مقدمة.

تخيّل أنّ الزمان يقف أمامك مخاطبًا: “يا ابن آدم، أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، فاعمل فيّ خيرًا، فلن أعود أبدًا!”. أيُّ رهبة هذه؟ وأيُّ مسؤولية أعظم من أن يتحول كل يوم إلى شاهد أبدي لك أو عليك؟

إنّ أعظم خسارة للإنسان ليست في مالٍ يفنى، ولا في جاهٍ يزول، بل في أن ينقضي العمر بلا ثمرة. لهذا أقسم الله سبحانه بالزمان قائلًا: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. [سورة العصر، الآيات 1-3].

هكذا يضعنا القرآن أمام معادلة صارخة: العمر إمّا استثمارٌ في الخلود أو ضياعٌ في الخسران. ومن هنا يبدأ طريق العبد نحو النجاة.

بداية الطريق: العبودية الواعية.

رسم أمير المؤمنين (ع) القاعدة الذهبية بقوله: “ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل خيرًا استزاد الله منه، وإن عمل شرًّا استغفر الله منه”. [نهج البلاغة، الحكمة 207].

المحاسبة ليست ترفًا روحيًّا، بل هي جوهر العبودية الواعية. إنها تعني أن يحول الإنسان لحظاته العابرة إلى كنوز خالدة. الزمن لا يتوقف، لكن يمكن أن يُحبس في صحيفة أعمالك بصدق النية وصلاح العمل.

وقد أوصى العلامة الطباطبائي (رض) أن يبدأ المرء صباحه بعزم صادق، وأن لا يقوم بعمل يخالف رضا الله، ثم يختم ليلته بمراجعة دقيقة: فإن وجد خيرًا شكر، وإن وجد معصية استغفر. قد يبدو هذا البرنامج ثقيلًا في البداية، لكنه مفتاح النجاة الأكيد.

التقوى، الرقيب الذي لا ينام.

تضبط القوانين ظاهر المجتمع، أما الباطن فلا يحرسه إلا التقوى. ولهذا قال الشهيد مرتضى مطهري (رض): “ما من شيء يقوم مقام التقوى في ضبط حركة الفرد والمجتمع.”

أما أمير المؤمنين (ع) فقد لخّص حقيقتها بأربع كلمات جامعة: “الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل”. [نهج البلاغة، خطبة 193].

فالإنسان بلا تقوى عبدٌ لهواه، مهما بدا حرًّا. ومن هنا جاءت وصية العارف الشيخ محمد هادي التألهي (رض): “أنت خُلقت عزيزًا فلا تذل نفسك، ولا تجعلها أسيرة عند الشيطان وأهواء النفس.”

التقوى إذن، هي درع الحصانة، وهي الرقيب الذي لا ينام، وهي التي تجعل المرء مالكًا لنفسه لا مملوكًا لشهواته.

الزمن بين الفناء والخلود.

من منظور فلسفي، العمر هو الوعاء الوحيد الذي تتحقق فيه إنسانيتنا. كل لحظة تفلت منا إمّا أن تصبح ذخرًا أبديًّا، أو تخسر إلى الأبد.

يقرّر القرآن الكريم قاعدة واضحة: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. [سورة البقرة، الآية 110].

فاللحظة العابرة يمكن أن تتحول إلى خلود إذا استثمرها الإنسان في سبيل الله، أما إذا أهملها فقد ضيّع رأس ماله الوجودي.

إذن، الزمان لا يمكن حبسه، لكنه يمكن أن يُخلّد. ومن هنا يدرك العاقل أنّ عمره هو أعظم نعمة وأثمن وديعة.

المجاهدة في سبيل القرب الإلهي.

التقوى هي الهدف، والمحاسبة اليومية هي الوسيلة. ومن هنا تبدأ المجاهدة الحقيقية: أن يجاهد الإنسان نفسه صباحًا ومساءً ليجعل أيامه كلها لله.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. [سورة العنكبوت، الآية 69].

وهذه المجاهدة لا تعني فقط ترك الحرام، بل أن يزين المرء حياته كلها بعبودية صادقة، فيتجمل كل يوم عند ربه بجمال طاعته، ويتخلّق بكمالاته، حتى يصبح الزمان نفسه مرآة تعكس أنوار القرب الإلهي.

الخلاصة.

أيها القارئ العزيز… العمر يذوب كما يذوب الثلج في حرّ الشمس، والزمان يهرب من بين أصابعك كما يهرب الماء من الكفّ. لكنك تملك القرار: أن تجعله يتبخر في هواء الغفلة، أو تحوّله إلى نهر خالد يجري بك إلى جنات النعيم.

انتبه! كل يوم يخرج من عمرك لا يعود، لكنه لا يضيع؛ بل يقف شاهدًا عليك يوم القيامة. إن كان خيرًا صار نورًا يضيء قبرك ويشفع لك عند ربك، وإن كان شرًّا صار ظلامًا يطاردك في محشرك. فهل ترضى أن يأتي يومك غدًا شاهدًا بالخيبة عليك؟ أَمَا سمعت قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [سورة الإسراء، الآية 14].

المراقبة اليومية والتقوى ليستا عبئًا ولا تكليفًا ثقيلًا، بل هما سرّ العزّة والحرية. بالتقوى تصبح سيّد نفسك، وبالمحاسبة اليومية تصبح سيّد زمانك. أما من أهملها، فهو عبد لشهواته وأسير لأهوائه، وإن ظن أنه حر. فانهض من غفلتك قبل أن يقال لك: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. [سورة المؤمنون، الآية 115].

واسمع نداء عليٍّ (ع): “ألا وإنّ التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل”. فكن من أهل الحصن لا من أهل الذل، واصنع لنفسك مقامًا بين أولياء الله بتزكية نفسك ومحاسبتها.

أيها القارئ… الزمان يتكلم كل يوم، لكن الغافلين لا يسمعون. فكن أنت السامع، وكن أنت المجاهد، وابدأ من هذه اللحظة. لا تؤجّل التوبة، لا تؤجّل العمل، لا تؤجّل الجهاد مع نفسك. فإنك إن صدقت في خطوتك الأولى، هداك الله إلى سبل القرب، وجعل عمرك كله نورًا وخلودًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. [سورة العنكبوت، الآية 69].

فاختر الآن… هل ستكون من الرابحين الذين استثمروا أيامهم، أم من الخاسرين الذين بدّدوا أعمارهم؟ القرار بيدك، والزمان شاهدك الأبدي.

اللهم اجعل أعمارنا مزهرةً بذكرك، وأيامنا معمورةً بطاعتك، وليالينا مطمئنةً بمغفرتك. اللهم وفّقنا لمحاسبة أنفسنا، وارزقنا تقواك في السرّ والعلن، وثبّت قلوبنا على طريق أوليائك، واحشرنا في زمرة محمد وآله الطاهرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

الهوامش والمصادر

  1. القرآن الكريم، سورة العصر، الآيات 1-3.
  2. القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 110.
  3. القرآن الكريم، سورة العنكبوت، الآية 69.
  4. القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 14.
  5. القرآن الكريم، سورة المؤمنون، الآية 115.
  6. نهج البلاغة، الحكمة 207.
  7. نهج البلاغة، خطبة المتقين (193).
  8. العلامة الطباطبائي، رسائل ومقالات أخلاقية.
  9. مرتضى مطهري، التقوى وضبط حركة الفرد والمجتمع.
  10. الشيخ محمد هادي التألهي، وصاياه الأخلاقية.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.