لماذا لا تكفي النجاحات المادية لصناعة الإنسان السعيد؟

مقدمة

شهد العالم خلال العقود الأخيرة طفرة هائلة في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والرياضة والتنمية البشرية، وأصبح الإنسان المعاصر يمتلك من وسائل الراحة والرفاهية ما لم يكن متاحًا لأغلب الأجيال السابقة. غير أن المفارقة اللافتة للنظر تتمثل في أن هذا التقدم المادي لم يرافقه بالضرورة ارتفاع مماثل في مستويات السعادة والطمأنينة النفسية، بل تشير تقارير علم النفس والاجتماع إلى تصاعد معدلات القلق والاكتئاب والوحدة والاحتراق النفسي في العديد من المجتمعات المتقدمة.

وقد دفع هذا الواقع عددًا من الباحثين إلى إعادة النظر في الفرضية المادية التي تفترض أن زيادة الثروة والإنجازات الخارجية تؤدي تلقائيًّا إلى تحسين جودة الحياة النفسية. فبدأ الاهتمام يتجه نحو مفهوم جديد نسبيًّا في الدراسات النفسية المعاصرة، هو مفهوم المعنى الوجودي والحاجات الروحية للإنسان.

وفي هذا السياق تبرز إشكالية مهمة: هل تستطيع النجاحات المهنية والمالية والبدنية أن تملأ الفراغ الروحي للإنسان؟ وهل يمكن للمرأة المستقلة الناجحة مهنيًّا، أو للشاب الشغوف بالرياضة والإنجاز المهني أن يحققا السكينة النفسية بمجرد النجاح الخارجي؟ أم أن هناك مستوًى أعمق من الاحتياجات الإنسانية لا تستطيع المادة وحدها إشباعه؟

تكمن أهمية هذا البحث في محاولته الجمع بين الرؤية القرآنية والروائية عند مدرسة أهل البيت (ع)، وبين المعطيات النفسية الحديثة، للكشف عن حدود النجاح المادي، ودور البعد الروحي في تحقيق التوازن الإنساني.

لماذا يعدُّ الفراغ الروحي أخطر من الفقر المادي؟

لم يعد الحديث عن البعد الروحي مقتصرًا على الدراسات الدينية أو الفلسفية، بل أصبح موضوعًا حاضرًا بقوة في علم النفس الإيجابي، وعلم النفس الوجودي، والصحة النفسية المعاصرة. وتشير الأدبيات العلمية الحديثة إلى أن الحاجة إلى المعنى والغاية ليست ترفًا فكريًّا، بل تمثل حاجة إنسانية أساسية تؤثر بصورة مباشرة في التوازن النفسي والاجتماعي للفرد.

وتكشف البحوث الحديثة أن تجاهل هذه الحاجة لا يقتصر أثره على ضعف التدين، أو انخفاض الممارسة الروحية، بل يمتد إلى مجالات الصحة النفسية، والعلاقات الاجتماعية، والرضا عن الحياة، والقدرة على مواجهة الضغوط والأزمات.

آثار إهمال الفراغي الروحي

أولًا: ازدياد معدلات الاكتئاب والقلق وفقدان الرضا عن الحياة

أجرى Boreham  و Schutte (2023) تحليلًا شموليًّا (Meta- analysis) شمل (99) دراسة مستقلة و(66,468) مشاركًا من ثقافات ومجتمعات متعددة، لدراسة العلاقة بين الإحساس بالمعنى في الحياة، وبين الصحة النفسية. وقد أظهرت النتائج وجود علاقة عكسية قوية بين الإحساس بالمعنى، وبين أعراض الاكتئاب والقلق؛ فكلما ارتفع إدراك الفرد لغاية حياته انخفضت مؤشرات الاضطراب النفسي بصورة ملحوظة.

وتعد هذه النتيجة مهمة لأنها تشير إلى أن فقدان المعنى ليس مجرد مشكلة فكرية، بل عامل خطر نفسي Psychological Risk Factor) ) يمكن أن يسهم في ظهور الاضطرابات النفسية أو تفاقمها.

