بين أيدي هذا العمل الجماعي

بمناسبة الحديث عن الأستاذ الحبيب الفقي ومنجزاته العلمية والتربوية بالجامعة التونسية، أود أن أعبر عن فرحي الشديد وتأثري العميق لهذه المبادرة العلمية والإنسانية التي أراد بها منتدى التفكير في الحراك العربي والعالمي أن تخلّد ذكرى رجال رحلوا عن دنيانا بعدما تركوا لنا فيها أجمل الأعمال والذكريات. فأنا أحد طلاب كلية الآداب بتونس – فرع منوبة[1]، بقسم الفلسفة منذ سنة 1982/1981، قبل انتقالي إلى الفرع الرئيس بشارع 9 أفريل. وقد درّسني أساتذة أجلاء في اختصاص الفلسفة الإسلامية، تركوا بصمة حيّة في شخصيتي العلمية والذاتية. ومنهم أستاذي الحبيب الفقي، الذي أحسن تأطيري في شهادة الكفاءة في البحث، والتي كان عنوان مذكرتها: “العقل العملي من خلال كتاب ميزان العمل للغزالي”. وهو أول عمل علمي لي في حياتي الأكاديمية. وأذكر منهم الأستاذ محجوب بن ميلاد المولود سنة 1916 بمنزل جميل، المعروف بدعوته إلى التعليم الحديث، والذي التحق بكلية الآداب بتونس لتدريس الفلسفة باللغة العربية، بعدما كانت تدرس باللغة الفرنسية فقط؛ ومن أهم مؤلفاته أذكر له كتاب تحريك السواكن. ومن هؤلاء الأساتذة الأستاذ عبد المجيد الغنوشي. وأذكر له بعض الدراسات المنشورة في مجلة حوليات الجامعة التونسية، مثل دراسته: “إثبات الإنية والغيرية عند ديكارت وبعض فلاسفة الإسلام”، حوليات الجامعة التونسية، العدد 13، 1 يناير (1976)، ومقالة في قوى النفس لابن رشد، مخطوطة حوليات الجامعة التونسية، العدد 8، 1 يناير (1971).

ومن هؤلاء الأساتذة أيضًا الأستاذ مقداد عرفة منسية، وقد عُيّن مشرفًا على قسم الدراسات الإسلامية في المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بتونس؛ وله منشورات عديدة. ولا يزال نشيطًا في فكره واجتهاده إلى ساعتنا هذه.

  1. 2. صلتي بأستاذي الحبيب الفقي

أخذت الفلسفة الإسلامية عن أساتذة كبار، ولكن صلتي بالأستاذ الحبيب الفقي كانت خاصة ومتميزة. ولا يمكن أن أنسى رفقته الطيبة أثناء إنجاز مذكرة شهادة الكفاءة في البحث، وهو يعلمني مبادئ البحث العلمي والكتابة العلمية. فقد كنت أمتطي القطار، من صفاقس إلى العاصمة، فأصل إلى بيته نحو الساعة السادسة صباحًا، فيستقبلني بحفاوة، ونبقى نتحاور في شأن البحث وخصوصيات الفلسفة الإسلامية وتفردها، ونحن نشرب قهوة الصباح، لساعات طويلة.

الدكتور الحبيب الفقي (رحمه الله) الذي درسنا على يديه سنوات طوالًا، واستفدنا من علمه وتواضعه وخلقه وزرع فينا حبًّا كبيرًا لذواتنا العربية والإسلامية وتاريخنا… وخاصة حبًّا مخصوصًا وعميقًا للإنسانية التي تسكننا، مذكّرًا إيانا دومًا بأن الإسلام دين العالمين، وأن اختلاف الأمم ليس إلا تنوّعًا طبيعيًّا لتستقيم الحياة على الأرض، في سياق فلسفة التعارف القرآنية، بعيدين عن جميع أشكال الصراع والتباغض. كان ذا عقل كبير وقلب جميل، إذ علمنا أن طلب التفلسف ترجمة لحب الإنسانية التي أودعها الله فينا.

