تنويه

(هذا العمل هو عبارة عن مجموعة من الأعمال البحثية التي كتبت من أجل تكريم أحد أبرز المشتغلين في الفلسفة الإسلامية في تونس والعالم العربي الأستاذ الدكتور الحبيب الفقي). (إدارة التحرير).

 

1 . لماذا اخترنا الحبيب الفقي في أعلام التغيير والثورة؟

عندما أنشأت هيئة منتدى التفكير في الحراك العربي والعالمي ورشة “أعلام التغيير والثورة”، كان الهدف منها إحياء المبادرين/ البارزين في التغيير والثورة، فكرًا وفنًا وممارسة معاشية، وسياسية، وطبية وبيئية، وغيرها، والذين همشتهم الدول والمؤسسات، والكتاب المدرسي، والمنهاج الجامعي، والوسام الحكومي والذكر اليومي بوسائل الإعلام، الرسمية وغير الرسمية، وخطبة الجمعة، وتسميات أروقة المدارس الابتدائية والثانوية والمؤسسات الجامعية … والذين لهم مشاريع إحيائية وسيادية، وتأبيدية لشعوبنا وأممنا، واستقلالية مقاومية، أو زحزحية – بالأقل – لما ران من تبعية، وتكرّس تخلف، وهزيمة وتشط، وتآكل، وتجزيء…. البترو دولارية، إلى مكان سحيق، من عصبية وحقد وتحقيد على مثقفي السيادة الثقافية والمعاشية والفنية ….

اخترنا هذه المرة المفكر والباحث الفلسفي، التونسي الحبيب الفقي (1935 -2003) وذلك، ردًّا لما رأيناه من باحثين، ينسبون أنفسهم إلى “الفلسفية”، هوت بهم الريح الوهابية – التيموية – وذلك، لما رأيناه أيضًا من إهمال البحث الفلسفي في بلادنا نسبيًّا، لمراكمات “الحبيب الفقي” في تجذير الانتماء العربي الإسلامي في التفلسف، تحديثًا وترسيخًا. فلم يخرج إلى التقاعد إلا ليمات رمزيًّا قبل أن يموت بيولوجيًّا ذلك من أسباب موته المبكر بعيد حصوله على التقاعد. فكأنه كتب على المثقف العضوي في هذه الجامعة التونسية، والعربية، إلا التكديس الانقطاعي، والإبداع المعاصر في حياة المبادر/البارز، وفي مماته.

عزّ علينا أن لا تفكر كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في تونس في تكريم الحبيب الفقي[1]، بكتيب لما توفى سنة 2003. وعز علينا أن لا تفكر في جمع ما نشر، وما لم ينشر، منذ رسالة التعمق ورسالة الدكتوراه مع العظيمين: هنري كوربان[2]، وروجيه أرنلداز[3]، إلى نصوص خُطبة الجمعة، معوّضًا للإمام الدكتور كمال عمران[4]، في جامع قمرت، بالضواحي الشمالية من مدينة تونس.

لم تُضَمَّن أفكار الحبيب الفقي ومرجعيته في الأطروحات والكتب التي ألفها باحثون تونسيون منذ حياة الحبيب الفقي إلى اليوم، بأقسام الفلسفة بالجامعات التونسية؛ ولا في الأطروحات والكتب والمقالات التي تتناول الفلسفة الإسلامية في الجامعات العربية وغير العربية.

خفنا أن يُمحى اسم الحبيب الفقي من ذاكرة البحث الفلسفي في تونس، وخفنا أن يموت ما أراده من ترسيخ تحديثي للفلسفة الإسلامية في أقسام الفلسفة بالجامعات التونسية، فتبقى قزمًا، مقزّمًا، داخل التفرعن الفلسفي الغربي، الذي لا يخجل عشية السابع من أكتوبر 2023، من تمجيد الصهيونية الخادمة للإمبريالية الغربية وشرعنة تحطيمها جسد الوجود التاريخي للشعب الشامي – الفلسطيني؛ فيتخلد اسم هابرماس، النازي، الصهيوني القاتل الرمزي لشعبنا الفلسطيني في الفضاء الصوتي والفضاء المكتوب الجامعيين في البلاد التونسية والعربية، ويُقتل اسم الحبيب الفقي عن ذلك الفضاء الصوتي – المكتوب إلى الأبد… فحتى بالإنترنت لا وجود لصفحة اسمها الحبيب الفقي… فهناك تكريس شامل لتهميشه من المؤسسة الجامعية، وبيت الحكمة، ومركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية الذي أفنى فيه عمره المهني، وتقصير من الهيئات النقابية (فليس دور النقابة الجامعية الدفاع عن الحقوق المعيشية فقط، بل خاصة الدفاع عن الامتداد المعرفي والمدني المدرّس الباحث)، وتقصير من الزملاء في الاختصاص الفلسفي، وخاصة المختصين في الفلسفة الإسلامية… وهو تقصير من العائلة أيضًا..

