كيف زيف الإعلام البيولوجيا لخدمة الأيديولوجيا؟
تقديم
لقد استقر في أذهان الجماهير لعقود طويلة فرضيّة شائعة تزعم أن نسبة التشابه الجيني بين الإنسان والشمبانزي تصل إلى 98%.
واندست هذه النسبة في المناهج التعليمية والبرامج الوثائقية كأنها حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل. لكن مع تقدم علم الجينوم الحديث، تبيّن أن هذه النسبة لا تعدو كونها “أكذوبة إحصائية” واختزالًا مخلًّا جرى تمريره عبر انتقاء بيولوجي موجه.
الحقيقة العلمية
إن الحقيقة العلمية الصارمة تكشف أن هذه المقارنة القديمة، ليس لأنها ركّزت فقط على الجينات(البنائية) المشفرة للبروتين والتي تُعرف باسم Coding DNA أو Exons، وهي مساحة ضئيلة للغاية لا تتعدى 2% من حجم الحمض النووي الإجمالي. في المقابل، تم إسقاط الـ 98% المتبقية من الجينوم بالكامل والتي كان يُطلق عليها استخفافًا اسم “الـ DNA الخردة” Junk DNA، قبل أن يثبت مشروع ENCODE الحديث أنها تمثل الدماغ المدبر للنظام الجيني، حيث تحتوي على الجينات التنظيمية الفائقة والمفاتيح الكيميائية المعروفة بـ Promoters and Enhancers والتي تختلف بين الإنسان والقرد اختلافًا هيكليًّا شاسعًا ينفض تلك النسبة المزعومة، ويهبط بالتشابه الفعلي إلى ما دون 85% عند احتساب عمليات الحذف والإضافة الكروموسومية Insertions and Deletions (Indels).
المناخ الفكري
هذا التوجيه الإعلامي والتعليمي المكثف لم يكن وليد الصدفة، بل يقف خلفه مناخ فكري آيديولوجي موجه موّلته تاريخيًّا مؤسسات مالية كبرى.
وفي مقدمتها مؤسسة Rockefeller الفكرية (Rockefeller Foundation). منذ ثلاثينيات القرن الماضي، لم تكن المؤسسة تملك التكنولوجيا لترويج نسبة الـ 98% عينها، ولكنها ضخت ميزانيات هائلة لتمويل أقسام علم الأحياء والوراثة لتأسيس ما يُعرف بـ علم الأحياء الجزيئي (Molecular Biology) بهدف صياغة عقيدة “الحتمية الجينية” Genetic Determinism ، كان الهدف الاستراتيجي لهذه التمويلات هو ترسيخ الفلسفة المادية الداروينية، كنظام تعليمي واجتماعي مهيمن، يفسر السلوك والإدراك البشري كآليات (ميكانيكية) بحتة تشبه الحيوانات، مما يمهد الطريق علميًّا لأبحاث التحكم في السكان والهندسة الاجتماعية.
وعندما خرجت دراسة الـ 98% لاحقًا من المختبرات الأكاديمية عام 1975 كبحث تقني ضيق ومقيد بسياقه البيولوجي، استغلت الماكينة الإعلامية والمؤسسات التعليمية السائدة – التي نشأت وتغذّت تاريخيًّا في التربة الفكرية والمادية التي أسست لها عائلة روكفلر – هذا الرقم المجتزأ وطارت به في العناوين العريضة.
لقد مارس الإعلام “التجهيل العمدي” بتحويل فرضية مخبرية جزئية إلى بروباجندا (فلسفية) عامة، نجحت في تسطيح الاستثناء الإنساني الفريد من وعي، ونطق، وتفكير تجريدي، لتصوير الإنسان في الوجدان الشعبي كقرد متطور محكوم بغرائزه المادية الصرفة، مما يسهل في نهاية المطاف إدارة الجماهير وهندستها مجتمعيًّا وفق نظريات مادية استهلاكية، جردت الإنسان من سموه الأخلاقي والروحي المستقل.
هذا رأينا نراه صوابًا في مقابل ما يراه البعض أنه خطل وخطأ..
* شاعر وباحث مصري.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
