اليوم، لن أحلّل السياسة، ولن أتوقف عند زحمة الأخبار والضغوط التي تشهدها الساحة العربية والإقليمية. اليوم، سنتحدث عن قضية تتجاوز السياسة إلى جوهر الإنسان: عن ظلم يمسّ حق المرأة أولًا، وحق الإنسان في معتقده وكرامته ثانيًا، وعن مشهد يتكرر بأشكال مختلفة، من أذربيجان إلى غيرها من دول العالم.
كيف يمكن لدولة أن تتحدث عن التعليم والتقدم والحرية، بينما تجد طالبات أنفسهن أمام معادلة قاسية: إما أن تتخلين عن حجابهن، وإما أن يُحرمن من مقاعد الدراسة؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في أذربيجان، حيث أثارت تعديلات جديدة على قواعد اللباس في المدارس الحكومية جدلًا واسعًا، بعد تقارير عن منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول مدارس أو الالتحاق بصفوفهن. والمفارقة أن التعديلات لا تنص صراحة على حظر الحجاب، لكنها تربط قواعد اللباس بمبدأ علمانية التعليم، الأمر الذي فتح الباب أمام تطبيقات تحرم بعض النساء والفتيات من حقهن في التعليم والعمل. (الجزيرة، 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026).
لسنا هنا أمام قطعة قماش فحسب، بل أمام سؤال أكبر: هل يجوز أن يتحول مظهر المرأة إلى حاجز بينها وبين حق أساسي من حقوقها؟
الحجاب ليس نقيضًا للعقل، ولا عائقًا أمام العلم
هل أصبح الحجاب، في نظر بعضهم، غطاءً للعقل بدلًا من أن يكون تعبيرًا عن قناعة دينية وشخصية؟ وهل يُقاس وعي المرأة بقدر ما تكشفه من جسدها، أم بقدرتها على التفكير والتعلم واتخاذ القرار؟
إن اختزال المرأة المحجبة في صورة نمطية، وتصويرها على أنها أقل وعيًا أو استقلالًا، ليس تحررًا من الأحكام المسبقة، بل هو حكم مسبق بحد ذاته.
ومن غير المنطقي أن نرفع شعار تمكين المرأة، ثم نضع أمامها شرطًا يتعلق بمظهرها كي تتمكن من دخول الجامعة أو المدرسة أو ممارسة عملها. فالمرأة التي تختار الحجاب لا تفقد عقلها، ولا تتنازل عن طموحها، ولا تصبح أقل استحقاقًا للفرص من غيرها.
الحرية لا تعني أن نمنح المرأة حق خلع الحجاب، ثم نسلبها حق ارتدائه. الحرية أن نرفض إكراهها في الاتجاهين.
فإذا كان فرض الحجاب على امرأة لا تريده انتهاكًا لحريتها، فإن إجبار امرأة على نزعه رغم تمسكها به يستحق المعيار الأخلاقي نفسه. لا يجوز أن ندافع عن حق المرأة في الاختيار حين يوافق اختياراتنا، ثم ننقلب على هذا الحق حين لا يعجبنا اختيارها.
لماذا يُحترم التراث حين يكون غير إسلامي، ويصبح موضع شبهة حين يكون إسلاميًّا؟
لنتأمل قليلًا في المعايير التي يتعامل بها العالم مع الملابس ذات الدلالات الدينية والثقافية.
أليست السيدة مريم العذراء، التي تحظى بمكانة مقدسة لدى المسيحيين، تُصوَّر في كثير من التقاليد الفنية والدينية بغطاء الرأس؟ ألا ترتدي نساء يهوديات متدينات أغطية للرأس، وتلتزم بعضهن بملابس محتشمة تغطي معظم الجسد؟ ألا تتضمن تقاليد هندية وثقافات أخرى أزياءً وأغطية للرأس تحمل دلالات دينية أو اجتماعية أو تراثية؟
لا يعني ذلك أن جميع هذه الملابس متطابقة في دلالاتها أو أحكامها، بل يعني أن غطاء الرأس ليس اختراعًا إسلاميًّا غريبًّا عن التاريخ الإنساني، ولا يمكن التعامل معه تلقائيًّا باعتباره علامة على التخلف أو الجهل.