ولا يمكن أن أنسى تدريسه لي في المرحلة الثالثة من دراساتي الجامعية، بعد حصولي على شهادة الكفاءة في البحث، كتاب راحة العقل للكرماني، أحد فلاسفة الفكر الإسماعيلي العظماء. فبهذه الدراسة فتح أمامي أبوابًا واسعة للبحث والنظر في الفكر الإسلامي عمومًا، وفي طبيعة الإسلام، ذاته، خصوصًا.

ولم يكن هذا اكتشافًا جديدًا عندي عنه، بقدر ما كان تعميقًا لدراسات ومحاضرات كنت قد تلقيتها عنه طيلة دراستي الفلسفية بالجامعة، كشفت لي عن شخصية استثنائية تحمل بعدًا إنسانيًّا راقيًا وعمقًا علميًّا خاصًّا. فقد كانت موسوعيته جذّابة، لمزيد النظر والبحث، وطرح السؤال، وإعادة التفكير في المسلّمات وتنويع مصادر البحث والنظر شرقًا وغربًا. ذلك لأنه كان مؤمنًا بأن الإسلام لا يمكن أن نقترب منه إلا من زاويتين إثنتين، هما سعة النظر العقلي، وعمق الرحلة الروحية.

وقد تركت في تجربتي معه أبعادًا لا زالت تسكنني إلى اليوم وأنا أكتب عن كتاباته وفلسفته، بعد رحيله عنا، (رحمه الله).

إن تخصيص كتاب تكريمي عن الدكتور الحبيب الفقي أمر مهم جدًّا، لأسباب عديدة، أهمها الاعتراف بالأساتذة الكبار الذين بنوا الجامعة التونسية، وساهموا في بناء العلم فيها وتعليم أجيال عديدة، كنت أنا أحد المستفيدين منها. وقد كان “سي الحبيب الفقي”، كما كنا نسميه بيننا، نحن الطلبة وقتها، أحد أعمدة هذه الجامعة، أستاذًا للفلسفة الإسلامية، متميّزًا في فكره ومنهجه، ورئيسًا لقسم الفلسفة أيضًا إلى حين تقاعده، إلى جانب تأطيره لعدد كبير من خريجي الجامعة التونسية في قسم الفلسفة. والأهم من كل هذا الروح العلمية التي كانت تسكن روحه الدينية. وهو اجتماع نادر في زماننا هذا.

فقد يكون التعريف بأستاذنا الجليل دعوة للأجيال الجديدة للتعرف على رجالات بلدهم وأفكارهم وأعمالهم، لنسير على نهجهم، ونصنع ونبدع بدورنا أيضًا، لأن كل إبداعنا الذي نقوم به ليس إلا نتاج إبداعهم ونبل عطائهم فينا فوراء كل علم أحببناه أستاذ أحببناه. رحم الله أستاذنا الجليل الدكتور الحبيب الفقي!

  1. هامية الحبيب الفقي

إن اهتمام الحبيب الفقي بالفلسفة الإسلامية الإسماعيلية في جل بحوثه الأكاديمية ومحاضراته مع طلابه في الجامعة التونسية، إلى جانب اهتمامات أخرى، يوضح صعوبة المهمة التي التزم بها. وهي مهمة علمية عسيرة، رغم أنه لا ينتمي إلى الحموية الإسماعيلية، فكريًّا واجتماعيًّا، الأمر الذي يؤكد أن اهتمامه اتسم بالعلمية والموضوعية والشغف الاختصاصي، معتمدًا على وثائق أصلية لم تنشر بعد، بحث عنها، وحققها، واستعملها، وأخرج معلوماتها للنور.

ولكن ضخامة الأعمال العلمية والمهام البحثية للأستاذ الحبيب الفقي، رغم ندرة المختصين فيها بالمغرب الكبير، ورغم أهميتها الأكاديمية القصوى، لا نجد لها صدى في جامعاتنا، ولا نجد ذكرًا، ولا تكريمًا لصاحبها، ولا تسمية لأحد أروقة جامعاتنا أو مدرجاتها باسمه، وكأنه نكرة لم تعرفه الجامعة التونسية يومًا، ولم يرأس قسم الفلسفة فيها حينًا من الدهر.

