مقدمة
إذا كان التاريخ يخلّد المنتصرين في ميادين القتال، فإن تاريخ الرسالات يخلّد أولئك الذين حفظوا الحق، سواء حملوا السيف أم وضعوه. فالانتصار في منطق السماء لا يُقاس بكثرة المعارك، وإنما بقدرة القائد الإلهي على صيانة الرسالة، وحفظ الأمة من الضياع، ولو كلّفه ذلك أن يتحمل مرارة الاتهام وسوء الفهم.
ولعل الإمام الحسن المجتبى (ع) هو أكثر أئمة أهل البيت (ع) تعرّضًا لسوء الفهم؛ إذ اختزل كثيرون سيرته العظيمة في صلحه مع معاوية، حتى أصبح هذا الحدث وحده محور الحديث عنه، وغابت وراءه حكمة الإمام، وبصيرته، وقراءته العميقة لمستقبل الأمة.
ومن هنا، ظل السؤال يتردد عبر الأجيال: لماذا صالح الإمام الحسن (ع)؟ ولماذا لم يختر طريق المواجهة كما فعل أخوه الإمام الحسين (ع)؟
غير أن السؤال الأعمق ليس: لماذا صالح؟ وإنما: ماذا كان الإمام الحسن (ع) يريد أن يحفظ؟ وهل كانت غايته تحقيق انتصارٍ عسكري، أم صيانة الرسالة الإلهية، وحفظ خط الإمامة، وإعداد الأمة لمرحلةٍ لم يكن أوانها قد حان بعد؟
ولعل هذا هو السر في أن الإمام الحسن (ع) كان أعظم من أن يُقاس بمعيار النصر والهزيمة؛ لأن الأئمة (ع) لم يكونوا يصنعون الأحداث لذاتها، وإنما كانوا يصنعون المستقبل.
فهل كان صلح الإمام الحسن تنازلًا؟ أم كان أعظم انتصارٍ لم يُدرك الناس حقيقته إلا بعد حين؟ وهل كان يكتب نهاية المواجهة، أم كان يرسم الطريق الذي ستسير عليه كربلاء بعد عشر سنين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكشف لنا الإمام الحسن (ع) بوصفه إمام الصلح فحسب، بل بوصفه الإمام الذي حفظ الرسالة حين كان بقاؤها أهم من كل انتصارٍ مؤقت، وهنا تتجلى الحكمة التي أنقذت التاريخ.
هل كان الصلح هو القضية؟
كثيرًا ما يُطرح السؤال بهذه الصيغة: لماذا صالح الإمام الحسن (ع)؟ وكأن جوهر القضية يكمن في الصلح نفسه، مع أن الصلح لم يكن إلا وسيلةً اختارها الإمام لتحقيق غايةٍ أكبر. ومن هنا، فإن الانشغال بالوسيلة قبل فهم الغاية قد يحجب الإنسان عن حقيقة الموقف، ويجعله يحاكم الإمام بمعايير السياسة، لا بمعايير الإمامة.
فالأنبياء والأوصياء (ع) لم يكونوا يتحركون وفق ردود الأفعال، ولا كانوا يبحثون عن انتصارٍ آنيٍّ يرضي مشاعر الناس، وإنما كانت حركتهم تدور مع المصلحة العليا للدين، حيثما دارت. ولهذا اختلفت مواقفهم، مع أن الهدف الذي جمعهم كان واحدًا.
فالقرآن الكريم يحدثنا عن أنبياء قاتلوا في سبيل الله، كما يحدثنا عن أنبياء صبروا على الأذى، أو هاجروا، أو كتموا أمرهم زمنًا، ولم يكن اختلاف الوسائل اختلافًا في الحق، بل اختلافًا في تشخيص الطريق الذي يحفظ الرسالة ويحقق إرادة الله في كل ظرف.
