1 . الجمادات كائنات حية، وقوانين الفيزياء تصوّر بشري

تتجه أوساط فلسفية وعلمية معاصرة إلى أن الكون ليس مادة صمّاء، وأن الوعي قد يكون خاصية أصيلة في نسيجه، لا طارئة عليه. فالفيزيائي آرثر إدينغتون رأى أن مادة الكون في جوهرها أقرب إلى “العقل” منها إلى المادة الصلبة. ويذهب الفيلسوف غالن ستراوسون إلى أن الفيزياء تصف سلوك الأشياء من الخارج، أما طبيعتها الداخلية فقد تكون وعيًا بدائيًّا. ويقول فيليب غوف: إن قوانين الفيزياء وصف رياضي لما تفعله المادة، لا تفسير لما هي عليه. فالقوانين الفيزيائية، بهذا المعنى، محاولتنا البشرية السطحية لقراءة عمق قد يكون واعيًا.

وهذا يلتقي مع الرؤية القرآنية التي تجعل الكون مخاطَبًا ومجيبًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.[1]  وتجعل الجبال والشجر والنجوم في منظومة واحدة مع الإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾.[2]  وتقرر أن لكل شيء تسبيحًا يعجز الإنسان عن إدراكه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.[3]  وتصف انتظام الأجرام بأنه “تقدير” من عليم، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.[4]

بل إن هذه المفردات الكونية تحب وتكره. قال تعالى في شأن فرعون وقومه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾[5] ، فكأن السماء والأرض تبكيان على من يستحق البكاء عليه، ولا تبكيان على هؤلاء. وفي الحديث الصحيح أن النبي (ص) قال عن جبل أُحد: “هذا جبلٌ يحبنا ونحبه”.[6]

فما نسميه قوانين هو ما أدركناه من ظاهر هذا النظام، وقد يبقى وراءه ما لا تبلغه أدواتنا. غير أن القرآن يضيف ما لا يضيفه العلم: أن هذا الوعي خاضع لخالق، وأن تسبيحه عبودية له. ومع أن هذه الاتجاهات المعاصرة ما زالت فرضيات لم تُثبت تجريبيًّا، فإن أسئلتها تفتح باب التأمل في الآيات؛ فالكون أعمق مما تراه حواسنا، وقوانيننا نافذة صغيرة على هذا العمق.

2 . لغة الجسد في حديث “ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك”

أتصور أن أكثر العلماء، إن لم يكن كلهم، تعاملوا مع أحاديث النبي (ص) بطريقة لغوية معجمية صارمة، دون تخيّل للحالة التي قيل فيها الحديث، من حيث لغة الجسد ونبرة الصوت والدلالات النفسية في العبارة التي قيلت… فهناك عبارات، إذا تم التعامل معها من خلال منهج لغة الجسد والروح، تتحول من شبهة تشريعية ولغوية إلى بنية نفسية غاية في الرقي.

وعند تطبيق ذلك المنهج في بيت النبي (ص)، وهو بيت لم تُبنَ جدرانه من حجارة صمّاء، بل من أنوار الوحي ودفء النبوة، تتجلى أروع صور المودّة التي لا تُقاس بموازين الجلال المطلق فحسب، بل بميزان القلوب النابضة. هناك، في حجرة أم المؤمنين عائشة (رض)، يرتسم مشهد أدبي ونفسي بليغ، يتجاوز حروف الكلمات إلى فضاء أرحب: فضاء “لغة الجسد  (Body Language)”، والملامح الحية التي تروي ما تعجز عنه مقاييس اللغة.

فحين ننظر إلى نص الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري ومسلم، ونتأمل قول عائشة (رض): “ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك”، فإننا لا نستهلك معجمًا لغويًّا جافًّا، بل نقف أمام لوحة تنبض بالحياة.

تأمّل لغة الجسد في هذا الموقف: عائشة تقف ملوّحة بيديها أحيانًا، أو عاقدة كفّيها في تساؤل مشبوب بالغيرة، ونظرات عينيها تتقلب بين التعجب الرقيق والعتاب العذب. إنها غيرة الزوجة التي تملّكتها حصرية حب النبي (ص)، فرأت الإذن الإلهي بنزول الآية الكريمة: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.[7]

وسط هذا الجو العاطفي البشري الصادق، يغفل كثير من العابرين عن حقيقة تاريخية وتشريعية بالغة الأهمية، تؤكدها تفاصيل السيرة النبوية، وهي أن النبي (ص) لم يتزوج قط أي امرأة وهبت نفسها له قبل نزول القرآن أو بدونه، بل كان يرفض ذلك تمامًا.

لقد كانت تلك الخاصية، وهي خاصية الزواج من الواهبة نفسها، معطّلة في حقه (ص) من جهة التطبيق العملي؛ فلم يقع منه قبول لامرأة بهذه الصفة مجّانًا ودون استيفاء الحقوق المالية.

وحين أباح القرآن له ذلك تشريعًا في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[8]، جاءت أدوات النحو والبلاغة الإلهية لتؤكد هذا المعنى بدقة واضحة، حيث استعمل القرآن أداة الشرط “إنْ” في قوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾.

وفي علم النحو العربي والبلاغة، تُستخدم “إنْ” للشرط الذي يُقصد به الشك أو التقليل أو عدم التحقق فعليًّا، على عكس “إذا” التي تدل على التحقق والوقوع. كأن الآية الكريمة تومئ من بعيد، بل تؤكد واقعًا، أن هذا الأمر، وإن كان مباحًا تشريعيًّا لحاجة الحكمة الإلهية، إلا أنه لم يقع، إعظامًا لمقام النبوة وصيانةً لكرامة نسائه. فكأن السياق القرآني يُبطل بـ”إنْ” الظنية كل توهّم بوقوع أمر ينزل من قدر المهر وحقوق المرأة المكفولة.

هذا، والله تعالى أعلى وأعلم.

الهوامش

[1] سورة فصلت، الآية 11.

[2] سورة الحج، الآية 18.

[3] سورة الإسراء، الآية 44.

[4] سورة يس، الآية 40.

[5] سورة الدخان، الآية 29.

[6] صحيح البخاري وصحيح مسلم، حديث “هذا جبل يحبنا ونحبه”.

[7] سورة الأحزاب، الآية 51.

[8] سورة الأحزاب، الآية 50.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.