من المسَلّم به أن معرفة الإنسان لنفسه هي أولى مشاريعه، وهي المهمة التكوينية التي أُوكِلَت إليه منذ البدء. فمن خلال معرفته بنفسه، يرتبط ارتباطًا واعيًا بالوجود، متجاوزًا ماديته المحدودة إلى الاتصال بالمطلق. فالوعي بالذات طريقٌ لمعرفة الخالق، كما جاء في الأدبيات الدينية.

تعدّ الأزمات، بمختلف أشكالها وتمظهراتها، سواء الفردية منها أم الجماعية، لحظات استثنائية كاشفة عن إمكانيات النفس وقدراتها على الصمود أمام هذه المتغيرات. فإن معرفة النفس الإنسانية في هذه السياقات تستدعي تجاوز المقاربات النمطية التقليدية لعلم النفس، نظرًا لطبيعتها المركّبة والمتداخلة، وما يتطلبه ذلك من أدوات مختلفة لسبر أغوارها. وهذا ما سوف أشير إليه في الأسطر التالية، علمًا أن المقال ليس تخصصيًّا، وإنما يعبّر عن وجهة نظر شخصية مدعّمة ببعض الأدلة والأقوال، أهدف من خلاله إبراز رؤية توضح أهمية أدوات أخرى قد حيّدت، بوصفها أدوات مستقلة تُشرّح الوجود الإنساني، وتعالج بعض أعطابه بعمق، مستنبطة بذلك نقد الافتراض القائل بأن علم النفس يمثل الأداة الأهم والأقدر على فهم الذات في ظل الأزمات، فضلًا عن غيرها.

ما أعرضه من أدوات يشمل أداتين أساسيتين، وهما: المعتقد الديني، والفلسفة. وأخريين مكملتين هما: الأدب، والتاريخ. وتعتبر الأداتين الأوليتين أدوات موازية لعلم النفس في العمق والفاعلية، خصوصًا في الحروب، حيث تنكشف محدودية هذا العلم عندما يعالج الإنسان بوصفه حالة تشخيصية، لا ذاتًا تبحث عن المعنى والكرامة. ففي المواقف الحدية (boundary situation)[1]، أو ما يسميه الفيلسوف الوجودي يسبرز بالمواقف النهائية، وهي المواقف المفروضة على الإنسان والتي لا يستطيع الفكاك منها، كالموت والنضال، أي المواقف التي تقذف الفرد نحو معايشة حالات وجودية عنيفة. ففي هذه الحالة، قد يخفف العلاج النفسي الأعراض الناتجة عن الفقد والموت، ولكنه لا يقدم إجابات عن غائية أو قصدية هذه الحياة. وبالتالي، فإن أغلب المقاربات قد تنشأ من التجربة الدينية والفلسفية، أو حتى من الأدب والشعر اللذين يعيدان صياغة الحدث بشكل يتضمن معنًى معينًا. لذا، فإن عدم الاقتصار على علم النفس والسعي نحو المزاوجة بينه وبين الدين والفلسفة هو الطريق الأكثر عمقًا لفهم الإنسان، لا سيما في لحظات مخاضات النفس الكبرى.

ـ المعتقد الديني[2]

