كلمة البروفسور الأب سليم دكّاش اليسوعيّ في حفل توقيع كتاب سماحة الشيخ شفيق جرادي “هل الدين نزعة إنسانيّة؟”

كلمة البروفسور الأب سليم دكّاش اليسوعيّ في حفل توقيع كتاب سماحة الشيخ شفيق جرادي  “هل الدين نزعة إنسانيّة؟”

 اسمحوا لي بأن أقول كلمة أهلًا وسهلًا إليكم جميعًا في جامعة القديس يوسف الضامّة الكثرة، والجاذبة للتعدّديّة، والموفّرة لها المحاورة والمناظرة والطاولات المستديرة، وبالتالي تقوم بأداء دورها الأكاديمي الثقافي العلمي بقدر ما تتوفّر لـها الإمكانيّات والمساحات؛ وفي طليعة المساحات تأتي المساحة الفكريّة التي ضيّقت عليها الأحكام المستبدّة والتنظيمات الجائرة. وإن قلت أرحّب بكم، فكيف لا أخصّص الترحيب بسماحته، سماحة الشيخ شفيق جرادي آتيًا إلينا وبرفقته هذه المرّة كتاب باللغة الفرنسيّة جمع فيه عصارة محاضرات وأفكار وكتابات من مختلف أوجه أحوال الدين ومهمّاته وطروحاته، فكان إن أمسى سماحة الشيخ، سماحة الفيلسوف، المحبّ للحكمة، ونحن من موقع انتمائنا لأهل الفلسفة نحبّ أهل الحكمة والحكماء، وهكذا، في الواقع، نقدّر يا سماحة الشيخ عملكم هذا ونقول لكم نحبّكم محبّتنا لمن اختار كلمة الحكمة سبيلًا لطرح السؤال والأسئلة على الواقع بمختلف مجرياته ومؤسّساته وبناه المختلفة المتعدّدة.

لقد قبلتم فضيلة الشيخ أن يُنقل هذا الكتاب، الذي نجتمع حوله اليوم من العربيّة إلى الفرنسيّة، وذلك بجهد مخصوص يُثنى عليه من قِبَل البروفسور أنطوان فليفل مدير مجموعة الفكر العربي في دار لارماتان، ومن المترجم إلى اللغة الفرنسيّة الأستاذ فادي عبد النور، الذي استطاع أن يطّلع بمهمّة شاقّة في سبر أغوار الجملة والعبارة والمنهجيّة الشفيقيّة، البليغة والمنمّقة. وهكذا توصّل الأمر إلى إمداد القارئ بالفرنسيّة نصًّا على قدر واسع من الوضوح والتركيب اللغوي المتين. والواقع أنّ نقل هذا الكتاب إلى الفرنسيّة إنّما يفتح الباب أمام العالميّة وإن كان ذلك من أهداف هذه الترجمة، بل إنّما هو دخول إلى عالم الفرنكوفونيّة، التي هي انتظار دائم إلى هذا النوع من الإسهامات البليغة. فمن خصائص الثقافة الفرنكوفونيّة أنّها من ناحية تُعنى بالفكر الذي يتناول قضايا الإنسان من مختلف عناوينها، وهي أيضًا مساحة للتعدّديّة الفكريّة والحوار والمحاورة والمناظرة، ولا شكّ أنّ كتاب سماحة الشيخ شفيق جرادي من زاوية قراءته الإسلاميّة الشيعية لعلاقة الدين بالإنسان والإنسان بالدين، هو مؤلّف غني ومشبّع بالأسئلة والتحليل والتوليف، يضاف إلى دليل الثقافة الفرنكوفونيّة في مجال الآداب والعلوم الإنسانيّة وفي طليعتها الفلسفة من حيث هي التزام بضرورة التفكير في كلّ ما يخصّ الإنسان ومصيره وقدرته على النظر العقلي والمحاورة الجداليّة بدل التقاذف بالجاهليّات بمختلف أنواعها.