ثانيًا: المادية المفرطة وانخفاض جودة الحياة

في واحدة من أكبر الدراسات التحليلية في هذا المجال، قام Dittmar  وBond  وHurst وKasser  (2014)، بتحليل نتائج (259) عينة بحثية مستقلة تضمنت مئات الآلاف من المشاركين بصورة تراكمية. وأظهرت النتائج أن الأفراد الذين يمنحون المال والمكانة الاجتماعية والممتلكات المادية أهمية مركزية في حياتهم يسجلون مستويات أقل من الرضا النفسي والرفاه الذاتي مقارنة بغيرهم.

وقد خلص الباحثون إلى أن النزعة المادية ترتبط بارتفاع مستويات القلق والتوتر والشعور بعدم الرضا، حتى في الحالات التي تتحقق فيها الأهداف المادية المرجوة.

وتعد هذه النتيجة ذات دلالة كبيرة؛ لأنها تكشف أن المشكلة ليست في امتلاك المال، بل في تحويله إلى مصدر للهوية والمعنى.

ثالثًا: ضعف القدرة على مواجهة الضغوط والأزمات

أظهرت دراسة Sutin  وزملائه (2024) والتي اعتمدت على تحليل بيانات آلاف المشاركين من عدة قواعد بيانات دولية، أن الأفراد الذين يمتلكون إحساسًا مرتفعًا بالهدف والمعنى في الحياة يظهرون مستويات أقل من الضغط النفسي، وأكثر قدرة على التكيّف مع الأحداث الصعبة مقارنة بغيرهم.

وقد اقترح الباحثون أن المعنى يعمل بوصفه موردًا نفسيًّا Psychological Resource) ) يساعد الفرد على تفسير المعاناة، وإعادة تنظيم خبراته السلبية بطريقة أكثر توازنًا.

وهذه النتيجة تفسر سبب انهيار بعض الأشخاص رغم نجاحهم المادي، في حين يحافظ آخرون على توازنهم النفسي رغم الصعوبات؛ إذ لا يتعلق الأمر بحجم الموارد المادية فقط، بل بوجود إطار معنوي يفسر التجارب الحياتية ويمنحها قيمة.

رابعًا: تنامي الشعور بالوحدة والاغتراب الاجتماعي

كشفت دراسات متعددة في علم النفس الاجتماعي أن فقدان المعنى يرتبط بارتفاع الشعور بالوحدة، والعزلة النفسية، وضعف الروابط الاجتماعية. فالإنسان الذي يختزل ذاته في الإنجاز، أو الاستهلاك أو المكانة الاجتماعية يميل تدريجيًّا إلى بناء علاقات نفعية، أو سطحية تفتقر إلى العمق العاطفي والوجداني.

وقد بيّنت الدراسات أن الإحساس بالمعنى يرتبط عادة بزيادة المشاركة الاجتماعية، والعمل التطوعي، والشعور بالانتماء، بينما يرتبط فقدانه بارتفاع مؤشرات الاغتراب النفسي والاجتماعي.

خامسًا: تشكّل “الإنسان الاستهلاكي”

من أخطر النتائج التي أشارت إليها الأدبيات الحديثة ظهور ما يمكن تسميته بالإنسان الاستهلاكي؛ وهو الفرد الذي يقيس قيمته بما يملك لا بما يكون. وقد بينت دراسة Moldes  وKu  (2020)  التي حللت نتائج عشرات الدراسات التجريبية، أن التعرض المستمر للرسائل الاستهلاكية والمادية يؤدي إلى انخفاض الرفاه النفسي، وإلى زيادة المقارنات الاجتماعية والشعور المزمن بعدم الكفاية.

وفي هذه الحالة تتحول حياة الإنسان إلى سباق لا ينتهي وراء أهداف متغيرة باستمرار، فيفقد الشعور بالرضا والاستقرار مهما ازدادت إنجازاته.

ماذا تقول الدراسات الحديثة؟

شهدت العقود الأخيرة تزايدًا في الدراسات التي تناولت العلاقة بين النزعة المادية والرفاه النفسي.