  1. طريقي الصعب من أجل تكوين فريق يبحث في الحبيب الفقي

توجهنا إلى إحدى تلميذاته، القريبة من بدايات منتدى التفكير في الحراك العربي والعالمي، لكي أحيي لها مشروع الكتاب الجماعي عن الحبيب الفقي الذي تحادثنا فيه سنة 2015، لكي تكون منسقة فريق فلسفي يقوم بهذه المهمة. ولكنها قالت لنا: “أخاف أن يسيء إلى اسمه، فأنا أريد أن أنجح في مناظرة الانتداب هذه المرة”. وتوجهنا إلى أقاربه، وبقينا صابرين، طيلة أكثر من سنتين، لم نجد فيهما تعاونًا في الملف الإداري والملف الجامعي للمفكر الحبيب الفقي.

توجهت إلى أحد زملائه الأصغر سنًّا، لكي يتقبل هو هذه المهمة. فضحك، واغتاب الرجل، واصمًا إياه بـ”العزلة”، و”عدم الحداثة”، وهو من ذلك الوصم براء؛ ولم يكلف نفسه مناقشة مدى مشروعية طلبنا … وكيف يستجيب الزميل لذلك الطلب، وهو ذو السلطة الجامعية المرموقة، قبل الرابع عشر من يناير وبعده، مرضيًّا عنه في كل الأنظمة، حتى الخليجية؟!!

وتذرع خريجو الفلسفة في دمشق وبيروت بمراكمة القوت للعيال الذين كبروا، وبخوفهم من “إساءة اسمه إلى ملفي إذا دخلت في مناظرات جامعية …. بينما تذرع 3 مرشحين آخرين، بأنهم لن يشاركوا في هذا العمل، لأن منتدى التفكير في الحراك العربي والعالمي فقير، لا يستطيع مكافأة الباحثين ماليًّا”، كما قال أحد هؤلاء المرشحين، “معتذرًا”.

وهكذا انهار مشروع الفريق الأول الذي قدرنا أنه سيشتغل على الحبيب الفقي.

لم أكن أدري أن العمل على الحبيب الفقي وإحياءه، وذب الموت عنه، أمرًا صعبًا مستصعبًا.

ولكن ذلك زاد قدر الرجل في عيني. فتذكرت صديقًا قديمًا، من خريجي الفلسفة بكليتنا، أكبر مني سنًّا، باعد بيننا الاختصاص، وباعدت بيننا الأماكن، بعد المرحلة الجامعية، حتى أصبح بعد تقاعده باحثًا ومدرّسًا فلسفيًّا بالمملكة العربية السعودية، الدكتور نور الدين السافي. ولم أكترث بصعوبات البحث عنه، حتى وجدته…

ولم أجده إلا كما كنتُ أعرف، عالمًا، مجتهدًا، متواضعًا، ذاكرًا لجميل أستاذه الحبيب الفقي، معترفًا بفضله… فقال لي في أول اتصال هاتفي: “هذه فرصة إلهية تمنحونها لي، إذ أجيد بداياتي الرائعة مع أستاذي المؤطر، لفاتحة بحوثي في الفلسفة الإسلامية”. ولكنه اعتذر عن تكوين الفريق وأن يكون منسقه، لأن اشتغاله متفقدًا لمادة الفلسفة بين عدة ولايات جعل علاقاته بالذين أصبحوا باحثين في الفلسفة شبه منعدمة. وهنا تذكرت صديقي الحبيب النهدي الذي كان طالبًا في شعبة الفلسفة، قبل أن يتحول إلى شعبة علم الاجتماع بتأثيري، والذي عرفني بأستاذه الحبيب الفقي فكنت أحضر معه دروسه، فاستجاب على الفور، وعرفنا على زميله الخمسي الدريدي. وقد كانت مهمة كل واحد منهم تقديم كتاب أو مقال، لهذا المفكر المبادر/ البارز الذي أصر على التميز والاستقلال الثقافي والممانعة الفلسفية.