فلماذا يُقدَّم لباس بعض الجماعات باعتباره جزءًا من هويتها التي تستحق الاحترام، بينما يُنظر إلى الحجاب الإسلامي، في بعض الخطابات والممارسات، باعتباره مشكلة ينبغي التخلص منها؟
إن العلمانية، إذا أُريد لها أن تكون ضمانة للتعايش، فلا ينبغي أن تتحول إلى أداة لفرض نموذج ثقافي واحد على الجميع. والدولة المحايدة دينيًّا ليست دولة معادية للتدين، بل دولة تضمن حقوق المتدين وغير المتدين على السواء، ما دام الجميع ملتزمين بالقانون وحقوق الآخرين.
والأهم أن الدستور الأذربيجاني نفسه ينص في المادة 25 على المساواة أمام القانون، ويحظر التمييز على أساس الدين، كما تكفل المادة 42 الحق في التعليم، والمادة 48 حرية الضمير والمعتقد. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يمكن التوفيق بين هذه الضمانات الدستورية وأي تطبيق يؤدي عمليًّا إلى حرمان طالبة من التعليم بسبب لباسها الديني؟
ليس المطلوب إلغاء قواعد اللباس المدرسي، بل التأكد من أن هذه القواعد لا تتحول إلى وسيلة للتمييز أو إلى عقوبة تُفرض على فتاة بسبب معتقدها.
من أذربيجان إلى العالم: لماذا تُستباح مشاعر المسلمين بهذه السهولة؟
إن القضية لا تتوقف عند الحجاب، ولا تنحصر في أذربيجان. إنها جزء من سؤال أوسع يتعلق بكيفية التعامل مع المسلمين وحقوقهم ومقدساتهم في عالم يرفع شعارات الحرية والتسامح وحقوق الإنسان.
حين يُساء إلى النبي محمد (ص)، أو يُستهدف القرآن الكريم بالإهانة، أو تُعامل الرموز الإسلامية باستخفاف، يجد المسلمون أنفسهم أمام اختبار متكرر: هل تُحترم حرية المعتقد فعلًا، أم أنها مبدأ يُستدعى حين يخدم اتجاهًا معينًا، ويُهمَّش حين يتعلق الأمر بمعتقدات الآخرين؟
لا يعني الدفاع عن حرية التعبير أن كل إساءة ينبغي أن تُمنع بالقوة، كما لا يعني اختلافنا مع معتقد ما أن من حقنا إذلال أصحابه. فثمة فرق واضح بين نقد الأديان والأفكار، وهو حق ينبغي أن يُناقش ضمن حدوده القانونية والأخلاقية، وبين التحريض على أتباعها أو التمييز ضدهم أو حرمانهم من حقوقهم.
المشكلة ليست في أن يختلف الناس معنا؛ المشكلة أن يصبح اختلافهم معنا مبررًا لسلبنا حقوقنا، أو أن تتحول معتقداتنا إلى هدف مباح للسخرية والإقصاء، بينما يُطلب منا الصمت باسم التسامح.
لكن علينا، في المقابل، أن نسأل أنفسنا بصدق: أين هو التحرك الإسلامي المنظم عندما تتعرض هذه الحقوق للانتهاك؟ لماذا لا يتحول الغضب الذي نشعر به إلى حملات قانونية وإعلامية وحقوقية مستمرة، تتجاوز ردود الفعل العابرة إلى عمل مؤسسي قادر على إحداث تغيير حقيقي؟
إن الدفاع عن المقدسات لا يكون بالصراخ وحده، ولا بالتفاعل الموسمي الذي يخفت بعد أيام. يكون بالتوثيق، والمطالبة بالمحاسبة حيث يتيح القانون ذلك، ودعم المتضررين، ومخاطبة المؤسسات الدولية، وبناء خطاب أخلاقي لا يتناقض مع نفسه.
فالصمت لا يبرر الإساءة، لكنه قد يترك المجال لتكرارها من دون مساءلة. وهذه مسؤولية ينبغي ألا نهرب منها.