يمكن أن يتم علاج الإنسان وتهدئة اضطراباته من خلال تصوراته الدينية وقناعاته، والنظام القيمي الذي ينتمي إليه. ولا أقصد بذلك استخدام المعالج لبعض الآيات والروايات كمؤيد للنظرية النفسية، وإنما التعامل مع النص الديني كأداة مستقلة يمكن أن تنتج معرفة، وتعمّق تصورًا يساهم في علاج “المريض”. فمثلًا، في الحروب وما ينتج عنها من قلق وإحباط، لا يمكن لأي أداة أن تضاهي الدين بفاعليته في هذا الظرف. فلنأخذ النزوح مثلًا  – الذي يعايشه بعضنا في هذه الأيام – لو استخدم علم النفس جل أدواته، لا يستطيع أن يبرر هذا الحال لمن يتخذ من الأرصفة والخيام ملجِئًا. ولكن عندما نتجه إلى الإسلام نجده يعيد صياغة مفهوم النزوح ليكون جزءًا من عملية صنع وجود الإنسان وكرامته، حيث تشكل الهجرة في القرآن حالة متسامية، واستجابة ضرورية لمواجهة الاضطهاد والسعي نحو تحقيق العدالة وإحقاق الحق، باعتبار النزوح هنا جزءًا من عملية المقاومة الرافضة لإحلال وجود غريب محل وجودي. فكما هو معروف أن الاحتلال لا يكتفي باغتصاب الأرض والعرض فحسب، وإنما يسعى لنفي أي صفة إنسانية عن وجود الشعب المحتل من خلال تفكيك شخصيته الفكرية والمعنوية تفكيكًا كاملًا، يغدو فيها الأفراد كالعجماوات. ولهذا المعنى أشار الطبيب “فرانز فانون” من خلال تأكيده على التبعات المهلكة والأمراض العقلية والنفسية التي تنتج عن هذا التفكيك[3]. لذا فإن الإحساس بالذل في حالة النزوح قد ينتفي عند فهم الصورة مكتملة، والإيمان بأن الاحتلال هو ذل دائم وقهر مستمر. ولذا، نرى أن القرآن أشار إلى الهجرة بشكل متكرر: حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[4]. وقوله تعالى على لسان إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ[5]. فتتمثل الهجرة هنا كاتجاه روحي ومنهجي، وليس مجرد أفعال مادية. وكما يفسرها سيد قطب بأنها هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية، يترك فيها الإنسان كل شيء وراءه، ويهاجر إلى ربه متخفّفًا من كل شيء، طارحًا وراء ظهره كل شيء، مسلّمًا نفسه لرب العالمين[6]. فربط النزوح بهذه المنظومة المفاهيمية يخفف من وطأته، فيغدو المنفعل فاعلًا في عملية المقاومة بمعناها الأوسع والتي بدورها تعد أداة للتطهير وشفاء النفس. وكذلك ما يعيشه الإنسان في الحروب من إحباط ويأس تجده حاضرًا في النص القرآني، حيث يصور القرآن أقصى الحالات النفسية التي يمكن أن تعتري الإنسان بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا[7]، ثم يردفها بقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً[8]؛ والزلزلة هي أمر يتكرر حتى يكاد يزل صاحبه، يُقدّم المشهد هنا، بتركيبته المعقدة التي تمزج بين عناصر الخوف، والألم، والرهبة، بالإضافة إلى الضغوط الخارجية المتمثلة في أذى المنافقين، ليبلغ ذروته في الآية ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ[9]. هذا الختام لا يُعدّ مجرد انتهاء للأحداث، بل هو إشارة إلى تدخل إلهي يحسم المعركة.

يُمكن القول: إن النص القرآني قد بدأ بتحليل معمّق للطبيعة الإنسانية، مستعرضًا ما يعتريها من حالات ضعف وانفعالات قوية. ولكن، الأهم من ذلك، هو تأكيده على أن هذه الحالة لا يجب أن تُفضي إلى اليأس. فالفهم العميق للوعد الإلهي بالنصر يقتضي إدراك أن توقيته وآلياته تختلف جذريًّا عن “زمن الفرد الشخصي”، أو التوقعات البشرية المحضة. إن “زمن النصر الإلهي” هو مفهوم يتجاوز الإطار الزماني والمكاني المألوف، وعلى حد تعبير السهروردي: “وفي حضرة الحق ليس ليل ولا نهار، فليس عند ربكم صباح ولا مساء”[10]. هذا وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾، فيأتي الرد ﴿أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ[11]. فالبأسآء هنا تأتي بمعنى الشدة التي تصيب الإنسان في غير بدنه ونفسه، كأخذ المال، والإخراج من الديار، وتهديد الأمن، والضراء هي ما يصيب الإنسان في بدنه كالجرح والقتل[12]. أي إن الآية أشارت إلى الابتلاء والامتحان الشديدين اللذين يجريان في هذه الأمة كما جرى ذلك في الأمم السابقة؛ وهو ما يسمى بتكرارِ التاريخ وعودِه، ثم ينتهي ذلك بالنصر الذي وعد الله به عباده بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا﴾. (سورة يوسف، الآية 110)[13]. إن هذه الرؤية يمكن أن تقلل من الشعور بالعجز واليأس، إذ توفر إطارًا لتفسير كل هذه الآلام والمعاناة التي يعايشها الإنسان في الحروب.

