الأطر السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في زيارة الأربعينية الحسينية

الأطر السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية  في زيارة الأربعينية الحسينية

15th أبريل 2024

مقدمة

زيارة الأربعين … نظرة تاريخية

كلمّا مضى عام وجاءت ذكرى كربلاء وأربعينية الإمام الحسين (ع)، نجد أنفسنا نتوقف كل عام، وكل يوم حول الجديد، وما يطرأ على العالم بأسره من قيم الدفاع عن المظلومين ومحاربة الاستكبار، ومع تطور الزمن، تظل قيم الحسين باقية ثابتة لأنها القيم التي تتعلق بالإنسان، وقيم النبل والكرامة، وفي أفق كربلاء ثم أربعينية سيد الشهداء، نرى كم هو عزاء نبيل صافي ثوري في أطره السياسية والثقافية والفكرية عمومًا، ونسعى لأن نكتب عن الأطر التي مثّلها سيد الشهداء، وأكّدتها أربعينيته المقدسة.

ونخص في هذا البحث للحديث عن الأطر السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية في زيارة الأربعينية الحسينية، لا نضيف الجديد، بل نبحث عن رؤية كونية شاملة يقودها الإمام الحسين (ع)، بسيرته الطاهرة ودمه الزكي، ونسعى كي تتضح الأمور للمسلمين وغير المسلمين من الهدف الحقيقي للزيارة الأربعينية، فالحسين (ع) لا يمثل الإنسان المسلم فقط، بل يمثل الإنسانية بأسرها، ومن وحي الزيارة الأربعينية، نحاول استقصاء الأطر التي تحدّث عنها عنوان البحث.

خصوصية الشعائر في أربعين الحسين(ع)

تأتي خصوصية إقامة الشعائر الحسينية في يوم أربعين الإمام الحسين (ع) المصادف في العشرين من صفر،  كونها تشكل إحياءً لنهضة الإمام الحسين (ع) الإصلاحية وتعاليمه الأخلاقية ومبادئه النبوية، فإن قضية سيد الشهداء هي التي ميزت بين دعوة الحق والباطل، ولولا نهضة الحسين (ع) ووقوفه بوجه الظلم والطغيان الأموي لكاد الإسلام أن يندثر حتى قيل: الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء، وما قام به الإمام الحسين (ع) في نهضته الإصلاحية كان امتدادًا لدعوة الرسول (ص) لنشر الإسلام، وهو (ع) الامتداد الطبيعي للنبي (ص) بنص حديث الرسول: “حسين مني وأنا من حسين”[1].

وتأتي خصوصيتها أيضًا في استذكار الفاجعة التي جرت على أهل البيت (ع) في يوم عاشوراء، وما صاحبها من المآسي والآلام، وتعريف الناس بجور بني أمية وأذنابهم، كما تتزامن إقامة الشعائر الحسينية في يوم الأربعين مع ذكرى رجوع الرأس الشريف من الشام إلى العراق، ودفنه مع الجسد الطاهر في يوم العشرين من صفر كما جاء في الروايات، ويسمى هذا اليوم في العراق (مَرَدّ الرأس)، فتقام الشعائر استذكارًا لهذه الحادثة الأليمة فتتجدد الأحزان[2].

أولًا: فضل الزيارة الأربعينية

الكثير من العلماء الأعلام أكّدوا فضل زيارة الحسين (ع) في يوم الأربعين، وقد استدلوا في ذلك على روايات الأئمة المعصومين (ع) منهم على سبيل المثال لا الحصر[3]:

1 . قال أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب، الجزء 2، باب فضل زيارة الحسين (ع)، الصفحة 17، فإنه بعد أن روى الأحاديث في فضل زيارته (ع) ذكر المقيد منها بأوقات خاصة، وذكر شهر صفر وما فيه من الحوادث. نقل عن مصباح المتهجد، الصفحة 551 ثم قال: وفي يوم العشرين منه رجوع حرم أبي عبد الله الحسين من الشام إلى مدينة الرسول، وورود جابر بن عبد الله الأنصاري إلى كربلاء لزيارة أبي عبد الله الحسين فكان أول من زاره من الناس وهي زيارة الأربعين، ثم روى حديث الإمام الحسن العسكري[4].