حين تتحول المقدسات إلى أدوات في معارك الرأي العام
وهنا نصل إلى مفارقة أخرى لا تقل أهمية: توظيف الدين والمقدسات في الصراعات السياسية والإعلامية.
في خضم التوترات الإقليمية، تتداول منصات إعلامية ومواقع تواصل عناوين وادعاءات تتعلق باستهداف مكة المكرمة أو المدينة المنورة، ومنها ما يُنسب إلى اليمن. ومثل هذه الادعاءات لا يجوز التعامل معها بوصفها حقائق ثابتة قبل التحقق من مصدرها وسياقها وطبيعة الحدث الذي تصفه.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: لماذا تُستحضر المقدسات أحيانًا بهذه الكثافة في الخطاب الإعلامي؟ وكيف تتحول الرموز الدينية إلى وسيلة للتأثير في الرأي العام، واستثارة المشاعر، وإعادة توجيه النقاش بعيدًا عن الوقائع الأساسية؟
من حق الناس أن يغضبوا إذا ثبت الاعتداء على مقدساتهم، لكن ليس من حق أي جهة أن تستغل هذا الغضب عبر معلومات مضللة أو عناوين مبتورة أو توظيف انتقائي للدين.
وهنا يجب أن نفرّق بين أمرين: قدسية المكان في وجدان المؤمن، وصحة الرواية السياسية أو العسكرية التي تُبنى حوله. فالأول حقيقة إيمانية لدى المؤمنين، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة وتحقق مستقل.
وليس من المقبول أن يصبح الدين أداة لإدانة خصم سياسي قبل التثبت من الوقائع، أو أن تُستخدم قدسية مكان ما لحشد العواطف، بينما تُهمَّش معاناة الإنسان وكرامته وحقوقه في أماكن أخرى.
فهل أصبح المطلوب من المسلّم أن يتفاعل مع الحدث وفق حجم الشحنة الدينية التي تُمنح له إعلاميًّا، لا وفق حقيقة ما جرى وعدالة القضية المطروحة؟
وهل يُعقل أن تتحول المقدسات إلى خطوط حمراء تُستحضر عند الحاجة، بينما تصبح كرامة الإنسان وحق المرأة في التعليم وحرية المعتقد مسائل قابلة للتفاوض والتجاهل؟
إن احترام المقدسات لا يتعارض مع احترام الإنسان، ولا يجوز أن يكون أحدهما ذريعة لإهمال الآخر.
هل نريد عالمًا يفرض على الإنسان كيف يلبس، وماذا يعتقد، وكيف يعيش؟
إن أخطر ما في هذه الممارسات أنها لا تكتفي بمصادرة خيار فردي، بل ترسل رسالة إلى فئة كاملة مفادها أن قبولها في المجال العام مشروط بتخليها عن جزء من هويتها.
فإذا كانت المرأة مطالبة بالتخلي عن حجابها كي تتعلم، فما الذي سيُطلب منها غدًا كي تعمل؟ وإذا أصبح التعبير عن التدين سببًا للإقصاء، فما الذي يضمن ألا يمتد الإقصاء إلى أشكال أخرى من الاختلاف؟
وهل أصبح الالتزام بالدين والأخلاق والمبادئ أمرًا يُنظر إليه بوصفه عائقًا أمام الاندماج في المجتمع الحديث؟
لا ينبغي أن نصل إلى عالم يُحتفى فيه بالحرية ما دامت تتخذ الشكل الذي يرضي الأقوى ثقافيًّا وإعلاميًّا، وتُحارب حين تعبّر عن قناعة دينية لا تحظى بالقبول لدى بعض النخب أو المؤسسات.
لسنا مضطرين إلى استحضار نماذج صادمة من الانحلال، أو استغلال النساء كي نثبت هذه المفارقة. يكفي أن نسأل: كيف يمكن لمجتمع أن يرفع شعار حرية الجسد، ثم يعاقب امرأة لأنها اختارت تغطيته؟ وكيف يمكنه أن يتحدث عن احترام التنوع، ثم يضيّق على مظهر ديني يمثل جزءًا من هوية أصحابه؟
إن معيار الحرية ليس أن نسمح للناس بما نحب، بل أن نحمي حقهم فيما نختلف معهم بشأنه، ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.