لقد تكلّمت عن النظر العقلي في مختلف القضايا التي تخصّ الإنسان في دينه وعلاقاته ومصيره، والنظر هو عمليّة يدعو إليها الإسلام في كتابه الأساس كما تدعو إليها المسيحيّة وغيرها من الديانات. والنظر هنا هو البحث المختصّ في المعقولات؛ وهو عبارة عن رجوع الفكر إلى ذاته للنظر في هذا الفعل التلقائي أو ذلك، أو للكشف عن المبادئ التي تقيّم الأفعال وتنشرها، فيقول الفيلسوف ليبينتز Leibniz في هذا المجال: ليس نظرنا العقلي سوى انتباهنا لما يجري في داخلنا (Leibniz, nouveaux essais, Préface)، في حين أنّ كانت (Kant) يحدّد النظر العقلي بعلاقة بعض تصوّراتنا، بالينابيع المختلفة لمعرفتنا. والنظر العقلي في مقدّمة ابن خلدون هو ملكة الانتقال من الأدلّة إلى المدلولات وهو تكليف للملاحظة والاستقراء والاستنباط في مسائل الكون، والنظر العقلي يختلف عن النظر الشرعي الذي يدعو إلى استقراء ما تتضمّنه نصوص القرآن والسنّة من أحكام الحلال والحرام في كلّ مجالات العقيدة والعبادة والمعاملات. وعندما نتمعّن في نصوص سماحة الشيخ نراه على الأكيد متجاوزًا هنا في نصوصه الفكريّة النظر الشرعي، وإنّما يرفع النظر العقلي إلى مرتبة الفلسفة، حيث إنّه يبدأ كلّ فصل من فصول هذا الكتاب بالسؤال الفلسفي السقراطي. ففي النصّ حول الدين والفلسفة والسؤال المهاجر، يقول الكاتب: لماذا التفتيش عن معنى السؤال حين البحث في الدين والفلسفة؟ يجيب قائلًا: “إنّ علينا التفريق بين روح الفلسفة والدين، وبين النظم الفلسفي والاعتقادي”. ففي الأوّل منبع الذات في انطلاقتها وغاياتها، وهي البداية لكلّ “لماذا”، والمطمح لكلّ “لام تعليليّة”، بينما في الثاني مدارج الموضوع وجسمه الجامع له ولباسه المائز باللون والهيئة. وفي مطلع نصّ آخر حول الزمن وعودة الأبديّة يقول متسائلًا سائلًا: “وعليه، يصحّ أن نسأل، من هو الزمن؟ تمامًا كما يصحُّ منا السؤال؛ ما هو الزمن؟ وهل الزمن حقيقة وواقع مستقلّ، يؤثّر ويتأثّر فينا بالأحداث والوقائع والأشياء حولنا؟ أم أنّه الأحداث والحركات الصادرة عن الفلك الأعلى الواقعة تحته؟ وهل الزمن فعل اللـه في خلقه القاهر لعباده؟ أم نحن بحياتنا وموتنا ومجريات سيرتنا نمثّل حقيقة الزمن؟ وفي نصّ ثالث، يستمرّ الكاتب في منحاه الفلسفي سائلًا متسائلًا، مطالبًا كيانه، بحمل مسؤوليّة الإجابة عن أسئلة تتمحور حول قضيّة “الوحي من منظور إلهيّات المعرفة” عبر الوحي للنبي بأن “إقرأ باسم ربّك”، فيتساءل الكاتب إنّه أمام عدم ذكر ما على النبي أن يقرأ فهل أنّ “ذلك” المستبطن هو الذي أسمته آيات القرآن بالفطرة؟ وهل هذا يعني أنّ الحقائق التي كوّنها اللـه بفعل “كُن” عندما أوجد آدم والعالم، يأتي الوحي إقرأ “ليستخرجها” بوعي العالم من مكنون السرّ والروح إلى عالم النفس والمعرفة والمشاعر”. وهنا يفهمنا الكاتب لماذا يطرح السؤال حيث يقول: إنّه يسوق هنا الإجابة بصيغة السؤال وهي للإجابة أقرب عند نفسه من التساؤل. ويتابع قائلًا: إنّ الحذر من طرح الإجابة بصفة تقريريّة ألجأني إلى إنشاء التساؤل، وإنّ شراع الهداية منصوب بالسؤال الفيَّاض والمهاجر، وإلّا أليست قصّة خلق الآدميّة في القرآن ابتدأت من “وعلّم آدم الأسماء كلّها”. وأدعوكم إلى قراءة ذلك النصّ المتين والعميق معًا تحت عنوان: “يقظة الموت”، حيث “تتتالى الأسئلة في بداية المقال يدعو فيها سماحته إلى النظر بالناحية الفضلى التي من خلالها يُبحث في قضيّة الموت”. فهل نبحث في موضوع الموت “من مناهج التحليل النفسي والفلسفي والوضعي بحيث يعدُّ مجرّد حالة تحصل لبني البشر؟”، أم أنّ علينا تناول الموضوع في أفق البحث الفلسفي، الذي يعالج ظواهر الوجود والحياة، ويرى الموت حضورًا ووجودًا في الحياة، ضمن هواجس معرفيّة وانطوائيّة خاصّة؟

