إيمان يحرك المقاومة وحدود السياسة في مشروع الدولة الإسلامية

 

يظلُّ الإيمان بوصفه قناعة راسخة وقوة روحية عميقة، وهو المحرِّك الأساسي لكثير من الحركات والتجمعات البشرية عبر التاريخ، فهو ليس مجرد شعائر، بل هو نظام قيمي متكامل يمنح الحياة معنًى، ويُحدِّد الغاية، ويُشكِّل هوية الفرد والجماعة. من هذا المنبع تستمدُّ المقاومة مشروعيتها المعنوية وقوَّتها النفسية، حيث يتحوَّل الإيمان من حالة وجدانية داخلية إلى إرادة صلبة للتغيير في سبيل المبدأ الذي يؤمنون به، وهنا يبرز دور الإيمان كأداة تعبئة لا تُقهر تمنح الصبر على الشدائد، وتصنع من التحديات سُلَّمًا للصعود.

من الروح إلى الفعل: السياسة كحقل للتجسيد

إنَّ الطاقة الروحية للمقاومة التي يولدها الإيمان تبحث عن حُكمٍ في قناة للتعبير والتجسيد على أرض الواقع، وهنا تدخل السياسة كالحقل الذي لا مفرَّ منه، فإذا كان الإيمان يوفِّر “السبب” والروح، فإنَّ السياسة تقدم “الكيفية” والجسد، وهي علاقة متشابكة ومعقَّدة، فالدين في كثير من التجارب التاريخية لم يكن منفصلًا عن تدبير شؤون المجتمع والسلطة والسياسة بوصفها فنَّ وإدارة وتحقيق المصالح، وتصبح الإطار التي تتحرَّك ضمنه إرادة المقاومة سواءً عبر التنظيم المؤسسي أو صياغة البرامج أو خوض غمار التفاوض والدبلوماسية لكسب الحلفاء، وبذلك تتحوَّل المقاومة من حالة احتجاجية أو رفضية خالصة إلى مشروع سياسي له أهدافه ووسائله ورهاناته.

المقاومة: التجلي العملي لتفاعل الإيمان والسياسة

 تمثل المقاومة التعبير الفعلي عن تفاعل الإيمان مع السياسة في ظلِّ شروط القمع أو التهديد، وهي تأخذ إشكالات عديدة لا تُحصى من المقاومة المسلحة في وجه الاحتلال، إلى المقاومة السلمية والمجتمعية في مواجهة الاستبداد، وصولًا إلى المقاومة الثقافية والفكرية للحفاظ على الهوية، لكنها أساسًا تدور حول الدفاع عن الوجود أو رفض الظلم أو السعي نحو التحرر والكرامة، بينما تمنحها السياسة الحكمة في التكتيك والاستراتيجية.

غير أنّ ثلاثية الإيمان والسياسة والمقاومة، على تداخلها الوثيق، لا تخلو من تناقضات وإشكاليات عميقة، كما تواجه الحركات التي تنطلق من خلفية إيمانية تحديات كبرى في التعامل مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وقبول التعددية الدينية والمذهبية داخلها، واحترام الحريات الفردية ضمن إطار المصلحة الجماعية. فكيف تنتقل هذه الحركات من منطق المقاومة والرفض إلى منطق المشاركة والبناء؟ وكيف تُوفِّق بين ثوابت عقيدتها ومتطلبات إدارة مجتمعٍ متنوع؟

تشهد هذه العلاقة تحوُّلات كبيرة تحت تأثير العولمة والثورة الرقمية، حيث تتشكَّل أنماط جديدة من المقاومة والتعبئة، وتُعاد قراءة النصوص الدينية في ضوء مستجدات العصر قد يؤدِّي هذا إلى استمرار التداخل بين المجالات الثلاثة، أو قد يولِّد أشكالًا جديدة من التكيُّف، أو حتى الفصل بينها. بقي أنَّ فهم أي حركة أو ظاهرة تجمع بين الإيمان والسياسة والمقاومة يقتضي فيها غوصًا عميقًا في سياقها التاريخي والاجتماعي، فالنار التي تُلهِم المقاومة وتُدفئ الإيمان هي نفسها التي يجب التعامل معها بحكمة السياسة لئلا تحرق الجميع.

لذلك يجسِّد المشروع السياسي للدولة الإسلامية في إيران نموذجًا فريدًا ومثيرًا في تداخل حقلي الإيمان والمقاومة ضمن أُطر السياسة، حيث تستمدّ مقوِّماتها الأساسية من عقيدة دينية راسخة، وتُطمح إلى إقامة “نظام الولاية” الذي يعد امتدادًا للفكر السياسي الشيعي المستند إلى مفهوم الإمامة وولاية الفقيه.

