يمثل الفارابي أحد أعمدة الفكر الفلسفي في الإسلام؛ إذ لم يكتف بالتعريف بفلاسفة اليونان، بل طور أيضًا إرث هؤلاء بما يتناسب مع السياق الثقافي الإسلامي، ومن هنا تكمن أهميته في الجمع بين الفلسفة اليونانية والفكر الإسلامي. كما يكمن إسهامه المبكر في تأسيس فلسفة سياسية إسلامية فصّل مبادئها خاصة في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة”، وفيه بلور مفهوم الرئيس – الفيلسوف الذي يجمع بين الحكمة الفلسفية والقيادة السياسية، وعلى نحو تغدو فيه الفضائل الخلقية أساس السياسة المدنية … ولا شك أن إضافته النوعية تكمن هنا في وضعه لأسس نظرية المعرفة؛ إذ عمل على تطوير علم المنطق الصوري أثناء تدوينه لشروحات على منطق أرسطو، كما بلور نظرية في النبوة في علاقتها بالمخيلة، فضلًا عن تصوره الخاص لدرجات المعرفة التي تجمع على نحو نسقي بين الإدراك الحسي والتجريد العقلي…

هذا الطابع الموسوعي والطريف لفلسفة الفارابي الذي جمع بين النظر والعمل، وبين النظرية المجردة والممارسة الأخلاقية والسياسية … هو الذي بوّأ هذا الاهتمام البارز بفلسفة المعلم الثاني بين الباحثين، سواء كانوا مستشرقين أو عربًا ومسلمين.

ومن أبرز الباحثين الذين اهتموا بفلسفة الفارابي، نذكر المفكر المرحوم الحبيب الفقي، مدرّس الفلسفة الإسلامية في الجامعة التونسية، وصاحب أطروحة حول الأفكار الدينية والفلسفية للإسماعيلية الفاطمية، وله مقال هام حول مسالك المعرفة عند أبي نصر الفارابي المنشور في كتاب دراسات حول الفارابي؛ من إصدار كلية الآداب بصفاقس لسنة 1995. وقد رسم فيه الباحث معالم من نظرية المعرفة لدى المعلم الثاني، من خلال دراسته لدرجات المعرفة من الإدراك الحسي إلى الاتصال بالعقل الفعال، وصولًا إلى التمييز بين المسلك البرهاني والمسلك الإشراقي في تحصيل المعرفة.

يتضمن المقال خمسة عشر صفحة، ويضم معنويًّا ثلاث وحدات أساسية:

  • نقد بعض القراءات الاستشراقية والعربية للفلسفة الإسلامية.
  • درجات المعرفة ومسالكها.
  • نظرية الاتصال بين النبي والفيلسوف.

فما الذي يميز قراءة المفكر الحبيب الفقي للفلسفة الإسلامية عمومًا، ولنظرية المعرفة الفارابية خصوصًا؟ أي ما السبل إلى اكتساب المعرفة وما طبيعتها؟ كيف تكون نظرية الاتصال أساسًا للقول بوحدة الحقيقة والتوفيق بين الفلسفة والملّة؟

  1. نقد بعض القراءات الاستشراقية والعربية للفلسفة الإسلامية

يوجّه الحبيب الفقي منذ البدء نقدًا مزدوجًا للمستشرقين المختصين في الفلسفة الإسلامية ومن اتبع خطاهم من الباحثين العرب. فهؤلاء اعتبروا الفلسفة الإسلامية مجرد ترجمة للفلسفة اليونانية وامتدادًا لها دون مراعاة لخصوصية الثقافة والواقع العربي الإسلامي المستجد، ويلزم عن ذلك أنها خالية من كل أصالة وإبداع لبعدها عن الواقع الفكري والحضاري للأمة الإسلامية، وعدم استجابتها لقضايا المجتمع الجديد.

ونجد أصداء لهذا التوجه المحط من قيمة الفلسفة الإسلامية لدى العديد من المستشرقين. ومن هؤلاء الباحث الهولندي “دي بور” الذي ادعى أن الفلسفة الإسلامية انتقائية تلفيقية أساسها الاقتباس مما ترجم من كتب الإغريق، ومجرى تاريخها أدنى أن يكون فهمًا وتشرّبًا لمعارف السابقين لا ابتكارًا، ولم تتميز تميّزًا يذكر عن الفلسفة التي سبقتها، لا هي افتتحت مشكلات جديدة، ولا هي استقلت بجديد فيما حاولت من معالجة المشاكل الخلقية[1]. ولا غرابة أن يشكك هذا المستشرق وغيره من الباحثين الذين يشاطرونه الرأي في وجود فلسفة إسلامية أصلًا، رسمت خطوات جديدة للفكر تستحق أن نسجلها، إنما يتعلق الأمر “برجال لم يستطيعوا أن يردوا أنفسهم عن التفلسف”[2]. ويكفي حسب هذا التوجه أن ترجع كل فكرة قال بها فلاسفة الإسلام إلى أصلها اليوناني الذي انحدرت منه حتى نتأكد من صحة هذا الحكم.

ينقد المفكر الحبيب الفقي هذه القراءة الدونية، ويعتبر أحكامها جائرة في حق الفلسفة الفلسفة الإسلامية. ويؤكد أكثر مؤرخي تاريخ الفلسفة، بأنه من غير الممكن أن توجد فلسفة مستقلة بذاتها، فالفلسفة اليونانية مثلًا – والتي عدها الاستشراق مرجعًا مستقلًّا للتفكر، لم تنشأ من فراغ، وإنما استمدت العديد من موضوعاتها من الثقافات السابقة، وخاصة الحكمات الهندية والفارسية والسورية والمعارف المصرية القديمة، وقد أقرّ أفلاطون في محاورة طيماوس بأن الحكمة المصرية كانت مصدر إلهام للفلسفة اليونانية، وقد قال هيرودوت: إن اليونانيين تعلموا من البابليين في مجالات الفلك والرياضيات، كما أقر ديوجين اللايرتي في كتابه “حياة الفلاسفة” أن فيثاغورس تأثر بالزرادشتية خلال رحلاته إلى إيران…

