تعيش المجتمعات الغربية اليوم مأزقًا خُلُقيًّا عميقًا، لم يعد يخفى على المراقبين ولا على المفكّرين أنفسهم. فالأزمة تكمن في فقدان القدرة على تأسيس معنى خُلُقي جامع، بعدما غلبت الفردانية على أشكال التضامن الاجتماعي كلّه. ينعكس هذا المأزق مباشرة في الأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية؛ حيث غابت المرجعيّات الثابتة، وحلّت محلّها مقولات النسبية التي تُحوِّل الأخلاق إلى معادلات قابلة للتبديل بحسب موازين السوق والقوّة.
لقد تحوّلت الأخلاق في الغرب من كونها معيارًا يُحتكم إليه، إلى أداةٍ تُوظَّف في تبرير المصالح وإعادة إنتاج الهيمنة، حتى غَدَا “الحقُّ” مرهونًا بيد الأقوى، و”القيمة” انعكاسًا للمزاج المتبدّل لا للثابت الكوني. وقد عبّر (زيغمونت باومان-Zygmunt Bauman) عن هذه الحالة بمصطلح “الحداثة السائلة”؛ حيث تتفكّك الثوابت، وتتحوّل القيم إلى كيانات مرنة لا تصمد أمام ضغط السوق والاستهلاك[3].
إنّ النسبية التي رُوِّج لها تحت شعار الحرية الفكرية والحداثة الخُلُقية، أفضت في النهاية إلى تقييد الإنسان في دائرة الفردانية المعزولة، بدل أنْ تُفضي إلى تحريره، وأدّت إلى إفقاده المعنى الجامع الذي يربط وجوده بمقاصد عُليا. لقد قاد سقوط المرجعيّات الكبرى في الغرب إلى “عصر الذاتانية”؛ حيث أضحى كل فرد مرجعًا خُلُقيًّا لنفسه، في غياب معايير مشتركة. وكانت النتيجة أنّ الغرب يقف اليوم أمام فراغ قِيَمي، يتجلّى في صور متعدّدة: انحدار الروابط الأسرية، وتآكل التضامن الاجتماعي، وصعود النزعات العدوانية، وتحويل الإنسان إلى سلعة ضمن آلية السوق المُعَولَم.
لكن هذا الفراغ نفسه هو الذي يكشف الحاجة الماسّة إلى استعادة “الثابت الخُلُقي” بوصفه مرتكزًا للإنسانية، وليس بوصفه قيدًا لحُرِّيّة الفرد. فقد بيّنت التجربة التاريخية برمّتها أنّ المجتمعات لا تقوم على النسبية المطلقة، وإنّما على منظومة من القيم الراسخة التي تمنح الوجود الإنساني معنى يتجاوز اللحظة العابرة. وهنا تتبدّى مسؤولية الفكر الإسلامي في تقديم بديل كوني، وهو بديل لا ينبغي له أنْ يقوم على تقليد الغرب في نسبيته، فضلًا عن الانغلاق في الجمود، وإنّما على استعادة الرؤية القرآنية التي تجعل من الأخلاق جذرًا ثابتًا للحُرّية، بعكس ما يتبدّى للبعض من أنّها نقيض للحُرّيّة. فمن الواضح أنّ انبعاث المجتمعات يبدأ بالتحوّل الخُلُقي الذي يكوّن البنية العميقة للإنسان.
أوّلًا: الملامح العامة للأزمة الخُلقيّة.
منذ أنْ أعلن الفكر الغربي الحديث قطيعته مع المرجعيات الدينية والميتافيزيقية، سعى إلى بناء نسقه الخُلُقي على أسس بشريّة خالصة. لكنّ هذه المحاولة أفرزت ارتباكًا عميقًا في تحديد ماهية الخير والشر، بدل أن تنتج أخلاقًا إنسانية صافية. وهكذا، تحوّلت الأخلاق من كونها ميدانًا للتأسيس القيمي إلى ساحة سجال بلا أفق، بحيث صار كل مذهب يضع مقاييسه الخاصة بمعزل عن غيره. فالحداثة، بفصلها الأخلاق عن المقدّس، فَقَدتْ القدرة على إنتاج معيار جامع، يمكن أنْ يُحتكم إليه.