ومن هنا، لا يصح أن يُسأل: لماذا صالح الإمام الحسن (ع)؟ قبل أن يُسأل: ما الذي كان يواجهه الإمام؟ وما هي الظروف التي أحاطت بالأمة آنذاك؟ وهل كانت الحرب في ذلك الظرف ستحفظ الإسلام، أم كانت ستقضي على آخر معاقل الحق التي بقيت بعد استشهاد أمير المؤمنين (ع)؟
إن الإمام المعصوم لا يتحرك بعاطفةٍ مجردة، ولا يستجيب لضغط الجماهير، وإنما يتحرك بعلمٍ وحكمةٍ وبصيرة. ولذلك فإن المعيار في تقييم مواقفه ليس مقدار ما تحققه من انتصارٍ عسكري، بل مقدار ما تحفظه من الدين، وما تكشفه من الحق، وما تتركه من أثرٍ في مستقبل الأمة.
ولهذا، فإن الإمام الحسن (ع) لم يكن أمام خيارين: الحرب أو الصلح، وإنما كان أمام مسؤوليةٍ واحدة، هي حفظ الرسالة. فإن كان حفظها يقتضي القتال قاتل، وإن كان حفظها يقتضي الصبر صالح، لأن الغاية عند الإمام ثابتة، وإنما الذي يتغير هو الوسيلة.
ومن هنا، نفهم أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا صالح الإمام الحسن؟ وإنما: كيف أصبح الصلح في ذلك الظرف هو الطريق الأمثل لحماية الإسلام؟ وهذا ما يقودنا إلى فهم الواقع الذي عاشه الإمام بعد استشهاد أمير المؤمنين (ع)، والظروف التي جعلت الحكمة تسبق السيف، وتمهد لمرحلةٍ ستكشف للأمة حقيقة الصراع بين خط الإمامة وخط الملك.
حين كانت الحكمة أشجع من السيف
قد يظن بعض الناس أن الشجاعة لا تكون إلا في ساحات القتال، وأن البطولة لا تُقاس إلا برفع السيف وخوض المعارك. غير أن التاريخ يعلمنا أن أصعب القرارات ليست دائمًا تلك التي تُتخذ في ميدان الحرب، بل قد تكون تلك التي يكبح فيها القائد رغبة المواجهة؛ لأنه يرى من العواقب ما لا يراه غيره.
وهذا ما كان عليه الإمام الحسن المجتبى (ع).
فبعد استشهاد أمير المؤمنين (ع)، لم يكن الإمام الحسن (ع) يقود جيشًا يشبه ذلك الجيش الذي قاتل مع رسول الله (ص) في بدر وأحد، ولا حتى ذلك الذي وقف مع أمير المؤمنين (ع) في صفين. لقد كانت الأمة قد أنهكتها الفتن، وتغلغل فيها حب الدنيا، واستطاع معاوية أن يشتري الذمم، ويفرق الصفوف، حتى تسلل الشك إلى معسكر الإمام نفسه، ووصل الأمر إلى أن يتعرض الإمام لمحاولة اغتيال من بعض من كانوا يُحسبون على جيشه.
في مثل هذه الظروف، لم تعد المشكلة في قوة العدو فحسب، بل في هشاشة الداخل. فالجيش الذي لا يحمل عقيدةً راسخة قد يرفع راية الحق، لكنه لا يصمد حين يُختبر بالمال أو بالخوف أو بالمصلحة. ومن هنا، لم يكن الإمام الحسن (ع) يواجه جيش معاوية وحده، بل كان يواجه أزمة وعيٍ أصابت جزءًا من الأمة.
ولو أصر الإمام على القتال في ظل هذا الواقع، لربما انتهت المواجهة بإبادة الصف المؤمن القليل، وانطفاء آخر صوتٍ يمثل الامتداد الشرعي لرسول الله (ص)، دون أن تنكشف حقيقة المشروع الأموي للناس. أما الصلح، فقد أنقذ البقية الباقية من خط الإمامة، وحفظ للأمة شاهدًا حيًّا على الحق، حتى لا تُدفن الرسالة مع آخر المؤمنين بها، وأعطى الزمن فرصةً ليُظهر ما كان معاوية يخفيه خلف شعاراته.
ولهذا، لم يكن الصلح هروبًا من الحرب، بل كان رفضًا لحربٍ فقدت مقوماتها الرسالية. فالإمام (ع) لم يكن يبحث عن معركةٍ تُسجل في صفحات التاريخ، وإنما كان يبحث عن موقفٍ يحفظ الدين، ولو خالف توقعات الناس في زمانه.