ولم يعد خافيًا اليوم أن الخلفية الموجهة لهذا الضرب من الدراسات الاستشراقية هو التعلق بنموذج المركزية الأوروبية التي لا زالت تخترق عديد الكتابات حول الحضارة الإسلامية، وتصور الفلسفة الإسلامية على أنها حلقة وصل بين الإغريق وأوروبا، وأن فلاسفة الإسلام مجرد نقلة للإرث الفلسفي اليوناني. ويلزم عن ذلك الزعم انحدار العقلانية بمجرد انتقالها إلى الفضاء العربي الإسلامي. ووفق عبارة الحبيب الفقي، وربما حضرت عبقرية الفلسفة الإسلامية في ما قامت به من شروح وتعليقات وتوفيقات، وأما ما أضافته فإنه يُعد تنكّبًا عن النهج الفلسفي اليوناني السليم[3]. ويبدو هنا الحديث الذي تناول فيه الباحث مسالك المعرفة عند الفارابي وكأنه رد على هذه الدراسات الاستشراقية التي سلبت الفلسفة الإسلامية كل إسهام وإضافة للمعرفة الإنسانية الكونية، وعلى وجه التدقيق، بقصد إبراز أن المعرفة التي أنتجها الفارابي لم تكن مجرد نظريات متعالية عن سياقها الحضاري والإسلامي، ولا هي مجرد ترديد للغة فلسفية يونانية بلسان عربي، بل هي خلاف ذلك، استجابت لحاجيات الواقع العربي الإسلامي، فعبرت عن بيئته في مختلف مناحيها الفكرية والاعتقادية والسياسية.

ومن أهم العلامات الدالة على أصالة الفلسفة واستجابتها لحاجيات عصرها:

يقول الفارابي، شأن سائر فلاسفة الإسلام، بوحدة الحقيقة، أي إن الحقيقة واحدة وإن تعددت الخطابات التي تعبر عنها، وخاصة الخطاب الفلسفي الذي يصوغها في قول برهاني، والخطاب الديني الذي يعرضها في شكل مجازي ورمزي، فالحقيقة التي استنبطتها الفلسفة في شكل برهاني تعبر عنها الملة في شكل مثالات. وهذا الرأي موجه ضد الآراء الاستشراقية التي تقول: إن فلاسفة الإسلام يقرون بازدواجية الحقيقة؛ واحدة فلسفية، وأخرى دينية تعارضها.

ومن أبرز المستشرقين الذين روجوا لهذه الفكرة “إرنست رينان” الذي بلورها من خلال قراءته لبعض الفلسفات اللاتينية الأوروبية في العصر الوسيط، ونقلها إلى فلاسفة الإسلام، وأيضًا ليو شتروس الذي اعتبر أن الفارابي اعتمد نموذج الحقيقية وفسره على أنه “تقية”، أي إخفاء للحقيقة الفلسفية خلف حقيقة دينية.

ويدحض الحبيب الفقي القول بـ “ازدواجية الحقيقة”، مؤكّدًا في المقابل وحدتها مع القول باختلاف المناهج الموصلة إليها، مثلما نلاحظ ذلك من اختلاف بين مناهج البرهان والجدل والخطابة في التعبير عن الحقيقة لدى ابن رشد. ويمكن القول: “إن ما يعد تعارضًا بين الحقيقتين الفلسفية والدينية، هو في الحقيقة تأويل عقلاني للنصوص الدينية، كما نلحظ ذلك في تأويل الفارابي للوحي، وتأويل ابن رشد للمعاد… ونجد سندًا لرأي باحثنا لدى بعض المستشرقين المنصفين”. مثل أستاذه هنري كربان الذي رفض القول بازدواجية الحقيقة، مؤكدًا أن فلسفة الإشراق – على سبيل المثال – تنأى بنفسها عن التعدد في الحقيقة.

الإيمان بالعقل وقدراته، إذ إن هذه القوة الناطقة في النفس تُدرك ماهيات الأشياء والعلاقات بينها، وهي أساس عملية الإدراك المعقدة. وفي رسالته في “العقل” يبين الفارابي أن “العقل بالقوة” يقال على عدة معان:

“العقل عند الجمهور؛ وهو ما يناسب معنى التعقل، أي جودة الروية في استنباط ما ينبغي أن يؤثر أو يتجنب فعله.

والعقل عند المتكلمين؛ ويعنون به بادئ الرأي المشترك عند الجميع”[4]، وهو في الحقيقة الأفكار أو المبادئ الأساسية التي يتفق عليها الناس في مجتمع ما دون حاجة إلى البرهان، وتمثل أساسًا للتفكير لديهم والحوار المشترك. فبادئ الرأي المشترك يعتمد على المشهورات أو المسلمات، خلافًا للبرهان في الفلسفة، حيث يتم استخدم مقدمات يقينية مبنية على العقل والمنطق. وما يؤاخذ على المتكلمين كونهم يدعون استخدام العقل بالمعنى النظري الاستنباطي الذي ذكره أرسطو في كتابه “البرهان”، ولكنهم في الحقيقة يعملون بشيء آخر.

يتجاوز إيمان الفارابي بالعقل فهم الجمهور والمتكلمين له؛ لأنه يمنحه فعالية أقوى، وينزله ضمن نظرية متكاملة وتراتبية تبدأ من العقل بالقوة، وصولًا إلى “العقل الفعال”، مرورًا بالعقل بالفعل والعقل المستفاد، وضمن هذا المسار يتم اكتساب المعرفة بما هي علم بحقائق الأشياء. ويستبعد هذا الإيمان بالعقل لدى الفارابي القول بالعرفان، سواء في صيغته الصوفية أو الإشراقية، والعرفان مفهوم يرتبط بالمعرفة الكشفية والذوقية التي يحصل عليها السالك من التجربة الباطنية وتزكية النفس، وهو ما نلاحظه لدى المتصوفة الإشراقيين مثل السهروردي والحلاج[5] وغيرهم … وإذا كانت الفلسفة تعتمد على الاستدلال المنطقي، فإن العرفان يعتمد على الكشف الذوقي والإدراك المباشر للحقائق، غير أن ما يميز العرفان هو أنه من جهة معرفة بالأمور الدينية تخصيصًا، وأنه من جهة أخرى معرفة يعتبرها أصحابها أسمى من معرفة المؤمنين البسطاء، وأرقى من معرفة علماء الدين الذين يعتمدون النظر العقلي اللاهوتيون والمتكلمون[6]. ويقيم الحبيب الفقي هنا، حدًّا فاصلًا بين البرهان والعرفان، وبين العقل والغنوص، في فلسفة الفارابي ويرد ضمنيًّا على القراءات العربية المتأثرة بالاستشراق الفلسفي، والتي تؤكّد امتزاج الفلسفة بالتصوف لدى الفارابي، وخاصة لدى إبراهيم مدكور الذي يقر أننا نرى نظرية صوفية امتازت بها الفلسفة الإسلامية على كثير من الفلسفات الأخرى. فالتصوف إذن – قطعة من مذهب الفارابي الفلسفي، لا ظاهرة عرضية كما يزعم كار أدي فوا[7].