ومن أبرزها الدراسة التحليلية الشاملة Meta-analysis) ) التي أجرتها هيلغا ديتمار وزملاؤها وشملت 259 عينة مستقلة، و753 حجمَ أثرٍ إحصائي. وقد خلصت الدراسة إلى وجود علاقة سلبية واضحة بين التوجهات المادية، وبين الرفاه النفسي وجودة الحياة، وأن الأفراد الذين يجعلون المال والمكانة المادية محورًا أساسيًّا في حياتهم يميلون إلى مستويات أقل من الرضا النفسي والسعادة، وأكثر من المشكلات النفسية والسلوكية.

كما توصلت دراسة تحليلية أخرى أجراها مولدس وكو (2020) إلى أن التعرض المستمر للرسائل الاستهلاكية والمادية يؤدي إلى انخفاض الرفاه الفردي والاجتماعي، وأن التركيز على القيم المادية ينعكس سلبًا على العلاقات الإنسانية والتقدير الذاتي.

وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة لا تكمن في امتلاك المال أو النجاح، بل في تحويلهما إلى مصدر نهائي للمعنى والهوية.

المرأة المستقلة القوية العاملة: بين النجاح والاكتمال الإنساني

لا يعارض الإسلام نجاح المرأة أو استقلالها أو مشاركتها الاجتماعية، بل يقدم نماذج عظيمة للمرأة المؤمنة الفاعلة مثل السيدة خديجة والسيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب (ع).

غير أن الإشكالية تظهر عندما تتحول المهنة إلى مصدر الهوية الوحيد.

فعندما تُقاس قيمة المرأة حصريًّا بإنجازاتها المهنية، أو مكانتها الاقتصادية، تصبح عرضة لأزمة عميقة عند فقدان تلك الإنجازات أو تراجعها.

إن الوظيفة يمكن أن تمنح المرأة شعورًا بالكفاءة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحها المعنى النهائي للحياة.

ولهذا نجد أن كثيرًا من الدراسات الحديثة تؤكد أن الشعور بالانتماء والعلاقات العاطفية الصحية والغاية الوجودية من أهم مكونات الرفاه النفسي المستدام، وليس النجاح المهني وحده.

ويؤكد القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (سورة الروم، الآية 21).

فالإنسان يحتاج إلى السكن النفسي بقدر حاجته إلى الإنجاز.

الشاب الرياضي الناجح: حين يتحول الجسد إلى مركز للهوية

يمثل الشاب الشغوف بالرياضة والنجاح المهني نموذجًا آخر للإنسان المعاصر.

ولا شك أن الرياضة والعمل الجاد من القيم الإيجابية، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الجسد أو الإنجاز المهني هو المعيار الوحيد للقيمة الذاتية.

فإذا ربط الإنسان احترامه لنفسه بعضلاته أو مظهره أو منصبه الوظيفي فإنه يضع هويته على أساس هش وقابل للتغير.

وقد أظهرت أبحاث حديثة وجود ما يعرف بـ “إدمان الرياضة”، وهي حالة يتحول فيها التمرين الرياضي من نشاط صحي إلى سلوك قهري مرتبط بالقلق والضغط النفسي واضطراب الصورة الذاتية.

وهنا يتحول الجسد من نعمة إلى عبء نفسي.

حلول وعلاجات عملية لإشباع الفراغ الروحي والتموضع حول الذات

أولًا: إعادة اكتشاف الغاية من الوجود

يُعدّ فقدان الغاية من أهم أسباب الفراغ الروحي؛ فالإنسان عندما يفقد الإجابة عن سؤال: “لماذا أعيش؟”، تتحول حياته إلى سلسلة من الأنشطة المتكررة الخالية من المعنى.

ولهذا جعل القرآن الكريم معرفة الغاية من الخلق أساسًا للاستقرار النفسي، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات، الآية 56).

والعبادة هنا، لا تعني مجرد الشعائر، بل تعني أن يعيش الإنسان حياته ضمن مشروع إلهي أكبر من رغباته ومصالحه الآنية.

وفي رواية معتبرة عن الإمام الحسين (ع): “إنَّ اللهَ ما خَلَقَ العبادَ إلاَّ لِيَعرِفوهُ، فإذا عَرَفوهُ عَبَدوهُ، فإذا عَبَدوهُ استَغنَوا بِعِبادَتِهِ عَن عِبادَةِ مَن سِواهُ”. (علل الشرائع للصدوق، ج1، ص9).

