، وما قد يترتب على ذلك من اجتزاء واختصار وتجريد في الخطاب. كما أصبحت متخصصة بعد أن كانت متاخمة لبعضها البعض، بل ومداخلة لبعضها البعض، ما جعل الأخلاق لا تظهر كعلم مستقل إلا في الفترات الأخيرة، وتحديدًا بعد استفحال النظم وتجرد الفقه وتدابر العلوم. كان القرآن الكريم ولا يزال كتاب معرفة وأحكام وأخلاق بلا تخوم. حتى أن القارئ فيه الناظر في آياته، يتعذر عليه تجريد أحكامه عن أخلاقه، فالمعرفة فيه تداخل أحكامه. وكلاهما يشكل مداخل أخلاقية. لم يغفل المسلمون الأوائل موضوع الأخلاق، ولم يطرقوه على النحو الذي طرقه اليونان. فالأخلاق لم تكن عندهم محض صنعة متخصصة بل كانت – لا أقول داخلة في صلب المعارف والأحكام الدينية فحسب – بل كانت هي الدين نفسه وغايته. إن بداية الحديث عن الأخلاق كصنعة – مع أن ثمة مبررات تاريخية تفسر هذا الجنوح إلى تصنيع الأخلاق – هو بداية الكارثة الأخلاقية التي جعلت من الدين نفسه، صنائع متشظية، يمكن الاستغناء عن بعضها البعض. فيكون الفقيه فقيهًا لا علم له بالأخلاق أو الأخلاقي أخلاقي لا علم له بالأحكام. لقد كانت لحظة تاريخية حاكية عن بدأ الانحطاط الأخلاقي في المجال العربي-الإسلامي- حيث بداية استقلال الأخلاق وتصنيعها – وليس تطورًا معرفيًّا أو اكتشافًا. حيث خاصية الأخلاق الإسلامية أن تكون غاية الصنائع طرًّا، لا صنعة متفردة أو مستقلة. وأن تكون ثاوية في صلب الصنائع لا مفارقة. ولعل هذا هو ما كان جدير بنا اعتباره مائزًا لبنية القيم العربية الإسلامية، باعتبارها بنية محايثة لا مفارقة، أو لنقل هي بنية البنى وليست بنية مستقلة!

إن الإصرار على الكشف عن بنية البنى أو قيمة القيم في نظامنا الأخلاقي، من شأنه أن يجعل من الأخلاق شأنًا خاصًّا أو محليًّا. فهل هذا يا ترى تقويض لوحدة الأخلاق واستبعاد لعالميتها الحتمية؟

لم يكن صاحب “الحكمة الخالدة” فيلسوف الأخلاق الإسلامي ابن مسكويه، محاكيًا لطريقة سادت في عصره أو وسمت شلته من أهل المقابسات، أو بدافع غاية ما للترويج لأخلاقيات الملك الكسروية، أو أخلاقيات السعادة اليونانية إلى جانب أخلاق المروءة العربية، بل كل ما هنالك أن الأخلاق لدى هؤلاء المتقدمين لم ينظر إليها على أنها منتج لنظام من القيم آخر. بل إن هذه النظرة ذاتها للأخلاق بوصفها فرادات بنيوية، هو مما هدف الإسلام إلى تقويضه، لكونها مانعة لانسياب الأخلاق. هذه الأخيرة بوصفها قيمًا كونية، وإن خضعت لشيء من التحول والتهذيب نزولًا عند ضرورات التشخص والتبيؤ، كي يزدان بها المجال، وحيلة من حيل النشوء والتكيف مع المجال. فالإسلام نفسه نظر إلى ما سبق من أخلاق العرب وما كان يرد عليهم من أخلاق الفرس والروم الذين انتشرت قيمهم في المجال الذي استحكمت فيه هيمنتهم، فكانت تنقل رواية فيستحسن منها الأسنى ويرد منها الأنكر طبعًا وعرفًا. حتى بلغ الأمر بصاحب الدعوة أن قال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. أو قوله بعد أسر ابنة حاتم الطائي: “دعوها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق”.