التأثير الديني في فلسفة الفارابي: يؤكد الباحث الحبيب الفقي على أهمية هذا التأثير بقصد بيان أن فلسفة الفارابي ليست ترجمة للفلسفة الأفلاطونية المحدثة، وإنما هي متأثرة أكثر بمحيطها الثقافي ومنغرسة في منبتها الفكري والعقائدي، ومستجيبة لحاجات عصرها. ويحرص هنا على إبراز هذا التأثير في أغلب دراساته في الفلسفة الإسلامية، ولا سيما عند دراسته الهامّة حول “الأفكار الدينية والفلسفية للإسماعيلية الفاطمية؛ إذ إنه بالرغم من القرابة بين الأطروحات الإسماعيلية والفكر الهليني والإسكندراني، فإنه ينبغي أولًا وقبل كل شيء، الرجوع إلى الإسلام، إذا أردنا البحث عن تمفصلات هذا الاتجاه الديني والفلسفي”[8].

وقد يكون باحثنا استلهم هذه الفكرة من المستشرق هنري كربان الذي عمل على دحض الأطروحة الاستشراقية الشائعة والقائلة: “إن الفلاسفة والمتصوفة لا يدينون بشيء إلى الإسلام عمومًا، وإلى القرآن على وجه الخصوص. فعلى خلاف ذلك يبدو أن هؤلاء قد وجدوا أنفسهم في هذا الكتاب المقدس أي القرآن، وأن الفلسفة والتصوف ينحدران من ينابيع الإسلام، وتحديدًا انطلاقًا من التأمل الروحي في القرآن”[9].

ووفق تقدير الحبيب الفقي، يتجلى هذا البعد الديني المحدد لتفكير فلاسفة الإسلام إلى حد بعيد في “نظرية النبوة” لدى الفارابي وأهمية التخيل فيها، وعند ابن سينا في إنشائه المعرفة المتعالية بواسطة العقل القدساني، ولدى ابن رشد في سعيه لإقرار الاتصال بين الشريعة والحكمة. ويلاحظ هنا أن هذا الطابع الديني يقوى ويضعف، يقوى مع من تأثروا بالأفلاطونية المحدثة، ويضعف مع من استمدوا فلسفتهم من الأرسطية[10]. والمتأثرون بالتيار الأول هم أساسًا الفارابي وابن سينا والسهْرَوَردي الذين تبنوا نظرية الفيض، أما المتأثرون بالأرسطية القائلة بقدم العالم، فأبرزهم ابن رشد، ومرد هذا التفاوت هو كون الأفلاطونية المحدثة تقول بتصوّر روحاني للإله، وبإمكانية التقرب منه بوسائل روحية وعملية، وهو ما لا يتعارض مع الرؤية الإسلامية، كما أنها تقر بتفوق الروح على الجسد وضرورة تحررها من المادة بقصد العودة إلى أصلها الإلهي، وهذا ما يتناسب أيضًا مع التصور الإسلامي لخلود النفس، في حين أن الأرسطية تعتبر الإله محرّكًا أول تنسب إليه الحركة في العالم، بوصفه قديمًا وليس حادثًا، ودون تدخل مباشر منه. كما تؤكد أن النفس صورة للجسد، إذ إنها بالتالي تندثر بموت الجسد؛ وهو ما لا يتواءم مع الرؤية الإسلامية التي تقول بخلود النفس.

وتأسيسًا على ما سبق، نتبين مع المفكر الحبيب الفقي، أن الفلسفة الإسلامية عمومًا، وفلسفة الفارابي خصوصًا، ليست مجرد نقل للفلسفة اليونانية، بل هي تتوفر على جوانب من الأصالة والإبداع لتفاعلها مع بيئتها الثقافية والاجتماعية، وتأثرها بالبعد الديني، وإيمانها بالعقل وتقديرها له، واعتماده لتأويل النصوص الدينية وتقرير التوافق مع الملة … ولعل نظرية النبوة القائمة على المخيلة لدى الفارابي، خير دليل على هذا التفرد والإبداع الفلسفيِيْن المستجيبين لمطالب العصر وحاجياته المتجددة.

  1. درجات المعرفة ومسالكها عند الفارابي

يصف الحبيب الفقي المسلك الأول للمعرفة لدى الفارابي بكونه عقلانيًّا، لاستناده إلى النظر والتجريد والانتزاع. ولعل هذا ما يفسر تفصيله القول في قوى العقل ومراتبه وأحكامه، وتأليف رسالة تحدد ماهيته وأدواره وعلاقته بالنفس لا ينفصل هذا العقل عن الحواس والأدوات الحسية. ومن البين هنا اختلاف الفارابي عن أفلاطون الذي اعتبر أن المعرفة الحقة لا تتحقق إلا بعد القطع الكلي مع الحواس التي لا تطلعنا إلا على الظن، وفي الآن ذاته تأثره بالأرسطية، وخاصة بالرؤية القرآنية كسائر الفرق الكلامية التي تدعو إلى الأخذ بالحواس والعقل معًا، بقصد المعرفة والاعتبار، كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيفَ خُلقت﴾ (سورة الغاشية، الآية 17). ﴿وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مسئولًا﴾ (سورة الإسراء، الآية 36). ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (سورة السجدة، الآية 9). وتبعًا لذلك، يؤكد الفارابي التكامل بين الإدارك الحسي والتجريد النظري الذي يضطلع به العقل، وأساسه الانتزاع.

يُمثل الإدراك الحسي أدنى درجات اكتساب المعرفة، وتضطلع به الحواس الخمس، أو الحواس الظاهرة، التي تجمع المعلومات الأولية عن العالم الخارجي، مثل رؤية شيء ما، أو سماع صوت… لكن هذه المعرفة تبدو محدودة ولا تكشف عن ماهيات الأشياء.

في مرحلة ثانية، يأتي دور “الحس الباطن”، أو “القوى الباطنة”، وقد صنفها الفارابي في رسالة في النفس على النحو التالي:

  • الحس المشترك؛ وتتمثل مهمته في دمج المعطيات التي تمدنا بها الحواس الخمس.
  • القوة المتخيلة؛ وتقوم بتخزين الصور الحسية وتركيبها.
  • القوة الوهمية؛ تضطلع بإدراك المعاني غير المادية في المحسوسات، مثل إحساس الخوف …..
  • الذاكرة أو القوة الحافظة؛ دورها هو حفظ الصور والمعاني والتجارب واستدعاؤها عند الحاجة.

