قراءة فكرية في كتاب فلسفة الأخلاقللشهيد الشيخ مرتضى مطهري

لم تعد الأزمة الأخلاقية في العالم المعاصر مجرد انحرافات فردية في السلوك، بل غدت أزمة حضارية تمسّ جوهر الإنسان ومعنى وجوده، فكلما اتسعت دائرة التقدم العلمي والتقني، برزت إلى السطح أسئلة أكثر إلحاحًا حول العدالة والضمير والكرامة الإنسانية، وفي خضم هذا الجدل، يأتي كتاب فلسفة الأخلاق للشهيد الشيخ مرتضى مطهري ليقدم معالجة فلسفية عميقة لمفهوم الأخلاق، متجاوزًا الخطاب الوعظي التقليدي إلى بحث الأسس الفكرية التي تقوم عليها القيم الإنسانية.

منذ البداية يلفت مطهري انتباه القارئ إلى أن السؤال عن الأخلاق ليس سؤالًا بسيطًا كما يبدو، بل هو من أعقد الأسئلة الفلسفية التي واجهت الإنسان عبر التاريخ، فيقول:

“قد يبدو هذا السؤال ساذجًا إلى حد كبير… لكن بالتعمق والتدقيق فيه سوف نرى أن الجواب عنه – فضلًا عن كونه ليس سهلًا كما يبدو – من أصعب مسائل الفلسفة البشرية، وأكثرها إثارة للإشكال”. (فلسفة الأخلاق، ص15).

بهذه العبارة يحدد المؤلف منهجه منذ الصفحات الأولى؛ فهو لا يبحث عن تعريف لغوي أو اجتماعي للأخلاق، وإنما يسعى إلى اكتشاف المعيار الذي يمنح الفعل قيمته الأخلاقية، فليس كل عمل نافع أخلاقيًّا، وليس كل تصرف حسن في ظاهره يعكس فضيلة حقيقية، لأن الأخلاق في نظره تتعلق بالدافع والغاية قبل أن تتعلق بالفعل نفسه. (المصدر نفسه، ص15–16).

ومن هذا المنطلق يرفض مطهري اختزال الأخلاق في المنفعة أو العرف الاجتماعي، ويرى أن الفعل الأخلاقي يمتلك قيمة مستقلة لا يمكن إخضاعها للحسابات المادية، فالعامل يتقاضى أجرًا مقابل عمله، والطبيب يحصل على أتعابه، لكن الإنسان الذي يضحي بنفسه لإنقاذ الآخرين لا يمكن أن تُقاس تضحيته بثمن، لأن هذا الفعل ينتمي إلى عالم القيم المعنوية، لا إلى عالم المبادلات الاقتصادية. (المصدر نفسه، ص16–18).

وهنا يفتح المؤلف بابًا مهمًّا للنقاش مع الفلسفات الحديثة التي جعلت المنفعة أساسًا للأخلاق، إذ يبين أن الإنسان لا يصبح أخلاقيًّا لأنه يحقق مصلحة، وإنما لأنه قادر على تجاوز مصلحته الشخصية عندما تتعارض مع قيمة أسمى، فالإيثار، والوفاء، والتضحية، والرحمة، كلها أفعال لا يمكن تفسيرها بمنطق الربح والخسارة وحده، وإلا فقدت معناها الحقيقي. (المصدر نفسه، ص16–18).

ولكي لا يبقى حديثه في إطار التنظير الفلسفي، ينتقل مطهري إلى عرض نماذج عملية تجسد حقيقة الأخلاق في الواقع، ومن أبرزها قصة العارف السري السقطي الذي ظل يستغفر الله ثلاثين عامًا بسبب كلمة قالها بعد احتراق سوق بغداد، فعندما علم أن متجره لم يحترق قال: “الحمد لله”، ثم أدرك لاحقًا أن فرحه بسلامة متجره كان يعني انشغاله بنفسه في وقت كان الآخرون يعيشون فيه مصيبة حقيقية، فعدّ ذلك تقصيرًا في إحساسه الإنساني، وظل يستغفر منه سنوات طويلة. (المصدر نفسه، ص20–21).

ولا يقصد مطهري من هذه القصة الدعوة إلى جلد الذات أو تحميل الإنسان ما لا يطيق، وإنما يريد أن يلفت النظر إلى أن الأخلاق تبدأ عندما يتجاوز الإنسان حدود اهتمامه الشخصي، فيشعر بآلام الآخرين كما يشعر بآلامه، فالضمير الأخلاقي، في هذه الرؤية، لا يقف عند حدود الامتناع عن الظلم، بل يمتد ليشمل المشاركة الوجدانية مع المجتمع والإنسانية جمعاء. (المصدر نفسه، ص20–21).