وفي السياق نفسه، ورغم ندرة ذكر أستاذنا في جامعتنا التونسية والعربية، إلى حد الانعدام، نجد جهات غربية مهمة أولت لأستاذنا اهتمامًا خاصًّا. فعلى سبيل المثال، يمكن أن نذكر منصة برسيه[2]، وقد أولت هذه المنصة اهتمامًا خاصًّا بأعمال أستاذنا الدكتور الحبيب الفقي وعرفت بأعماله، بل ونشرت تعليقات مهمة، نذكر منها تعليقات الأستاذ إيف ماركت على كتاب الأفكار الدينية والفلسفية للفاطمية الإسماعيلية؛ أي أطروحة الدكتوراه التي قدمها أستاذنا تحت إشراف الأستاذ روجيه أرنلداز [3]. فقد كتب الأستاذ إيف ماركت عن أطروحة أستاذنا الحبيب الفقي نقدًا لها فكرًا ومنهجًا. قال إيف ماركت: تبدو هذه الدراسة مفيدة بالنسبة إلي، بسبب الحجم الكبير من الوثائق المستخدمة ومع ذلك، استبعدت منه أي وثائق نزارية. وأعتبر الفصول المتعلقة بمعلومات تنظيم الدعوة هي التي أثارت اهتمامي، وعلى الأخص الفصل الرابع والخامس والسادس الدعوة الإسماعيلية، والإمامة، والنبوة، والوصية”[4].

المقال التأطيري

الفلسفة الإسماعيلية في رؤية المفكر الحبيب الفقي

د. نور الدين السافي

 )باحث في الفلسفة الإسلامية(

  1. لماذا الحبيب الفقي؟

الناظر في الفلسفة الإسلامية والمهتم بمدارسها وتوجهاتها وإشكالاتها وخصوصية مفاهيمها وطروحاتها يدرك مدى الاتساع والتشعب الذي تحتوي عليه، ويستشعر طبيعة الصعوبات الفكرية التي تواجهه والخصوصيات الفكرية والفلسفية والدينية التي تخوضها. وهذا أمر لا شك فيه عند الناظرين المدركين ضرورة الانتباه العلمي إلى هذا الأمر الذي يخص المسلمين أولًا بجميع السنتهم وإن كان اللسان العربي هو الذي يجمعهم. وهو يخص أيضًا غير المسلمين من المفكرين والفلاسفة عمومًا، بجميع توجهاتهم الفكرية والدينية.

ولا شك أن الباحثين في هذا المجال يلاحظون مدى دقة اهتمام الغربيين بالفكر الإسلامي وعلمائه وفلاسفته في مختلف وجوهه وإنتاجاته. ولعل المهتمين بأعمال المستشرقين يعلمون الكثير من كتاباتهم التي تجسم هذا الاهتمام، سواء تعلق الأمر ببحوثهم التاريخية والتوثيقية أو بحوثهم التأويلية.

وإذا كشفت بعض هذه البحوث عن تطرف بعض المستشرقين التي كشف التاريخ علاقتهم بالتبشير المسيحي أو بالاستعمار والتوجهات الإمبريالية الغربية الحديثة والمعاصرة، فإن العديد من البحوث الاستشراقية الأخرى خدمت الفكر الإسلامي خدمات جليلة لا نجدها حتى عند الباحثين المسلمين أنفسهم، سواء من حيث تحقيق المخطوطات الإسلامية ونشرها، أو من حيث الدراسات الكبرى والموسوعات الضخمة التي ألفوها، لتحليل هذا الفكر والتعريف به وإظهار دور المسلمين في بناء الحضارة العالمية.

وإذا خصصنا الحديث داخل مجال الفكر الفلسفي الإسلامي، فإن ذلك يعود إلى خصوصية هذه الدراسة التي تريد الكشف عن بعض جوانب الفكر الإسلامي التي ندر أن نجد لها مثيلًا.

وهذا ليس بالأمر العجيب، فقد اهتم أستاذنا بمدرسة فلسفية كبيرة بسبب ندرة الاهتمام بها لندرة انتشار كتاباتها أكاديميًّا وندرة العقول المهتمة بها. وقد تعود هذه الندرة إلى أسباب طائفية ضيقة ومنغلقة لا ترى في الآخر إلا مخالفًا ضالًّا في أفضل الأحوال، هذا إن لم تحكم عليه بالكفر والردة عن الإسلام، فلا يخفى على أحد ما تعيشه أمة الإسلام منذ الأمس وإلى الآن من هذا المرض العضال الذي مزّق الأمة ولا يزال. فكل فرقة منهم تزعم أنها الناجية، وكل حزب بما لديهم فرحون.