يتمثل دور الحس الباطن، المتكون من هذه القوى في تحويل المعطيات الخام من الحواس إلى صيغ قابلة للتحليل العقلي، أي التمهيد للتجريد العقلي، فهو يُعد المواد الأولية للعقل النظري لإنتزاع الكليات من الجزئيات. كما ينتج أفكارًا جديدة من خلال تركيب الصور المخزنة لديه كما في الأحلام. ويعبر الحبيب الفقي عن هذا المسار الذي يؤمنه الحس الباطن بقوله: تنتقل التصورات الحسية عبر مجموعة من القوى الباطنة التي هي الحس المشترك والمصوّرة والوهمية والحافظة والمخيلة، فتصبح هذه التصورات أكثر تجريدًا، وأقل مادية، وأقرب إلى التصور العقلي؛ إذ العلائق المادية التي كانت تحدد المحسوس الجزئي أخذت تتلاشي بفعل القوى الباطنة[11]. وهكذا، فإن الحس الباطن هو الحلقة الأساسية بين المحسوس والمعقول.

العقل العملي ويمكن أن تطلق عليه العقل التجريبي، وفق مصطلح ابن خلدون، وهو مرتبط بتجارب الحياة اليومية، ووظيفته استخلاص القواعد العملية من تكرار الوقائع الحسية مثل التعلم بفعل العادة أن النار تحرق. ومن وظائفه، أيضًا، تنظيم السلوك الاجتماعي للأفراد مثل قواعد العدل الاجتماعية. فهذه “القوة العملية هي التي يحوز بها الإنسان الصناعات والمهن، ويميز بين ما يجب أن يُؤثر أو يُجتنب في شيء من الأمور التي فعلها إلينا”[12]. لكن العقل العملي يظل مرتبطًا بالجزئيات دون الكليات، ولكن وفق البرادغم، السائد عصرتذ لا علم إلا بما هو كلي؛ أي إن العلم الحقيقي هو معرفة بالمبادئ العامة المجردة، كالماهيات والعلل … أما الجزئيات التي يتوقف عندها العقل العملي، فلا يمكن أن تكون موضوع علم لأنها متغيرة ونسبية…

إننا لا نصل، وفق الفارابي، إلى العلم الكلي إلا عبر المراحل التالية: الإدراك الحسي، فالتكرار، فالتجريد؛ أي انتزاع الصور أو الماهيات المشتركة، مثل مفهوم الشجرة بما هي جنس لا بما هي فرد، الصور النهائية وهي أساس العلم الكلي.

العقل النظري: ويحيل على طورين: إنساني، ومفارق.

عقل إنساني؛ ويتكون من سلسلة عقول تتمثل في:

– عقل هيولاني: أو عقل بالقوة، وهو قوة من قوى النفس، وتحديدًا هو العقل المستعد لانتزاع ماهيات الموجودات، فهو في طور الكمون ولا يعد منتجًا، ولا يقال: إنه عقل إلا على نحو من المجاز.

– عقل بالفعل: وهو العقل بالقوة وقد دخل طور النشاط العقلي، وبعبارة الفارابي: “هو الذي تحصل فيه المعقولات التي انتزعها عن المواد معقولات بالفعل، وكانت قبل أن تنتزع عن موادها معقولات بالقوة”. فالعقل بالفعل ينتزع صور المحسوسات من مادتها، فتغدو كليات بعد تجريدها من الأشياء الحسية.

– العقل المستفاد: لا ينتقل العقل بالعقل، وفق تقدير الفارابي، إلى عقل مستفاد إلا إذا توفر شرطان: وضوح الفكرة، والإحاطة بكل المعارف أو جلها. فالعقل المستفاد هو العقل بالفعل، وقد حصل على المجردات كلها، فمادته هي المعقولات التي استمدها من العقل بالفعل، ولذلك تكون أكثر إيغالًا في التجريد ومفارقة تمامًا للمادة. كل إنسان استكمل عقله، وتمكن من الحصول على المعقولات كلها، وصار المعقول لديه هو الذي يعقل، وهو الذي أدرك أعلى طور يمكن أن يصله العقل الإنساني، ويكون بذلك أقرب إلى العقل الفعال. ومعنى ذلك أن العقل الإنساني أصبح له بعد آخر، أي إن هذا العقل أصبح لشدة تجوهره وإدراكه للأشياء ووضوح مدركاته شبيهًا بالعقول السماوية[13].

* عقل مفارق للإنسان وهو العقل الفعال: لا يمكن للنشاط العقلي الإنساني القائم على الانتزاع والتجريد، وما يعنيه ذلك من انتقال من القوة إلى الفعل، ومن المحسوس الجزئي المتغير إلى المعقول الكلي الثابت أن يتحقق فعلًا ويدرك المعاني الكلية المحضة البريئة تمامًا عن المادة إلا بتدخل العقل الفعال، وهو العقل العاشر في سلسلة العقول الفلكية السماوية، والعقل المسير لعالمنا وملهم المعارف، و “واهب الصور”، وفي ضوئه بوسع العقل البشري إدراك الصور الكلية للأجسام. ومع ذلك فإن المستشرق دي بور قد بالغ في تهميش كلي لدور العقل البشري لدى الفارابي حين قال: “فالمعرفة الإنسانية لا يحصلها العقل باجتهاده، بل هي تتجلى في صورة هبة من العالم الأعلى”[14]. وعلاقة العقل الإنساني بالعقل الفعال تشبه علاقة نور الشمس ببصر العين، ومنزلة العقل الفعال من الإنسان منزلة الشمس من البصر[15]، وفق عبارة الفارابي، فالإنسان يحتاج بالضرورة إلى الشمس ليضيء نورها صور الموجودات فيتمكن من رؤيتها.

* وفق نظرية الفيض، ومن ناحية أنطولوجية، العقل الفعال واسطة بين الله، أو “العقل الأول”، والعالم السفلي، إذ يفيض عنه العالم، وإليه يرجع وجود العناصر الأربعة والنبات والحيوان والإنسان، فيعمل هذا العقل على منح العالم إمدادات تساعده على الاستمرار، وتحقق أيضًا الخلاص والسعادة للكائنات البشرية المتعقلة داخله.

