بسم الله الرحمن الرحيم
﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ (سورة المائدة، الآية 97).
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. (سورة الحج، الآية 27).
تختصر سيدة نساء العالمين، معصومة آل محمد (ص) لنا أهداف فريضة الحج في خطبتها بثلاث كلمات: “الحج تشيّدًا للدين”.
والحج في مقاييس نهج الإمام الخميني (قده) هو:
تحصيل للهدى والتقوى، وتعاون على البر والتقوى، وقيام لله يقصده الناس من كل فج عميق.
حيث تتسم فريضة الحج الإلهية بثلاث سمات مميزة هي: تجمّع المسلمين في بقعة واحدة، ومظاهر لمركزية الذكر الإلهي التوحيدي، وإعلان البراءة من المشركين والاستكبار العالمي وأعوانهم الظلمة. فنهضة الإمام الخميني (قده) التي هزّت العالم، لم يخشاها الاستكبار لأنها أقامت حكومة إسلامية وحسب، بل لأنها بعثت الروح والقدرة مجدّدًا في العبادات، والشعائر، والطقوس الإسلامية. فصار منبر الجمعة والجماعة منصّة وعي وبصيرة، وصار الخمس موردًا من موارد اقتدار الأمة المالي، وصار الحج مؤتمرًا للمسلمين يعلنون فيه براءتهم من ظلمة الأرض، ويسعون فيه لمواجهة ومحاربة الاستكبار والاستبداد والعدوان.
فمن أعظم المعاني والمشاعر والقيم التي تكرسها شعائر الحج المباركة، هي التقارب والتعايش والتعارف والتعاون، وصولًا إلى ما هو أرقى وأرفع وهو الوحدة بين المسلمين.
إن مسؤولية حجاج بيت الله الحرام هذا العام أهم وأكبر من أي عام مضى نظرًا لما تشهده بلادنا العربية والإسلامية من عدوان صهيو أمريكي على منطقتنا الذي يسعى بكل جبروته وأساطيله لفك وحدة ساحاتنا في محور المقاومة.
ومسؤولية المرأة هي أكبر، فقد راهن العدو على سقوط عزيمتها وإرادتها وثباتها لكنها صمدت ودعمت أسرتها ووطنها بصمود أسطوري في كل ساحات محور المقاومة، فكانت المحور البنيوي الإيماني في فرض استراتيجية وحدة الساحات التي انطلقت من المبنى العَقَدي الإسلامي الذي يؤكد على الترابط العضوي بين أبناء الأمة الإسلامية، واعتبار قضاياها الكبرى وفي محورها مظلومية القضية الفلسطينية جزءًا لا يتجزأ من عقيدة رفع الظلم الذي كانت المرأة المقاومة شريكة فيه، وفي أداء فريضة شرعية وضرورة وجودية لزوال “الكيان المؤقت” من الوجود. وهذه الاستراتيجية استمدت شرعيتها من أدبيات الثورة الإسلامية الإيرانية (ولاية الفقيه) وفق مفهوم الأمة الواحدة في الفقه السياسي، بحيث تعتبر دعم حركات التحرر والمستضعفين واجبًا دينيًّا وسياسيًّا يتجاوز الحدود الجغرافية والقومية.
هناك في الديار المقدسة، عند بيت الله الحرام، يقف الملايين من الحجيج، رجالًا ونساء، إلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد وقبلتهم واحدة وصلاتهم واحدة ومناسكهم واحدة، معًا يحرمون، ومعًا يتحللون من إحرامهم، ومعًا يطوفون ويسعون ويقفون ويفيضون ويزدلفون ويرجمون الشياطين، ويقدمون الأضاحي ويقيمون العيد، ومعًا يفرحون بما أنعم الله تعالى عليهم من نعمه التي لا تعد ولا تحصى. فموسم الحج هو مناسبة للتآخي والتفاهم والتآلف، ومناسبة لسد الطريق على كل من يريد إيقاع الفتنة بين المسلمين بقول أو عمل أو شعار أو ممارسة.
نتوجه إلى المرأة صانعة الإرادة والمقاومة، لنستلهم من الحج دروس عظيمة للتربية على القيم والأخلاق؛ ففيه يتدرب الحاج على ضبط النفس، والتحلي بالصبر، واجتناب الجدال والفسوق، قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. (سورة البقرة، الآية 197). وهي المدرسة الأولى، في نقل هذه القيم العالمية من البقاع المقدسة إلى مجتمعاتها، لتنشر ثقافة الإسلام، والرحمة، والتعايش الإنساني، والإرادة الثابتة. متجاوزة حدود الزمان والمكان، لتؤكد على دورها المحوري في بناء الأسرة والمجتمع والأمة.
