الخروج الأخير لليهود من مصر

الخروج الأخير لليهود من مصر

مقدمة

هذه دراسة سياسية ومعها جانب فكري، نحاول فيه أن نكون منصفين للفكر والتاريخ، الماضي والواقع المعاصر… ومن الماضي القديم نبدأ.

لقد استقبلت مصر بني إسرائيل في عصر النبي يوسف (ع)، وخرجوا منها في عصر النبي موسي (ع)، وكان الخروج الكبير إلى أرض التيه في شبه جزيرة سيناء بعد معجزة شق البحر ونجاة اليهود وهلاك الفرعون، ومن وقتها فمصر لها خصوصية في الفكر اليهودي بصفة عامة، ويمكن إضافة العراق بسبب السبي البابلي المشهور لليهود في عصر الملك “نبوخذ نصر”.

لقد قدّمت مصر العهد القديم إلى العالم، كما يقول المؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي”، في كتابه “دراسة في التاريخ”، وأن اليهود بعد أن خرجوا من مصر، كانوا يأتون إليها فرادى وجماعات، خاصة في عصور المجاعات والأسر البابلي والشتات الأول.

وعاش بنو إسرائيل في فلسطين وقاموا بثورات ضد الآشوريين ثم الرومان، وحدثت لهم مجازر وهدم للهيكل عدة مرّات، حتى جاءهم الشتات الكبير، عام 135 ميلادي، عندما أخرجهم الإمبراطور الروماني “هادريان” جميعًا من أرض الموعد، إلى الشتات الكبير، ودمر هيكل سليمان، وهدم كل مدينة أورشليم، فلم يترك حجرًا على حجر، وغيّر اسمها من أورشليم إلي إيلياء الكبرى، وعاش اليهود في الشتات طوال حوالي ألفين من الأعوام في الشتات العالمي.

وخلال شتاتهم أقيمت لهم مجازر في أوروبا، ولم يجد اليهود ملاذًا لهم إلا داخل الدول الإسلامية؛ في مصر والعراق واليمن وفارس وتركيا واستوعب المغرب يهود الأندلس…. وسمح لهم صلاح الدين بالإقامة في أرض فلسطين، وكان الطبيب اليهودي “موسى بن ميمون” هو الطبيب الخاص لصلاح الدين، وهو مما يأخذه البعض على صلاح الدين، ويرون أنه الممهد الأول لعودة اليهود إلى الأرض المقدسة.

ظل اليهود يحنّون للعودة إلى الأرض الموعودة، وعبّر عنها الشاعر اليهودي الأندلسي “هاليفي عاليزي” بقوله: “إن قلبي في الشرق، وإن جسمي مقطع في شتي أنحاء الأرض.. تقطع يميني إن نسيتك يا أورشليم”، ثم خرجت الفكرة الصهيونية العنصرية من خلال المد الاستعماري، وظهر ما تُسمّى الصهيونية المسيحية، وفيها تفاصيل كثيرة، لا نتعرض لها إلا بقدر ما نريده، حول الخروج الأخير لليهود من مصر.

خلال المد الاستعماري، ظهرت الحاجة إلى وجود الكيان الصهيوني في فلسطين ليمنع تواصل مصر مع الشام، ومن ثمّ السيطرة على طرق التجارة العالمية، وهو ما جاء في العصور الحديثة، خاصة بعد قيام الثورة الفرنسية وحملتها المشهورة على مصر بقيادة “نابليون بونابرت”، ثم فشل الحملة ورحيل الجنود الفرنسيين، وظهور “محمد علي”، الذي حكم مصر بداية من عام 1805، وهو ما يقال عنه بداية “تاريخ مصر الحديث أو المعاصر”، وخلال عهد محمد علي، بدأ اليهود يأتون إلى مصر، بداية للاستثمار أولًا والحياة بعيدًا عن الاضطهاد الأوروبي الدائم لهم…

اليهود في مصر المعاصرة

لا بدّ من وجود بعض إشارات تاريخية مكثفة لحالة اليهود المصريين في العصر الحديث، وبدأت الملامح في التشكل بعد افتتاح قناة السويس عام 1869 حيث أقبل اليهود من بلاد كثيرة للاستثمار في مصر، وخاصة تأسيس البنوك، ومحاولة الاستفادة من الحالة الجديدة التي قفزت إليها مصر، بصفتها حاضنة لأهم معبر مائي جديد في العالم، هو قناة السويس.