تكون فريق البحث التكريمي في المفكر الفلسفي الحبيب الفقي من:

– د. نور الدين السافي محرّرًا: تكفّل بقراءة النص الرئيس للحبيب الفقي: الأفكار الدينية والفلسفية للإسماعيلية الفاطمية التنظيم والمذهب، وقراءة في كتاب: التأويل أسسه ومعانيه في المذهب الإسماعيلي (1) القاضي النعمان.

د. خمسي الدريدي: قرأ مقال المعرفة ومسالكها عند الفارابي.

– د. الحبيب النهدي: تكفل بقراءة في مقال الفلسفة الإسماعيلية وقانون الموازنة من وجهة نظر سوسيولوجية.

– أ. د. منصف حمدة: تكفل بقراءة أخرى في كتاب التأويل أسسه ومعانيه في المذهب الإسماعيلي – (1) القاضي النعمان.

– أ. د. عادل بالكحلة: تكفل بقراءة مقال الصور الأولى للمذهبية في الدين الإسلامي ونشأة الفقه.

دروس الحبيب الفقي، أثر ضائع أيضًا بالإمكان أن يلقي ضوءًا آخر على شخصية المفكر … ولما سألت الصديق نور الدين السافي، طالبه الوفي، إن كان ما زال يحتفظ ببعضها، سررت بأنه ما زال كذلك. ولما تصفحتها، وجدت خطًّا جميلًا، وواضحًا، رغم أن الطالب كتبها والأستاذ يملي، دون تشطيب بسبب نباهة الطالب، وبسبب الاستعداد الجدي من الأستاذ لدروسه…

وفي ذلك التصفح، وجدنا تغطية متوازنة كما بين كل المدارس الإسلامية، دون ميل لواحدة على حساب الأخرى، فقد كان موضوعيًّا، وحدويًّا، تحليليًّا، مقارنيًّا عميقًا، ذا صدر رحب، في التعامل مع كل مدرسة، لا يتأفف من أي واحدة منها … واكتشفنا أن في الأعمال المنشورة، كان الحبيب الفقي يعطي الانطباع أنه مختص في الفلسفة الإسلامية الإسماعيلية؛ بينما كان في هذه الدروس، يعطي الانطباع بأنه جمهري[5]، ملم بمجمل الفلسفة الإسلامية، متمكن من نقاط الالتقاء بينها، ومتمكن من النكتات[6] التي تتميز بها، فاقترحت على صديقي نور الدين السافي أن يُدرجها في ملحق، يُعرف بتلك المخطوطات… وكان متلهفًا لنشرها على هامش هذا الكتاب التكريمي الجماعي، يحفزه على ذلك حبه ووفاؤه لأستاذه، ولكنني طلبت منه التريث، من أجل أن يقوم بتحقيق علمي يليق بالحبيب الفقي، وقد وعدني بأن يكون ذلك قريبًا … فإذا تيسر ذلك ستنهار الصورة النمطية التي كرسها الكثيرون عن الحبيب الفقي…

***

  1. من حب الفلسفة إلى الشغف بالحبيب الفقي

تعود علاقتي الجدية بالتفلسف الإسلامي إلى أوائل السنة الخامسة آدابًا، حين وجدت بالمكتبة العمومية، كتابًا للمفكر الفلسفي المتميز، هادي علوي، يقترح علينا نظرية الحركة الجوهرية، إلى جانب الجدل الهيغلي والجدل الماركسي.