ثم ينتقل المؤلف إلى نموذج آخر أكثر عمقًا، وهو دعاء مكارم الأخلاق للإمام علي بن الحسين السجاد، ويعتبره دستورًا عمليًّا لبناء الشخصية الأخلاقية، فالدعاء لا يكتفي بالأمر بترك الرذائل، بل يدعو إلى الارتقاء بالنفس حتى تبلغ مرتبة الإحسان إلى المسيء، وصلة من قطع، والعفو عمن ظلم، والإنصاف مع الناس، وهي قيم يرى مطهري أنها تمثل القمة التي ينبغي أن يبلغها الإنسان المؤمن. (المصدر نفسه، ص21–23).

ومن خلال هذا العرض، ينجح المؤلف في نقل الأخلاق من كونها مجموعة أوامر ونواهٍ إلى مشروع متكامل لبناء الإنسان، فالإنسان الأخلاقي ليس من يخشى العقوبة أو يلتزم بالقانون فحسب، بل هو من تصبح الفضيلة جزءًا من تكوينه الداخلي، بحيث تصدر أفعاله عن قناعة راسخة لا عن خوف أو مصلحة.

ولهذا يمكن القول: إن مطهري لا يكتب عن الأخلاق بوصفها فرعًا من فروع الفلسفة، بل يكتب عنها بوصفها الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات، فالمجتمع الذي يمتلك القوة والثروة والتكنولوجيا، لكنه يفتقد الضمير الأخلاقي، قد يحقق إنجازات مادية مبهرة، لكنه يعجز في النهاية عن إنتاج إنسان متوازن قادر على صيانة تلك الحضارة، ومن هنا تكتسب فلسفة الأخلاق أهميتها، لأنها تعيد توجيه البوصلة من سؤال “كيف ننجح؟” إلى سؤال أكثر عمقًا وأشد أثرًا: “كيف نبقى بشرًا ونحن ننجح؟”.

إذا كان مطهري قد مهد في بداية الكتاب لفهم طبيعة الفعل الأخلاقي، فإنه ينتقل بعد ذلك إلى مناقشة السؤال الأكثر تعقيدًا، من أين تستمد الأخلاق مشروعيتها؟ وهل مصدرها العقل، أم الوجدان، أم المنفعة، أم الدين؟ ومن هنا يبدأ المؤلف حوارًا نقديًّا مع أبرز المدارس الفلسفية التي حاولت تفسير منشأ القيم الأخلاقية، رافضًا الاكتفاء بالشعارات أو التسليم بالنتائج دون تمحيص.

يرى مطهري أن كثيرًا من النظريات الفلسفية أصابت في تشخيص بعض جوانب الأخلاق، لكنها أخطأت عندما حاولت جعل ذلك الجانب أصلًا وحيدًا للقيمة، فهناك من جعل العقل هو المصدر المطلق للأخلاق، وهناك من ردّها إلى العاطفة أو الوجدان، بينما ذهبت مدارس أخرى إلى أن الأخلاق ليست سوى وسيلة لتحقيق المنفعة الفردية أو الاجتماعية، غير أن المؤلف يؤكد أن هذه الاتجاهات، على اختلافها، تعجز عن تفسير جميع صور السلوك الأخلاقي، لأنها تنظر إلى الإنسان من زاوية واحدة، بينما حقيقته أوسع وأعمق من ذلك. (المصدر نفسه، ص36–48).

وفي سياق مناقشته للفلسفة الغربية، يتوقف مطهري عند نظرية إيمانويل كانط التي جعلت الواجب العقلي أساسًا للأخلاق، معترفًا بما قدمته من دفاع عن استقلال القيمة الأخلاقية عن المنفعة، لكنه يرى أن الاقتصار على “الواجب” لا يكفي لتفسير البعد الروحي الذي يدفع الإنسان إلى التضحية والمحبة والإيثار، لأن الأخلاق ليست قانونًا عقليًّا مجردًا، بل تجربة إنسانية تتداخل فيها الروح والإيمان والفطرة. (المصدر نفسه، ص49–60).

ومن هنا يبدأ المؤلف في بناء رؤيته الخاصة، مؤكّدًا أن الإنسان لا يحمل في داخله مجرد غرائز ومصالح، بل يمتلك استعدادًا فطريًّا للسمو، وأن هذا الاستعداد هو الذي يمنح الأخلاق معناها الحقيقي، فكلما ارتقت النفس، ارتقى سلوك الإنسان، وكلما استسلم لشهواته وغرائزه، فقدت القيم الأخلاقية سلطانها عليه. (المصدر نفسه، ص61–70).