وبذلك، أضحت “الأزمة الخُلُقية” في الغرب، عبارة عن بنية قائمة لها انعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففيما السياسة صارت تُمارَس بمعايير المنفعة الصرفة، أضحى الاقتصاد يُوجَّه بالربح المجرد دون التفات إلى أثره على الإنسان أو الطبيعة، كما تفكَّكت روابط الاجتماع، إلى حدّ أنّ الفرد وجد نفسه غريبًا في قلب المجتمع الذي ينتمي إليه.
ثانيًا: الفردانية المفرطة وغلبة المنفعة.
إنّ “عصر الذاتانية”، هو أبرز تعبير عن هذه الأزمة؛ حيث تحوّل الفرد إلى المرجعية الوحيدة للأخلاق، وصارت القيم الكبرى، مثل العدالة والخير، مشروطة بمزاج الأفراد وأهوائهم، لا بمرجعيات كونية. وهذا التحوّل كان نتيجة تراكم فلسفي بدأ مع (ديكارت-Descartes)، وامتدّ مع (كانط-Kant)، و(نيتشه- Nietzsche)، حتى انتهى إلى مآلات ما بعد الحداثة؛ حيث فقدت القيم أي أساس موضوعي لها.
وبهذا، فكل ما كان صلبًا من قيم وأعراف قد ذاب في تيار التغيّر الدائم، حتى أضحت الأخلاق نفسها “سائلة”، وغير قادرة على الصمود أمام ضغط السوق والاستهلاك[4]. وهذا ما يفسّر كيف أنّ قيمًا كبرى يمكن أن تُرفع شعارات كونية في خطاب الغرب، ثم تُنتهك بفظاظة حين تتعارض مع مصالحه الاستراتيجية.
تاريخيًّا، شكّل مذهب المنفعة(Utilitarianism) الذي أسّسه (جيريمي بنثام- Jeremy Bentham)، ثمّ طوّره (جون ستيوارت ميل- John Stuart Mill)، لحظة محورية في مسار الفكر الغربي؛ إذ جعل أعظم منفعة لأكبر عدد، معيارًا للأخلاق. لكن هذا المعيار، الذي بدا عقلانيًّا في البداية، سرعان ما تحوّل إلى ذريعة لتبرير سياسات استعمارية واقتصادية، تطيح بملايين البشر بحجّة “المصلحة العامة”. على أنّ مذهب المنفعة، بهذا المعنى، من الواضح أنّه يفتقر إلى العدالة؛ لأنه يقيس الخير بمجموع اللذات، لا بحقوق الأفراد.
والواقع أنّ المنفعة المطلقة أفرغت الأخلاق من مضمونها، وحوّلتها إلى حساب رياضي للربح والخسارة. فتُشرّع الحروب باسم “حماية الديمقراطية”، بينما جوهرها اقتصادي أو جيوسياسي. وتُسوَّغ التجارب العلمية على البشر أو البيئة بدعوى “التقدّم”، بينما هي في حقيقتها خدمة لرأس المال. وبذلك، صار الفعل الخُلُقي تابعًا للمصلحة والقوّة.
ثالثًا: التفكّك الاجتماعي وأزمة الأسرة.
ومن تجلّيات هذه الأزمة، أنّ الأسرة التي كانت الركيزة الأولى للأخلاق الاجتماعية، تعرّضت لانهيار متسارع؛ إذ إنّ نسب الطلاق المرتفعة، وتراجع الولادات، وصعود “الأسرة الفردانية” هي انعكاس مباشر لفقدان القيم المرجعية التي تحفظ تماسك المجتمع. وفي هذا السياق، يمكن فهم التحوّلات في “العلاقات الحميمة” في الغرب، التي هي نتاج لتحوّل القيم الخُلقيّة نفسها؛ حيث أصبحت تُبنى على الرغبة الفردية العابرة بدل الالتزام والثبات.
وبذلك، انحدرت الأخلاق من كونها رابطة تحفظ الإنسان والجماعة، إلى كونها خيارًا شخصيًّا لا يُلزم سوى صاحبه. وهذا ما جعل الغرب يعيش فراغًا قيميًّا يتجلّى في الانتحار، والاكتئاب الجماعي، والإدمان، والعنف، والعزلة، وجميعها مؤشّرات تدلّ على أزمة خُلقيّة بنيوية، لا يمكن اختزالها في “أمراض نفسية” فردية، فضلًا عن معالجتها بوصفات طبيّة.
رابعًا: الأخلاق وأداة الهيمنة.