وتكشف هذه الرواية أن معرفة الله تمنح الإنسان مركزًا وجوديًّا ثابتًا، فلا يبقى أسيرًا لتقلبات المال، أو المنصب أو الشهرة.

ثانيًا: الذكر بوصفه علاجًا للقلق الوجودي

من أهم مظاهر الفراغ الروحي شعور الإنسان بالاضطراب الداخلي رغم نجاحه الخارجي.

وقد قدّم القرآن الذكر باعتباره العلاج المباشر لهذا الاضطراب: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. (سورة الرعد، الآية 28).

ومن الملفت أن الآية لم تقل: تفرح القلوب، بل قالت: تطمئن؛ لأن الطمأنينة أعمق من الفرح، فهي حالة استقرار داخلي تمنع الإنسان من الانهيار أمام الضغوط والتقلبات.

وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): “ما من شيء إلا وله حد ينتهي إليه إلا الذكر، فليس له حد ينتهي إليه”. (الكافي، ج2، ص499).

فالذكر في مدرسة أهل البيت ليس مجرد تكرار لفظي، بل عملية مستمرة لإبقاء القلب متصلًا بالله وسط ضجيج الحياة.

ثالثًا: الصلاة واستعادة التوازن الداخلي

يعاني كثير من الناس اليوم من التشتت الذهني والضغط النفسي الناتج عن تسارع الحياة وكثرة المطالب.

وقد قدّم القرآن الصلاة باعتبارها وسيلة لإعادة التوازن النفسي والروحي: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. (سورة البقرة، الآية 45).

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. (سورة العنكبوت، الآية 45).

فالصلاة ليست مجرد واجب تعبدي، بل محطة يومية يتوقف فيها الإنسان عن الركض خلف الدنيا ليعيد الاتصال بمصدر المعنى.

وعن أمير المؤمنين (ع): “كان رسول الله (ص) إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة”.

فالصلاة هنا ليست تكليفًا فقط، بل علاجًا عمليًّا للاضطراب النفسي والروحي.

رابعًا: الدعاء وإحياء العلاقة الشخصية مع الله

الفراغ الروحي يتفاقم عندما يشعر الإنسان بأنه وحيد في مواجهة العالم.

ولهذا جاء الدعاء ليعيد بناء العلاقة الشخصية بين الإنسان وربه.

قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. (سورة غافر، الآية 60).

وعن الإمام علي (ع): “أحب الأعمال إلى الله عز وجل في الأرض الدعاء”.

إن الدعاء في مدرسة أهل البيت ليس طلبًا للحاجات فقط، بل وسيلة لإحياء القلب، وإعادة اكتشاف المعنى.

ولهذا تمثل الصحيفة السجادية ودعاء كميل والمناجاة الشعبانية مدارس روحية متكاملة لعلاج الجفاف الداخلي.

خامسًا: صحبة الصالحين ومجالس الإيمان

من أخطر نتائج الفراغ الروحي العزلة النفسية والشعور بالوحدة.

وقد عالج الإسلام ذلك من خلال بناء البيئة الإيمانية.

قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾. (سورة الكهف، الآية 28).

وعن أمير المؤمنين (ع): “عليك بإخوان الصدق فإنهم عدة عند الرخاء وجنة عند البلاء”. (نهج البلاغة، الحكمة 59).

فالأصدقاء الصالحون لا ينقلون المعرفة فقط، بل ينقلون المعنى والطاقة الروحية والقدرة على الثبات.

سادسًا: خدمة الناس والخروج من سجن الذات

تشير دراسات علم النفس الإيجابي إلى أن العمل التطوعي وخدمة الآخرين يرتبطان بارتفاع الرضا عن الحياة والشعور بالمعنى.

وقد سبق أهل البيت (ع) إلى هذا المعنى بقرون.

فعن الإمام الصادق (ع): “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”. (الكافي، ج2، ص164).

إن كثيرًا من حالات الفراغ الروحي تنشأ من انحصار الإنسان في ذاته ومشكلاته ورغباته.