والمسلمون أيضًا أمام مسؤولية لا يجوز تجاهلها.
إن الدفاع عن حقوق المسلمين لا يكتمل باتهام العالم بازدواجية المعايير، بل يتطلب منا أن نكون أكثر جدية في مواجهة هذه الازدواجية.
علينا أن ندافع عن المحجبات اللواتي يُحرمن من التعليم أو العمل بسبب لباسهن، وأن نساند كل إنسان يتعرض للتمييز بسبب دينه، وأن نطالب بتطبيق القوانين التي تحمي حرية المعتقد والمساواة. وعلينا كذلك ألا نكتفي بإدانة الإساءة إلى مقدساتنا، بل أن نواجه خطاب الكراهية ضد المسلمين، ونوثق الانتهاكات، ونبني تحالفات مع كل من يؤمن بأن كرامة الإنسان لا تتجزأ.
كما أن علينا ألا نقع في الخطأ نفسه الذي ننتقده: فلا يجوز أن نطالب باحترام حجاب المرأة ثم نفرضه على من لا تريده، ولا أن نطالب بحرية المعتقد للمسلمين ثم ننكرها على غيرهم.
فالعدل الذي ندافع عنه لا يكون عدلًا إذا تغيّر بتغيّر هوية الضحية أو المعتدي.
لسنا بحاجة إلى امتيازات خاصة، بل إلى حقوق متساوية. ولسنا بحاجة إلى أن يعتنق العالم معتقداتنا، بل إلى أن يحترم حقنا في اعتناقها وممارستها من دون تمييز.
أخيرًا: الإنسان أولًا، والحرية لا تتجزأ
ما يحدث في قضية الحجاب بأذربيجان ليس مجرد خلاف على الزي المدرسي، بل اختبار حقيقي لمعنى الحرية وحدود سلطة الدولة على خيارات الأفراد. فإذا كانت هناك قواعد للزي، فيجب أن تُطبّق بما ينسجم مع الحق في التعليم والمساواة وحرية الضمير، لا بما يجعل الالتزام الديني سببًا للإقصاء.
وما يحدث في المجال الإعلامي من توظيف للمقدسات يفرض علينا مسؤولية التحقق، ورفض التضليل، وعدم السماح بتحويل الدين إلى أداة انتقائية للتحريض أو الاستقطاب.
إننا نريد عالمًا يحترم فيه الإنسان الإنسان، وتُصان فيه كرامة المرأة، سواء ارتدت الحجاب أم لم ترتده، ويُحترم فيه المؤمن من دون أن يُفرض الإيمان على غيره، وتُحمى فيه حرية المعتقد من دون أن تتحول إلى غطاء للتمييز.
فلا دين يحترم كرامة الإنسان يمكن أن يكون مبررًا لاضطهاده، ولا حرية حقيقية تقوم على انتزاع حرية الآخرين، ولا عدالة تستقيم حين تُقاس الحقوق بهوية أصحابها.
كرامة الإنسان ليست أقل قداسة من أي رمز، وحق الفتاة في التعليم ليس تفصيلًا يمكن التضحية به باسم العلمانية، وحرية المعتقد ليست منحة تمنحها السلطة لمن يرضيها وتسحبها ممن يخالفها.
فأي عالم هذا الذي يطالب المرأة بأن تتحرر، ثم يقرر عنها كيف يجب أن تبدو حريتها؟
وأي عدالة هذه التي تتسع للاختلاف حين يكون مريحًا، وتضيق به حين يتعلق الأمر بمسلم يتمسك بدينه؟
إن الحرية التي لا تحمينا جميعًا ليست حرية، والإنسان الذي لا ندافع عن كرامته إلا حين يشبهنا، لم نكن ندافع عن الإنسانية بقدر ما كنا ندافع عن أنفسنا.
الإنسان أولًا، والكرامة للجميع، والحرية لا تتجزأ.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