  1. 2. وأبو الريحان البيروني في الآثار الباقية، الصفحة 331: في العشرين من صفر رد الرأس إلى جثته، فدفن معها، وفيه زيارة الأربعين ومجيء حرمه بعد انصرافهم من الشام[5].
  2. 3. والعلّامة الحلّي في المنتهى كتاب الزيارات بعد الحج: يستحب زيارة الحسين في العشرين من صفر، ثم روى حديث الإمام العسكري.
  3. 4. والعلّامة المجلسي في البحار، باب فضل زيارة الحسين يوم الأربعين.
  4. 5. والسيد ابن طاووس في الإقبال.

6 . والشيخ يوسف البحراني في الحدائق في الزيارات بعد الحج.

7 . الشيخ المفيد في مسار الشيعة.

8 . العلّامة الحلّي في التذكرة والتحرير.

9 . ملّا محسن الفيض في تقويم المحسنين.

10 . الشيخ البهائي في توضيح المقاصد الأربعين.

11 . الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان.  

كل هؤلاء العلماء وغيرهم كثير ممن رووا ما يؤكد قداسة الزيارة الأربعينية، فضلًا عن يوم عاشوراء، وقد شاهد الملايين في أرجاء العالم الزيارات المليونية لسيد الشهداء، وعرفوا أن العزاء الحسيني، ليس مجرد عزاء، ولكنه تأكيد على تجديد العهد، وادخار قوى المقاومة معينًا لا ينضب من الروحانية والأريحية والنقاء الثوري. ولأئمة أهل البيت (ع) أقوال كثيرة في فضائل الأربعينية الحسينية.

الأربعينية في أقوال الأئمة (ع)

وردت روايات عن الأئمة المعصومين في خصوصية يوم الأربعين، وفضل زيارة الحسين (ع) في ذلك اليوم، ففي مستدرك الوسائل للنوري[6]، عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد الله الصادق أنه قال: إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحًا بالدم، والأرض بكت عليه أربعين صباحًا بالسواد، والشمس بكت عليه أربعين صباحًا بالكسوف والحمرة، والملائكة بكت عليه أربعين صباحًا، وما اختضبت امرأة منا ولا أدهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد وما زلنا في عبرة من بعده[7].

وروي في كامل الزيارات عن الإمام محمد الباقر (ع) أنه قال: إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحًا، أما زيارة الإمام الحسين يوم الأربعين، فقد وردت في أحاديث عن الأئمة المعصومين في فضلها، منها ما روي عن الإمام الحسن العسكري أنه قال: علامات المؤمن خمس؛ صلاة إحدى وخمسين؛ وزيارة الأربعين؛ والتختم باليمين؛ وتعفير الجبين[8].

أما الزيارة المشهورة في يوم الأربعين والمعروفة بالأربعينية فقد رويت على روايتين:

الرواية الأولى: رواها صفوان الجمال عن الإمام الصادق فقال: قال لي مولاي الصادق تزور الحسين عند ارتفاع النهار وتقول… ثم تلا الزيارة[9].

أما الرواية الثانية: فقد رويت عن عطا عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنت مع جابر يوم العشرين من صفر فلما وصلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها ولبس قميصًا كان معه طاهرًا ثم قال لي: أَمَعَكَ شيءٌ من الطيب يا عطاء؟ قلت: سعد، فجعل منه على رأسه وسائر جسده، ثم مشى حافيًا حتى وقف عند رأس الحسين وكبّر ثلاثًا، ثم خرّ مغشيًّا عليه، فلما أفاق سمعته يقول: … ثم تلا الزيارة[10].

الزيارة، الشعائر والإحصائيات

منذ أن التقى الإمام زين العابدين في كربلاء بالصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري أصبحت كربلاء قبلة للزوار في يوم العشرين من صفر، أربعين الإمام الحسين (ع)، يؤمّها الملايين من المسلمين من الكثير من البلدان العربية والإسلامية ـ إضافة إلى العراق…. وأصبح الزوار يتزايدون سنة بعد أخرى.