ـ الفلسفة

لا يخفى على المتتبع أن الفلسفة قد ارتبطت بالنفس البشرية ارتباطًا وثيقًا؛ إذ مثّلت محورًا أساسيًّا للتأمل الفلسفي منذ بدء التفكير الإنساني. فقد نشأت الفلسفة أساسًا من تساؤلات الإنسان حول ذاته ومعنى وجوده، وقد حاول الفلاسفة فهم طبيعة هذه النفس، حقيقتها، قواها، وعلاقتها بالجسد والعقل؛ فتعرضوا للبحث في الإرادة الإنسانية، الخير والشر، الألم واللذة، السعادة والشقاء، وقد قام بذلك فلاسفة الشرق والغرب؛ حيث تناول فلاسفةُ المسلمين النفس وأحوالها وما يعرض عليها، ومنهم: الكندي، أبو بكر الرازي، الفارابي، مسكويه، إخوان الصفا، ابن سينا، ابن حزم، ابن طفيل، ابن رشد وغيرهم[14]. وقد  شهد الغرب حالة مشابهة، حيث انحصرت العديد من الدراسات النفسية في حدود الفلسفة، وتحديًدا فرعها الأخلاقي، وهذا قبل تأسيس علم النفس كعلم أكاديمي منهجي. ويعتقد عالم النفس الوجودي رولو ماي أن أعمق ما كُتب في القلق والخوف من بحوث تأصيلية جاءت على يد مفكرين كانت اهتماماتهم دينية وفلسفية[15].

ولا أقصد هنا فلسفة بعينها بقدر ما أريد الإشارة إلى فعل التفلسف بوصفه أداة للتنقيب في الوجود الإنساني، وكفعل أصيل يمارسه الفرد الواعي ليدلف إلى مجاهيل النفس ويفهمها، وبالتالي يجمع ما بين الضدين بين دائه ودوائه. ومن البديهي أن هذا الفعل يحتاج إلى تمرن ومراس يبدأه الإنسان بسؤال “من أنا؟”، مساوقًا لخطواته الأولى؛ ولذلك قد يضطر إلى مطالعة الفلسفات المختلفة للاستفادة من أدواتها وتوسيع أفقه الذهني والمعنوي، فيتسلق عوالم الفلاسفة ليقف على أكتافهم وينظر إلى ما هو أبعد؛ فإن تجاوز الشيء يبدأ بمعرفته أولًا.