ليس ثمة أخلاق مختلفة، بل ثمة أخلاق متفاوتة متلونة بتضاريس المجال، محكومة بثقافاته ورموزه… فيما هي واحدة في جوهرها، متكثرة بتبيؤاتها. حتى أنك داخل المجال الواحد والثقافة الواحدة، قد تجد مقامات في الأخلاق تتفاوت من شخص لآخر ومن فئة لأخرى ومن طبقة لطبقة. وهذا ما جعل ابن مسكويه يستعرض آداب الشعوب والأمم على اختلاف طبائعها الثقافية ونوباتها الحضارية، في عرض حاكي عن ضرب من حوار الثقافات مبكر، جاعلًا من الأخلاق محورًا للتلاقح والتشريك، ناظرًا إليها نظرة وحدة وكثرة في آن واحد، واحدة في جوهرها اللطيف، متعددة في خبرات الأمم التي نشأت وتفاعلت داخلها. كي تصبح أخلاق اليونان والفرس والعرب، واحدة من حيث هي طلب كمالات النفس بالتدبير، وتلك غاية الدين نفسه. ولئن رأى فولتير أن الأخلاق واحدة كالهندسة، فإن ذلك صحيح إن كان يراد به كونيتها، لكن ثمة ما يعنيه فولتير بهذه المقولة، التي جاءت اعتراضًا على من أنكر على غير أهل الدين أخلاقهم. ولئن حاول فولتير الفصل بين الدين والأخلاق كي يجعل من هذه الأخيرة حالة مستقلة تقوم بالدين أو بغيره، فذلك ما يستدعي وقفة أخرى.

إن الأخلاق واحدة كالهندسة، هذا حقًّا ما لا يختلف عليه اثنان. لكنها قاعدة تصح فقط وفقط، إذا اعتبرنا الهندسة نفسها واحدة، وقد أوضحنا في غير مكان، أن فولتير الذي لم يدرك ليوباتشوفسكي أو رينان، ظل على عقيدته الهندسية الأقليدية، وإلا لكان أدرك بأن ثمة تعددًا هندسيًّا بعدد المجالات الهندسية. ولكان أدرك أيضًا بأن الهندسات اللا إقليدية ليست تكاثرًا في جوهر الهندسة، بل تكوثرًا في المجال الهندسي. وهكذا تثبت الوحدة في الكثرة، ليكون أمر الأخلاق سيان، واحدة في تكوثرها، ذلك التكوثر الحاكي عن مجالات تحققها أو مقامات تهذيبها أو حيثيات تشخصها. ليست إذن الأخلاق بنى قيمية متدابرة أو مغلقة. ولا هي واحدة بلا ممكنة التعدد في تجلياتها الخارجية. بل هي هذه القيم الثابتة في حراكها ترسم تنوعًا في مراتب تحققها. فيكون المتخلق بلا دين، له نحو منه بقدر تمكن هذه الأخيرة منه. والمتدين بلا أخلاق، متخلق بقدر تمكن هذا الأخير منه. فلا دين حقيقة لمن لا أخلاق له، ولا أخلاق حقيقية لمن لا دين له. ومع ذلك، فبقدر الدين تحضر الأخلاق وبقدر الأخلاق يحضر الدين – إذ الدين المعاملة – فهل كان كانط في ذروة استقالته بالقانون الأخلاقي إلا متدينًا بالقياس والاستبدال كما أظهر ذلك ناقده “شوبنهاور”؟ !

ـ الهامش:

(1)        الشاهد على ذلك، اللا أبالية التي استقبلت بها “ألبرايت” سؤال أحد الصحفيين حول الضحايا الأطفال جراء الحصار الغاشم المفروض على المجتمع العراقي. ذكرت حينها بأن مقدار ستمائة ألف طفل ضحايا هذا الحصار تستحقه الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيقها في العراق. قد يبدو هذا منطقًا واضحًا لمصاصي الدماء، لكن “ألبرايت” تتحدث بلغة سياسية مهما بدت قاسية، فهي لها ما يبررها في العقل السياسي الحديث، بما أن ذلك لا يعدو كونه حدًّا أقصى للبراغماتية الأمريكية، والتي لها دعاة وأنصار مخلصون بين ظهرانينا.