 ما أودّ الإشارة إليه، هو أن يطرح الكاتب الأسئلة فهذا أمرٌ غير شكليّ في معالجة المواضيع الهامّة التي يطرحها الكاتب في منظومته. فمبدأ السؤال هو أساسي إذ إنّه ممهّدٌ للفكر والتفكّر فيضع المسافة بين النظر والمعقول. ومبدأ السؤال هو موقف وجودي يحمّل الإنسان تلك المسؤوليّة والمكلّف بها لمواجهة أعباء الحياة وكذلك معنى الحياة. فالمتصوّفة وبعض المتكلّمين يتحدّثون عن هذه المسؤوليّة الملقاة على كتف الإنسان الناظر بوصفها محنةً يُمتحن بها كلّ إنسان مدعو إلى اكتشاف المعنى لحياته. فعلى سبيل المثال، في دراستي المستفيضة لصاحب المدرسة الماتريديّة أبو منصور الماتريدي توقّفت عند مفهومه للمحنة كعنوان لضرورة التفكير في معنى الحياة مقدّمة لاختيار الأصلح والأحسن. فكيف لا نثني على تجربة الشيخ جرادي الفكريّة بمقدار ما أنّها تعتمد على المقاربة الفلسفيّة عبر السؤال السقراطي الذي لا يكتفي بأمثلة مختلفة حول مفهوم معيّن مثل الجمال أو العدالة، بل إنّ ما يهمّه هو الوصول إلى تحديد مفهوم الجمال  بذاته أو العدالة بذاتها، وبالتالي فإنّ مفهوم الجمال أو العدالة بذاتها هو الذي يضفي المعنى لكلّ مثال. وكما أنّ السؤال السقراطي هو مقدّمة لحوار الذات مع ذاتها ومع الآخر، كذلك يكون الأمر مع نصوص الشيخ جرادي حيث إنّ الفكر الفلسفي يمسي فكرًا ناقدًا للكثير من المقدّمات ومن الإثباتات التقليديّة التي مرَّ عليها الزمن.

