تمهيد حول قصة السامري.
شخصية السامري من الشخصيات المذمومة في القرآن الكريم، والسامري مكروه على المستوى البشري الإنساني عمومًا، فهو رمز للكفر والمعاندة، وكأنه يترجم أسلوب الشيطان عند غواية بني الإنسان، وهو أيضًا مجادل مكابر، يقول ويعترف بالكذب والصدق إنه هو صانع عجل بني إسرائيل الذهبي، وأغوى بعضًا من القبائل الإسرائيلية فعبدوا العجل في غياب نبي الله موسى (ع)، عندما كان يتلقى الوصايا العشر، من فوق جبل الطور المقدس، وهو أمر أثار غضب موسى، كما سنكتب.
السامري في القرآن الكريم.
جاءت الآيات القرآنية تشرح قصة السامري وعبادة العجل من بعض قوم موسى (ع) بعد الخروج المعجزة من أرض مصر إلى سيناء تمهيدًا لدخول الأرض المقدسة فلسطين، وهو ما لم يحدث في حياة موسى النبي، قد حدث ذلك من بعده وبعد هارون، تحت قيادة يوشع بن نون.
هذا وقد انتهز السامري غياب موسى، فصنع للقوم عجلًا ليعبدوه، بل قال لهم: إنه إلهكم وإله موسى. ونحن نحاول البحث عن الأصل الحقيقي للسامري.
جاء القرآن الكريم بذكر السامري ضمن ذكر مسيرة الخروج العظيم المعجز، بعد سنوات ذاق فيها الإسرائيليون السخرة والعذاب الجسدي والنفسي.
نبدأ بالآيات القرآنية 80 – 97 من سورة طه: ﴿يا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ * كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ۖ وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ* وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.
السامري في العهد القديم.
ليس في التوراة ذكر لاسم السامري نصًّا، أو أنه صانع عجل الذهب.
تقول التوراة: إن هارون أخا موسى هو من صنع هذا العجل، بناء على طلب بني إسرائيل، إذ استبطأوا نزولَ موسى من جبل سيناء وطال غيابه عنهم.
جاء في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر “الخروج”: (ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا، لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه، فقال لهم هارون انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون. فأخذ ذلك من أيديهم وصوّره بالأزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا. فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر).
وهو أمر مرفوض دينيًّا ودنيويًّا، فهارون من أنبياء الله، وهو وصي موسى (ع)، ولا يمكن أن يخالف الشريعة، ولذلك نجد من اليهود من حاول تبرئة هارون في رواية التوراة، وقال بأن السامري ورد ذكره في الكتاب المقدس، ولكن باسم زمري بن سالو وهو اسم عبري، والادعاء بأن هارون هو من صنع العجل ادعاء باطل، لأنه بناءً على المصادر التاريخية فإن السامري؛ أي زمري بن سالو كان أقرب لشعب إسرائيل من هارون وموسى (ع)، والسامري مذكور أيضًا في سفر الملوك الأول 16: 20: “زمري وفتنته التي فتنها، أما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك إسرائيل”.
ومعنى ذلك هو وجود ذكر للسامري في الكتاب المقدس.
السامري بين الجنسية والدين.
توجد رؤية معاصرة تؤكد أن السامري كان مصري الجنسية، ولكنهم اختلفوا، هل آمن بالله ونبوة موسى كما فعل (مؤمن آل فرعون)، أم أنه كان جاسوسًا على موسى وقومه، أو طابور خامس لتفرقة وزرع الفتنة وحرب أهلية بين بني إسرائيل.
يرى الشاعر والباحث المصري ياسر أنور في بحث له على موقع الأنطولوجياalantologia.com بتاريخ 18 سبتمبر/أيلول 2022، أنه “قد اختلف مفسرو القرآن حول شخصية السامري هذا والأصول التي ينتمي إليها، فذهب بعضهم إلى أنه كان من بني إسرائيل، فيما رأى آخرون أنه كان من القبط (المصريين)، وفي غابة هذه الروايات، قيل هو رجل من بني إسرائيل من أهل كرمان يدعى موسى بن ظفر، وهناك من قال بأنه من أهل باجرما وليس من بني إسرائيل، وهناك قولان في سبب تسميته بالسامري:
القول الأول: أنه من قبيلة يقال لها سامرة.
والقول الثاني: أنه من قرية تدعى سامرة”.