في صلب هذا المشروع، يقف خطّ الولاء المطلق لأهل البيت (ع)، حيث ينتج وعيًا سياسيًّا قائمًا على فكرة المظلومية التاريخية، والسعي لإقامة العدل تمهيدًا لظهور الإمام المعصوم. من هذا المنطلق، تُبنى السياسة كتعبير عن “التكليف الشرعي”، وليس مجرد خيار يُترجم هذا فكريًّا عبر اجتهاداتٍ تُقرن بين النص القرآني وروايات أهل البيت، لتُنتج رؤية شاملة للدولة والمجتمع.

تتجلى هنا شخصية وقيادة شهيد الأمة الإمام علي الخامنئي (رض) الذي لم يُنظر إليه بوصفه رئيس دولة تقليدي، بل بصفته “الولي الفقيه” والقائد المُلهَم الجامع بين السلطتين السياسية والروحية، فقد اعتمد المرشد على منهج الاجتهاد في استنباط مواقفه السياسية والاستراتيجية، مستندًا إلى النصوص المقدسة وسيرة الأئمة (ع)، الأمر الذي أضفى على قراراته – في نظر أتباعه – بُعدًا شرعيًّا يتجاوز حدود المصالح الآنية والاعتبارات الظرفية.

وما تشهده اليوم الجمهورية الإسلامية الإيرانية من حالة صمود ومقاومة متقدمة يعكس هذا النهج القيادي، حيث تتجسد قوة الردع في استهداف الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية، في مشهد يُستحضر فيه التصوير القرآني لحال التشتت والاضطراب كما في قوله تعالى عن الخروج من الأجداث، ويقترن ذلك بثبات في القرار السياسي وصلابة في الموقف بما يفرض معادلات جديدة، ويُخضع الخصوم لإرادة هذا النهج.

أما المقاومة فهي الوجه الآخر لهذه العقيدة السياسية. فـ “محور المقاومة” مثل حزب الله الذي تتبنّاه إيران وتدعمه ليس سياسة خارجية ظرفية، بل هو هوية وجودية. إنه امتداد منطقي لفكرة “الجهاد” و”الدفاع عن المستضعفين” المستمدة من السيرة العلوية والحسينية، وترجمة عملية لمبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” على الصعيد الدولي لمقاومة “الاستكبار العالمي” – الذي يُصوَّر كامتداد تاريخي لخصوم أهل البيت – فتصبح بذلك فرضًا عينيًّا، وعلامة على صدق الإيمان، وهذا ما يفسر الثبات الاستثنائي في المواقف رغم الضغوط والعقوبات الدولية القاسية، لأن الاستسلام يُعتبر تراجعًا عن العقيدة نفسها، وليس مجرد خسارة سياسية.

يُمكن فهم ما يجري في الجمهورية الإسلامية كحلقة في سلسلة الصراع التاريخي الطويل، حيث تُحاول الدولة أن تُقيم نموذجًا للحكم هو “دولة الانتظار” تجمع بين إدارة واقع سياسي معقَّد، وبين الحفاظ على الجذوة العقائدية الحارقة التي تنتظر الفجر الموعود. التحديات هنا ضخمة، كيف تُوفّق بين متطلبات إدارة دولة في نظام دولي علماني، وبين الحفاظ على النقاء الأيديولوجي والثوري فيها؟

وكيف يتوجه اقتصاد دولة تحت الحصار في سبيل أهداف جيوسياسية عقائدية؟ وكيف تُحافظ على الولاء الداخلي عبر أجيال لم تعش حماسة الثورة الأولى؟

الثبات الذي تبديه القيادة الإيرانية في هذا السياق هو ثبات على “الهوية”، والأكثر منه ثبات على “موقف” سياسي محدد. إنه إصرار على أن يكون النظام نموذجًا حيًّا لفكرة “الحكومة الإسلامية”، وقادرًا على الصمود في مواجهة ما يصوَّر كحملة تاريخية لاستئصال هذا النموذج من جذوره. لا يقاس النجاح أو الإخفاق في هذه المعادلة فقط بالمكاسب السياسية أو الاقتصادية المادية، بل بقدر الحفاظ على النظام العقائدي المقاوم حيًّا في قلوب أتباعه، وتقديم نفسه بوصفه حصنًا للعقيدة، ودرعًا للأمة في خطّ ولاية أهل البيت (ع).


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

One Comment

  1. د. قحطان الظالمي أبريل 2, 2026 at 3:33 م - Reply

    اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

اترك تعليقًا إلغاء الرد

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.