ويجد مطهري في التراث الإسلامي شواهد كثيرة تؤيد هذا المعنى، ومن أبلغها موقف الإمام الحسن بن علي مع الرجل الشامي الذي أساء إليه متأثرًا بالدعاية السياسية، فبدل أن يقابل الإساءة بمثلها، استقبله الإمام بلطف، وأكرمه، وخاطبه بكلمات الرحمة حتى تبدل موقف الرجل واعترف بخطئه، ويورد المؤلف هذه الرواية ليؤكد أن الأخلاق ليست ضعفًا، وإنما قدرة على الانتصار على النفس قبل الانتصار على الخصم، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإزالة أسباب الكراهية لا بتوسيعها. (المصدر نفسه، ص27–30).

وهذه الفكرة تمثل جوهر المشروع الأخلاقي عند مطهري، فالأخلاق ليست وسيلة لتحقيق النصر السياسي أو الاجتماعي، وإنما هي قيمة قائمة بذاتها، لأن الإنسان مطالب بأن يكون مستقيمًا حتى في مواجهة خصومه، ومن هنا فإن الفضيلة لا تُقاس بنتائجها المباشرة، وإنما بمدى انسجامها مع الحقيقة التي يحملها الإنسان في داخله. (المصدر نفسه، ص61–70).

ويؤكد المؤلف أن العلاقة بين الأخلاق والدين ليست علاقة شكلية أو خارجية، بل علاقة وجودية، فالإيمان بالله لا يضيف إلى الأخلاق أوامر جديدة فحسب، وإنما يمنحها أساسًا ثابتًا يحفظها من التقلب تبعًا للأهواء والمصالح، ولذلك يرى أن المجتمعات التي تفصل الأخلاق عن بعدها الروحي قد تنجح في سنّ القوانين، لكنها تعجز عن صناعة الضمير، لأن القانون يراقب السلوك الخارجي، أما الأخلاق فتنطلق من أعماق النفس الإنسانية. (المصدر نفسه، ص71–82).

ومن هنا يوجه مطهري نقدًا للحضارة الحديثة التي حققت إنجازات علمية هائلة، لكنها  في رأيه  لم تحقق التوازن نفسه في المجال الأخلاقي، فالتقدم العلمي يمنح الإنسان قدرة أكبر على الفعل، لكنه لا يخبره كيف يستخدم هذه القدرة، والعلم يستطيع أن يصنع أدوات القوة، لكنه لا يستطيع أن يحدد الغاية التي ينبغي أن تُستخدم من أجلها تلك القوة، ولهذا فإن أزمة الإنسان المعاصر ليست أزمة معرفة، بل أزمة حكمة، وليست أزمة تقنية، بل أزمة ضمير. (المصدر نفسه، ص83–92).

إن القيمة الكبرى لهذا الكتاب لا تكمن في كثرة الأمثلة أو تنوع المناقشات الفلسفية، وإنما في نجاح مؤلفه في إعادة الاعتبار إلى السؤال الأخلاقي بوصفه سؤالًا عن الإنسان نفسه، فحين تصبح المنفعة هي المعيار الوحيد، يفقد الإنسان قدرته على التضحية، وحين يصبح القانون بديلًا عن الضمير، تتحول الأخلاق إلى التزام شكلي لا إلى فضيلة حقيقية، أما عندما تستند الأخلاق إلى معرفة الإنسان بنفسه وربه، فإنها تتحول إلى قوة قادرة على بناء الفرد والمجتمع معًا. (المصدر نفسه، ص93–101).

لقد أراد الشهيد الشيخ مرتضى مطهري من خلال فلسفة الأخلاق أن يثبت أن الحضارات لا تُقاس بما تنتجه من عمران فحسب، وإنما بما تنتجه من إنسان، فالإنسان هو غاية الحضارة ووسيلتها في آن واحد، وإذا انهارت منظومته الأخلاقية فلن تستطيع القوة ولا الثروة ولا المعرفة أن تنقذ المجتمع من التفكك، ولهذا يبقى هذا الكتاب، رغم مرور السنوات على تأليفه، واحدًا من أهم الأعمال الفكرية التي تدعو إلى إعادة بناء الأخلاق على أسس فلسفية وروحية متينة، في زمن أصبح فيه الإنسان أحوج ما يكون إلى استعادة المعنى قبل استعادة القوة. (المصدر نفسه، ص102–109).


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.