  لذا، قد تكمن فاعلية الفلسفة في كونها مدخلًا نقديًّا قادرًا على تقليص الدور المتضخم للمعالج النفسي في راهن عصرنا، حيث إن اغتراب الإنسان عن ذاته وانغماسه بالمادة جعله يوكل معرفة نفسه وعلاجها إلى النفساني في أحسن الحالات إن لم يتركها رهينة بين يدي “التنمية البشرية”، و”علم الطاقة”، ويرد ذلك لاقتناعه أن الذات غير قادرة على التفكير فيها. وفي كل الأحوال، وكما أشرنا سابقًا، فإن علم النفس قد يختزل الإنسان من خلال تشخيص معين يلاحظ فيه الغرائز والدوافع، أو الردود الشرطية، متغاضيًا عن وجود الفرد بما هو وجود، أي كما يقول عالم النفس الوجودي يالوم: “يتغاضى عن الصراع بين الفرد وبين معطيات وجوده المتمثلة بالقلق من الموت والحرية، العزلة، واللامعنى”[16]. فالتأمل والتفكير ليسا حالة ترفيه في مواجهة المأساة والأزمات. وليس المراد هنا إنتاج فلسفة وتأملات نظرية تندرج ضمن الإطار الأكاديمي البحت. بل محاولة لاجتراح “فلسفة شخصية”، وبلورة موقف إنساني تجاه الحياة والمصير. فالفلسفة “ليست أقوالًا خيالية لموجودات خيالية، بل الخطاب فيها موجه إلى كائنات موجودة. ولهذا، فإن الفلسفة الحقة ليست بحثًا في المعاني المجردة، بل في المعاني التي هي من لحم ودم، إن صح هذا التعبير، فمثلًا: الموت ليس مشكلة فلسفية، بل المشكلة هي أنني أموت، وفارق هائل بين أن أبحث في الموت بوصفه معنًى عامًّا مجردًا، وبين أن أبحث في أنني أموت. فيجب إذًا، رد المسائل إلى الموجودات، والنظر إليها بوصفها موضوعات يعاينها الموجود نفسه، وإذًا فالذات الموجودة، أو الذات الوجودية، لا العقل المجرد، هي التي يجب أن تكون العامل في إيجاد الفلسفة”[17]. فالتفلسف هو محاولة مستنبطة من تجربة حيّة لانكشاف الإنسان على ذاته من خلال الوعي؛ أي إن “الوعي بالذات هو المعيار الحاسم للذات، فكلما زاد الوعي، زادت الذات”[18]. فيمكن أن يتحقق الشفاء الحقيقي حينما يتبنى الإنسان منهجًا سقراطيًّا استقصائيًّا في فهم  الحياة، النفس، الألم، والموت؛ إذ لم يكف هذا الفيلسوف عن مساءلة كل اليقينيات والبديهيات أثناء تجواله في أزقة أثينا مثيرًا تأملات جوهرية في الأخلاق والنفس. وعندما واجه محنة الاختيار بين التخلي عن مسعاه الفلسفي، أو عقوبة الإعدام، أظهر تمسكًا لا يتزعزع بمبادئه. فرفض الفرصة التي أتيحت له للهرب من السجن، مؤكدًا على أن الحياة التي تفتقر إلى الوعي الفلسفي والعمق لا تستحق العيش، وبذلك ارتقى سقراط إلى مرتبة الشهيد الأول للفلسفة؛ إذ رأى في تناول “الشوكران” سبيلًا إلى الموت الداعم لمبادئه. فالفلسفة هنا تقارب الألم بوصفه طريقًا للتحقق والوجود. ووفقًا للفيلسوف عبد الرحمن بدوي، فإن إدراك الوجود بالألم باعتباره جزءًا من مقولات الإدراك الوجداني. هو إدراكٌ أكمل وأتم من الإدراك الفكري. فلا شكّ في أن الشعور بالوجود في حال الألم أقوى منه في حال المعرفة بالألم؛ إذ في الأول يكون اتصالٌ مباشر بين الذات والوجود، أما في الثاني فالاتصال غير مباشر[19].