ولعلّ أخطر ما في هذه الأزمة، أنّ الغرب لم يكتفِ بإفراغ الأخلاق داخليًّا، بل أعاد تصديرها للعالم بوصفها “قِيَمًا كونية”. فحين يرفع الغرب شعار “حقوق الإنسان”، فإنّه يفرض في الوقت نفسه نسخته الخاصّة من هذه الحقوق، بما يخدم سياساته الخارجية. وهكذا ستتبدّى لنا النيوليبرالية بوصفها مشروعًا سياسيًّا يستخدم مفردات الحُرّيّة والعدالة، لتكريس سلطة السوق العالميّة.
فالنسبيّة التي تفكّك القِيَم “جوّانيًّا”، ستتحوّل “برّانيًّا” إلى “مطلق سياسي”، يُفرَض بالقوة على الشعوب الأخرى.
خامسًا: من الفلسفة إلى السياسة وازدواجية الخطاب الغربي.
حين ظهرت النسبية الخُلُقية في الفكر الغربي الحديث، عُرضت بداية باعتبارها تحريرًا للإنسان من سلطة المرجعيات الدينية والميتافيزيقية. لكن هذا التحرير تحوّل تدريجيًّا إلى فراغ قِيَمي، سمح للقوة أنْ تحلّ محلّ الحقّ. فبدل أن تُفكّك النسبية “الوصاية”، صارت ذريعة لشرعنة أشكال جديدة من السيطرة. وقد حذّر (بول ريكور-Paul Ricœur) من هذا المسار، حين أشار إلى أنّ ما بعد الحداثة، بفكّها المرجعيات الكبرى، أنتجت “نسبية شاملة”، جعلت القيم كلّها عرضة للانتهاك باسم الاختلاف[5].
وفي هذا السياق، لم تبقَ النسبية حبيسة المجال الأكاديمي، بل سرعان ما انتقلت إلى الحقل السياسي والإعلامي؛ حيث تحوّلت إلى أداة لإعادة تشكيل العالم وفق معايير القوى المهيمنة. فكلّ قيمة يمكن تأويلها وإعادة توجيهها بحسب الحاجة: الديمقراطية تصبح مشروطة، وحقوق الإنسان تُجزَّأ، والحُريَّة تُعطى لبعض، وتُسلب من آخرين.
ويتجلّى هذا البعد الهيمني في الازدواجية الفاقعة للخطاب الغربي. فبينما يُقدَّم مبدأ “حرية التعبير” بوصفه قيمة مطلقة، تُقمع أي أصوات ناقدة حين تمسّ مصالح الدولة أو اللوبيات المؤثرة. وبينما تُرفع شعارات “المساواة”، و”حقوق المرأة” في بلدان معيّنة، تُسكت أصوات النساء في بلدان أخرى إذا تعارضت مطالبهنَّ مع الحسابات السياسية. وهذا ما أشار إليه المفكّر الأميركي (نعوم تشومسكي-Noam Chomsky) حين فضح كيف تُستعمل مفردات الحرية والديمقراطية في الإعلام الأميركي لتغطية سياسات القمع والتدخّل الخارجي[6].
وهنا، تصبح النسبية الخُلُقية أداة لتفصيل القِيَم على مقاس المصلحة الغربية، بحيث يُعاد تعريف الخير والشر كل مرّة وفق الاصطفاف السياسي والعسكري. فما يُعتبر إرهابًا إذا ارتكبه الآخر، ويُسمّى دفاعًا مشروعًا إذا ارتكبته القوى الغربية أو حلفاؤها.
سادسًا: السوق والهيمنة القِيَمية.
ولم يقتصر توظيف النسبية على السياسة، بل امتدّ إلى الاقتصاد؛ حيث صارت القِيَم نفسها سلعة تخضع لقانون العرض والطلب. فالمنصّات الرقمية مثلًا، التي يفترض أن تكون فضاءً للتواصل، تحوّلت إلى أدوات مراقبة وإعادة تكوين للوعي وفق مصالح الشركات العابرة للقوميات. وهذا ينسجم مع مصطلح “مجتمع المراقبة”؛ حيث تصبح الحُرّية الفردية مجرّد واجهة تخفي شبكة من الضوابط التي تقيّد الأفراد عبر الاستهلاك والإعلانات.
سابعًا: صناعة “المعايير المزدوجة“.