كان البنك العقاري المصري، الذي تأسس عام 1880 أول البنوك، وأسسته ثلاث عائلات يهودية هي سوارس ـ رولو ـ قطاوي، وقد لعب هذا البنك دورًا خطيرًا في الاقتصاد الزراعي المصري، فنتيجة القروض التي منحها للملاك الزراعيين، أصبح البنك يتحكم في أكثر من مليون فدان من الأرض المصرية الخصبة، كما أسست تلك العائلات بنكين آخرين هما البنك الأهلي، والبنك التجاري، بحيث أصبحت كل أشكال التجارة، لا بد أن تمر من خلال اليهود.

وقد تمتع اليهود الذين زادت هجرتهم إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل، بكل الامتيازات الأجنبية، وحسب تعداد السكان في مصر لعام 1917 فقد بلغ عدد أفراد الجالية اليهودية في مصر حوالي 60000 نسمة (حسب الإحصائيات التي ذكرها الدكتور يونان لبيب رزق في مقالاته الكثيرة في جريدة الأهرام، والتي تم جمعها في كتاب ديوان الحياة المعاصرة مستندًا إلى معلومات الهيئة العامة للتعبئة والإحصاء)، وكان التطور الاقتصادي في مصر هو عامل الجذب الأساسي لقدومهم واستيطانهم فيها.

كما اشتهر اليهود في تجارة الأقمشة والملابس والأثاث، وتجارة الفحم ومستلزمات السكك الحديدية، وصناعة السكر ومضارب الأرز، ونشط اليهود أيضًا في امتلاك الأراضي الزراعية، وكان 80% من سماسرة البورصة المصرية من اليهود.

ولعل أهم شخصية يهودية تولت منصبًا حكوميًّا رسميًّا، هو يوسف قطاوي، الذي كان عضوًا في الوفد المصري الساعي إلى التفاوض مع بريطانيا لنيل الاستقلال لمصر، كما اختير عام 1922 عضوًا في اللجنة التي أُسندت إليها مهمة وضع دستور مصري جديد في أعقاب الثورة المصرية الشعبية عام 1919 والتصريح البريطاني بمنح مصر استقلالها الشكلي 1922، وقد عمل يوسف أصلان قطاوي وزيرًا للمالية عام 1924، ثم وزيرًا للمواصلات عام 1925، وأُنتخـب عام 1923 عضـوًا في مجلس النواب، وهذا يعني عدم وجود أي مساس أو حساسية اتجاه اليهود في مصر.

وعلى هذا الأساس استطاع اليهود في مصر تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة، بلغت أقصاها في الفترة من 1940 وحتى 1946، في الوقت الذي كان الاقتصاد العالمي يعاني ركودًا، نتيجة ظروف الحرب العالمية الثانية، واستطاع يهود مصر أن يصبحوا أغنى طائفة يهودية في الشرق الأوسط، ولم يتأثروا بإلغاء الامتيازات الأجنبية عام 1937 أو انخفاض معدلات الهجرة إلى مصر، أو حتى صدور قانون الشركات رقم 138، والذي صدر في يوليو 1947 لتنظيم الشركات المساهمة، لكن كان لقيام إسرائيل عام 1948، واندلاع الحرب بين اليهود والعرب أثره في تحديد دور طائفة اليهود في مصر.

بداية الخروج الأخير

يقول المؤرخ الدكتور “يونان لبيب رزق” في كتابه ” شؤون وشجون تاريخية”: إن خروج اليهود من مصر بدأ مع تقدم القوات الألمانية في صحراء مصر الغربية عند منطقة العلمين، وبشائر انتصار الجنرال الألماني “روميل”، فقد خشي اليهود من انتصار الألمان في الحرب، وتكرار مذابح النازي لهم في مصر، ففروا إلى جنوب أفريقيا، ولكن فشل “روميل” وانتصار الحلفاء بقيادة بريطانيا، جعل اليهود يعودون بكثافة إلى مصر، وعادوا إلى النفوذ الاقتصادي.

ومع قيام حرب عام 1948، وتأسيس الكيان، ظهر الشعار الصهيوني الذي يبشّر باحتلال الأرض العربية، وهو شعار من النيل إلى الفرات، فحدث تحول نفسي داخل المصريين والعرب من جهة، وبين اليهود والصهيونية من جهة أخرى، فلم يستطع المصري العادي أن يفرّق بين الصهيونية كحركة عنصرية، وبين اليهودية كدين سماوي أطلق عليهم القرآن الكريم “أهل الكتاب”، هذا من جانب العرب والمسلمين عمومًا، ومن ناحية اليهود في مصر، فقد بدأوا يتحسسون خطواتهم، ومنهم من هاجر بالفعل إلى أوروبا ومنها إلى إسرائيل، ولكن الأغلبية بقيت في مصر، ولكنها بقت حذرة مما تسفر عنه الأحداث.