* أما من ناحية معرفية، فإن “العقل الفعال” هو الذي يمنح العقل الإنساني القدرة على الإدراك، فهو يمده بالمبادئ العقلية، وهو المصدر النهائي لاكتساب المعرفة. إن العقل الفعال يعطي الإنسان أولًا قوة مبدأ به يسعى أو به يقدر على أن يسعى من تلقاء نفسه إلى سائر ما ينبغي عليه من الكمالات[16].

وهكذا، فإن العقل الإنساني غير قادر بطبعه من الخروج من القوة إلى الفعل، فهو في حاجة إلى قوة خارجية مفارقة تنقله من الوجود بالقوة إلى دائرة النشاط العقلي الفعلي، وترتقي به إلى الكمال بفضل إدراك المعاني الكلية والمعاني البريئة عن المواد، والتي هي معقولات روحانية مفارقة.

– وهكذا يكون للاتصال بـ “العقل الفعال” عبر “العقل المستفاد” وظيفة معرفية، وأخرى أخلاقية تتمثل أساسًا في الوصول إلى الكمال وتحصيل السعادة؛ والسعادة هي الخير الأسمى والمطلوب لذاته لا لأشياء أخرى، وكل الفضائل هي أفعال يأتيها الإنسان لينال هذا المطلوب الأسمى. والسعادة وفق عبارة الفارابي: هي “الخير المطلوب لذاته وليست تطلب أصلًا ولا في وقت من الأوقات لينال بها شيء آخر، وليس وراءها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان أعظم منها”. ويحدد ماهيتها على أنها ضرب من النعيم العقلي والخير المحض والتام، وهي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود إلى حيث لا تحتاج في قوامها إلى مادة إلى أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد، وأن تبقى على تلك الحال دائمًا وأبدًا[17].

وتبعًا لذلك، يربط الفارابي بين المعرفة والسعادة بما هي كمال وخير مطلق، باعتبار أن الترقي من الإدراك الحسي إلى التجريد، وصولًا إلى الاتصال بالعقل الفعال هو سبيل السعادة. كما أنه، عمليًّا، من الضروري المداومة أو الاستمرارية في إتيان الأفعال الإرادية والفضائل، يقول الفارابي: “قد يفعل الإنسان الأفعال الجميلة باختياره، لكن في بعض الأشياء وفي بعض الأزمان ولا أيضًا بهذا تنال السعادة، لكن أن يختار الجميل في كل ما يفعله، وفي زمان حياته بأسرها” [18].

لا يختلف منظور الفارابي عن الرؤية الأرسطية التي تجعل السعادة غاية في حد ذاتها، ومشروطة في تحصيلها بالتأمل العقلي والتوسط بين الفضائل. أو ما يطلق عليه الفارابي “الوسط الفاضل”[19]. وهذه السعادة، هي نفسها، كما يرى الفارابي، ما من أجلها يتكون الاجتماع الإنساني ويتعاون الناس في “المدينة الفاضلة”. والاجتماع الذي به يتعاون الناس على نيل السعادة هو الاجتماع الفاضل، والمطلوب من رئيس المدينة الفاضلة هو أن يكون متصلًا بـ “العقل الفعال” بواسطة عقله المستفاد، وأن يقف على كل فعل يمكن أن يُبلغ به السعادة، بل أن تكون له قدرة على الإرشاد إلى السعادة والأعمال التي تقود إليها. وتبعًا لذلك تكون السعادة مرتبطة بالمعرفة، وتكون الأخلاق التي لا غاية لها سوى السعادة هي أساس السياسة العملية، مما يوحي بوجود نسق فلسفي مترابط من دوائر متداخلة تتكون من المعرفة والأخلاق والسياسة.

وفق قراءة الباحث الحبيب الفقي لاكتساب المعرفة وتحصيلها مسلكان:

– المسلك الأول: مسار تصاعدي: يتم فيه الانتقال من الإدراك الحسي، وصولًا إلى العقل بالفعل، وما يتخلله من تجريد وانتزاع للمعاني الكلية بتدخل العقل الفعّال، وهو مسلك عقلاني مجرد.

– أما المسلك الثاني: فهو المسلك الإشراقي… ويكون مع الفيلسوف حين يرتقي في سلم العقول ويكمل معارفه الإنسانية، ويصل إلى درجة العقل المستفاد[20]، فتكون في هذه الحالة علاقة هذا العقل بالعقل الفعال علاقة إشراق تشرق عندئذ المعرفة بواسطة العقل الفعال، فترتسم مباشرة في العقل المستفاد دون تجريد أو انتزاع لأنها معرفة محضة، ولا تحتاج إلى نشاط تجريدي عقلي، وهي معرفة سماوية ليست في مادة ولا تشوبها ملابسات حسية، وهي مشروطة باكتمال مسار المعرفة والاستعداد لتلقي الإمدادات من “العقل الفعال”.

  1. نظرية الاتصال بين النبي والفيلسوف

يُعدّ “العقل الفعّال” مفهومًا أرسطيًّا، وهو مقولة مركزية في فلسفة الفارابي للأدوار الهامة التي يضطلع بها سواء على المستوى الأنطولوجي، أو المعرفي، أو الأخلاقي، وهو الأساس الذي بني عليه الفارابي نظرياته في المعرفة والنبوة والأخلاق والسياسة. ويعدّ من أكثر المفاهيم إثارة للجدل لدى شراح أرسطو، وخاصة بين الإسكندر الأفروديسي (القرن الثاني الميلادي)، وثامسطيوس (القرن الرابع الميلادي)[21]، وقد ألقى اختلاف هذين الشارحين بظلاله على تعدد المدارس في الفلسفة الإسلامية، وخاصة الأفلوطونية المحدثة العربية في المشرق؛ الفارابي … والأرسطية في المغرب؛ ابن رشد…

لم يوضح أرسطو وهو مبتدع هذا المفهوم في كتابه “النفس” طبيعة هذا العقل، مما فتح المجال إلى تعدد التأويلات من بعده، فالأفروديسي قال: إن هذا العقل منفصل عن النفس، وهو مفارق لها، وظيفته هي المساعدة على التجريد الذي يضطلع بها العقل البشري. خلاف ذلك، اعتبر ثامسطيوس أن “العقل الفعال” هو أحد قوى النفس؛ وعليه، فهو محايث للإنسان، ولكنه مرتبط بالعقل الإلهي. إنه شبيه بالشعلة الإلهية في الإنسان. وإذا كان ابن رشد قد نحا تقريبًا حذو هذا الشرح الثامسطيوسي (مع رفضه لفكرة الخلود الفردي وقوله بخلود الجنس البشري)، فإن الفارابي قبله قد تبنّى رؤية الإسكندر الأفروديسي، وتحديدًا القول: إن العقل الفعّال منفصل عن الإنسان، وجعله أحد العقول السماوية العشرة[22].