 وقبل توضيح ما هو المراد من الإدراك الوجداني وفق مذهب بدوي، لا بدّ من الإشاره إلى تقسيمه المعتمد للوجود. فهو يرى أن هنالك نوعين من الوجود:

النوع الأول: هو الوجود الذاتي الممكن (الوجود الماهوي)، وفيه تكون الذات مريدة حرة لا تحوي سوى إمكانياتٍ لم يأن لها أن تتحقق. والأصل فيها السعي لتحقيق هذه الإمكانيات، باعتبارها جوهر الذات وماهيتها، وهو الوجود الحقيقي والأصيل. وفي هذا النوع تكون العلاقة بين الذات، وبين نفسها. وعندما تنتقل هذه الإمكانيات إلى الواقع بواسطة الحرية، ويتم التحقق العيني لها في العالم يسمى الوجود حينئذٍ بالآنية.

 وأما النوع الثاني: فهو الوجود الموضوعي؛ أي الوجود بين الموضوعات، وهو وجودٌ زائف، لأن الإنسان لا يكون فيه مالكًا لذاته بقدر ما تكون الأشياء مالكة له. ولذا، فإن الإدراك الوجداني هو ما تحققه الذات الأولى. فالوجدان هنا يدرك العالم وفق مقولاتٍ خاصة تختلف عن مقولات العقل؛ تقوم على التقابل والتوتر، لا على الثبات والمنطق العقلي. فالوجود بطبيعته ديالكتيكي – وفق مذهب بدوي – أي يجمع الأضداد في حركة مستمرة، وهذه الحركة الوجودية هي ما يميز الوجدان. لذلك تُبنى مقولات الوجدان على أزواج متقابلة متوترة، تمثّل الوحدة الحية بين المتناقضات دون أن تلغي أحدهما. فالألم مصدره الحدّ من تحقيق هذه الإمكانيات التي أشرنا إليها، وذلك لوجود ثمة مقاومة من جانب الغير تُعيق تحقق هذه الإمكانيات. فيجتمع أعلى ألم مع أعلى سرور ليشكّلا الوحدة المتوترة، ويلتقيان في نقطة التضحية.

 فالتضحية “هي نقطة التلاقي بين الألم والسرور مما يفضي بنا إلى التحدث عن السرور، وتفسيره عندنا وجوديًّا، هو أن الأصل هو الوجود الماهوي، وينتقل إلى الآنية بواسطة تحقيق الممكنات، وتحقيق الممكنات هو الفعل، والفعل إذن توكيد لإمكان، وفي التوكيد شعور بالذاتية، إذ فيه نقل لها من القوة إلى الفعل، وكل ما يشعر بالذاتية على نحو ليس به مقاومة هو السرور. ويزداد السرور تبعًا لازدياد تحقيق الإمكانيات، ويكون نوعه وفقًا لنوع ما يحقق منها. والدرجة العليا للسرور هي تلك التي تملك فيها الذات نفسها بكل ما وسعها تحقيقه من إمكانيات. وهي حالة تصل أوجها في الإيثار المحقق لأقصى الإمكانيات الذاتية مع إغناء أكبر قدر من الذوات الغيرية في نفس الآن”[20]. والمثال على ذلك هو الشهيد الذي يجمع بين النقيضين: الألم والسرور، فيحقق بذلك أقصى إمكانياته الذاتية مع أكبر قدر من إغناء الذوات الأخرى[21]