تقوّت العلاقة بالتفكير الفلسفي، مع أستاذي في السنة السابعة آدابًا، إذ حبّبنا فيه، وكان غير منحاز لمرحلة تاريخية منه دون أخرى، وكان منفتحًا جدًّا على العلوم الإنسانية وإبستمولوجيتها. وفي المناظرة القومية (2) للفلسفة، التي نظمتها الجمعية التونسية للدراسات الفلسفية، وظفت أطروحة الحركة الجوهرية[7] في الجدل الشيرازي، ولعل ذلك ما جعل رتبتي بتلك المناظرة هي الثانية، باعتبار أن المقيمين خاضعون للإبستيمية الغربية؛ فلم ينزل نصي في المجلة التونسية للدراسات الفلسفية.

وفي المرحلة الأولى من شعبة علم الاجتماع، رغّبنا عبد القادر بشتة في فلسفة العلوم والإبستمولوجيا، بينما كرّس فتحي التريكي في الفلسفة السياسية، من هوبز إلى مدرسة فرنكفورت.

في رسالتي للدكتوراه (بحارة الساحل التونسي بين التهميش وفاعليات التأكيد)[8]. لم يكن من الممكن فهم الرمزية العددية لدى مبحوثي، دون العودة إلى رسالة العدد لدى إخوان الصفاء.

مع أستاذي عبد الوهاب بوحديبة، بـ “المرحلة الثالثة”، كان التجسير الإبستيمي في تكويني المعرفي بين الفلسفة وعلم الاجتماع. ولما دعاني، وقد أصبح مدير بيت الحكمة، إلى ملتقاه العلمي “أضواء على الشعر الفارسي”، لم يكن من الممكن تفهم الرهانات الاجتماعية للإنتاج الرمزي في إحدى حالات تمثل هذا الشعر، دون استدعاء متون الفلسفة العرفانية[9].

فأنا ممتن لأستاذي عبد الوهاب بوحديبة، إذ دفع بي في أنثروبولوجيا العالم الإسلامي. وضمن هذا المشغل أنا ممتن للشعر الفارسي؛ فتعمقي في الخصائص الانتحالية والممارسية للرياضة البدنية لدى المسلمين، ما كان ليحقق نجاحًا لولا شعر سعدي؛ وتعمقي في الخصائص النحلية لموسيقى العالم الإسلامي ما كان ليحقق نجاحًا لولا شعر جلال الدين البلخي – الرومي.

ولم يكن من الممكن لي أن أعيد النظر جذريًّا في علاقة الفن بعالم الإسلام[10]، دون إعادة النظر في “إمة” الموسيقى، في متون الفارابي والكندي، وجلال الدين الرومي ومحيي الدين بن عربي؛ ودون إعادة النظر في العلاقة التجادلية بين الفكر الإسماعيلي وفن الرسم الإسلامي بين حمويات مختلفة[11]، متجاوزًا مقاربة الكسندر بابادوبولو في الفن التشكيلي الإسلامي.

ولم تكن بدايات اهتماماتي بـ “علم اجتماع النوع”، دون النظر في أطروحة الجنوسة عند ابن عربي فكانت مشاركتي في ندوة جامعة الكسليك عن الله وموقعية الجنسين في تجربة العرفانيين في عشق محيي الدين بن عربي ونظام بنت أبي شجاع الأصفهاني[12].

  1. كيف وصلت إلى الحبيب الفقي؟

كان تصادفي مع المفكر الفلسفي، الحبيب الفقي، بداية، في مرحلتي الطالبية، بفرع منوبة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس، حين قام صديقي الحبيب النهدي بدعوتي إلى حضور دروسه بالمدرج والقاعة. ولم يكن تواصل بيني وبينه، إلا في أوّل حضور لي، إذ قبل “استضافتي”.

يصفه تلميذه الحبيب النهدي فيقول مذكّرًا إياي: “كان أستاذًا خلوقًا، متواضعًا، لطيفًا معنا. يحترم الوقت ومواقيت درسه كأنما هي موقعة على نبضات قلبه. أنيق في ملابسه، وكانت بدلته البنية الصامتة تنسجم مع ربطة عنقه، وكأنها لوحة صغيرة من الصبر والهدوء، تحكي بصمت قصة رجل أحب الفلسفة أكثر من أي شيء آخر. كان ممتلئًا ليس طويل القامة، لكنه يحمل في حضوره ثقل المعرفة ودفء الإنسانية، وكل حركة منه كانت لمسة رسم على جدارية الزمن، تدعوك للتأمل والاحترام، فتشعر وكأن الكلمات نفسها تنتظره لتخرج من لسانه”.