ولما يبلغ الإنسان، وفق منظور الفارابي، درجة العقل المستفاد؛ وهي أعلى مراتب العقل البشري، يغدو قادرًا على تلقي المعارف اليقينية والمعاني الكلية من العقل الفعّال مباشرة، وعندها يكون الفيلسوف متصلًا به. وهذا الاتصال لا يحمل صفة الاستمرارية والديمومة، بل يحصل في لحظات إشراقية عابرة، وهذا لا يعني أن الاتصال يحمل طابعًا صوفيًّا محضًا، إذ لو كان كذلك لقام على الكشف الباطني والذوق، والحال أنه يقوم على التأمل العقلي المجرد. وقد يختلف هنا الفارابي عن ابن سينا الذي اعتبر أن الاتصال لا يكون عبر الجهد العقلي فحسب، بل ثمة حالات من الوجد الصوفي التي تدرك فيها النفس الحقائق الكلية مباشرة دون وساطة الحواس أو البرهان.

وإذا كان اتصال الفيلسوف بـ “العقل الفعال” على أساس الجهد العقلي المجرد، فإن النبي يتصل به عبر المخيلة، أي دون حاجة إلى برهان أو استدلالات عقلية. وما يميز النبي عن الفيلسوف هو قوة المخيلة، وهي قوة استثنائية تحول الصور العقلية إلى رموز حسية ومثالات؛ كالرؤى والأحكام الشرعية ليبلّغها إلى الناس. وأثناء عملية التبليغ تعود المخيلة إلى طبعها الحسي، ولذلك ورد القرآن في بعض أجزائه في صيغة رموز وصور حسية مراعاة لأفهام الجمهور الذي لا ترتفع مستوياته الإدراكية إلى درجة الاتصال واستيعاب الحقائق المجردة، فـ”قوى إدراكهم العقلية لا تستطيع أن تعمل خارج المادة”[23].

ويرى الحبيب الفقي أن “النبي”، كما تصوّره “الفارابي”، لا يختلف عن “النبي” في المنظور الإسلامي العام[24]؛ أي النبي الأمّي، والذي لا يحتاج إلى مرشد أو معلم… ويرى أن ما يميز النبي عن الفيلسوف أيضًا أن الأول مهيّأٌ منذ الصغر للاتصال بـ “العقل الفعال” الذي يطلق عليه مصطلحات مثل “الأمين”، و “ملك الوحي”، فهو لا يحتاج إلى ترقي في سلم العقول وصولًا إلى “العقل الفعال”؛ أي تلك التجربة العقلية الإنسانية التي يخوضها الفيلسوف. يصل الفيلسوف والنبي إلى نفس الحقيقة، ولكن بطرق مختلفة يدركها الأول في صيغتها العقلية المجردة، في حين يدركها النبي هي نفسها ولكنه يبلغ مثالاتها، أي الحقيقة في شكل صور ورؤى لتناسب عقول العامة، وذلك بفضل قوة التخيل لديه. للنبي قدرة فريدة على التمثيل الرمزي؛ أي ترجمة الحقائق العقلية مثل فكرة العدل والألوهية… إلى تشريعات عملية (الصلاة، الزكاة…). وقصص رمزية وأوامر ونواهي تنظم المجتمع، وكان الوحي هنا تعبير عقلي عن حقائق رمزية، وفق الفارابي. يقول في هذا السياق: ومبادئ الموجودات ومراتبها والسعادة ورئاسة المدينة الفاضلة إما أن يتصورها الإنسان ويعقلها، وإما أن يتخيلها؛ وتصوّرها هو أن ترتسم في نفس الإنسان ذواتها كما هي موجودة في الحقيقة، وتخيلها هو أن ترتسم في نفس الإنسان خيالاتها ومثالاتها وأمور تحاكي (…)[25].

وما يبرر هذا التوجه نحو التمثيل الرمزي، وفق تقدير الفارابي، هو التواصل مع الجمهور الذي لا يقدر على استيعاب المعرفة المجردة، ولغرض جعل الوحي ملزمًا لهؤلاء من خلال صور رمزية، كالمعاد وخاصة لتحقيق الهدف السياسي للمدينة الفاضلة؛ إذ يجب أن تكون الحقائق معبّرًا عنها بصور عملية؛ إذ إن “الجمهور لما عسر عليهم تفهم هذه الأشياء أنفسها، وعلى ما هي عليه من الوجود، التمس تعليمهم لها بوجوه أخر، وتلك هي وجوه المحاكاة”[26].

وإذا تحقق شرط الاتصال بالعقل الفعال، تسنّى لنا الحديث عن الدور السياسي للحاكم، فهو الرئيس الأول والإمام. يقول الفارابي: “فهذا هو الرئيس الذي لا يرأسه إنسان آخر أصلًا، وهو الإمام والرئيس الأول للمدينة الفاضلة، ورئيس الأمة الفاضلة، ورئيس المعمورة من الأرض كلها، ولا يمكن أن تصير هذه الحال إلا إذا اجتمعت فيه بالطبع اثنتا عشرة خصلة قد فطر عليها[27]. إن الرئيس الأول هو الذي استكملت فيه الإنسانية وتحققت فيه جميع الشروط، وهو الذي يُدرك السعادة القصوى، ويدركها غيره بواسطته.

وتكمن الحالة المثالية للحاكم في صيغة النبي الفيلسوف، هو نبي لأنه يتلقى الوحي عبر المخيلة، وهو فيلسوف لأنه يفهم الحقائق بواسطة العقل البرهاني. وبلغة الفارابي: “فيكون ما يفيض من الله عز وجل، يوحي إلى العقل الفعال يفيضه العقل الفعّال إلى عقله المنفعل بتوسط العقل المستفاد، ثم إلى قوته المتخيله فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل، حكيمًا فيلسوفًا ومتعقّلًا على التمام، وبما يفيض منه إلى قوته المتخيلة نبيًّا منذرًا بما سيكون، ومخبرًا بما هو الآن من الجزئيات”[28].

وإذا غاب النبي يجب أن يحكم الفيلسوف، إذ لديه المقدرة على تقليد النبوة عبر الفلسفة، بيد أنه أقل كمالًا منه، لأنه لا يملك قدرة التخيل النبوى التي تسمح له بتحويل الحقائق المجردة إلى صور، أي التبليغ والتشريع. وعليه، فإن النبوة تخلق هنا الالتزام الأخلاقي والديني القوي لدى الجمهور، وتفرض الطاعة وتحقق الاندماج الاجتماعي المطلوب في صلب المجتمع.