  1. الحبيب الفقي والدارسون الغربيون للفلسفة الإسلامية

اهتم الأستاذ الحبيب الفقي في أغلب دراساته الأكاديمية والتعليمية بالمدرسة الإسماعيلية وفلسفتها اهتمامًا بالغًا، وخاصة في مراحل دراسته البحثية التي جمعته بأبرز عقول الفلسفة الإسلامية في العالم الغربي وفرنسا بالخصوص وقتها. ونخص بالذكر منهم المستشرق هنري كربان الذي رافقه أستاذنا الحبيب الفقي طويلًا؛ والمستشرق روجيه أرنلداز الذي قاد بحث أستاذنا الأكبر والأهم وهو كتابه “الأفكار الدينية والفلسفية للإسماعيلية الفاطمية التنظيم والمذهب”. منشورات جامعة تونس 1987؛ ودون أن نغفل عن كتابه: “التأويل أسسه ومعانيه في المذهب الإسماعيلي: (1) القاضي النعمان”[5].

وقد أكد هنري كربان ضمن “مطولات كثيرة ربعة[6] الجنس الحكمي الإسلامي – الإيراني ضمن الحقل الحكمي للمسلمين، ففي الفلسفة النبوية للتشيع، تقترن تأويلية الكينونة وتأويلية الكتاب المقدس، وأي نقد اسمي لا يمكنه أن يدرك خطوط القوة وخطوط البنيوية التي سلكتها التأويلية الشيعية للكتاب المقدس”[7][8].

نقرأ في عتبة الإهداء التي كتبها الحبيب الفقي في مفتتح أطروحته هذه قوله: “على أعتاب هذا العمل أود أن أؤكد امتناني للأستاذ هنري كربان الذي أخذت منه فكرة الموضوع الذي أعالجه، والذي تفضل بتزويدي بالمخطوطات غير المنشورة. وأود أيضًا أن أعرب عن امتناني العميق للأستاذ روجيه أزنلداز الذي تعلمت منه دقة العمل الذي كنتُ أقوم به وفهمت مدى تعقيده. وأخيرًا، الأستاذ جورج فاجدا الذي أرشدني إلى اتجاهات بحثية مهمة في وقت كنت في أمس الحاجة إليها”[9]. وفي هذه الفقرة، تصريح بأن هذا العمل يحتاج إلى وثائق عديدة، ولكنها غير منشورة، وأنه اعتمد مخطوطات عديدة ساعده أستاذه على الحصول عليها. وفي الأمر غرابة لا تزال تسكننا نحن العرب المسلمين إلى اليوم وهو أن الغرب يملك مخطوطاتنا التي لا نعرف عنها أي شيء. ولا تزال مكتباتهم تعج بها. كيف وصلتهم ولماذا وصلتهم أو جلبوها إلى بلدانهم؟ وما علاقة كل ذلك بالنهضة التي عرفها الغرب منذ الحروب الصليبية وبعدها؟ وأين مخطوطاتنا ولماذا لا نحميها من السرقة أو التلف والضياع، ولم لا يهتم بها المحققون ويخرجونها إلى الناس؟