ومن أبرز تجلّيات النسبية بصفتها أداة هيمنة، أنّها أنتجت ما يمكن تسميته بـ “المعايير المزدوجة”. فالغرب يضع لنفسه حقّ احتلال دول وتفكيك مجتمعات، بحجّة “نشر الديمقراطية”، بينما يجرّم أيّ مقاومة محلّية لهذه الهيمنة بوصفها “إرهابًا”. وقد تناول (إدوارد سعيد) هذا النفاق الخُلُقي الغربي في كتابه “الثقافة والإمبريالية”؛ حيث كشف كيف يُستعمل الأدب والخطاب الثقافي، لتجميل مشاريع الاستعمار وشرعنتها خُلُقيًّا[7].
إنّ هذه الازدواجية هي نتيجة طبيعية لغياب الثابت الخُلُقي. فحين لا يكون هناك معيار متجاوز للمصالح، تصبح الأخلاق نفسها أداة في يد الأقوى. وبذلك تنكشف المفارقة: الغرب الذي أعلن النسبية بوصفها “تحريرًا”، هو نفسه الذي حوّلها إلى “سلاح سياسي”.
ثامنًا: الاستتباع الثقافي وإعادة تعريف القِيَم.
إلى جانب السياسة والاقتصاد، جرى استخدام النسبية لإعادة تعريف القِيَم الثقافية على الصعيد العالمي. فالمنظَمات الدولية، التي يفترض أنْ تعمل وفق مبادئ كونية، تخضع في واقعها لإملاءات القوى الكبرى؛ حيث تُعاد صياغة المناهج التعليمية والقوانين الأسرية والإعلامية في بلدان الجنوب، لتتوافق مع “النموذج الغربي”. يستخدم الغرب خطاب القِيَم لنشر هيمنته، في الوقت الذي يرفض فيه الاعتراف بالخصوصيات الحضارية للآخرين.
وبذلك، تحولت النسبية الخُلُقية إلى أداة لإعادة تكوين وعي الشعوب، وفرض نسخة واحدة من القِيَم، تحت ستار “التعدّدية”.
- من الإنسان الكوني إلى الإنسان المنعزل.
أحد أبرز إنجازات الفكر الغربي في عصر الأنوار، كان التأكيد على كرامة الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا، يستحقّ الحقوق غير القابلة للتصرّف. غير أنّ هذا الإنجاز سرعان ما تآكل حين جرى فصل الكرامة عن أي أساس ثابت. فقد حاول (إيمانويل كانط) أنْ يؤسّس للكرامة على قاعدة “الواجب الخُلُقي”، المستند إلى العقل العملي. لكن مع تطوّر الفكر الغربي، تراجعت فكرة الواجب نفسها أمام المدّ النفعي والبراغماتي، حتى باتت الكرامة مسألة نسبية قابلة للتفاوض والتسعير.
وهكذا انقلب مفهوم “الإنسان الكوني” إلى إنسان معزول، يحدّد قِيَمه تبعًا لمزاجه الفردي، أو لمصالح السوق.
- التفكّك الاجتماعي وفقدان التضامن.
لا تقوم المجتمعات على الحقوق وحدها، بل على شبكة من التضامن والقِيَم المشتركة. وحين تسقط هذه القيم، يتحوّل المجتمع إلى تجمّع أفراد متجاورين بلا روابط معنوية. وقد أشار (إميل دوركهايم- Émile Durkheim) إلى أنّ “الأنومي” (Anomie)– أي فقدان المعايير – يؤدّي إلى حالة من الاضطراب الاجتماعي والانتحار القِيَمي[8]. يتجلّى اليوم هذا التشخيص بوضوح في ارتفاع نسب العزلة والاكتئاب والانتحار في الغرب، وهي ليست ظواهر نفسية فردية فحسب، وإنّما علامات على انهيار الأساس الجامع الذي يربط الإنسان بجماعته.
لقد تحوّلت “الحرية” من فضاء مشترك إلى أداة انعزال، وصار الفرد ينظر إلى الآخر بوصفه تهديدًا لاستقلاليّته. وهكذا تراجعت مفاهيم، مثل التضامن والمسؤولية الاجتماعية، وحلّ محلّها خطاب “حقوق الفرد” المجتزأ عن أي التزام اتجاه الجماعة.
- غياب البُعد الروحي وتشييء الإنسان.