انطلاقًا من نظرية الاتصال بالعقل الفعّال، عمل الفارابي على بلورة نظرية في التوفيق بين الفلسفة والشريعة، أو “الملة”. فالملة الفاضلة، كما يقول الفارابي، هي التي تتفق آراؤها مع الفلسفة الحقة، ذلك أن: الفلسفة هي التي تعطي براهين ما تحتوي عليه الملة الفاضلة. فإذن، المهنة الملكية التي عنها تلتئم الملة الفاضلة هي تحت الفلسفة[29].. وما يبرر ذلك أن الفلسفة والملة تنبثقان من مصدر واحد هو الله، أو الواحد عبر العقل الفعال. فتكون الحقيقة ضرورة واحدة سواء تم إدراكها بواسطة البرهان العقلي (الفلسفة)، أو بواسطة الوحي الإلهي (الملة) أو الدين، يعبر عنها الفيلسوف عبر مبادئ مجردة، ويعبّر عنها النبي بواسطة الرموز والمثالات التي تحاكي الحقائق، والنبي صاحب شريعة؛ أي يشرّع القوانين. أما الفيلسوف فيفسرها ويؤولها عقليًّا. يقول الحبيب الفقي: “وفي هذا المستوى الأخير، يكون الفيلسوف والنبي في مرحلة واحدة”، يحقق كل واحد منهما السعادة نفسها بطريقتين مختلفتين في آلية الاتصال، كما ذكرنا سابقًا.

خاتمة

(1) تبين من خلال هذا المقال للباحث المرحوم الحبيب الفقي أن الفلسفة الإسلامية ليست مجرد ترجمة للفلسفة اليونانية وامتدادًا لها، خلافًا لما يروج له بعض المستشرقين، ومن حذا حذوههم من الدارسين العرب كادعاء إرنست رينان أن الفلسفة الإسلامية ليست سوى نسخة منقولة عن أرسطو، أو عن الأفلاطونية المحدثة كما زعم بيار دوهيم.

وخير عيّنة عن هذه الأصالة، نظرية المعرفة لدى الفارابي التي تجسد خصوصية الفكر الفلسفي العربي الإسلامي الذي استطاع أن يطور رؤية متكاملة تتجاوز مجرد النقل عن التراث اليوناني. لقد استلهم الفارابي بعض العناصر من هذا التراث، كنظرية العقول والفيض … ولكنه طورها وقدم إسهامًا طريفًا تمثل في تصوره المتميز لعديد القضايا التي استجابت لحاجات عصره، وتفاعلت مع محيطه الثقافي، مثل وضعه لنظرية النبوة، بما هي نوع من الكمال المعرفي، والمخيلة، والتوفيق بين الفلسفة والملة، والحاكم النبي – والحاكم الفيلسوف … فهذه النظرية وليدة البيئة التي نشأت فيها، وهي بيئة دينية بالأساس. لذلك يؤكد باحثنا على التأثير الديني على هذه الفلسفة، دون إهمال المشكلات الفلسفية الكبرى التي انشغلت بها كنظرية الوجود وعلاقة الواحد بالمتعدد، وعلاقة النظر بالعمل، والمعرفة بالوجود …

(2) تمثل نظرية المعرفة الفارابية أحد معالم الإضافة في الفكر الفلسفي الإسلامي؛ لأنها في بنيتها تطرح مسلكين لاكتساب المعرفة: مسلك عقلاني تجريدي ينطلق من الإدراك الحسي إلى العقل بالفعل، ومسلك إشراقي يُحيل على اتصال العقل المستفاد بالعقل الفعال. أما في ما يخص ما تطرحه من مآلات وتبعات عملية، وهذا هو الأهم في الإسهام، فإنه وانطلاقًا من هذا الاتصال – أبدع الفارابي نظريته في النبوة والمدينة الفاضلة، وإجمالًا في العلاقة بين الفلسفة والملة، فالنبي والفيلسوف يتصلان بنفس المصدر، أي بالعقل الفعال، وإن كان ذلك بقوى مختلفة، وهذا ما يؤول بنا إلى أطروحة “وحدة الحقيقة” باعتبار وحدة المصدر: فالفيلسوف يتصوّر الحقيقة نظريًّا، ويتخيلها المؤمن رمزيًّا.

وقد دافع باحثنا عن هذه الأطروحة في مواجهته لبعض المستشرقين الذين أقروا بازدواجية الحقيقة، وخاصة ليو شتروس الذي اعتبر أن الفارابي قال بحقيقتين: واحدة باطنية خاصة به، والأخرى منسجمة مع أفهام العوام ومباينة للأولى، والضمني في هذا الإقرار الاستشراقي هو القول بأن الفارابي لم يكن فيلسوفًا مجتهدًا، بل ظل متعلقًا بأهداب الاتجاه الباطني العرفاني تمامًا مثل بعض الحركات الصوفية الإشراقية والشيعية – الباطنية…

(3) تكمن أصالة نظرية المعرفة الفارابية في هذا الجمع الطريف بين العمق النظري درجات المعرفة والغاية العملية (المدينة). فالمعرفة التي وقع اكتسابها عبر مسلكي التجريد التصاعدي والإشراق النازل أو الفائض، ليست فكرًا مجردًا متعاليًا، بل هي سعي نحو الكمال الإنساني فرديًّا واجتماعيًّا، أي تحصيل السعادة بما هي أعظم الخيرات واستكمال إنسانية الإنسان، وباعتبارها أيضًا زوالًا للشر في الاجتماع الإنساني، وخاصة في “المدينة”، كما يؤكد ذلك في كتابه الملة. وتبعًا لذلك، يؤسس هذا التوجه في التفكير الارتباط عضوي بين المعرفة والسعادة والسياسة العملية ضمن نسق فكري مترابط.

وربما كان هدف الأستاذ الحبيب الفقي هو حث القارئ على تأمل هذه النسقية المبدعة، لأبرع ثاني معلم، في تعقل الوضع الإنساني في مجموعه وفي مختلف أبعاده.