(2)        تمتاز المرحلة المرآوية – Stade de miroir- عند جاك لاكان، بأنها لحظة مفصلية على صعيد تشكل الوعي بالذات. وهو وعي صادم ومغشوش في آن واحد. فالأنا لا تظهر كما هي، بل تظهر للذات من خلال الآخر. هذا الوعي بالأنا الصادم والآتي من الخارج، يجعل الأنا في مقام المتخيل لا الأنا الماهوي.

(3)        أصبحت اللاحقة “Métrie” في حقل الإنسانيات حقيقة تتسم مع النزوع الوضعاني القاضي باستبعاد ما هو إنساني من دائرة العلم واختصاصه. بل صار البحث عما يعوض ذلك من اختصاصات علموية تستبعد كل ما هو روحي أو إنساني أو فلسفي من الصنعة العلمية. كالدين الوضعي – أوجست كونت- أو الفلسفة العلمية – هانز رايشنباخ- فالإنسان، موضوع الدرس ككل الموضوعات لا يمتاز عليها بشيء، بل لعله يكون أدناها في حالات كثيرة. على الأقل ثمة ما هو سابق منها للكائن وما سيظل بعده. فالـ”Métrie” هذه، هي محاولة لوضعنة هذه العلوم التي ظل موضوعها هو الإنسان، كالأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد… أصبح الحديث عن بعض الشعب العلمية في علم الاجتماع، طبيعيًّا، نظير Sociométrie و économétrie والواقع أن الرؤية الفلسفية الأنطولوجية هي نفسها قد ارتدت إلى هذا المدلول الوضعاني الغالي. لقد بات يلوح في الأفق، أن الكائن الحر أو الفاعل الذي ظل فارس الفلسفات الوجودية والتيارات الإرادوية، قد أشرف على الانقراض. فالعولمة ومسارات التسليع والوضعنة، سوف تجرف هذه الأنطولوجيا ذاتها لصالح ضرب من “الأنطو-ميترية” (Onto-métrie). فحينما يصبح الإنسان نفسه موضوعًا للبحث والتحليل فإن ألـ “Métrie” لن تصبح شرطًا لفهم كائن “أنطو-ميتري” فحسب، بل هي شرط الإنسان الذي سوف يتولى تحليل هذا الكائن، بوصفه كائنًا مختلفًا – وهو شرط تحقق العلم الموضوعي – وإلا تحول إلى ضرب من الاستبطان كما في التحليل النفسي أو العلم الحضوري كما يقول الفلاسفة القدامى. فالباحث في الإنسان عليه أن يخوض معركة شرسة ضد “أناه” حتى تتخلص من تشويش استبطاناتها، وتستلب نهائيًّا في فعل آلي. فالتأنيس عدو العلم أو فلنقل، قتل الإنسان –الذاتي- شرط تحقق العلم بالإنسان –الموضوعي-. هذا الفصام الرهيب الذي يضع الأنتروبولوجيا وغيرها من علوم الإنسان الموضعنة في مقام الشاهد على استفحال التراجيديا الإنسانية. فلا غرابة إن أصبح علم الإنسان ضد الإنسان.