وقد أثبتت الأيام صحة هذه الرؤية. فما إن استقر الأمر لمعاوية حتى بدأ بنقض بنود الصلح واحدًا بعد آخر، وأعلن على رؤوس الأشهاد أنه لم يقاتل الناس ليقيم فيهم الصلاة أو يؤتيهم الزكاة، وإنما ليحكمهم، فكشف بنفسه حقيقة المشروع الذي كان الإمام الحسن (ع) يريد للأمة أن تراه. وهكذا، أصبح الصلح وثيقة إدانةٍ لمعاوية، لا وثيقة انتصارٍ له.
ومن هنا، تتجلى حكمة الإمام الحسن (ع)؛ إذ لم يكن ينظر إلى ربح معركةٍ قصيرة، بل إلى حفظ القضية الكبرى. فربَّ سيفٍ ينتصر في يومٍ ويخسر الرسالة، وربَّ صبرٍ يبدو مرًّا في لحظته، لكنه يصنع وعيًا يبقى أثره لأجيال.
ولهذا، كانت حكمة الإمام الحسن (ع) أشجع من السيف؛ لأنها لم تنتصر للانفعال، وإنما انتصرت للمسؤولية، ولم تحفظ حياة الإمام وحده، بل حفظت مستقبل الرسالة، ومهّدت الطريق لليوم الذي ستقف فيه كربلاء شاهدةً على الحقيقة التي بدأ الإمام الحسن بكشفها.
تعددت الأدوار ووحدت الرسالة
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن تُقرأ مواقف الأئمة (ع) بمعزلٍ عن بعضها، فيُنظر إلى صلح الإمام الحسن (ع) ونهضة الإمام الحسين (ع) وكأنهما موقفان متعارضان، بينما الحقيقة أن الاختلاف كان في الوسيلة، لا في الغاية، وفي الدور، لا في الرسالة.
فالإمامان الحسن والحسين (ع) لم يكونا قائدين لمشروعين مختلفين، وإنما كانا إمامين لمشروعٍ إلهي واحد، ورثاه عن أمير المؤمنين (ع)، واستمداه من رسول الله (ص). ولذلك، لم يكن أحدهما لينقض ما بناه الآخر، ولا ليختار طريقًا يناقض حكمة أخيه، لأن الإمامة ليست اجتهادًا شخصيًّا، بل هداية ربانية تتحرك وفق ما تقتضيه مصلحة الدين.
ومن هنا، فإن اختلاف الموقف لا يعني اختلاف المبدأ. فقد تكون الرسالة واحدة، لكن الظروف هي التي تحدد الوسيلة الأنسب لتحقيقها. فإذا كان الطبيب يغيّر الدواء باختلاف المرض، مع أن غايته هي شفاء المريض، فإن الإمام يغيّر أسلوب المواجهة باختلاف حال الأمة، مع أن غايته هي حفظ الدين.
ولهذا، صالح الإمام الحسن (ع) حين رأى أن الحرب لن تحقق إلا استنزاف الصف المؤمن، وأن الأمة لم تكن مهيأة لحمل تبعات المواجهة. ثم نهض الإمام الحسين (ع) بعد سنوات، حين انكشفت حقيقة الحكم الأموي، وبلغ الانحراف مرحلة لم يعد السكوت عليها يحفظ الدين، بل أصبح الوقوف في وجهها هو عين حفظ الرسالة.
ومن يتأمل في مسار الأحداث، يدرك أن السنوات التي أعقبت الصلح لم تكن سنوات هدوء، بل كانت سنوات كشفٍ وامتحان. ففيها سقطت الأقنعة، وظهرت حقيقة السلطة التي كانت تتستر بشعارات الدين، حتى أصبح الفرق بين خط الإمامة وخط الملك أكثر وضوحًا مما كان عليه يوم استشهد أمير المؤمنين (ع).
ولذلك، لم يكن صلح الإمام الحسن (ع) نهاية الطريق، كما لم تكن كربلاء بداية الطريق، بل كان كل واحدٍ منهما حلقةً في مشروعٍ واحد، تكاملت فيه الأدوار، ووحدت فيه الغاية.