لا يقوم الأساس الإنساني الجامع على العقل وحده، وإنّما يحتاج إلى بُعد روحي يمنح الإنسان أُفقًا يتجاوز وجوده المادي. لكنّ الغرب، دخل مرحلة نزع القداسة عن العالم، فخسر الإنسان بذلك أُفقًا روحانيًّا يؤطّر قِيَمه. والنتيجة أنّ الإنسان نفسه صار يُعامَل بوصفه شيئًا يُقاس إنتاجه واستهلاكه، لا كائنًا يحمل معنى ورسالة.
وهذا التشيّؤ هو ما دفع الفيلسوف (هربرت ماركيوز-Herbert Marcuse) إلى صياغة مفهوم “الإنسان ذو البعد الواحد”، أي الإنسان الذي فَقَد تعدّدية أبعاده الروحية والخُلُقية، وتحوّل إلى وظيفة اقتصادية وسياسية فقط.
- نتائج الانهيار على الواقع الغربي.
انعكس انهيار الأساس الإنساني الجامع في أزمات ملموسة:
- أزمة الأسرة: تفكّكها وانهيارها باعتبارها حاضنة للقِيَم.
- أزمة التعليم: تحوّل المناهج إلى تدريب وظيفي بلا بُعد قِيَمي.
ج. أزمة السياسة: انحسارها إلى صراعات مصالح بلا أفق إنساني.
- أزمة البيئة: التعامل مع الطبيعة بوصفها شيئًا للاستهلاك، بلا قداسة أو مسؤوليّة.
تعكس هذه الأزمات فقدان “المشترك الخُلُقي” الذي يشكّل عماد كل حضارة. فسقوط الحضارات يبدأ حين تُفتقد “القيمة الجامعة”، التي تمنح أفعالها معنى.
تاسعًا: الحاجة إلى استعادة الثابت الخُلُقي.
لقد بيّن مسار الحداثة الغربية، أن النسبية الخُلُقية، مهما وُصفت بالتسامح والانفتاح، تؤدّي في النهاية إلى فراغ يلتهم المجتمع من الداخل؛ وذلك لأنّ القِيَم لا يمكن أن تكون مجرّد اختيارات فردية، بل تحتاج إلى قاعدة متجاوزة، تضمن وحدتها واستمرارها. “فالمطلق” شرط أساس لأيّ نظام قِيَمي؛ فإذا غاب المطلق، تفكّكت القيم، وتحوّلت إلى ذرّات بلا رابط.
إنّ الحاجة إلى الثابت الخُلُقي ضرورة إنسانية. فكما أنّ الجسد يحتاج إلى غذاء ثابت، يحتاج الوعي الجمعي إلى قِيَم ثابتة تحفظ تماسكه. وعندما تتحوّل الأخلاق إلى نسبية صرفة، يصبح كلّ إنسان مرجعًا مطلقًا لذاته، وتنهار إمكانات التعايش الاجتماعي.
ويعطينا التاريخ شواهد متكرّرة على أنّ سقوط القِيَم الثابتة، كان مقدّمة لانهيار الحضارات. فالمجتمعات لا تنهار بسبب التحدّيات الخارجية وحدها، بل حين تفشل في الحفاظ على “المبدأ الخُلُقي الجامع” الذي يوحّدها. وإذا طبّقنا هذا المنظور على الحضارة الغربية، فإنّ هشاشتها اليوم، تكمن في عجزها عن تقديم معنى جامع للإنسان، بعد أنْ استبدلت الثابت بالقابل للتغيير الدائم.
والمفارقة أن الحرية نفسها لا يمكن أنْ تستمر بلا مرجعية ثابتة. فالحرية ما لم ترتبط بالعدالة والكرامة والحقّ، تتحوّل إلى فوضى. فالحُرّية بلا ضوابط قِيَمية تتحوّل إلى استبداد الأغلبية أو استبداد الأقوياء.
ولهذا، فإنّ الثابت الخُلُقي لا يقيّد الحُرّية، وإنّما يحفظها من الانزلاق إلى الفوضى، أو إلى الاستغلال السياسي والاقتصادي.
وهذا يعني أنّ الحُرّية لا تتحقّق إلّا بارتكازها على “القانون الطبيعي” الذي يمثّل الأساس القِيَمي الثابت المشترك بين البشر؛ أي أنّه لا معنى للحُرّية إن لم تُحمَ من الانهيار عبر قاعدة خُلُقية متجاوزة.
