مقدمة.

نبارك للأمة الإسلامية حلول شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والفرص المتجددة. غير أن شهر رمضان ليس مناسبة عاطفية عابرة، ولا موسمًا تعبديًّا يتكرر ثم ينتهي، بل هو سؤال كبير يدخل حياتنا كل عام: هل نحن كما نظن نملك أنفسنا، أم أننا نُقاد أكثر مما نختار؟

في كل عام نصوم، نجوع، نعطش، ننتظر آذان المغرب، ثم تمضي الأيام سريعًا. لكن السؤال الذي يبقى بعد انقضاء الشهر أخطر من كل تفاصيله: هل تغيّر فينا شيء؟ أم أننا اكتفينا بأداء الامتناع دون أن نخوض تجربة التحوّل؟ من هنا تبدأ فلسفة الصيام؛ لا باعتباره امتناعًا جسديًّا، بل باعتباره مشروع إعادة تشكيل للإنسان من الداخل.

الصيام: بين الامتناع والتحرّر.

الصيام في ظاهره امتناع عن الطعام والشراب، لكنه في حقيقته مواجهة مباشرة مع النفس. الإنسان بطبيعته يستجيب لرغباته فورًا؛ يشتهي فيأخذ، يغضب فينفعل، يملّ فيبحث عن إشباع سريع. الصيام يقطع هذه السلسلة. يضع مسافة بين الرغبة والفعل، وبين الدافع والاستجابة. وفي هذه المسافة يولد القرار.

عندما تكون قادرًا على الأكل ولا تأكل، وقادرًا على الشرب ولا تشرب، ولا يراك أحد، فإنك تعلن أن هناك معيارًا أعلى من شهوتك. هنا تتجلّى الحرية الحقيقية. الحرية ليست أن تفعل ما تشاء، بل أن تستطيع ألا تفعل ما تشاء. الصيام لا يدرّب المعدة، بل يدرّب الإرادة. لا يختبر قدرتك على الجوع، بل قدرتك على القيادة الداخلية.

ولهذا، فإن من يخرج من شهر رمضان وهو لا يزال أسير غضبه ولسانه ونزواته، لم يفهم الصيام بعد، حتى لو أتقن تفاصيله الظاهرة.

لماذا خوطب المؤمنون؟ ولماذا كانت الغاية التقوى؟

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. (سورة البقرة، الآية 183).

لم يقل: “يا أيها الناس”، بل قال: “يا أيها الذين آمنوا”؛ لأن الصيام ليس تجربة عامة فحسب، بل تجربة إيمانية عميقة. هو خطاب لمن يملك استعدادًا داخليًّا لأن يتغيّر. الإيمان هنا ليس مجرد انتماء، بل قابلية للترقي، واستعداد لتحمّل كلفة التحوّل.

ثم تأتي الغاية واضحة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. لم تُذكر التقوى في البداية، بل في النهاية، وكأن الصيام طريق، والتقوى وجهة. التقوى ليست خوفًا مؤقتًا، ولا انقباضًا عابرًا، بل حالة حضور دائم لله في القرار. أن يصبح داخلك ميزان يسبق الفعل، وصوت يسبق الكلمة، ووعي يسبق الخطوة. أن تسأل نفسك قبل أن تتحرك: هل هذا ينسجم مع ما أؤمن به؟

إذا لم يُنتج الصيام هذا النوع من اليقظة الداخلية، فقد بقي في حدود الجوع ولم يبلغ مقام التقوى.

شهر الضيافة: حين ترتقي التفاصيل الصغيرة.

في خطبة النبي (ص) التي نقلها أمير المؤمنين (ع) نقرأ: “أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة… أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب”.

هذا النص لا يصف عبادة إضافية، بل يصف تحوّلًا في قيمة الأشياء. النفس هو النفس، والنوم هو النوم، والعمل هو العمل، لكن الموقع تغيّر؛ دخلت إلى شهر الضيافة الإلهية. وكأن الرسالة تقول: إذا دخلت هذا الشهر بصدق، فإن العادي فيك يرتقي.