الأدب

 يُعد الأدب مرآة للتجربة الإنسانية بكل ما يكتنفها من تعقيد، خاصة في سياق الأزمات والاضطرابات التي تفرضها الحروب. فبينما تسعى المقاربات النفسية للتشخيص المباشر، يقدم الأدب نفسه بوصفه فضاءً للتنفيس النفسي واستيعاب الصدمات. ففي الكثير من الأحوال يواجه الأفراد الذين عايشوا الحروب وبشاعتها صعوبة في التعبير عن تجاربهم بشكل واضح، والذي قد يؤدي بدوره إلى الكبت. وهنا، يوفر الأدب من خلال تقنياته السردية آلية فعّالة لتفريغ هذه المكبوتات، واستيعاب بعض تجارب الصدمة بطريقة غير مباشرة؛ أي إنه يمنح المعاناة قدرة على التجسد، وبالتالي يمكّن القارئ من فهم ذاته فهمًا عميقًا. إضافة لما يوفره الأدب من مساحة لإعادة التساؤلات الجوهرية حول الموت والحياة والعدالة بطريقة قد تستعيد المعنى في عالم صودرت فيه كل المعاني؛ أي إن الأدب يعد أداة من أدوات التعافي النفسي، والبوح الرمزي، وترميم الذات وتشكيل الهويات، فضلًا عن أنه قد يبني موقفًا وجوديًّا مقاومًا يهدف إلى التحريض على التغيير، وتحويل جرائم الحرب من مجرد إحصائيات إلى وقائع تتنفس وتعبّر عن ذاتها والتي يمكن أن تحدث تغييرًا في المنظومة القيمية للكثير ممن عايشوا الحروب. وهذا ما نراه جليًّا في أدب غسان كنفاني، ورسم ناجي العلي، وشعر محمود درويش، وآخرين على مستوى القضية الفلسطينية. وهنالك الكثير من الكتّاب العالميين الذين قاربوا النفس البشرية بعمق قبل ظهور علم النفس، مثل الأدباء الروس، وفي مقدمتهم دوستويفسكي الذي اعترف فرويد بشخصيته الخصبة ومعرفته الدقيقة بالنفس البشرية[22]. هذا، وقد ذهب بعض الباحثين إلى القول: إن المعرفة التي ينتجها الفن في جميع أشكاله أكمل من المعرفة التي ينتجها العلم، لأن الأخير يهتم بالكليات والخصائص المشتركة بين الأشياء، بينما الفن يستهدف ذاتيات الشيء بشكل منفرد، مع قدرته على هضم ما جاء به العلم ليكون رؤية شاملة.

التاريخ

 إن التاريخ هو حيّزٌ يتشكل فيه الوجود الإنساني، فلا يمكن للإنسان أن ينفلت من قبضتة، فهذا العلم ليس مجرد أحداث ماضية تحققت وانقضت، وإنما إطار زماني يمكن أن يكون حاضرًا بقدر أثره. فكلما كان التاريخ مؤثرًا، كلما خرج عن كونه ماضيًا. إن دعوة القرآن للمرور على آثار السابقين وذكر قصصهم هي أداة لصناعة ذهنية وروحية المخاطب، وليست مجرد توجيه عام. وأزعم أن للتاريخ دورًا علاجيًّا يتمثل بتوفير إطار مفاهيمي يربط التجربة الفردية للشخص في سياق تاريخي أوسع، وهذا بدوره يقلل من شعور العزلة في معايشة الحدث الصادم، إذ يمكن استحضار التجارب التاريخية للشعوب والأفراد الذين اجتازوا أزمات مشابهة كنموذج استلهامي يبرهن على قدرة الإنسان على التعافي وتجاوز المحن، مما يعزز المرونة النفسية. هذا وفيما تعمل السرديات التاريخية كأدوات لإعادة هيكلة وتنظيم هذه التجربة العنيفة ضمن إطار يبعث على الغائية التي تقلل التشوش الفكري أو العقائدي لدى الأفراد الذين يعايشون الحدث. فعلى سبيل المثال، إن تناول الأحداث التاريخية ضمن سردية الصراع بين الحق والباطل سيسهم في التخفيف من حجم المعاناة النفسية. وفي هذا الإطار، تظهر مقاربة تاريخية لافتة طرحها المفكر علي شريعتي تقرأ التاريخ بوصفه سيرورة صراع عميق بين منهجين متضادين، تمثلا في ” قبيلة إلهية”، و”قبيلة طاغوتية”[23]. تبدأ المواجهة بينهما منذ فجر البشرية مع قابيل وهابيل، وستستمر حتى نهاية التاريخ متخذة أشكالًا متعددة تعكس هذا التنافر الجوهري. وتتجلى هذه الثنائية بين مدرسة يزيد والإمام الحسين (ع) تارة، وبين الطاغوت الأمريكي الصهيوني والمقاومة الإسلامية تارة أخرى بوصفهما امتدادًا تاريخيًّا للاتجاه القابيلي والهابيلي.  