ومن هنا، لا يصح أن يُقال: أي الموقفين كان أعظم؟ لأن العظمة لم تكن في الصلح وحده، ولا في الشهادة وحدها، وإنما في طاعة الله، وتشخيص التكليف، والعمل بما تقتضيه الحكمة الإلهية. فلو كان الإمام الحسن (ع) في كربلاء، لفعل ما فعله الحسين (ع)، ولو كان الإمام الحسين (ع) في ظروف أخيه، لفعل ما فعله الحسن (ع)؛ لأن الذي تغيّر هو الظرف، أما الإمام، والرسالة، والغاية، فلم تتغير.
وهكذا، تتجلى حقيقة الإمامة؛ فهي لا تبحث عن صورةٍ واحدة للبطولة، وإنما تبحث عن حفظ الدين بأي وسيلةٍ يقتضيها التكليف. فقد يكون حفظ الرسالة يومًا بالسيف، وقد يكون في يومٍ آخر بالصبر، لكن الرسالة تبقى واحدة، والهدف يبقى واحدًا.
كريم أهل البيت حين كان الكرم رسالة
ليس غريبًا أن يُعرف الإمام الحسن المجتبى (ع) بين المسلمين بلقب “كريم أهل البيت”، حتى أصبح هذا اللقب قرين اسمه، كما اقترنت الشجاعة بأمير المؤمنين، والشهادة بالإمام الحسين، والعلم بالإمام الباقر (ع).
غير أن الكرم الذي عُرف به الإمام الحسن (ع) لم يكن مجرد كثرة العطاء، ولا وفرة المال، ولا الإحسان إلى الفقراء فحسب، وإن كانت سيرته زاخرةً بذلك كله. وإنما كان الكرم عنده خُلُقًا رساليًّا، ينطلق من رؤيةٍ ترى أن الإنسان لا يملك شيئًا إذا كان الله هو المالك الحقيقي لكل شيء.
ولهذا روي أنه قاسم الله ماله غير مرة، وأنفق في سبيله بسخاءٍ لم يكن يقصد به مدح الناس ولا ثناءهم، وإنما كان يرى في العطاء عبادةً، وفي إدخال السرور على المؤمنين طريقًا إلى رضوان الله.
ولم يكن كرمه في المال وحده، بل في أخلاقه أيضًا. فحين أساء إليه الرجل الشامي، لم يواجه الإساءة بمثلها، وإنما قابله بالإحسان حتى انقلب خصمًا بالأمس إلى محبٍ وموالٍ. وهكذا كان الإمام يرى أن أعظم الانتصارات ليست غلبة الخصم، وإنما كسب قلبه.
ولكن أعظم صور كرم الإمام الحسن (ع) لم تكن في المال، بل في نفسه.
لقد قدّم للإسلام ما هو أثمن من الأموال؛ قدّم مكانته، وتحمل مرارة الاتهام، ورضي أن يسمع كلمات الجفاء ممن لم يدركوا حكمته، وهو يعلم أن الأيام وحدها ستكشف صدق موقفه. وليس هناك كرمٌ أعظم من أن يبذل الإنسان سمعته في سبيل حفظ دين الله، وأن يتحمل ألم الحاضر ليحفظ للأمة مستقبلها.
ومن هنا، فإن الإمام الحسن (ع) لم يكن كريمًا لأنه أعطى مما يملك، بل لأنه بذل كل ما يستطيع في سبيل الله، حتى إذا اقتضت الحكمة أن يُتهم بالصبر، صبر، وإذا اقتضت أن يُساء فهمه، احتسب ذلك عند الله، لأن همه لم يكن أن ينتصر لنفسه، بل أن تنتصر الرسالة.
ولذلك، لم يتوقف فيض الإمام الحسن (ع) عند حدود حياته في الدنيا، بل امتد إلى ما بعدها. فقد رُوي عن رسول الله (ص) أنه قال: “مَنْ بَكَاهُ لَمْ تَعْمَ عَيْنُهُ يَوْمَ تَعْمَى الْعُيُونُ، وَمَنْ حَزِنَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْزَنْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَحْزَنُ الْقُلُوبُ، وَمَنْ زَارَهُ فِي بَقِيعِهِ ثَبَتَتْ قَدَمُهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ”.