وهو يضيف، أن الفقي خصص صفحات عديدة لـ “إخوان الصفا”، وإثبات أن مذهبهم لا علاقة له بمذهب الإسماعيلية، مع الاعتراف بوجود شبه كبير بينهما؛ والعودة وفي كثير من الأحيان إلى نفس النقاط، وهو بهذا لا يتوقف أبدًا عن مناقضة نفسه. فهو يعتبر الحكمة عند الإسماعيليين هي العلم الذي يكشف النبوة، رغم استعمالهم لمصادر الفلسفة اليونانية. ويواصل هذا الكاتب بيان موقفه من أطروحة الفقي، بأن هناك مثالًا آخر يبدو مميزًا بالنسبة إليه. فلقد استعمل الفقي مرتين صيغة فيثاغورس القائلة بأن الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة الإنسانية. ويقول: “إن الإسماعيليين يعرفون الفلسفة على هذا النحو”، ويضيف: “إن إخوان الصفا الذين يقدمون نفس التعريف للفلسفة يمجدون هذا العلم كثيرًا. وهذا الموقف يتعارض تمامًا مع موقف الإسماعيلية”. ويضيف: “لكن هذا التعريف لا يتوافق مع الفكر الإسماعيلي. ولا نزال نجد تناقضات أخرى أبرزها ذكر عبارة “الفلاسفة الإلهيين” تبين أن المشاكل ليست كذلك واضحة في ذهنه في رأيي، والسبب هو أنه يقتبس نصوصًا طويلة جدًّا، وأحيانًا بشكل سيء. ويسيء……. فهمها[10].

ورغم قيمة الدراسة التي قام بها هذا الناقد إلا أن دراسته تكشف عن صعوبات فعلية وحقيقية تعود في الأصل، إلى طبيعة المبحث، أي الفلسفة الإسماعيلية من جهة، وإلى الاختلاف الجوهري القائم بين النقاد في قيمة الفلسفة الإسلامية ومنزلتها. فإذا قلنا بأصالتها الإسلامية، فكيف نفسر حضور اليونانيين في نصوصهم؟ وهي من أهم أشكال الخلاف القائم بين قراء الفلسفة الإسلامية من العرب والمستشرقين. وقد يكشف هذا الخلاف على وجوه أخرى في النظر والتحليل للتعرف على طبيعة الفكر الإسلامي بجميع مدارسه التأويلية وطبيعة صلته بالفلسفة اليونانية. وكيف نفهم القول بأصالة الفلسفة الإسلامية، وما سبب القول بتبعيتها للفلسفة اليونانية؟ وما هو الصراع الحضاري الذي يخفيه هذا الخلاف؟

لا يمكن لنا الوقوف على طبيعة هذا الخلاف بين الفقي وبعض المستشرقين، وفهم سبب اتهامه بالتناقض أو الخطأ، إلا بالعودة إلى نص الفقي نفسه، بل نصوصه المتعددة في هذا المجال. فيبدو أن رؤية المسلمين لأنفسهم وللنص القرآني والنبوي من جهة، وللنص اليوناني من جهة أخرى، يختلف نوعيًّا عن رؤية المؤرخين لفلاسفة الإسلام من المستشرقين. وبما أننا نعلم أن كبار أساتذة الحبيب الفقي من المستشرقين، فإن المسألة تزداد غموضًا. فكيف وافق الأستاذ المشرف على أطروحة الفقي ومنح بذلك للفقي شهادة الدكتوراه؟ فهناك اعتراف أكاديمي بقيمة هذه الأطروحة، وخصوصًا خلوها من أخطاء الفهم والتناقض، لأن مثل هذه الهنات لا يمكن أن توجد في عمل علمي محكم أكاديميًّا. إذن ما هو أصل المشكلة؟

إن اعتراف الحبيب الفقي بقيمة توجيهات هنري كربان قد يساعدنا على فهم الإشكال. فـهنري كربان خالف المستشرقين في كيفية فهمه لطبيعة الفلسفة الإسلامية. ومن يطلع على كتابه في تاريخ الفلسفة الإسلامية يدرك ذلك بوضوح وخاصة في إقراره بدور القرآن في إنشاء هذه الفلسفة قبل الفلسفة اليونانية، وعدم اعترافه بالمواقف الاستشراقية السائدة. يرى كربان: “ثمة زعم لاقى نصيبًا من الرواج في الغرب ومؤداه أن لا فلسفة ولا تصوف في القرآن، وأن الفلاسفة والمتصوفين لا يدينون للقرآن بشيء. ولسنا نبغي في هذا المقام مناقشة ما يجده الغربيون في القرآن أو ما لا يجدونه، ولكن في أن نعلم ما وجده المسلمون أنفسهم فعلًا فيه”[11]. ويؤكد كربان نفسه في صفحات كتابه الأصل القرآني للفلسفة الاسلامية بجميع توجهاتها. زد على ذلك أن كربان فيلسوف فرنسي آمن بالإسلام وبالقراءة الشيعية له، وهو مشبع بكتابات الفلاسفة الشيعة بمختلف مدارسهم، بما في ذلك الفلسفة الإسماعيلية وإخوان الصفاء وغيرهم، دون أن ننكر عليه معرفته الدقيقة والعميقة بجميع فلاسفة الإسلام، مثل الفارابي[12]، وابن سينا، والغزالي، وابن  رشد[13] وغيرهم.