وفي الختام، يتجلى بوضوح أن الفهم الشامل للنفس الإنسانية، وسبل تعافيها، لا سيما في خضم الأزمات والحروب، يتطلب تبني رؤية تكاملية تتجاوز حدود أي مقاربة أحادية. ولقد استعرضنا كيف أن علم النفس، رغم إسهاماته الجوهرية في تشخيص الاضطرابات وفهم آلياتها، يواجه محدوديات عندما يتعلق الأمر بأسئلة الوجود الكبرى، وتجليات الألم المعقدة، وبناء المعنى في ظل الفوضى. في المقابل، أبرزنا الدور الحيوي والمهم الذي تلعبه الأدوات الرمزية والروحية والوجودية، كالدين والفلسفة والأدب والتاريخ. ولكن، من الضروري هنا التأكيد على أن هذا النموذج التكاملي يستهدف “الإنسان الطبيعي”، ولا يلاحظ الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية محددة تتطلب تدخلًا طبيًّا متخصصًا والتي قد تكون الأدوات سالفة الذكر غير كافية وحدها لعلاجهم.

[1] رولو ماري، إرفين يالوم، مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي، ترجمة: عادل مصطفى، هنداوي، 2023، الصفحة 82.

[2] ما أذهب إليه لا يتقاطع مع علم نفس الدين، وهو أحد فروع علم النفس الذي يدرس الدين كظاهرة إنسانية مستخدمًا المنهج العلمي. ما أشير إليه هو محاولة استنطاق النص الديني لاستخراج نظرية ما. فالاختلاف هنا على مستوى المنهجية والهدف.

[3] راجع: فانون، فرانز ، معذبو الأرض، مدارات للأبحاث والنشر، الصفحة 200.

[4] سورة الأنفال، الآية 74.

[5] سورة الصافات، الآية 99.

[6] سيد قطب، في ظلال القرآن، الصفحة 2994.

[7] سورة الأحزاب، الآية 10.

[8] سورة الأحزاب، الآية 11.

[9] سورة الأحزاب، الآية 25.

[10] بدوي، عبد الرحمن، شخصيات قلقة في الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، 1946، الصفحة 155.

[11] سورة البقرة، الآية 214.

[12] مراغي، أحمد مصطفى، تفسير المراغي، الصفحة 126.

[13] الطباطبائي، تفسير الميزان، الجزء 2، الصفحة 158.

[14] للمزيد من الاطلاع، راجع الدراسة القيمة بعنوان الدراسات النفسية عند العلماء المسلمين للدكتور محمد عثمان نجاتي الصادرة عن دار الشروق.

[15] راجع ماي، رولو، معنى القلق وطبيعته الثقافية والنفسية والبيولوجية، ترجمة: بندر الحربي، دار الرافدين، 2025، الصفحة 39.

[16] أرفين يالوم، مصدر سابق، الصفحة 63.

[17] بدوي، عبد الرحمن، دراسات في الفلسفة الوجودية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة1، 1980، الصفحة 21.

[18] كيركغارد، مرض الموت، الصفحة 43.

[19] بدوي، عبد الرحمن، مصدر سابق، الصفحة 300.

[20] بدوي، عبد الرحمن، مصدر سابق، الصفحة 296.

[21] المصدر نفسه، الصفحة 296.

[22] فرويد، سيغموند، التحليل النفسي والفن، ترجمة: سمير كرم، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 1975، الصفحة 93.

[23] راجع مقالنا: “مفهوم الشهادة في فكر شريعتي”:  https://share.google/BFhrnPutfq9cZLokV


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.