وفي الحج رسالة المساواة في التكليف والأجر بين الرجل والمرأة، حيث يقف الرجل والمرأة في صعيد عرفات بلباس واحد، مجردين من زخارف الدنيا، لا فرق بينهما إلا بالتقوى والعمل الصالح. في الحج، نرى المرأة تؤدي المناسك بكل تفانٍ، تطوف وتسعى وتقف، وهي شقيقة الرجل في المسؤولية والجزاء، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مَّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾. (سورة آل عمران، الآية 195). تأكيدًا على أن المرأة المسلمة شريك فاعل في إظهار عظمة الإسلام ووحدة صفوف المسلمين في هذا التجمع العالمي.
فالحج يعيد تعريف المرأة من جديد، فهي ليست مجرد تابعة للأحداث الموجودة في العالم ومتأثرة بها، بل هي صانعة التحولات سعيًا وعملًا وجهدًا، وهذه التحولات لا تأتي من موضع الترف والراحة، بل من موضع المعاناة. هذا ما تعلمنا إياه السنن القرآنية، بأن التغيير الروحي لا يأتي من الرفاه، بل من التعب والجهد والبذل والتضحية، ولأنهن صاحبات وعي وبصيرة يدركن بأن التغيير يأتي من رحم المعاناة.
لذا، جاء الحج ليعظم مسؤولية الأمومة والأسرة من (قصة سعي هاجر (ع)) بين الصفا والمروة، ورمي الجمرات، فهي لم تكتفِ بالدعاء والتوكل فقط، بل اقترنت عقيدتها بالعمل من خلال السعي الحثيث بين الصفا والمروة بحثًا عن الحياة. فسعيها كان تخليدًا لاقتدار المرأة، ودرسًا عالميًّا في التوكل على الله، والصبر، والأمل، والصمود، والثبات، في رسالة لكل امرأة في دورها في تربية النشء وصناعة الأمة. وهذا السعي مع إدراكها للكسر المادي والضعف، ترافق مع اليقين بالله والتوكل عليه بخطوات ثابتة، جعل الله تعالى هذه الخطوات الثابتة للسيدة هاجر شعيرة للرجال والنساء لقبول الحج، ليصبح حج الكسرة المادية هي نقطة الانطلاق لحضارة أمة.
كما كان استعدادها للبذل، في تقبلها ولدها لأمر الذبح الذي كان امتحانًا قاسيًا، لكنها قابلته بالتسليم الذي تحول لاحقًا إلى شعيرة خالدة (الأضحية) يفدى بها الأبناء. ليصبح يوم من أيام الله، عيد “كرّم فيه الله عزّ وجل إيثار خليله إبراهيم (ع) الذي كان مستعدًّا للتضحية بما يفوق التضحية بالذات، التضحية بالأعزّاء. فتضحية نبي الله إبراهيم كانت تفوق مستوى التضحية بأيّ عزيز لأنّه كان على وشك أن يضحّي بنجله الوحيد وفلذة كبده الذي وهبه الله إيّاه بعد أعوام وفي سنّ الشيخوخة”. (الإمام السيد علي الخامنئي (قده)).
إن “الشعائرية” بتقديم الأضحيات هي موقظات للصحوة من الغفلة عن مسير الفداء.. فالفداء ثقافة أصحاب الحياة.. هذا الفداء الذي ارتبط بالفداء الكربلائي لبقاء الإسلام، وامتد إلى فداء القادة لبقاء المقاومة، وفداء الولي الشهيد لبقاء الجمهورية الإسلامية، للتأكيد بأنه لا أحد مستثنى أمام الله من واجب الدفاع عن القضايا التحررية الدينية والإنسانية.. وأن الصعاب كلما كبرت كان واجب دفع الأثمان الباهظة أكبر وأعلى.. وهنا يمثل صبر أمهات وزوجات وآباء الشهداء الوجه الآخر للتضحية، حيث يحملون أمانة الشهادة، ويحولون لوعة الفقد إلى عزيمة وكرامة في صناعة النصر، ولولا تضحيات الشهداء وصبر عوائلهم لضاع الحق، وبصبرهم تتحقق الأهداف العظيمة للأمة.
وما أشبه الأمس باليوم، تحمل الأم الغزاوية، والجنوبية، والإيرانية، واليمنية طفلتها الغريقة بدمها، هذه المرأة هي من تصنع مرحلة جديدة في التاريخ.
أم موسى(ع) ربّت نبيًّا في قلب الخوف، ومريم (ع) ربّت روحًا في قلب المعاناة، والسيدة خديجة كانت البيئة التي احتضنت فيها الرسالة للانطلاق، والزهراء (ع) ومظلوميتها التي ارتبطت بمظلومية الرسالة والولي، حملتها زينب (ع) بروح الإيمان والصبر، فكانت بداية بناء لظهور الحجة ابن الحسن (عج).
