الأخلاق، وهي الصفات التي يفعلها الإنسان بسهولة ودون تكلّف، فالإنسان يجتهد ليصنع خُلُقَه ويكوّن هيئةً باطنيةً لنفسه، تكون بدايةً صورةً ضعيفة الألوان، باهتة البيان، إلى أن تقوى هذه الخصال فتشتد مع المداومة التي لا تتلازم مع المجاهدة، ولا تكون مجاهدةٌ دون مراقبة، والمراقبة أصلها البصر والبصيرة، ولا يكون بصرٌ دون نظر، والنظر إمعانٌ في صورةٍ ما حتى تبلغ الإدراك في معناها.
الخُلُق عبارةٌ تشبه اشتقاقًا وأحرفًا الخَلق؛ فالخَلق صورةٌ ظاهرة، والخُلُق صورةٌ باطنة؛ الخَلق صورةٌ تدركها (تراها) العين بالبصر، والخُلُق صورةٌ تدركها النفس البصيرة.
الأخلاق خصالٌ فضائل، تجتمع بتنوعها في إنسان، حيث تصير في نفس صاحبها، مع مداومتها، مَلَكاتٍ راسخةً وهيئةً ثابتةً، وبذلك فإن الالتزام ببرنامج أخلاقي سليم وقويم، يقوّم النفس عبر هذا السير والسلوك الأخلاقي.
الأخلاق فضائل تتزيّن بها النفس بعد أن تزدان بها وتمتلئ، وقد زيّن الله الفضائل في القلب السليم أو غير المريض، كما زيّن الله الإيمان في القلب وحبّبه إليه.
ولهذا، الأخلاق كالصبغة التي تلوّن بدايةً سلوك الإنسان وتصرفاته، حتى تثبت هذه الفضائل الأخلاقية، وحين تصير الأخلاق خُلُقًا تتلبّس به النفس وتتزيّن، بل تتجمّل، بعد أن تتحقق بالأخلاق الفاضلة، فتصبغ الأخلاق خُلُق الإنسان في حركة النفس نحو تشكّل وجودنا من عملها ومداومتها في سيرها وسلوكها، حتى يصير الخُلُق صيرورة النفس وحقيقتها، فيكون هويتها الوجودية.
الأخلاق تصنع مآل الإنسان ومصيره بعد أن صنع الإنسان قالب أخلاقه، فما أعجب الأخلاق وأبدعها، من مصنوع هو أنت صانعه فيصنعك، ومن أخلاق (مخلوقة) أنت تخلّقت بها فتصير خُلُقًا لك، كأنك خَلقًا على شاكلتها.
الأخلاق، والتي تكون خصالًا نرسمها على جوارحنا ونكتبها على دفتر حركاتنا، حتى تتلوّن بها جوانحنا وتنطق بها أعمالنا، ومع رسوخ القلم وثبات يد الكتابة على كتاب النفس ومصحف القلب، فتصير أخلاقًا بعد أن كانت خصالًا، وخُلُقًا بعد أن كانت أخلاقًا، فضائل أم رذائل، والخُلُق مَلَكةٌ راسخة وهيئةٌ أصيلةٌ في النفس.
ومع ارتقاء النفس في صيرورتها خُلُقًا راسخًا مكينًا متينًا، تصير الأخلاق، بل الخُلُق، حالةً وجوديةً، بل هيئةً وجوديةً ثابتةً، لا يبدلها ظرف زمان أو مكان، أو اندكاك السماوات على الأرضين.
وهكذا الأخلاق تبدأ تكلّفًا وصناعةً حِرَفيةً، إلى أن تصير يسيرةً، بل ناطقةً في فلسفة الإنسان.
فالأخلاق وأروعها الخُلُق ليس أمرًا عارضًا إلا في البدايات، والعاقل يبحث عن النهايات، ويعلم أن النهايات صنيعة البدايات، لكن النوايا التي صنعت السلوك، هي نفسها قد صاغها السلوك بطريق راجع، فإذا كان الصدق كان صدقًا، ولما كان الزيغ زيغًا.
فالماء الذي نزل من السماء إلى باطن الأرض والبحار، هو نفسه يصعد يومًا إلى السماء في رجعٍ مبدع، وما لوّثته الأرض تطهّره السماء.
اعلم أيها الإنسان أن مصيرك رهن نواياك، وأن مآلك قيد (مشروط) أعمالك وأفعالك وسلوكك، فما تزرعه تحصده، وما تخزنه تجده.
الأخلاق للإنسان كالصبغة التي تصبغ ظاهرك بدايةً، ومع التوجه بالنية والعمل بصدق وإخلاص، هذه الخصال تثبت في هيئة النفس لتشكّل وجودها وترسم هيئتها.
الأخلاق (الفضائل والخصال الحسنة والسجايا الكريمة) ليست زينةً خارجية، وأكثر ليست زينةً للنفس فحسب، إنما هي صورة النفس، وفي مراحل متقدمة هي حقيقة النفس؛ (وكذلك الرذائل ومتعلقاتها).
وهكذا، إن النفس هي علة الأخلاق (فضائل أو رذائل)، ومع الثبات، حين تكون هذه الأخلاق هيئة النفس الثابتة ومَلَكةً راسخة، تصير هذه المَلَكات هي علة النفس في تشكيلها ونمائها وتكاملها، وعلى شاكلتها وصبغتها، حتى تصير هذه النفس، والتي حقيقتها هذه الخصال والسجايا (حقيقة واحدة)، هي علة الأعمال التي تنبثق منها وتنتج عنها، مسانخةً لسنخها، موافقةً لشاكلتها.
وأضيف إشارة سريعة للقول الكريم من الرسول الكريم: “إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”.
وعبارة إتمام ومكارم فيها ما فيها من إشارات ولطائف؛ فكأن الإتمام هنا إتمام الخُلُق كتمامية الخَلق، والمكارم التي تحكي قصة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. في كرامة الخَلق وكرامة الخُلُق.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