(4) لم تكن معالجة باحثنا لنظرية المعرفة الفارابية مجرد تأليف أكاديمي يبغي من ورائه غايات معرفية ومؤسسية بحتة، بل كان أيضًا تعبيرًا عن كفاح على صعيد الممارسة الفكرية في مواجهة بعض المستشرقين الموجهين بخلفيات متحيزة عرقيًّا وحضاريًّا، وإن كان من الجدير بنا هنا الاعتراف بوجود مستشرقين جديين”، بعبارة “هشام جعيط”، درسوا الفلسفة والتاريخ والحضارة الإسلامية، بشيء من الإنصاف مثل أستاذه هنري كربان، ولوي ماسينيون، وهاملتون جيب … وحتى المفكر المسلم، له هناته ونقاط ضعفه. وقد استدعى الكفاح الفكري للحبيب الفقي الكشف عن هذه المغالطات الاستشراقية، وما انطوت عليه من تهميش لرواد الفلسفة الإسلامية، في مقابل تعظيم للإرث الفلسفي اليوناني ومرجعيته النموذجية الفائقة.

ولا شك أن لباحثنا المرحوم الحبيب الفقي وعي مبكر بأصالة الفلسفة والفكر الإسلامي (منذ إعداده لأطروحته الجامعية حول الفاطمية الإسماعيلية) حمله على مواجهة ادعاءات بعض المستشرقين المدفوعة بأشكال متعددة من التحيّز. ونأمل أن يواصل طلبته وقراؤه هذا التوجه المحمود المنتزع لأوهام التفوق العرقي الثقافي الغربي، دون انغلاق على الذات والوقوع في أسر الانبهار السلبي بمنجزات التراث.

[1] – دي بور (ت. ج)، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، بيروت، دار النهضة العربية، الطبعة3، 1981، الصفحة 50.

[2]  المصدر نفسه، الصفحة 51.

[3] -الفقي (الحبيب) المعرفة ومسالكها عند الفارابي، ضمن الكتاب الجماعي، دراسات حول الفارابي، صفاقس تونس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1995، الصفحة 72.

[4] – الفارابي، أبو نصر، رسالة في العقل، تحقيق الأب بويج، بيروت، المطبعة الكاثوليكية، 1938، الصفحة 36.

[5] – انظر، قراءة المسرحي التونسي، عز الدين المدني، في الفكر الحلاجي، ضمن: تجربة بحث مسرحي في الشخصية الجماعية والمصير، عبارة (محمد)، الحلاج في مسرح عز الدين المدني في الكتاب التذكاري، تونس، منتدى التفكير في الحراك العربي والعالمي، 2025.

[6] – الجابري (محمد عابد)، القسم الثاني العرفان، بنية العقل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة2، 1987، الصفحة 253.

[7] – مدكور، إبراهيم، في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، القاهرة، دار المعارف، الطبعة 2، دون تاريخ، الصفحة 35.

[8] Feki Habib, Les idées religieuses et philosophiques de l’ismaélisme Fatimide, Publications de l’université de Tunis, 1978, p.303.

[9] – گربان (هنري)، تاريخ الفلسفة في الإسلام، تاريخ الفلسفة الإسلامية، بيروت، دار عويدات، الطبعة 2، 1998، الصفحة 38.

[10] – الفقي (الحبيب)، المعرفة ومسالكها لدى الفارابي، مصدر سابق، الصفحة 73.

[11] -الفقي (الحبيب) المعرفة ومسالكها، مصدر سابق. الصفحة 74.

[12] – الفارابي، نقلًا عن الحبيب الفقي، مصدر نفسه، الصفحة 75.

[13] – الفقي (الحبيب)، مصدر سابق، الصفحة 76.

[14] – دي بور، تاريخ الفلسفة الإسلام، مصدر سابق، الصفحة 216.

[15]– الفارابي، السياسة المدينة، تحقيق فوزي ميتري نجار، بيروت، المطبعة الكاثوليكية، الطبعة 1، 1968، الصفحة 35.

[16] – أبو نصر الفارابي، نقلًا عن الحبيب الفقي، مصدر سابق، الصفحة 79.

[17] – أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، الفصل 23، تقديم ألبير نصري نادر، بيروت، دار المشرق، 2000، الصفحة 105.

[18] – الفارابي، التنبيه على سبيل تحصيل السعادة. وفي الحقيقة يبدو هذا الفارابي متأثرًا بالنظرية الأرسطية في السعادة إلى حد بعيد، فقد عبّر عن هذا المعنى ذاته أرسطو بقوله: إن هذه الشروط يجب أن تتحقق طوال حياة تامة بأسرها، الأخلاق، ترجمة إسحاق بن حنين، تحقيق عبد الرحمان بدوي،  الكويت، وكالة المطبوعات، 1979، المقالة الثانية، الصفحتان 11-12.

[19] – الفارابي: التنبيه على سبيل السعادة، والوسط الفاضل كما حدده أرسطو هو التوسط في الأفعال، وهو يمكن بين رذيلتين، إحداهما إفراط والأخرى تفريط، كالشجاعة هي فضيلة تتوسط رذيلتين: الجبن وهو تفريط، والتهور وهو إفراط …. يقول الفارابي: وكما أن الأمور التي بها تحصل الصحة إنما تحصل بها متى كانت تلك الأمور بحالة توسّط، كذلك الأفعال التي تحصل الخلق الجميل إنما تحصله متى كانت أيضا بحالة توسط، رسالة التنبيه على سبيل تحصيل السعادة، تحقيق سحبان خليفات، الجامعة الأردنية عمان، كلية الآداب، 1987، الصفحة 194.

[20] – الفقي (الحبيب)، المعرفة ومسالكها عند الفارابي، مصدر سابق، الصفحة 83.

[21] – ثامسطيوس (317) – (390) من كبار شراح مقولة “العقل الفعال” لأرسطو، تفسيره مختلف عما ذهب إليه قبله الشارح الإسكندر الأفروديسي.

[22] – تبدو هنا فكرة الفيض الأفلوطينية غريبة عن شروح الإسكندر الأفروديسي.

[23] – الحبيب، المعرفة ومسالكها، مصدر سابق، الصفحة 84.

[24] -الفارابي، الملة، مصدر سابق، وخاصة فصل من الأسئلة اللامعة والأجوبة الجامعة، الصفحة 108.

[25] – الفارابي، السياسة المدنية، مصدر سابق، الصفحة 85.

[26]  – المصدر نفسه، الصفحة 86.

[27] – الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سابق، الصفحة 127.

[28] – الفارابي، مصدر سابق، الصفحة 125.

[29] – الفارابي (أبو نصر)، كتاب الملة: تحقيق محسن مهدي، بيروت، دار المشرق، الطبعة 2، 1991، الصفحة 47.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.