ويضيف الحبيب النهدي: “لقد غادرنا منذ سنوات، لكنه لم يغادرنا حقًّا. فذكراه حية في أروقة الكلية. في الصمت الذي يسبق الدرس في الابتسامة التي تلتمع حين يذكر أحدنا نصائحه وبراعة تأويلاته في الفلسفة الإسلامية التي تجند لها معه كل من منسية والغنوشي. في كتاب يهمس لنا بحضوره كأنه ورد بستانه هي لحظة احتفال بحكمة شرقية تخرج من طين السماء. إنها ورقات لا تعرف حدودًا”.

وقد كان بإمكاني أن أصبح صديقًا له، إذ جددت التعارف به في نوفمبر 1999، لما التحقت بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، مدرّسًا بقسم علم الاجتماع، وحين أصبحت ألتقيه أحيانًا بمركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية بتونس في بعض الملتقيات العلمية.

كنت آنئذ أحاول إثبات ذاتي المهنية، والبحثية، فلم أجد المساحة النفسية – الزمنية الكامنة لبناء علاقة تتلمذ أو صداقة معه. ولما أفقتُ على ضرورة التواصل معه في بداية سنة 2011، لم أجد السبل المناسبة إليه، أو بالأحرى سَدَّ عليّ الذين توسمْتُ فيهم تلك السبل منافذها..

اليوم … أريد أن أستدرك تقصيري في حق نفسي، إذ لم أجتهد كما ينبغي – في التواصل معه، واكتشافه عن قرب، راجيًا عفوه. فهو ليس علمًا أرجوه لذاتي. بل هو عَلَمٌ ضروري للمستقبل المعرفي العربي الإسلامي، والعالمي، وللترسيخ الضميري[13]، الإرثي، المجدّد للجامعة العربية، ولحركة التفلسف العربي، وللتفكير الاستراتيجي الممانعي.

خاتمة

هذا العمل الجماعي هو عمل مقاوم، مضاد لاستراتيجيا تهميش الكثير من بناة الجامعة التونسية[14].

فلقد لاحظنا إهمال البحث الفلسفي في بلادنا، مراكمات الحبيب الفقي في تجذير مقاربة الانتماء العربي الإسلامي في التفلسف، تحديثًا وترسيخًا.

خشينا أن يُمحى اسم الحبيب الفقي من ذاكرة البحث الفلسفي في تونس، وخشينا أن يموت ما أراده من ترسيخ تحديثي للفلسفة الإسلامية في أقسام الفلسفة بالجامعات التونسية، فيبقى اختصاص الفلسفة الإسلامية قزمًا، مقزّمًا، داخل التفرعن الفلسفي الغربي، الذي لا يخجل عشية السابع من أكتوبر 2023، من تمجيد الصهيونية الخادمة للإمبريالية الغربية وشرعنة تحطيمها جسد الوجود التاريخي للشعب الشامي – الفلسطيني فيتخلد اسم هابرماس النازي الصهيوني، القاتل الرمزي لشعبنا الفلسطيني، في الفضاء الصوتي والفضاء المكتوب الجامعيين في البلاد التونسية والعربية، ويُقتل اسم الحبيب الفقي عن ذلك الفضاء الصوتي – المكتوب إلى الأبد…

مع هذا الفريق (د. نور دين السافي، أ. د. منصف بن حمدة، و أ. د. عادل بالكحلة، ود. خمسي الدريدي، ود. الحبيب النهدي)، سنجتهد في تفهم الجهد الفلسفي للمفكر الحبيب الفقي، من خلال مسعى لمسح تحليلي، لأبرز منتجاته المنشورة، حتى لا تكون دراستنا عموميات أو تمجيدات منافحة… بذلك نكون قد ثبتنا الذاكرة الأكاديمية التونسية، في مقاومة لاستراتيجيا الإنساء والمحو لرموز سيادتنا الثقافية.

* منسق “منتدى التفكير في الحراك العربي والعالمي”.

[1] أقامت كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس أربعينية له، عند وفاته، وذلك بمبادرة فردية، ولكن انحصرت في التأبين، الذي لا يحيي بل يُمِيتُ، ولم تشفع بكتيب أو كتاب تكريمي!