وكلها أقوال تثير الأسى العلمي، فمثلًا نسبة السامري إلى السامرة تثير الاستنكار، لأن السامرة اليهودية ظهرت بعد وفاة موسى بأكثر من قرن، وكلها أقوال ضعيفة لا تخدم الباحث، فالسامري ذُكر بألف ولام التعريف باللغة العربية. ويمكن القول: إن اسمه سامري، كما خاطبه النبي موسى (فما خطبك يا سامري)، كما نجد حرف الياء المشددة في آخر الاسم للنسب، وإذا رجعنا إلى اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية)، وبحثنا في خصائصها، فإننا نجد مثل هذه الياء في بعض الحرف والمهن المصرية، فكلمة فلاح معناها سخطي، وكلمة خبّاز معناها رت حاتي، وجليس الملك معناها سامر، فهل يمكن أن تكون كلمة سامري لها علاقة بجليس فرعون؟ وهل يمكن أن نعتبر السامري أحد الشخصيات التي كانت تخدم في بلاط فرعون، وأنه باتفاق مع فرعون خرج من بني إسرائيل مدّعيًا إيمانه لينقل لفرعون أخبارهم عند خروجهم من مصر؟
ربما يكون ذلك رأيًا وجيهًا للأسباب الآتية:
أن السامري صنع إلهًا مصريًّا وهو العجل، بما لديه من إرث وثقافة مصرية قبل تاريخ الأسرات المصرية، حيث كان المصريون يقدّسون العجل أبيس، والعجل أبيس في الميثولوجيا المصرية القديمة، هو الثور المقدس، وما زالت تماثيله موجودة في المتاحف، ولون العجل أبيس هو الأسود فيما عدا مثلث أبيض صغير، وبين قرنيه يوجد قرص الشمس، وعلى ظهره رسم للنسر المجنح، ويُلاحظ أن السامري صنع العجل من الذهب المصري، الذي أخذنه معهن نساء بني إسرائيل؛ أي إنه من وجهة نظره يسترد مال الأقباط مرة أخرى، بدليل القوم المطيعين له: ﴿حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾؛ وأوزارًا تعنى بدون قيمة، أو أن الذهب المأخوذ لا قيمة له إلا في صناعة العجل، وربما كان ذلك ترديدًا لأقوال السامري لكي يقنعهم بالتنازل وإلقاء الذهب في النار، فهو لم يكن راضيًا عن أخذ بني إسرائيل أموال قومه المصريين، هذا بالإضافة إلى أن صناعة التماثيل كانت معروفة بصورة كبيرة في الحضارة المصرية، ولم يؤثر عن بني إسرائيل أنهم صنعوا تماثيل أو بنوا معابد، فهم ظلوا طوال تاريخهم مسخّرون لحمل الأحجار وتمهيد الأراضي ونقل الرمال، مما يجعلنا نميل للرأي القائل بمصرية وقبطية السامري. هذا بالإضافة إلى التشابه بين كلمة السامري، وكلمة سامر المصرية القديمة، ويمكن أن نرجح أن السامري كان مصريًّا.
عقوبة السامري.
إن بني إسرائيل لم يذكروا اسم السامري نصًّا في العهد القديم أو التلمود، رفضًا نفسيًّا، ويرفضون فكرة أن يكون هناك شخص مصري مارس معهم الخداع ذاته، أو أنه أضل منهم جيلًا من الناس.
لقد قام موسى ووبّخ هارون وجرّه من رأسه ولحيته، وألقى الألواح الربانية من شدّة الغضب، ولكنه في النهاية قبل عذر هارون، فقد كان هارون يخشى من وقوع فتنة وحرب أهلية بين بني إسرائيل في غياب موسى بسبب عبادة بعض القوم للعجل، وهو ما كان يريده فرعون الذي حكم مصر بعد الغرق الأول، ومن ثمّ ترقّب هارون عودة موسى، محاولًا الإصلاح بين القوم.
في المقابل، خاطب موسى السامري وسأله عن سبب فعلته القبيحة، فزعم أنه أخذ قبضة من أثر الرسول جبريل (ع)، وخلطها مع الذهب ليكون فيه حياة ولو قليلة، وهو كاذب في ذلك، لأن جبريل (ع) لم يكن يتوسط بين موسى وذات الله العليا المقدسة، فكان كليم الله، ولا وجود لجبريل كوسيط كما حدث مع أنبياء غير موسى.
وكل ما في الأمر أنه يريد عدم إيمان بني إسرائيل بالله، ويظلون في الشرك.
نجد أن موسى لم يعاقب السامري عقابًا دنيويًّا وترك عقابه لله، وعقوبته الوحيدة هي النفي والخوف من الناس ومن مسّهم، فيقول لا مساس، المساس الجسدي والمساس المعنوي، وهو أمر يأتي بعد النفي الجسدي، ولم يعاقبه بالدنيا، وترك أمره لله.
وتلك هي الحرية في أقصى معانيها، لا جبر ولا عقاب لمخالف في الرأي، حتى لو كان الشيطان نفسه، وهو ما حدث من حوار بين الذات الإلهية العليا وإبليس الرجيم، فقد قال لله سبحانه كما في سورة ص، الآية 82: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وردّ الله عليه كما جاء في سورة الحجر، الآية42: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، فالله أعطى لإبليس فرصة للحوار، رغم تمرده، وهو نفس ما حدث مع موسى والسامري.
وفي النهاية نقول إن الله أعلى وأعلم وأعظم…
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