حتى النفس الذي يخرج من صدرك بلا التفات يصبح تسبيحًا، لا لأن الهواء تغيّر، بل لأن نيتك تغيّرت. وهذا يفتح بابًا أعمق في فهم الصيام: الله لا يريد منك حركة جسدية معزولة، بل يريد أن تتحول حياتك اليومية إلى مساحة قرب. الصيام يعلّمك أن القيمة لا تُقاس بحجم الفعل، بل بعمق التوجّه.

الامتحان الحقيقي: من يقودك بعد المغرب؟

التحدي الأكبر في الصيام ليس في ساعات النهار، بل في ما بعدها. ليس في الجوع، بل في ما يكشفه الجوع. بعد أيام من الصيام يبدأ السؤال الحقيقي: هل أصبحت أبطأ في غضبي؟ أصدق في نيتي؟ أقدر على ضبط لساني؟ أم أنني أتعامل مع الصيام كمؤقت يومي ينتهي عند الأذان؟

فلسفة الصيام ليست أن تتحمل الامتناع، بل أن تتعلم القيادة. أن تنتقل القيادة من الهوى إلى المبدأ، ومن العادة إلى الوعي، ومن الرغبة إلى القيمة. إذا بقيت حياتك بعد شهر رمضان كما كانت قبله، فهذا يعني أنك صمت عن الطعام، لكنك لم تصم عن ضعفك.

شهر رمضان ليس دورة مؤقتة في الانضباط، بل محاولة سنوية لإعادة ترتيب الداخل. إما أن تستجيب لها، وإما أن تؤجلها عامًا آخر.

الخلاصة.

الصيام ليس تجربة جوع، بل تجربة كشف.

يكشف لك موقع القيادة في داخلك. يكشف إن كنت تختار أم تُساق. يكشف إن كان إيمانك قرارًا أم مجرد شعور. في كل يوم من شهر رمضان يُمنح لك اختبار صغير، لا يراه أحد غيرك: أن تمتنع وأنت قادر، أن تضبط نفسك وأنت تستطيع الانفلات، أن تفضّل المبدأ على اللذة. وهذه الاختبارات الصغيرة لا تنتهي عند أذان المغرب، بل تتراكم لتصنع صورة الإنسان الذي ستكون عليه بعد الشهر.

لهذا، لا يُقاس نجاح الصيام بعدد الأيام التي جُعت فيها، بل بمدى التغيير الذي حدث في طريقة قراراتك. هل أصبحت أبطأ في غضبك؟ أصدق في نيتك؟ أقدر على مقاومة ما لا يليق بك؟ إن لم ينتقل الصيام من المعدة إلى مركز القرار، بقي عبادة ظاهرية. أما إذا وصل إلى هناك، فقد بدأ يعيد تشكيلك فعلًا.

شهر رمضان لا يريد منك جسدًا منضبطًا فقط، بل إنسانًا مختلفًا. يريد أن يعيد ترتيب القيادة في داخلك: أن يتقدم الوعي، ويتراجع الهوى، وأن تصبح التقوى حالة اختيار دائم لا ظرفًا موسميًّا. فإن خرجت منه كما دخلت، فقد صمتَ عن الطعام، لكنك لم تسمح له أن يمسّك. وإن تغيّر شيء في داخلك، ولو قليلًا، فقد بدأ الطريق.

والسؤال في نهاية الشهر لن يكون: كم يومًا صمت؟

بل: من الذي أصبح يقودك الآن؟

اللهم اجعل صيامنا طريقًا إلى تقواك، لا مجرد امتناع عن طعام، وغيّر به قراراتنا قبل عاداتنا، وأصلح به قلوبنا قبل أجسادنا، واجعلنا بعد هذا الشهر أقوى على أنفسنا، وأصدق في إيماننا، بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.