(4)        تشرشل مثال فقط عن النزق السياسي للمسؤولين السياسيين في الدول العظمى. وهو ما شهد على بلاء وجودنا السياسي في الأزمنة الحديثة. مغامرات تشرشل تصلح اليوم كتراث مغذي لسياسة توني بلير العمياء. خصوصًا بعد أن رأينا كيف داس على موقف الشعب البريطاني من هذه الحرب القذرة. والأمر ذاته يظهر جليًّا في تعاقب السياسات الأمريكية لزعماء مسكونين بذهان الغزو والسيطرة. فضحايا السياسة الأمريكية – والحرب الأمريكية- من الشعوب يفوق كل ضحايا السياسات الأخرى وإن طغت واستبدت. بيد أن ذلك كله يتم برسم التجريب، التدمير النووي لهيروشيما وناكازاكي، مغامرة أمريكية، حرب فيتنام مغامرة أمريكية، الحرب على العراق، مغامرة أمريكية … فالعالم هو مرتهن لهذه السياسة المغامرة، إنه تحت رحمة المغامرة – أو لنقل المقامرة – الأمريكية !

(5)        قد يكون ثمة مؤمنون حقيقيون بهذا الشعار – حقوق الإنسان- منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل هي القناعة نفسها التي تمتد حتى الماغناكارتا. لكن ما يجعل هذا الشعار جزءًا وظيفيًّا لهذه التراجيديا الإنسانية، كونه جاء لإحكام الطوق حول النازية في أوروبا التي اكتوت بنارها. بدت حينها وكأنها المسوغ القانوني لمطاردة النازيين عبر العالم. لقد صدر الإعلان في بداية الأربعينات من القرن المنصرم، حيث لا يزال الجزء الأعظم من العالم الثالث تحت سطوة الاستعمار، وهو أبشع ظاهرة مناقضة لحقوق الإنسان. واليوم نرى التاريخ وكأنه يعيد نفسه. فالدولة العظمى التي رفضت حتى بأن تبعث بمحققها إلى جنين الذبيحة، والتي سلمت للعراق من أسلحة الدمار ليقتل بها شعبه ويروع بها جيرانه، ها هي اليوم تتحدث عن أن أساطيلها العملاقة في خدمة الديموقراطية وحقوق الإنسان في العراق. فحقوق الإنسان العراقي لا تتحقق إلا بقتل العراقي، وبقوة “أم القنابل” واليورانيوم المنضب، وتحرير العراق لا يتحقق إلا باستعمار العراق.

(6)        لا أحد يستطيع التنبؤ، متى يتضخم الخطاب الأخلاقي “السياسوي” ومتى ينقرض نهائيًّا. ولكن يظل على كل حال ثمة معيار واضح لمشاريع جهنمية يخفيها أي التفاف أخلاقوي لسياسيين ما فتئوا يتنكرون لأبسط معاييرها. حتى بات معروفًا أنه حيثما رأيت سياسيًّا يتحدث عن الأخلاق حتى تدرك أن كارثة ما ستحصل. فاللجوء إلى السلاح الأخلاقي هو سياسة. وربما بدأنا نشاهد أن الذين دعوا إلى تجريد السياسة عن الأخلاق أصبحوا اليوم يكتوون بنارها.

(7)        يظل ليون فالراس إلى جانب وليام ستانلي جيفون، أحد فرسان المدرسة “الحدية” الذين تركوا بصمات غائرة في تاريخ الاقتصاد السياسي، كانت محاولة فالراس التفافًا على طوباوية برودون عن طريق تحييد العملية الإنتاجية من تأثير النزعة الإنسانوية، بوصفها عملية علمية رياضية صرفة. وستظل العدالة الاجتماعية موضوعًا إنسانيًّا عاطفيًّا. ثمة إذن شرخ كانطي واضح في هذه الالتفافة الفالراسية في محاولتها التوفيق بين لغة الترييض العلمي للعملية الإنتاجية والتأنيس المثالي للعدالة الاجتماعية. وقد قدر لهذه التوليفة أن تتحرر من طوباوية برودون المبسطة، لتقع في مأزق طوباوية أكثر تعقيدًا، فاقت حدود الطوبى، لتسقط فيما وصفة بورديو بـ”الأسطورة الفالراسية” !

(8)        قد يبدو الأمر عجبًا، أن يرى الخبراء، السودان كافية وحدها، لتأمين غذاء العالم العربي، لكن ربما بدا أكثر عجبًا أن يرى بعض الخبراء من العالم الإسلامي، بأن أندونيسيا تستطيع بمفردها تأمين غذاء العالم بأسره. هذه الحقيقة إن هي تحققت، فهي شاهد على فضيحة المنطق الملتوسي !