لقد أظهرت العَولَمة المعاصرة أنّ النسبية لا تخدم التعدّدية، بل تفتح المجال أمام فرض قِيَم السوق باعتبارها معيارًا أوحد. ولهذا، فإنّ استعادة الثابت الخُلُقي تمثّل السبيل الوحيد لحماية المجتمعات من الذوبان في منطق السوق.
ومن هنا، تصبح استعادة الثابت الخُلُقي هي مسألة بقاء للهُوية والثقافة، في مواجهة قوّة العَولَمة التي تحاول تفكيك كلّ خصوصية.
إنّ الحاجة اليوم إلى “أخلاق إنسانية جامعة”، لا تعني العودة إلى صيغ تقليدية جامدة، وإنّما البحث عن قاعدة قِيَمية قادرة على الجمع بين الثبات والتجدّد. وقد طرح المُفكّر الفرنسي (إيمانويل ليفيناس- Emmanuel Levinas) فكرة “أخلاق الآخر”؛ حيث لا تكون القِيَم مجرّد انعكاس لإرادتي الفردية، بل استجابة لوجه الآخر، الذي يفرض عليّ مسؤولية لا مهرب منها[9]. ورغم الطابع الفلسفي لهذا الطرح، فإنّه يكشف أنّ الحاجة إلى مرجعية متجاوزة ليست بدعة، بل ضرورة وجودية لحفظ إنسانية الإنسان.
عاشرًا: أفق الوحي واستعادة الأخلاق.
أثبتت التجربة الغربية أنّ الإنسان إذا جُعل مرجعًا وحيدًا للأخلاق، فإنّه لا يستطيع أنْ ينهض بثابت يحفظ تماسكه ومعناه. فقد تنقّل الغرب بين مرجعيات متعاقبة: العقلانية الكانطية التي جعلت الواجب العقلي أساسًا للكرامة، ثمّ البراغماتية التي جعلت النفع المعيار الأسمى، ثمّ الوجودية التي ردّت كلّ شيء إلى حرية الفرد، وصولًا إلى ما بعد الحداثة، التي أعلنت موت المعنى نفسه.
لكنّ هذه المسارات انتهت جميعًا إلى المأزق ذاته: غياب المرجعية المتجاوزة. فالإنسان الذي يؤلّه نفسه، يجد أنه يفتقر إلى الأساس الذي يحميه من تقلّبات الهوى والمصالح. فتأليه الإنسان لا يختلف في جوهره عن عبادة الأوثان؛ لأنّه يجعل المحدود مطلقًا. وهكذا يظهر أنّ البديل الإنساني المحض – مهما زخرف بمفردات الحُرّية والحقوق – لا يستطيع أنْ يؤسّس لثابت خُلُقي جامع.
- الوحي وضمانة الثابت الخُلُقي.
إنّ الوحي في المنظور الإسلامي هو مرجعية كونية تُنزِل الأخلاق في إطار مطلق متعالٍ. فالقرآن الكريم يجعل الأخلاق جزءًا من سنن الوجود :﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [سورة الأنعام، الآية 115]. فالصدق والعدل جزء من حقيقة كونية ثابتة. وهذا هو الفرق الجوهري بين الأخلاق في أفق الوحي، وبين الأخلاق في أفق الوضع؛ إذ إنّ الأولى مطلقة؛ لأنها مستندة إلى الحقيقة المتعالية، والثانية نسبية لأنها من إنتاج الإنسان المتغيّر.
إنّ القيم القرآنية تمثّل أحكامًا مستندة إلى الواقع التكويني للإنسان والكون. ومن هنا، نفهم أنّ الإسلام لا يقيم الأخلاق على “اتفاق اجتماعي”، ولا على “منفعة آنية”، بل على حقيقة متجاوزة، تجعلها صالحة لكلّ زمان ومكان.
- الجمع بين الثبات والتجدّد.
قد يُظنّ أنّ جعل الوحي مرجعًا للأخلاق يعني الجمود أو الانغلاق، لكن حقيقة الأمر عكس ذلك. فالوحي يضع مبادئ ثابتة (كالعدل، والرحمة، والكرامة، والحرية المسؤولة). لكنّه، في الوقت نفسه، يفتح الباب للاجتهاد في تنزيل هذه المبادئ على الواقع؛ لأنّ الشريعة الإسلامية جاءت بمقاصد كلية ثابتة، ووسائل متغيّرة تناسب العصور والأحوال.