 إنّني لن أناقش كثيرًا فكر الجريدي بما يخصّ محتوى مقالاته ومقولاته، بل أكتفي بالقول إنّ سماحة الشيخ جرادي يفرض نفسه على الساحة الفكريّة، لا كمفكّر أو ككاتب من الكتاب، بل إنّه صاحب رسالة فكريّة في زمن انقرض فيه أو كاد ينقرض المفكّرون الذين يستخرجون المفاهيم ويدفعون الآخرين في إطار مناقشة واسعة الأبعاد إلى إعادة النظر في أوضاعهم، وإلى نقد المسلّمات التي فيها من الخرافات والمتاهات أكثر ما فيها من فهم عملي أو أخلاقي أو إنساني. ويبدو أنّ الشيخ جرادي على هذا الصعيد هو قريب من الفلسفة الوجوديّة والظواهريّة التي ازدهرت بعد الحرب العالميّة الثانية، لأنّ تلك الفلسفة تقول بأنّ الكائن البشري هو الذي يكوّن جوهر حياته من خلال أفعاله، في حين أنّ الأيديولوجيّات أكانت فلسفيّة أو أخلاقيّة إنّما تقول العكس من ذلك. وبالإجمال فإذا ما أدركنا بعض الشيء فكر الشيخ شفيق جرادي فإنّما نجده مشدّدًا في أكثر من فقرة من فقرات نصوصه على مسؤوليّة الفرد في إنتاج المعنى لحياته عبر أفعاله، وأنّ مقياس الخير في الأفعال إنّما هو تلك الأفعال المشبعة بالإنسانيّة وقدرتها على استدراج الوحي فيصبح جزءًا مكوّنًا للفرد بإرادته وحريّته.

 وأخيرًا في هذا الزمن الذي قلنا عنه زمن ربيع العلم العربي، يصبح هذا الفكر في قدرته على السؤال وعلى الإبداع في الإجابة نموذجًا لربيع يدوم ويدوم، لربيع تقوى به الشعوب ولا يقوى عليها، لربيع يزهر في بلادنا ثقافة جديدة أو متجدّدة ومتحرّكة تؤمن بالحوار مع الذات ومع الآخر، ومع الذات كآخر، ومع الآخر كجزء من الذات. هذا الكتاب في أصله العربي وفي صيغته باللغة الفرنسيّة هو سعي إلى صياغة علم كلام جديد حديث يأخذ معنى الاعتبار ضرورةً تُحاور التنزيل والفلسفة والنظر العقلي وضروة الخروج من اثنتين، من الحرفيّة والانغلاق على الذات ومن تعاسة استغلال الدين سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا بَدَل أن يكون الدين رافدًا أساسيًّا في تحرير الإنسان ومصالحته مع ذاته ومع الآخرين.

إنّه كتاب لا يُقرأ فقط، بل إنّه دعوة إلى التأمّل في الأساسيّات بدل التلهّي بالقشور والسطحيّات.

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
هل الدين نزعة إنسانيّة

المقالات المرتبطة

قوى النفس والخلق العظيم لا إفراط ولا تفريط

كما أن للإنسان صورة ظاهرة حسنها بحسن الجميع واعتداله، وقبحها بقبح البعض فضلًا عن الجميع، فكذلك الصورة الباطنة لها أركان

النشيد وحركات التحرّر

يُفرِّق أهل الفن، وأهل الشرع، بين الإنشاد والغناء. كما إنهم يفرزون للابتهالات والتواشيح بابها الخاص. ويذهب المتشرّعة إلى اعتبار الإنشاد حلالًا جائزًا في الوقت الذي يحرِّمون فيه الغناء. ولمـّا كان المائز بين الاثنين – الغناء والإنشاد – أمرًا غير معلوم لدى غالبية المتشرّعين، فقد ذهب بعض الفقهاء لاعتبار الأمر على ذمة المكلَّف.

البصيرة.. مخرز في عين التطبيع

من المعروف أن التغيير الثقافي يبدأ بتغيير المناهج التعليمية في المدارس والمعاهد والجامعات خاصة بالمضامين المتعلقة بمادتي التاريخ والجغرافيا بشكل أساسي، وباعتبار أن المناهج التربوية والثقافية تبني منظومة المعارف وسلوكيات الشباب الذين نعتمد عليهم في بناء المستقبل،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<