(9)        لعل واحدة فقط من تلك العوائد السلبية الدخيلة على البحث العلمي، ذلك التعالي الذي يمارسه الباحثون فيما بينهم. حتى أنك تجد داخل حقل الاختصاص الواحد في الجامعة والمعاهد نفسها، من يعز عليه الإحالة على زميل له، وإن كان يفيد من علمه ما لا مندوحة لنكرانه. فلا هو مستغن عن الإفادة من نصوصه، ولا هو أمين إلى درجة الإحالة عليه. حتى كاد يصبح من الإعجاز العلمي أن تجد مثلًا إحالات للعروي على الجابري أو العكس، أو لعله من آخر الممتنعات أن تتصور إحالة لطه عبد الرحمن عليهما وهو الذي ورد بعدهما وأفاد منهما أيما إفادة، لا يجدي في ذلك إخفاؤها بتشقيقات منطقية متكلفة ولا بمراوغات حجاجية مسرفة. ولا أحد منهم يلاحظ في أعماله ما تراكم عند الآخر. وهي بالفعل ظاهرة غريبة من نوعها!

(10)   إذا كانت الأحكام واجبًا ومستحبًا ومباحًا وحرامًا ومكروهًا، فإن الحكم الخلقي لا يكون كذلك إذ اختزلت الأحكام لديه إلى واجب وحرام، وهي تعبير عما يسميه فلاسفة الأخلاق، بأخلاق الواجب أو القانون الأخلاقي. وعجبًا، إذ تصادف آحاد هؤلاء ممن لا يجد حرجًا في عدم إفشاء السلام بحجة أنه ليس واجبًا، وإنما الواجب هو الرد. ولعل الوقوع في هذا الضيق نتيجة لغياب الحس الأخلاقي بوصف الأحكام هي مداخل أخلاقية وليست غايات في ذاتها. فقد يكون من وجهة نظر الأحكام، أن الناس مسلطون على أموالهم. وإن وضع اليد على ما في حوزة أخيك لا يجوز قطعًا. لكن الأخبار دالة على أن الرجل لا يكون أخًا صديقًا لك حتى يضع يده في جيبك فلا تجد في قلبك شيئًا. وإذا تحدد ذلك فقهيًّا في “الفحوى” فهو أخلاقيًّا يرقى إلى منزلة معيار الأخوة. ولك بعدها أن تميز بين حدود الأحكام الفقية  وحدود الأخلاق.

(11)   الوسط الذي لا يمكن أن تلجم فيه السائبة، لا يمكن اعتباره وسطًا أخلاقيًّا نموذجيًّا، والحال، أن بعضًا من فاقدي الأخلاق أو الوصوليين ممن تمرس على إخفاء مكره، يجعل المرء يطرح تساؤلًا على الوسط الديني نفسه الذي يمكن لهم. ذلك لأن الأخلاق لا تمنح صاحبها طيبة فقط، بل ملكة وبصيرة تمكنه من كشف النفاق، ومعايير يقيس بها الخلق. أليس القرآن نفسه يؤكد: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾.. إلخ…؟ أو قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية للمتوسمين﴾ وهذا ما سنجتهد في بيانه وتحقيقه في فرصة قادمة إن شاء الله، حيث سنستخلص من التاريخ ومن وحي التجربة وبالاستئناس ببصائر الوحي، ما سنفضح به ظاهرة طالت حتى مللناها، حتى لا تظن شعبة النفاق حيثما كانت أن حصون خداعها مانعتها من الله.

(12)   هذا مستوحى من قولة لأمير المؤمنين: “وقوم عبدوا الله خوفًا من ناره فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوه طمعًا في جنته فتلك عبادة التجار. وقوم وجدوه أهلًا للعبادة فعبدوه، فتلك عبادة الأحرار”. على أننا لا نفهم من ذلك قدحًا في من عبد خوفًا أو طمعًا، بل مفاد القول: إن للعبادة مداخل ومراتب، وفي كل خير.