أما عندما يصبح جزءًا من رسالة أكبر تخدم الآخرين فإنه يكتشف معنًى جديدًا للحياة.

سابعًا: محاسبة النفس وبناء الوعي الذاتي

من أخطر أسباب الفراغ الروحي أن يعيش الإنسان حياته من دون مراجعة أو تأمل.

ولهذا أكد أهل البيت (ع) على محاسبة النفس.

قال الإمام الكاظم (ع): “ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم”. (الكافي، ج2، ص453).

فمحاسبة النفس تمنع الإنسان من التحول إلى آلة إنتاج أو استهلاك، وتعيد توجيه حياته نحو أهداف أعمق.

الخاتمة

تكشف هذه الدراسة أن أحد أكبر الأوهام الثقافية في العصر الحديث يتمثل في الاعتقاد بأن التقدم المادي قادر بمفرده على إشباع جميع حاجات الإنسان. فقد أظهرت الأدلة النفسية والميدانية المعاصرة أن ارتفاع مستويات الدخل والنجاح المهني والتفوق الجسدي لا يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مماثل في السعادة والطمأنينة والرضا الوجودي، بل قد يترافق ـ في بعض الحالات ـ مع تصاعد مشاعر القلق والوحدة والاغتراب وفقدان المعنى. ومن هنا، يتضح أن الإنسان لا يمكن اختزاله في بعده الاقتصادي أو البيولوجي أو المهني، لأنه يحمل في تكوينه حاجة أصيلة إلى الغاية والمعنى والانتماء الروحي.

كما بينت الدراسة أن الفراغ الروحي لا يمثل مجرد نقص في التدين، أو ضعف في الممارسة العبادية، بل يشكل متغيرًا محوريًّا يفسر جانبًا مهمًّا من أزمات الإنسان المعاصر. فحين تُهمَل الحاجات الروحية ويتحول المال أو الجسد أو المنصب أو الشهرة إلى مصدر الهوية والقيمة، يفقد الإنسان مرجعيته الداخلية، ويصبح أكثر عرضة للقلق والاكتئاب والاحتراق النفسي والعلاقات الهشة والشعور المزمن بعدم الاكتفاء. ولهذا، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في النجاح المادي ذاته، وإنما في عزله عن منظومة المعنى والقيم والغاية.

وقد كشفت المقارنة بين نتائج الدراسات النفسية الحديثة والرؤية القرآنية وروايات أهل البيت (ع) عن قدر لافت من التكامل؛ إذ تؤكد البحوث المعاصرة أهمية المعنى والهدف في بناء الصحة النفسية والمرونة الانفعالية، بينما يقرر القرآن الكريم أن الطمأنينة الحقيقية تنبع من اتصال القلب بالله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.(سورة الرعد، الآية 28). كما تؤكد روايات أهل البيت (ع) أن الإنسان خُلق لمعرفة الله والسير إليه، وأن القلب إذا فقد هذه الوجهة ظل يبحث عن بدائل عاجزة عن إشباعه مهما تنوعت صور النجاح والإنجاز.

وعلى هذا الأساس، لا يكمن الحل في رفض التقدم المادي أو التقليل من قيمة العمل والنجاح، بل في إعادة دمج هذه الإنجازات ضمن رؤية إنسانية متوازنة تجعلها وسائل للكمال لا غايات نهائية في ذاتها. فالمرأة الناجحة، والشاب الطموح، والإنسان المعاصر عمومًا، لا يحتاجون إلى الاختيار بين النجاح والروحانية، بل إلى بناء علاقة تكاملية بينهما، بحيث يصبح النجاح المادي خادمًا للمعنى لا بديلًا عنه، وتصبح الإنجازات الدنيوية جزءًا من مشروع أخلاقي وروحي أوسع.