فما أعظمها من بشارة! كأن كريم أهل البيت لم يكتفِ بأن يُكرم الناس في حياته، بل بقي كرمه يرافق محبيه حتى في أشد مواقف الآخرة رهبةً؛ يوم تعمى العيون، وتحزن القلوب، وتزل الأقدام على الصراط.
وهكذا، تتجلى شخصية الإمام الحسن (ع) في أبهى صورها؛ إمامًا جمع بين الحكمة والكرم، وبين الصبر والعزة، وبين الرحمة والثبات، حتى أصبحت حياته كلها درسًا في أن القيادة الإلهية ليست بحثًا عن مجدٍ شخصي، وإنما بذلٌ دائم في سبيل الله، كيفما اقتضى التكليف.
ويبقى الإمام وتبقى الرسالة
إذا كانت الأحداث تُقرأ بظواهرها، فإن الرسالات لا تُفهم إلا بمآلاتها. وكثيرًا ما يحكم الناس على المواقف في لحظتها، بينما يكشف الزمن عن حقيقتها بعد سنوات، بل بعد قرون.
ولعل الإمام الحسن المجتبى (ع) كان أوضح مثالٍ على ذلك؛ فقد ظن كثيرون أن الصلح كان نهايةً للمواجهة، فإذا به بدايةٌ لانكشاف الحقيقة، ورأى بعضهم فيه تنازلًا، فإذا به أعظم حفاظٍ على الرسالة في مرحلةٍ كانت أحوج ما تكون إلى الحكمة والبصيرة.
لقد أثبتت الأيام أن الإمام الحسن (ع) لم يكن يصنع قرارًا سياسيًّا عابرًا، وإنما كان يرسم مسارًا تحفظ به الإمامة وجودها، ويبقى به الإسلام الأصيل شاهدًا على انحراف الحكم الأموي. وما نهضة الإمام الحسين (ع) إلا امتدادٌ لذلك المشروع، وتجلٍّ آخر للحكمة الإلهية التي تتعدد وسائلها، ولا تتغير غاياتها.
ومن هنا، فإن أعظم درسٍ يقدمه الإمام الحسن (ع) للأمة هو أن نصرة الحق لا تكون بصورةٍ واحدة. فقد يكون الثبات في ساحة القتال نصرةً للدين، وقد يكون الصبر على مرارة الواقع نصرةً له أيضًا، إذا كان ذلك هو الطريق الذي يحفظ الرسالة ويصونها من الضياع.
ولذلك، فإن الإمام الحسن (ع) لم يكن إمام الصلح فحسب، كما لم يكن الإمام الحسين (ع) إمام الشهادة فحسب، بل كانا معًا إمامي الرسالة؛ اختلفت أدوارهما، ووحدت غايتهما، وتنوعت وسائلهما، واجتمع هدفهما في حفظ دين الله وإقامة حجته على عباده.
ولعل هذا هو السر في أن الإمام الحسن (ع) بقي حاضرًا في ضمير المؤمنين، لا بما تحمله من ألمٍ وظلامة فحسب، بل بما جسده من حكمةٍ نادرة، علّمت الأمة أن القيادة الإلهية لا تُقاس بانتصار اللحظة، وإنما ببقاء الرسالة.
لم يكن الإمام الحسن (ع) رجلًا صالح من أجل السلام، ولا إمامًا آثر العافية على المواجهة، بل كان وليَّ الله الذي عرف متى يكون السيف أبلغ من الصلح، ومتى يكون الصلح أبلغ من السيف. وإذا كانت كربلاء قد حفظت ضمير الأمة بدم الحسين (ع)، فإن حكمة الإمام الحسن (ع) كانت من أهم الأسباب التي هيأت الأمة لفهم حقيقة كربلاء، حين انكشفت الوجوه وسقطت الأقنعة.
فسلامٌ على الإمام الحسن المجتبى يوم وُلد، ويوم جاهد وصبر، ويوم استُشهد مظلومًا مسمومًا، ويوم يُبعث حيًّا. ونسأل الله تعالى أن يرزقنا معرفته، والاقتداء بحكمته، والثبات على ولايته، وأن يحشرنا مع محمدٍ وآل محمد، إنه سميعٌ مجيب.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