بهذا، يُقدّم الوحي نموذجًا فريدًا: فهو يضمن أن لا تضيع المبادئ في النسبية، ولا تتجمّد في صيغ تاريخية قديمة. إنّه يزاوج بين الثابت والمتغير، بين المطلق والنسبي، بحيث يحفظ للإنسان مرجعية عُليا، ويتيح له، في الوقت ذاته، إبداعًا متجدّدًا في التطبيق.
- الوحي والحرية المسؤولة.
ومن أبرز مفارقات النسبية الغربية أنّها رفعت الحرية إلى مرتبة مطلقة حتى تحوّلت إلى فوضى، بينما يقدّم الوحي مفهومًا مختلفًا للحرية: حُرية منضبطة بالمسؤولية. فالإنسان في القرآن خليفة لله في الأرض، حمّله الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ…﴾ [سورة الأحزاب، الآية 72]. وهذه الأمانة تعني أنّ الحُرية تكليفًا يرتبط بالمسؤولية.
وقد بيّن (طه عبد الرحمن) أنّ “الحُرّية في الإسلام هي حُرّية مؤتمنة”؛ أي حُرّية تجعل الإنسان مسؤولًا أمام الله والآخرين، فلا تتحول إلى نزوة أو عبث[10]. وهكذا، فبدل أن تكون الحُرّية نقيض الأخلاق، تصبح في أفق الوحي ثمرةً لها.
- أفق الوحي والبديل الكوني.
فالعالم اليوم، في زمن العولمة والهيمنة الرقمية، يكشف عجز المرجعيات الوضعية عن إنتاج معنى جامع. ومن هنا، فإنّ الوحي يُقدَّم بوصفه بديلًا كونيًّا يتيح للإنسانية أن تستعيد ثوابتها. وهذا لا يعني فرض نموذج ثقافي واحد، بل توفير قاعدة متعالية تسمح بالتنوّع في ظلّ الثابت.
فالإسلام يقدّم “نظامًا خُلُقيًّا عالميًّا”؛ لأنّه مستند إلى التوحيد، والتوحيد هو الذي يجعل من العدالة والكرامة والحُرّية قِيَمًا مطلقة تتجاوز اختلاف الثقافات. فبدل أنْ تكون الكونية، كما يريدها الغرب، فرضًا لثقافته على الآخرين، تصبح في أفق الوحي انفتاحًا على التنوّع الإنساني في إطار مرجعية ثابتة.
فإذا استعاد الإنسان علاقته بالوحي، استعاد المعنى الذي يملأ حياته. فالوحي يعيد صياغة الوجود نفسه في ضوء الغاية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة المؤمنون، الآية 115].
بهذا، يصبح الوحي هو الأفق الذي يحرّر الإنسان من العبثية والنسبية، ويمنحه ثباتًا يوازن بين حُرّيته ومسؤوليته، وبين فرادته وانتمائه.
المصادر والمراجع:
- إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، 1997.
- إميل دوركهايم، الانتحار، ترجمة حسن عودة، سورية، الهيئة العامة السورية للكتاب، لا ط، 2011.
- إيمانويل ليفيناس، الكليّة واللامتناهي: بحث في البرّانيّة، ترجمة عبد العزيز بومسهولي، السعودية، صفحة سبعة للنشر والتوزيع، ط1، 2021.
- بول ريكور، صراع التأويلات، ترجمة جورج زيناتي، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط2، 2005،.
- زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016.
- طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط1، 2012.
- نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام، ترجمة أميمة عبد اللطيف، دمشق، دار المدى، ط1، 1998.
[1] هذه المقالة هي افتتاحية العدد التاسع من مجلة اعتقاد للدراسات الكلامية وفلسفة الدين، والتي تصدر عن مركز براثا للدراسات والبحوث.
[2] مفكر لبناني، مدير مركز براثا للدراسات والبحوث، ورئيس تحرير مجلة اعتقاد للدراسات الكلامية وفلسفة الدين.
[3] زيغمونت باومان: الحداثة السائلة، الصفحة 112.
[4] راجع: زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، الصفحتان 112-113.
[5] بول ريكور، صراع التأويلات، الصفحة 78.
[6] راجع: نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام، الصفحة 14 وما بعدها.
[7]راجع: إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية.
[8] راجع: إميل دوركهايم، الانتحار.
[9] راجع: إيمانويل ليفيناس، الكليّة واللامتناهي: بحث في البرّانيّة، الصفحة 88 وما بعدها.
[10] طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