المرأة اليوم عليها أن تختار بين أن تكون المرأة التي تعيش على هامش الحياة، ترسم لها الرأسمالية الاستهلاكية تفاصيل مسار حياتها، وبين أن تكون من مجموعة السيدة هاجر(ع)، ودبلوماسية نرجس(ع)، وعلم زينب(ع) العالم بأجمعه لخدمة دورنا لنكون مشاركين في البناء الروحي في هذا التحول العظيم.
وعلى المرأة ألّا تبرح ساحة العلم، فهي ساحات جهاد التبيين. وهي العالمة، والطبيبة، والمعلمة، والإعلامية، والناشطة، والمبلّغة القادرة على إيصال رسالة الإسلام السمحة إلى العالم أجمع بأسلوب حضاري ومؤثر. فالشباب اليوم هم ذخيرة ومورد اقتدار الإسلام، والقوة في الاتحاد والتشارك بين المسلمين في كل المجالات العلمية والتكنولوجية والنووية والعسكرية، وعلى الشباب أن يخططوا للمستقبل ولا يكونوا تابعين لما يخطط لهم..
فاليوم نحن أحوج إلى الوعي والبصيرة في الحرب الإدراكية، حيث يكثر الأعداء والمنافقون، ويتحركون في حملات منظمة، وبتوجيهات تأتي من غرف إعلامية ومطابخ إعلامية واحدة، في حــرب نفسية لتحطيم الروح المعنوية، فما يجري في مواقع التواصل الاجتماعي، من تفاعل غير واعي مع الأخبار وترويج أخبار معينة قد تكون أخبارًا من جهة الأعداء، مسربة لجس النبض، أو لها أهداف معينة، وأحيانًا أهداف عـــملـيـة خطيرة، فالبعض من غير مسألة الدعايات والحملات المشحونة بالأكاذيب والافتراءات، قد تكون بهــدف ضرب الروح المعنوية للناس، أو لتبرير جريـــمة يريد الــعـــدو أن يقدم عليها، فيستفيد من الترويج لذلك الخبر في التمهيد لما يريد القيام به من جــرائم. فهذه الحرب الإعلامية جزء لا يتجزأ من الحرب الإدراكية التي نجح فيها العدو في إسقاط سوريا، وأثبتت الوقائع بأنها قد تعادل الميدان أو تتفوق عليه. فمن ينهزم في قلبه وعقله لا يمكن أن ينتصر حتى لو امتلك القدرة والقوة، وهذا بالفعل ما حصل للأمة العربية بعد إحلال ثقافة الانهزام والاستسلام في توقيع معاهدة “كامب دايفيد” 1987 التي كانت الركيزة لبناء عقيدة الردع الصهيونية التي قامت على مقولة “الجيش الذي لا يقهر”.
اليوم، ونحن نخوض معركة التحرير الثالث بعد خوض تحريرين أسقطا هذه المقولة، وفتحا زمن الانتصارات. والأهم في هذه الانتصارات ليس الحدث نفسه بقدر ما هو تراكم معنويات الأمة في الإرادة والعزيمة التي أثبتت الصمود الأسطوري وحدة الساحات.
فعلى المرأة أن ترفع الوعي داخل أسرتها، لتتجاوز الفردية في موقعها الأسري، ولتؤدي دورًا استراتيجيًّا في تعزيز الوحدة الإسلامية التي تتجلى بوحدة ساحات محور المقاومة، فتكون جزءًا لا يتجزأ من وحدة الساحات القرآنية بارتكازها على سننه (القرآن). أصبحت استراتيجية حياة في كل المجالات لتقوية الأمة وتحصينها ضد المؤامرات من الأعداء الأمريكيين، الإسرائيليين، وحلفائهم، وهم الأذرع القوية للشر والظلم والطغيان؛ فاليهود والمستكبرين “لا يستطيعون أن يتحمّلوا وجود القرآن الذي يصدر بكل وضوح أمر: ﴿وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ﴾. (سورة الأنفال، الآية 60)، ويصدح بقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلى المُؤْمِنينَ سَبِيل﴾. (سورة النساء، الآية 141). والقرآن الذي يريد للمؤمنين أن يكونوا إخوة فيما بينهم، أشداء على أعدائهم، مثل هذا القرآن لا يمكن أن يتحمّله المتسلطون الساعون للسيطرة على أزمّة أُمور المسلمين، ونهب كل شيء لديهم”[1].
ليبقى الحج العودة إلى إحياء القرآن العملي الذي يشيّد الدين، ويقوم على شعائرية الفداء.
[1] موقع مكتبة المعارف الإسلامية، القرآن في كلام الإمام الخميني (قده)، الصفحة 7.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
