قراءة في أثر النفاق الاجتماعي على حركة ظهور الإمام
مقدّمة
يشكّل مفهوم الانتظار في الفكر الشيعي أحد أكثر المفاهيم كثافةً من حيث البعد العقائدي، والحمولة الأخلاقية، والوظيفة الاجتماعية، فالانتظار كما تطرحه النصوص الإمامية، ليس حالة سكونية ولا تعليقًا للزمن التاريخي، بل هو نمط وجوديّ خاص، يتداخل فيه الإيمان بالفعل، والعقيدة بالسلوك، والرجاء بالمسؤولية، غير أنّ الإشكال لا يكمن في الإعلان اللفظي للانتظار، بل في سيكولوجيته، أي في البنية النفسية والأخلاقية التي تحكم علاقة الفرد والمجتمع بفكرة الظهور.
من هنا، يبرز سؤال مركزي، هل يمكن أن يتحوّل الانتظار، من حيث لا يشعر أصحابه، إلى حالة مؤجِّلة للظهور بدل أن تكون ممهِّدة له؟ وهل يسهم النفاق الاجتماعي بوصفه ازدواجية في المعايير لا كفرًا صريحًا في إنتاج هذا التأجيل غير المعلن؟
نحاول في هذا المقال مقاربة هذه الإشكالية من زاوية فلسفية أخلاقية، تركّز على مفهوم التزكية الذاتية بوصفه الشرط العميق للانتظار الفاعل.
أولًا: الانتظار بين المفهوم العقدي والواقع النفسي
في التراث الإمامي، يُعرَّف الانتظار بوصفه (أفضل أعمال الشيعة)، كما ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع): “من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن كان مع القائم في فسطاطه”. (النعماني، الغيبة، تحقيق علي أكبر الغفاري، طهران: مؤسسة النشر الإسلامي، 1397هـ، ص 200).
غير أنّ هذا الفضل لا يُفهم بوصفه مكافأة على الترقّب السلبي، بل على حالة الاستعداد الداخلي، فالانتظار هنا ليس انتظار الحدث، بل انتظار الذات لذاتها، أي تهيئتها لتكون قابلة للانخراط في مشروع العدل.
سيكولوجيًّا، يتحوّل الانتظار حين يُفصل عن العمل والتزكية إلى ما يشبه (التسكين العقائدي) للضمير، حيث يكتفي الفرد بإعلان الانتماء، مع تعليق الواجب الأخلاقي إلى زمن الظهور، وهنا تبدأ مفارقة خطيرة، الانتظار بوصفه فضيلة، قد ينقلب إلى آلية تبرير.
ثانيًا: النفاق الاجتماعي بوصفه ازدواجية لا إنكارًا
حين يُستخدم مصطلح النفاق، يتبادر إلى الذهن غالبًا المعنى القرآني المرتبط بالكفر المستتر، غير أنّ المقاربة الاجتماعية الأخلاقية تسمح بتوسيع الدلالة لتشمل ازدواجية المعايير، أي الفجوة بين الخطاب المعلن والسلوك الواقعي، دون إنكارٍ صريح للعقيدة.
هذا النوع من النفاق لا يُنكر الإمام، ولا يعادي الظهور لفظيًّا، بل يرفعه شعارًا، ويُفرغه مضمونًا، فهو نفاق يتجلّى في:
- الدفاع عن العدل نظريًّا، وممارسة الظلم سلوكيًّا.
- التنديد بالفساد، مع التساهل معه عند المصلحة.
- رفع شعار النصرة، مع غياب الاستعداد للتكلفة الأخلاقية.
وقد أشار الإمام علي (ع) إلى هذا النمط حين قال: “ما أقبح بالإنسان أن يكون ذا وجهين ولسانين”. (التميمي الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، قم: دار الكتاب الإسلامي، 1410هـ، ج 1، ص 178).
فالازدواجية هنا ليست خطأ فرديًّا فحسب، بل بنية ثقافية تنتج مجتمعًا يكثر فيه الكلام، ويقل فيه الاستعداد الحقيقي.
ثالثًا: التزكية الذاتية شرط النصرة لا شعارها
يحتل مفهوم التزكية موقعًا محوريًّا في الرؤية القرآنية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، (سورة الشمس، الآية 9).
وفي الفكر الإمامي، تتجذّر التزكية بوصفها عملًا يوميًّا يسبق أي مشروع تغييري، إذ يروى عن الإمام محمد الباقر (ع): “لا يكون الرجل من شيعتنا حتى يكون ورعًا مجتهدًا”. (الكليني، الكافي، تحقيق علي أكبر الغفاري، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج 2، ص 74).
النصرة، وفق هذا المنطق، ليست صرخة جماهيرية، بل انضباط أخلاقي طويل النفس، فالإمام المنتظَر لا يبحث عن كثرة عدد، بل عن نوعية وعي، ومن دون تزكية الذات، يتحوّل الانتظار إلى حالة شعورية بلا أثر بنيوي.
رابعًا: كيف يؤخِّر النفاق الاجتماعي الظهور؟
لا يُقارب هذا السؤال من زاوية غيبية صرفة، بل من منطق السنن الاجتماعية، فالظهور، وإن كان فعلًا إلهيًّا، إلا أنه مشروط بوجود حاضنة إنسانية قادرة على تحمّل مشروع العدالة الشاملة.
يرى السيد محمد باقر الصدر أن المشكلة ليست في غياب الإمام عن الساحة، بل في عدم جاهزية المجتمع لاستقباله، إذ يقول: “إنّ الغيبة ليست انقطاعًا، بل انعكاس لحالة المجتمع”. (الصدر، بحث حول المهدي، بيروت: دار التعارف، 1981م، ص 77).
إذًا فالنفاق الاجتماعي يخلق بيئة:
- ترفع سقف التوقعات دون استعداد للتحوّل.
- تطالب بالعدل دون ممارسة الإنصاف.
- تنتظر القائد المخلِّص دون تهيئة النفس الجماعية.
وهكذا، يصبح التأخير نتيجة طبيعية لا عقوبة غيبية.
خامسًا: النقد اللطيف بوصفه ضرورة إصلاحية
لا تهدف هذه القراءة إلى الإدانة، بل إلى التفكيك، فالنقد في الفكر الشيعي ليس نقيض الولاء، بل شرط نضجه، وقد مارس الأئمة هذا النقد تجاه أتباعهم حين لمسوا فجوة بين الادّعاء والممارسة، قال الإمام الصادق (ع): “كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا”. (الحر العاملي، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت، 1409هـ، ج 16، ص 216).
هذه الوصية تختصر فلسفة الانتظار الواعي، أن يتحوّل المنتظِر إلى مرآة أخلاقية للمشروع المهدوي، لا إلى عبء رمزي عليه.
الخلاصة… إنّ سيكولوجية الانتظار المؤخَّر لا تُختزل في عامل واحد، لكنها تتغذّى بشكل خاص على النفاق الاجتماعي غير المعلن، حيث تُرفع الشعارات دون تفكيك الذات، فالظهور في أحد أبعاده، ليس سؤال زمن، بل سؤال استعداد.
وحين تتحوّل التزكية إلى مشروع شخصي وجماعي، ويتقلّص الفارق بين الخطاب والسلوك، يصبح الانتظار حركة صاعدة لا دائرة مفرغة، عندها فقط، يغدو السؤال متى يظهر الإمام؟ أقل إلحاحًا من سؤال هل نحن مؤهَّلون للظهور؟
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
