المحور الثاني: الذكاء الاصطناعي ودور الحضارة الإسلامية.

كما ذكرنا .. أصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة لغة جديدة، ومن أهم أوجه العصر الحديث. حقّق التعلّم الآلي تغيّرات جذرية في الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية حول العالم، وأدّى الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين الاجتماعيين إلى تحويل مفهوم الرأي العام إلى أبرز قوة اجتماعية وسياسية على مستوى العالم.

ويحظى الذكاء الاصطناعي والخوارزميات بمكانة خاصة في صميم هذه الحركة، باعتبارهما حجر الزاوية لوسائل التواصل الاجتماعي. لعله من الحكمة استخدام عبارة “القوة للشعب” كشعار للتكنولوجيا في يومنا هذا.

ولكن التطور البشري لم يبدأ من الفراغ، ولكن هي مسيرة الإنسان، وكان للحضارة الإسلامية دور في تلك المسيرة، ويكفي للتدليل على ذلك، الخوارزميات ملحقة بالذكاء الاصطناعي؛ والخوارزميات منسوبة إلى عالم الرياضيات المسلم المشهور محمد بن موسى الخوارزمي[1]، وأخذ صنّاع الحاسوب وبعده الذكاء الاصطناعي من علم الخوارزمي، فصارت الخوارزميات من صلب علم الذكاء الاصطناعي، وهو يقودنا للحديث عن الحضارة الإسلامية.

في البداية نجد الإسلام يرى أن الفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وإذا صلح صلح المجتمع كله، وأصبح قادرًا على أن يحمل مشعل الحضارة، ويبلغها للعالمين، ومن أجل ذلك جاء الإسلام بتعاليم ومبادئ تُصْلِح هذا الفرد، وتجعل حياته هادئة مستقرة، وأعطاه من المبادئ ما يصلح كيانه وروحه وعقله وجسده.[2]

ومع إصلاح الفرد يتوجه الإسلام بالخطاب إلى المجتمع الذي يتكون من الأفراد، ويحثهم على الترابط والتعاون والبر والتقوى، لتعمير الأرض، واستخراج ما بها من خيرات، وتسخيرها لخدمة الإنسان وسعادته، وقد كان آباؤنا على قدر المسؤولية، فحملوا هذه الحضارة، وانطلقوا بها يعلِّمون العالم كله ويوجهونه.

وللحضارة الإسلامية، ثلاثة أنواع[3]:

حضارة التاريخ: وهي حضارة الدول؛ وهي الحضارة التي قدمتها دولة من الدول الإسلامية لرفع شأن الإنسان وخدمته، وعند الحديث عن حضارة الدول ينبغي أن نتحدث عن تاريخ الدولة التي قدمت هذه الحضارة، وعن ميادين حضارتها، مثل: الزراعة، والصناعة، والتعليم، وعلاقة هذه الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، وما قدمته من إنجازات في هذا الميدان.

الحضارة الإسلامية الأصيلة: وهي الحضارة التي جاء بها الإسلام لخدمة البشرية كلها، وتشمل ما جاء به الإسلام من تعاليم في مجال: العقيدة، والسياسة، والاقتصاد، والقضاء، والتربية، وغير ذلك من أمور الحياة التي تسعد الإنسان وتيسر أموره.

الحضارة المقتبسة: وتسمّى حضارة البعث والإحياء، وهذه الحضارة كانت خدمة من المسلمين للبشرية كلها، فقد كانت هناك حضارات وعلوم ماتت، فأحياها المسلمون وطوروها، وصبغوها بالجانب الأخلاقي الذي استمدوه من الإسلام، وقد جعل هذا الأمر كُتّاب العالم الغربي يقولون: إن الحضارة الإسلامية مقتبسة من الحضارات القديمة، وهما حضارتا اليونان والرومان، وأن العقلية العربية قدْ بدَّلت الصورة الظاهرة لكل هذه الحضارات وركبتها في أسلوب جديد، مما جعلها تظهر بصورة مستقلة.

وهذه فكرة خاطئة لا أساس لها من الصحة، فالحضارة الإسلامية في ذاتها وجوهرها إسلامية خالصة، وهي تختلف عن غيرها من الحضارات اختلافًا كبيرًا، إنها حضارة قائمة بذاتها، لأنها تنبعث من العقيدة الإسلامية، وتستهدف تحقيق الغاية الإسلامية، ألا وهي إعمار الكون بشريعة الله لنيل رضاه، لا مجرد تحقيق التقدم المادي، ولو كان ذلك على حساب الإنسان والدين كما هو الحال في حضارات أخرى، مع الحرص على التقدم المادي؛ لما فيه من مصلحة الأفراد والمجتمع الإنساني كله.