[2]  هنري كوربان (1903- 1978)؛ فيلسوف ودارس ومحقق فرنسي كبير في الفلسفة الإسلامية، وخاصة العرفانية الشيعية منها، كفلسفات السهروردي، وابن عربي، وصدر الدين الشيرازي. لم يكن تلميذًا عند رونيه جينون، ولكنه اطلع على كل كتاباته، وتأثر به مبكرًا وإن اختلف عنه منهجيًّا. كان تلميذ محمد حسين الطباطبائي، ومن تلاميذه سيد حسين نصر، وجلبار دوران، وهرمان لاندولت، والحبيب الفقي… (منسق الفريق) …

[3]  روحه أرنلداز (1911-2006)؛ عالم فرنسي في الدراسات الفلسفية الإسلامية.

[4]  كمال عمران (1951 (2018)؛ باحث تونسي في الحضارة العربية الإسلامية، أهم مؤلفاته: أبو حيان بين الفكر والوجدان (مشترك)، الإنسان ومصيره في الفكر العربي الإسلامي الحديث، المداخل إلى الثقافة الإسلامية، فهل من مذكر؟ (في الدراسات القرآنية).

[5]  جمهري: نسبة إلى “الجمهرة”. و “الجمهرة” في اللغة العربية هي أنسكلوبيديا في اللغات الأوروبية (جمهرة الأمثال، جمهرة الشعراء … ولكن الأمية اللغوية العربية المعاصرة ترجمت اللفظة الأوروبية، جاهلة بوجود الأمر في القاموس العربي. فكانت الفوضى الترجمية: دائرة معارف، “موسوعة”، “معلمة”!!! (منسق الفريق).

[6]  “النكثة” في الأصل اللغوي هي مستوى من التدرج اللوني (Nuance(fr), Shade (en

[7]  نظرية الحركة الجوهرية هي أطروحة ميتافيزيقية بناها الفيلسوف صدر الدين الشيرازي العصر الصفوي، ق (16)، يرى أن المادة في جوهرها وذاتها في حالة تغير وتطور دائم وليست ثابتة بخلاف الفلسفة القديمة التي حصرت الحركة في الأعراض (كم، كيف وضع). تعتبر هذه النظرية أن الجوهر نفسه يستمر خلقه بخروجه الدائم من القوة إلى الفعل، مما يفسر تكامل الموجودات الطبيعية وتجددها المستمر. انظر: آل ياسين، الفيلسوف الشيرازي، منشورات عويدات، بيروت، 1982 وعلوي (هادي)، الحركة الجوهرية عند الشيرازي، دار الطليعة، بيروت، 1983.

[8]  بالكحلة (عادل)، بحارة الساحل التونسي بين التهميش وفاعليات التأكيد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2003، الصفحتان 177 و 178.

[9]  بالكحلة (عادل)، “التناص بين الفكر الفلسفي الإيراني المعاصر والشعر الفارسي الحكمي: رهانات إعادة الإنتاج الرمزي لدى مرتضى مطهري”، أضواء على الشعر الفارسي، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، تونس، 2010، الصفحة 85.

[10]  في كتابي: الفن والاجتماع في عالم الإسلام، دار المعارف الحكمية، بيروت، 2016.

[11]  س، الفصل الثاني من الصفحة 83 إلى الصفحة 169.

[12]  بالكحلة (عادل)، “الله وموقعية الجنسين في تجربة العرفانيين في عشق محيي الدين بن عربي ونظام بنت أبي شجاع الأصفهاني”، ضمن: الله الحق في الاختلاف، ج 2، جامعة الروح القدس في الكسليك، بيروت، 2005.

[13]  الضمير هو مجمل السمات التي تميز فردًا أو جماعة … هو في الفوضى الترجمية المعاصرة: “الهوية”، “الأنوية”، “النَّحْنُوية” (رغم وجود نكتات بينها !!).

[14]  انظر تكريمنا لآباء علم الاجتماع في تونس في المرصد التونسي، عدد 2، ج 2، الفصل 12 منتدى التفكير في الحراك العربي والعالمي، تونس، 2023.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.