 إن مرافقة الحبيب الفقي لـهنري كربان تبدو مؤثرة جدًّا في توجهه المنهجي وكيفية تعامله مع فلاسفة الإسلام. وهو تأثر إيجابي يمنح للعربي المسلم الحق في قراءة فلسفته وفكره وعلمائه من داخل رؤيته الخاصة بتاريخ الأفكار والفلسفات. وبالفعل فقد لاحظت هذا التوجه في منهج أستاذي الحبيب الفقي. فلا يعقل أن يوجه الغرب قراءتنا للتاريخ والفكر. ومن غير المقبول إطلاقًا أن يكتب الغربي تاريخنا، ونتعامل معه نحن وكأنه الحقيقة المطلقة. ومن سوء الحظ أن توجهات المستشرقين هذه هي الغالبة أكاديميًّا، وقل من تحرّر من مفكرينا من قبضة الغرب الاستعمارية فكرًا وسياسة وأيديولوجيا.

إن تحررنا من الرؤية الغربية ضرورة علمية ووجودية إذا رمنا فعلًا أن نرسم طريقنا ورؤيتنا في الوجود والحياة. وهذا ما يرفضه الغرب الراعي لمصالحه، لأن الحرية التي بناها الغرب ونادى بها لا تصح إلا على ممارسة الغرب الراعي لمصالحه، ومن ثم لا يسمحون بتعميم هذه الحرية، لأنها ستبني فكرًا إسلاميًّا مستقلًّا، أي واقعًا إسلاميًّا مستقلًّا فكًرا وسياسة عن الغرب؛ وهذا ما يجب أن لا يكون من جهة غربية. وبهذا نؤكد بأن المسلمين في فهمهم واستعمالهم لفلاسفة اليونان كانوا تحت إدارة نص القرآن وتوجيهه وواقعهم السياسي والجغرافي والاجتماعي والاقتصادي…

وفي هذا الاعتراف يوجه كربان فهمنا لتوجه الحبيب الفقي الذي لم يستطع إيف ماركت في دراسته تصورها وفهمها، ورأى فيها تناقضات وأخطاء. كل هذا يؤكد للقارئ العربي أهمية إعادة قراءة الفكر الإسلامي بعيدًا عن فرضيات المستشرقين وغاياتهم إذا استثنينا البعض منهم مثل هنري كربان في موقفه هذا. ولذلك، فإن سؤالنا يتجه في سياق البحث عن منهج الفقي في كيفية تعامله مع الفلسفة الإسماعيلية وكيفية فهمه لها؟ وكيف كان منهج الفقي في تفلسفه، وهو يناقش الإسماعيلية وتفرعاتها. لأن المنهج هو المحدد للرؤية والاتجاه.

خاتمة

نستنتج أن منهج الحبيب الفقي في كتاباته مستقل تمامًا عن منهج الغرب السائد عند مؤرخي الفلسفة الإسلامية عمومًا. وهو ما يتجلى فعليًّا في كتاباته وأسلوب عرض دروسه ومحاضراته، كما شهدتها بنفسي وأنا طالب عنده في الجامعة التونسية.

ومن أجل اكتشاف هذا التوجه الخاص عند الحبيب الفقي في منهج دراساته للفلسفة الإسلامية عمومًا والفلسفة الإسماعيلية خصوصًا، كان على فريقنا أن يُلقي نظرة تحليلية على بنية بعض كتاباته.