أما ما استفادته من الحضارات الأخرى، فقد كان ميزة تحسب لها لا عليها؛ إذ تعنى تفتّح العقل المسلم واستعداده لتقبُّل ما لدى الآخرين، ولكن وضعه فيما يتناسب والنظام الإسلامي الخاص بشكل متكامل، ولا ينقص من الحضارة الإسلامية استفادتها من الحضارات السابقة، فالتقدم والتطور يبدأ بآخر ما وصل إليه الآخرون، ثم تضيف الحضارة الجديدة لتكمل ما بدأته الحضارات الأخرى.

دور النهضة الإسلامية في النهضة الأوروبية.

شغلت الحضارة العربية دورًا مهمًّا في النهضة الأوروبية، إِذْ يمكن القول: إِنَّ النهضة الأوروبية الحديثة ظهرت امتدادًا للنهضة العربية الإسلامية. وقد كان للحضارة الإسلامية عدة معابر مرت بها إلى أوروبا ومن أهمها كانت الأندلس وصقلية وجنوب إيطاليا، كما شغلت الحروب الإفرنجية أو الصليبية دورًا مهمًّا كجسر لانتقال العلوم العربية إلى أوروبا[4].

ونقصد أن النهضة الأوروبية ابنة النهضة الإسلامية، وقد اعتمدت على علماء الأمة والفلاسفة، مثل ابن رشد، وابن النفيس، والحسن بن الهيثم، والخوارزمي، والفارابي وغيرهم يفوقون الحصر، لم تنتقل النهضة من خلال الشيوخ، ولكن عبر مناهج الفلاسفة والمخترعين من أمثال من ذكرناهم، وطبعًا لا نقصد التقليل من شأن فقهاء الأمة وعلمائها، لأنهم هم الذين فسّروا القرآن الكريم بروح علمية، كانت الأساس والأرض، الذي بدأ منه علماء وأطباء المسلمين بعد أن أباح لهم علماء الدين بالعمل دون خوف من رقيب سلطاني أو فقيه ديني أو تحريم فقهي[5].

لقد كان الطب والصيدلة من أبرز العلوم التي انتقلت إلى العالم الغربي، عن طريق الحضارة العربية الإسلامية، فضلًا عن العلوم الأخرى، كالفلك والرياضيات والكيمياء. كما اعترف كثير من مستشرقي الغرب بأصالة الفلسفة الإسلامية ودورها، فقد انتقلت الفلسفة العربية الإسلامية بخصائصها إلى أوروبا التي تأثرت بها بمفكريها، ولا سيَّما الكندي وابن سينا، فضلًا عن أشهر الفلاسفة العرب ابن رشد الذي احتل مكانة مرموقة في الغرب الأوروبي، وكان لكتاباته تأثير لا يجاريه فيه أي فيلسوف عربي آخر، وظهرت مدرسة رشدية قوية جدًّا.

ويمكن القول إجمالًا: إن الثقافة العربية الإسلامية، كانت واسطة العقد بين العلوم والثقافات القديمة، وبين النهضة الأوروبية؛ فالفكر العربي الإسلامي، والثقافة العربية الإسلامية، سلسلة متصلة الحلقات، امتدت من الحضارات القديمة، من مصرية، وآشورية، وبابلية، وصينية، إلى حضارة الإغريق والإسكندرية، إلى العصور الإسلامية التي تأثر علماؤها بمن سبقهم، وأثّروا بدورهم فيمن لحقهم من علماء النهضة الأوروبية الذين قرأوا أعمال العلماء العرب في كتبهم المترجمة إلى اللغة اللاتينية واللغات الأوروبية.

ومن نافلة القول: إن المنجزات العلمية الحديثة بدأت مع التطور الذي أحدثه المسلمون، لأن الحضارات سلسلة لا تنقطع، والذكاء الاصطناعي هو ابن شرعي لعلوم الإنسان، ولكنه ذكاء شديد بقلب حديد لا يعرف للرأفة والقلب والمشاعر أي دور.

ولكن يكفي قول المؤرخ الأمريكي (ويل ديورانت) في موسوعته الشهيرة (قصة الحضارة): “إن العرب والمسلمون لهم الفضل الأكبر على تشكيل الحضارة الأوروبية ما بعد القرون الوسطى، ويوجد أكثر من خمسمائة مصطلح علمي وإنساني منتشرة في اللغات الأوروبية كلها”[6].

[1] علي أبو الخير، بين النور والنار … كلمات في الثورة والهوية، القاهرة، دار المعبر، 2018، بتصرف من الكتاب.

[2] عباس محمود العقاد، حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، القاهرة، مكتبة الأسرة، 1999، الصفحة 47.

[3] موسوعة الأسرة المسلمة، موقع إسلام ويب:  https://www.islamweb.net/ar/article

[4] علي أبو الخير، بين النور والنار … كلمات في الثورة والهوية، مصدر سابق، بتصرف من الكتاب.

[5]  المصدر نفسه، بتصرف من الكتاب.

[6] ويل ديورانت، موسوعة قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، القاهرة، مكتبة الأسرة، 2001، المجلد 7، عصر الإيمان، الصفحة 251.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.