اليهود وثورة يوليو/تموز 1952

بعد قيام ثورة يوليو/تموز 1952، ازداد الموقف اليهودي اضطرابًا، بعد أن تغيرت موازين القوى بين العائلات اليهودية الثرية، والمسيطرة على البنوك والاقتصاد، وبين السلطة الحاكمة الثورية الجديدة في مصر، والتي كان من أهدافها الثورية الستة هو القضاء على الاستعمار وأعوانه، وأعوانه تشمل الحركة الصهيونية بشكل أساسي، فقام كثير من اليهود بتصفية أعمالهم وأملاكهم، وهاجر الكثير منهم إلى أوروبا وأمريكا وإسرائيل، ومع ذلك بقي أكثر اليهود كما ذكرنا.

لكن لمن المؤكد أن رجال الثورة وخاصة الرئيس عبد الناصر، فرّقوا بين يهود مصر والكيان الإسرائيلي الجديد كما ذكرنا، ومن غير المقبول القول: إن الرئيس عبد الناصر اضطهد يهود مصر لأنهم يهود، ولكنه طبّق عليهم القرارات الاقتصادية، التي شملت المواطنين المستحق تطبيقها عليهم.

ولقد حدث أول صدام بين اليهود والثورة كان بعد غارة إسرائيل على قطاع غزة عام 1955، الذي كان تحت الإدارة المصرية منذ العام 1948، وتطورت الأحداث العسكرية والسياسية، وخاف اليهود من تبعات الموقف، ثم بعدها حدث العدوان الثلاثي ضد مصر عام 1956، فبدأ اليهود يقلقون ويهاجر كثير منهم.

عملية لافون

بدأت هجرة اليهود من مصر تتسارع بعد فضيحة قضية لافون عام 1955، وتلك العملية التي حاول فيها “الموساد الإسرائيلي” تحت قيادة وزير الدفاع الإسرائيلي “بنحاس لافون”، إفساد العلاقة بين مصر والدول الأجنبية، عن طريق إظهار عجز السلطة عن حماية المنشآت والمصالح الأجنبية، وقتها كان عدد اليهود في مصر 145 ألف يهودي (حسب إحصائيات الدكتور يونان لبيب المذكورة سابقًا)، جرى تهريب كثير منهم، بأموالهم عن طريق شبكة اسمها “جوشين” السرية ( نسبة إلى أرض جوشان المصرية التي عاش فيها اليهود أكثر من ثلاثة قرون)، والتي كانت تتولى تهريب اليهود المصريين إلى فرنسا ـ إيطاليا ـ ثم إلى إسرائيل.

وعندما انكشفت الفضيحة واستقال “لافون”، كان الأمر قد خرج عن سيطرة الفكر اليهودي، بأنه لا أمان لهم، سواء في مصر أو غيرها، خاصة أن الرئيس جمال عبد الناصر، قام بالفعل بتطبيق عملية “الإصلاح الزراعي” عام 1952 بعد نجاح الثورة بشهر واحد فقط، أي في أغسطس/آب 1952، وتحديد الملكية الزراعية بمائة فدان، لكل مواطن يعيش على أرض مصر، من مسلمين ويهود ومسيحيين.

الخروج اليهودي الأخير من مصر

يروّج الكيان الإسرائيلي في إعلامه أن الرئيس جمال عبد الناصر هو من طرد اليهود، وبأن لليهود المصريين أملاكًا تم مصادرتها في مصر، وتطالب إسرائيل بتعويضات من مصر عن أملاك اليهود المصريين، وهو إدعاء مفهوم صهيوني، وكل الدلائل تشير إلى أن الوجود اليهودي في مصر، كان قد بدأ يصل إلى نهايته، يقول الدكتور “نبيل عبد الحميد أستاذ التاريخ المعاصر والحديث” في كتابه “الأجانب وأثرهم في المجتمع المصري من سنة 1882إلى 1992”: إن كل الظروف تضافرت في إخراج اليهود من مصر بعد الثورة، فعبد الناصر، كزعيم له مسار وطني، شعر أن من واجبه استقلال فلسطين ومنع التوغل الصهيوني، بالإضافة إلى أن الفكرة الصهيونية سيطرت على عقول اليهود في مصر، ففي إسرائيل كانوا يروجون لفكرة أرض الميعاد، والاستقرار والوطن القومي، وهذه شعارات رفعها الكيان الإسرائيلي.