أما من المنظور الأخروي، فإن أخطر آثار الفراغ الروحي لا تتمثل في الخسائر النفسية والاجتماعية فحسب، بل في ضياع الوجهة الوجودية للإنسان. فالقرآن الكريم يحذر من أن يتحول السعي الدنيوي إلى حركة بلا غاية متعالية، ويصف بعض الناس بقوله تعالى: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. (سورة الكهف، الآية 104). ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بحجم ما يملكه الإنسان أو يحققه من إنجازات فحسب، بل بقدر ما يقربه ذلك من غايته الكبرى ويمنحه سلامًا داخليًّا وقربًا من الله تعالى. فالمادة قد تمنح الإنسان وسائل العيش، أما الروح فهي التي تمنحه سبب العيش، وبدونها يبقى الإنجاز مهما عظم ناقصًا، وتبقى الحياة مهما اتسعت فارغة من معناها الأعمق.

المصادر و المراجع:

Boreham, I. D., & Schutte, N. S. (2023). The relationship between purpose in life and depression and anxiety: A meta-analysis. Journal of Clinical Psychology, 79,Dittmar, H., Bond, R., Hurst, M., & Kasser, T. (2014). The relationship between materialism and personal well-being: A meta-analysis. Journal of Personality and Social Psychology, 107(5), 879–924. https://doi.org/10.1037/a0037409

Moldes, O., & Ku, L. (2020). Materialistic cues make us miserable: A meta-analysis of the experimental evidence for the effects of materialism on individual and societal well-being. Psychology & Marketing, 37(10), 1396–1419. https://doi.org/10.1002/mar.21387

Sutin, A. R., Luchetti, M., Stephan, Y., & Terracciano, A. (2024). Purpose in life and stress: An individual participant meta-analysis. Journal of Affective Disorders, 353, 1–9.

Jetten, J., Haslam, C., & Haslam, S. A. (Eds.). (2012). The social cure: Identity, health and well-being. Psychology Press.

Holt-Lunstad, J., Smith, T. B., Baker, M., Harris, T., & Stephenson, D. (2015). Loneliness and social isolation as risk factors for mortality: A meta-analytic review. Perspectives on Psychological Science, 10(2), 227–237. https://doi.org/10.1177/1745691614568352

Holt-Lunstad, J., Smith, T. B., & Layton, J. B. (2010). Social relationships and mortality risk: A meta-analytic review. PLoS Medicine, 7(7), e1000316. https://doi.org/10.1371/journal.pmed.1000316

Ryan, R. M., & Deci, E. L. (2017). Self-determination theory: Basic psychological needs in motivation, development, and wellness. Guilford Press.

Frankl, V. E. (2006). Man’s search for meaning (Rev. Ed.). Beacon Press.

Baumeister, R. F. (1991). Meanings of life. Guilford Press.

Seligman, M. E. P. (2011). Flourish: A visionary new understanding of happiness and well-being. Free Press.

Noetel, M., Sanders, T., Gallardo-Gómez, D., Taylor, P., Del Pozo Cruz, B., van den Hoek, D., … & Lonsdale, C. (2024). Effect of exercise for depression: Systematic review and network meta-analysis. BMJ, 384, e075847. https://doi.org/10.1136/bmj-2023-075847

Juwono, I. D., Szabo, A., & Griffiths, M. D. (2022). Exercise addiction in athletes: A systematic review of the literature. International Journal of Mental Health and Addiction, 20(6), 3475–3497. https://doi.org/10.1007/s11469-021-00568-1

Andersen, F. B., Pallesen, S., & Griffiths, M. D. (2023). The prevalence of workaholism: A systematic review and meta-analysis. Frontiers in Psychology, 14, 1252373. https://doi.org/10.3389/fpsyg.2023.1252373

المصادر الإسلامية

  • الكليني، محمد بن يعقوب، (1407هـ)، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • الصدوق، محمد بن علي بن الحسين، (1403هـ)، علل الشرائع، قم: منشورات الشريف الرضي.
  • الشريف الرضي، (1414هـ)، نهج البلاغة، قم: دار الهجرة.
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن، (1409هـ)، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
  • المجلسي، محمد باقر، (1403هـ)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: مؤسسة الوفاء.
  • الطبرسي، الحسن بن الفضل، (1403هـ)، مكارم الأخلاق، قم: منشورات الشريف الرضي.
  • السيد علي بن الحسين السجاد (ع)، الصحيفة السجادية، قم: مؤسسة الإمام المهدي.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.