إن مرافقة الحبيب الفقي لهنري كربان تبدو مؤثرة جدًّا في توجهه المنهجي وكيفية تعامله مع فلاسفة الإسلام. وهو تأثر إيجابي يمنح للعربي المسلم الحق في قراءة فلسفته وفكره وعلمائه من داخل رؤيته الخاصة بتاريخ الأفكار والفلسفات. وبالفعل فقد لاحظت هذا التوجه في منهج أستاذي الحبيب الفقي. فلا يعقل أن يوجه الغرب قراءتنا للتاريخ والفكر. ومن غير المقبول إطلاقًا أن يكتب الغربي تاريخنا ونتعامل معه نحن وكأنه الحقيقة المطلقة. ومن سوء الحظ أن توجهات المستشرقين هذه هي الغالبة أكاديميًّا، وقلّ من تحرر من مفكرينا من قبضة الغرب الاستعمارية فكرًا وسياسة وأيديولوجيا.

[1]  وذلك قبل أن يستقل الفرع ويصبح اسمه: كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، بينما يصبح اسم المركز الرئيس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس.

[2]  برسيه (Persee): هي وحدة استناد بحثية فرنسية تشتغل على تثمين التراث العلمي، الجاري، لعلنا في جامعاتنا المغاربية والعربية في حاجة إلى أمثالها، لتتجاوز تجاهل الباحثين لبعضهم، وتجاهل الخارج لهم (منسق الفريق).

[3]  لم يذكر الحبيب الفقي أستاذيه هنري كربان وروجيه أرنلداز، إلا في كتابه/ الأطروحة: الأفكار الدينية والفلسفية للإسماعيلية الفاطمية التنظيم والمذهب، فكان يعود دائمًا إلى الأصول… ولكن الأستاذين كانا يملكان رؤية كبروية وتوليفية شاملة، وتاريخانية، أوسع من رؤية مبحوثنا، عمومًا… (منسق الفريق).

[4]  Marquet (Yves) «Habib Feki, Les idées religieuses et philosophiques de l’ismaélisme fatimide (organisation et doctrine), (compte-rendu), Publications de l’Université de Tunis, 1978 » Persee, 1984,1, pp. 349-350.

[5]  الفقي الحبيب، التأويل أسسه ومعانيه في المذهب الإسماعيلي:1 القاضي النعمان، سلسلة الدراسات الإسلامية7، مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، تونس، د. ت.

[6]  “الربعة في اصطلاح ابن خلدون وصحيفة المدينة هي Autonomy/Autonomie في لغات أوروبا الغربية.

[7]  Corbin (H.), L’Iran et la philosophie, Fayard, Paris, 1990, P.229.

[8]  بالكحلة (عادل)، “التناص بين الفكر الفلسفي الإيراني المعاصر والشعر الفارسي الحكمي: رهانات إعادة الإنتاج الرمزي لدى مرتضى مطهري”، أضواء على الشعر الفارسي، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، تونس، 2010، الصفحة 85.

[9] Les idées religieuses et philosophiques de l’ismaélisme Fatimide (Organisation et doctrine). Publications de l’Université de Tunis, 1978. صفحة الإهداء

[10]  Marquet (Yves) «Habib Feki, Les idées religieuses et philosophiques de l’ismaélisme fatimide (organisation et doctrine), (compte-rendu), Publications de l’Université de Tunis, 1978 » Persee, 1984 ,1 , pp. 349-350. Publications de l’Université de Tunis, 1978. In: Bulletin critique des annales islamologiques, n°1, 1984. pp. 349-350; https://www.persee.fr/doc/bcai_0259-7373_1984_num_1_1_873_t1_0349_0000_3

[11]  كربان (هنری)، تاريخ الفلسفة الإسلامية. ترجمة نصير مروة، وحسن قبيسي، عويدات، الطبعة 2 ، 1998، الصفحة 38.

[12] كلف الفريق الدكتور خمسي الدريدي بدراسة مقاله: “المعرفة ومسالكها عند الفارابي”، ضمن فتحي التريكي وآخرون، دراسات حول الفارابي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية صفاقس، 1995 (منسق الفريق).

[13]  أنجز الحبيب الفقي مقالًا ما زال مهجورًا في فلسفه ابن رشد حول موقف ابن رشد من علم الكلام والتأويل، حوليات الجامعة التونسية، العدد 18، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تونس 1980 (منسق الفريق).


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.