لكن الخروج الفعلي لباقي اليهود تم بعد عام 1961، بعد صدور قرارات التأميم، فلم يعد لليهود مكان في الحياة الاقتصادية، ففروا بأموالهم وأنفسهم، ولقد اعتاد اليهود الهجرة من بلد إلى بلد،  ثم وبسبب الحرب في عام 1948، وثقة اليهود بأنهم لن يستطيعوا التعامل مع الثورة الوطنية الجديدة، التي تحاول إنقاذ المصريين الفقراء من الاستغلال، وقام الرئيس جمال عبد الناصر عام 1961 أيضًا بعملية تأميم لكل المصانع والشركات الخاصة، وقد شمل القرار اليهود الذين  هرب كثير منهم بعد بيع ممتلكاتهم، عندما أدركوا أن التأميم سوف يشملهم.

بعدها لم يعد لليهود وجود في مصر، حيث هرب بقايا اليهود من مصر، وبقيت معابدهم موجودة كآثار مصرية… وحارة اليهود في القاهرة ما زالت باقية تشهد على وجودهم وتسامح المصريين معهم…

وهكذا انتهت رحلة اليهود في مصر المعاصرة، وكأنه مثل الخروج الأول.. ولكنهم غير مطاردين، وليسوا تحت قيادة دينية…

يهود مصريون حتى النهاية

ينبغي ألا ننسى أن هناك يهودًا، لم ينظروا لديانتهم على أنها جنسية أو قومية، ولكنها مجرد ديانة كغيرها من الديانات، وكانوا مصريين حتى النخاع، فهناك المحامي الشهير المصري اليهودي شحاتة هارون، الذي أصر على عدم ترك مصر، ومات ودُفن فيها، وبعد وفاته رفضت عائلته استقدام حاخام من إسرائيل للصلاة عليه.

وأيضًا المصري اليهودي “هنري كوريل”، وهو الذي سرّب خطة العدوان الثلاثي عام 1956 وهو التسريب الذي جعل مصر تتصدى للعدوان وتنتصر المقاومة عليه في مدن بورسعيد والسويس والإسماعيلية، وقد كرمته الدولة على موقفه الوطني.

وما زال بعض اليهود في مصر يعدّون على أصابع اليدين، ورئيسة الطائفة هي السيدة المسنة “ماجدة هارون”، تعيش على ذكريات وطنية مصرية، ووطنيتها انتصرت على ديانتها، كما تقول …

ولكن في النهاية، هي حالات فردية لم تؤثر على المناخ العام الكاره للصهيونية في مصر والعالم الإسلامي، ووقوف الصهيونية وراء  الحروب في المنطقة العربية، وسعيها للتقارب والتطبيع مع الدول العربية، من أجل منع أي مقاومة ضدهم، وهو ما نعيشه في عالم اليوم.

إن الصهيونية تنتقم من الفلسطينيين مقابل ما حدث لهم من مذابح في أوروبا، وهو انتقام تاريخي مروّع.

وخلاصة القول: إنه وكما قام بنو إسرائيل بسرقة الذهب المصري وصناعته عجلًا عبدوه في سيناء، عندما كان موسى (ع) يتلقى الوصايا العشر من الله سبحانه، من فوق جبل التجلّي، فقد قام المتطرفون اليهود المعاصرون بسرقة المال المصري عند هجرتهم الأخيرة من وادي النيل…

قاموا بسرقة المال ولكنهم لم يسرقوا الذاكرة… لأنها عصيّة على النسيان…

 

 



المقالات المرتبطة

شخصية المرأة بين التأسيس القرآني والواقع الإنساني

الخطاب القرآني تميّز بأنه خطاب لكافة الناس بكل مستوياتهم وأجناسهم، وكان أهم ما صرح به القرآن الكريم أنه كتاب هداية

الضرورة في الفكر الديني والوضعي والفلسفي

الضرورة في معاجم اللغة العربية هي الحاجة والشدة والمشقة، وتوجد عندما تنعدم الفرص، ولا يجد المرء مناصًّا للجوء إلى الحاجة الضرورية المتاحة…

الفلسفة السياسية لولاية الفقيه -6 –

يرى العديد من المفكّرين والباحثين الإسلاميين أن أساس الفكر الاجتماعي والسياسي الإسلامي -وعلى أساس ما جاء في القرآن الكريم- هو الفطرة..

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<