(13)   ذكر الجاحظ: “أخبرني رجل من رؤساء التجار قال: كان معنا في السفينة شيخ شرس الأخلاق، طويل الإطراق وكان إذا ذكر له “الشيعة” غضب وأربد وجهه وروى من حاجبيه، فقلت له يومًا: يرحمك الله، ما الذي تكرهه من الشيعة، فإني رأيتك إذا ذكروا غضبت وقبضت؟ قال: ما أكره منهم إلى هذه الشين في أول اسمهم، فإني لم أجدها قط إلا في كل شر وشؤم وشيطان وشعب وشقاء وشنار و… قال الجاحظ: فما ثبت لشيعي بعدها قائمة”. أقول، هذه الحادثة التي ذكرها صاحب العقد الفريد، ابن عبد ربه، تدل على أن قائلها كما وصفه الجاحظ نفسه “شرس الأخلاق”، وأمثال هؤلاء الذين يحملون عقدة مرضية اسمها “الشيعة” موجودون بين ظهرانينا، لا أخلاق تمنعهم من التجديف.

إن عدد ما جاء في صحيح البخاري وغيره من الصحاح من الأخبار الدالة على القول بالنقيصة (القرآن المنقوص) تفوق كل اعتبار مع أن الصحيح هو أكثر من كونه معتبرًا، بل صحيحًا قطعي الصدور عند القوم. وإن كان الكليني قد أورد بعضًا من تلك الأخبار الدالة على وجود قرائين بالمعنى الذي يفيده قرآن علي، أو فاطمة وهو نظير قولنا مصحف ابن مسعود أو مصحف ابن عباس، مصاحف شملت شروحًا واستكمالات تأويلية، لا يعني بالضرورة القول بالتحريف. هذا فضلًا عن إيراده لها في باب الشاذ والنادر. ومع ذلك، فالإنصاف يدفع المتخلق للقول، بأن وجود أخبار كذلك في صحيح البخاري وغيره، لا يعني ذلك أن عقيدته كذلك أو إجماع عقيدة أهل السنة كذلك، ولا أحد يملك أن يتهمهم بما لم يجمعوا عليه أو ثبت عندهم بالدليل. فإن كان علم الكلام لم يسعنا، فلتسعنا الأخلاق بما رحبت.

 

[1] علي بن أبي طالب (ع).

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
الفساد الأخلاقيفلسفة الاخلاق

المقالات المرتبطة

تاريخ التكفير وجغرافيا السياسة

إذا كان للتكفير ماضي، هو تاريخه الممتد عبر الزمن، فلا بد من أن يكون له أرض أو جغرافيا تستقبل دعوات التكفير، مثلما تستقبل دعوات السماء

أولويّات دور المرأة في فكر الإمام الخامنئي

إنّ من العيب أن نقول إنّ المرأة امرأة، وأن الرجل رجل. إنّ للمرأة أن تفخر بأن تكون امرأةً كاملةً وأنثى كاملةً وهي لا تقلّ بأيّ حال عن قيمة الرجل، وهي قد تفوقه في بعض الأحيان فلماذا نتخلّى عن ذلك؟

في فلسفة الإمامة الدينية ومنطق الاجتماع المعرفي الديني

هل من الواجب وجود مرجعية دينية بعد رسول الله (ص) تقوم بدور بيان الدين ورفع الاختلاف في دلالات الكتاب وتأويله، بحيث يكون قولها القول الفصل، وبيانها البيان الذي يعبّر عن حقيقة الدين ومعاني الكتاب، فلا يكون إخبارها عن اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، بل يكون عن علم إلهي لا يعتريه الخطأ؛ أم أنه ليس من الواجب وجود هكذا مرجعية دينية، وأنه لا ضرورة لاستمرار مهمة بيان الدين والكتاب بعد وفاة رسول الله (ص)؟

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<