وتشير الإحصائيات إلى أن عدد الزوار يوم الأربعين سنة 1968 بلغ أكثر من نصف مليون زائر، وارتفع عددهم في بداية السبعينات إلى حوالي مليون زائر، حتى بدأت سلطات نظام البعث البائد بمحاولات عقيمة لمنع الزوار من أداء زيارة الأربعين، خوفًا من النقمة وتحسبًا من الثورة ضد الظلم والطغيان، وقد ذهب في سبيل ذلك آلاف المؤمنين بين شهيد ومسجون ومعذّب على أيدي أزلام نظام الدكتاتور صدام، ولكن بعد رياح التغيير التي هبت على العراق ونهاية الدكتاتورية الصدامية، أُفسح المجال للمسلمين لزيارة الإمام الحسين (ع) حتى وصلت أعداد الزائرين (في زيارة الأربعين، خلال السنوات التي أعقبت 2003 لأكثر من خمسة ملايين زائر، بينما بعض وسائل الإعلام قدّرت أعداد الزائرين بـ ثمانية ملايين زائر، جاء أغلبهم من مدن العراق المختلفة، وكذلك من الدول العربية والإسلامية، وخاصة من إيران والهند وباكستان والبحرين والكويت والسعودية[11].

وخلال إقامة الشعائر الحسينية في يوم الأربعين في كربلاء يصل عدد المواكب الحسينية إلى ألفي موكب أحيانًا، يتوزعون بين مقرّات المواكب والحسينيات والمساجد، وكذلك الفنادق والمقاهي والمطاعم بحيث تضطر الألوف من الزائرين إلى قضاء ليلة زيارة الأربعين في الصحنين الشريفين للحسين والعباس، إضافة إلى الشوارع والأزقّة.

كما تضطر بعض المواكب الوافدة إلى كربلاء إلى أن تنصب خيامًا خارج المدينة أو في أطرافها وتنظيم أمورها لتقديم المنام والمأكل والمشرب لأفرادها وضيوفها من الزائرين[12].

وخلال إقامة مواكب العزاء في كربلاء يتبادل أفراد المواكب الزيارات فيما بينهم للتعارف وتقديم الخدمات لبعضهم البعض، والاستماع للخطب والقصائد التي تقام بهذه المناسبة، والتي تعبر عن اعتزازهم بتضحيات الإمام الحسين وأخيه العباس من أجل الإسلام وحبهم وتفانيهم في خدمة الزائرين[13].

وحول أربعينية سيدنا الإمام الحسين (ع)، نكتب تلك المحاور حول الأطر المختلفة للأربعينية المقدسة.

المحور الأول

الإطار السياسي الثوري في الزيارة الأربعينية

إن الإطار السياسي في أربعينية سيد الشهداء واضحة، وهو إطار ثوري، ضد قوى الشر والفساد والاستبداد، وقد حمل الإمام الحسين (ع) هذا العبء بكل طاقة الأبرار على مر العصور، ولم يكن غير الحسين (ع) يحمل هذا الأمر العظيم، وهو امتداد الدوحة النبوية المحمدية.

قال رسول الله (ص): “حسينٌ مني وأنا من حسين”[14]؛ هذا الحديث المبارك الشريف لا يعطي فقط دلالة أن الإمام الحسين (ع) من نسب رسول الله وسبطه وابن ابنته فاطمة (ع)[15]، وإنما يعطي دلالة كبيرة وجوهرية في مسألة المنهج، وقد كان هدف الرسول (ص) هو تأكيد على خط الإمام الثوري المستمر، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾[16]، وفي هذه الآية القرآنية تعبير عن الفلسفة الجوهرية للبعثة النبوية، والآية كاملة تحدد المنهج الكامل والمتكامل للرسالة المحمدية: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[17].

وهو ذات المنهج، الذي سار عليه الإمام الحسين (ع)، والمقصود هو تحرير الإنسان ببعده الحقيقي من هيمنة الطغيان ووصاية الاستبداد، مستلهمًا عبارة الإمام علي (ع): “الحياة في موتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين”[18]؛ أي الموت مع الفضيلة خير من الحياة مع الخسة والذل.

إن الإسلام يرفض بشكل مطلق كل أشكال الاستبداد؛ لأن الإسلام والحرية وجهان لعملة واحدة، والحرية جوهر الإسلام، فالإنسان جاء للحياة من أجل الامتحان، وهو مكلف ويتحمّل المسؤولية، والمسؤولية معناها حرية الإرادة، فلا يمكن للإنسان أن يعيش تحت حكم ووصاية وولاية الاستبداد، وهو لا يستطيع أن يمارس حريته؛ لأن الوجود الحقيقي للإنسان هو الوجود الحر، والاستبداد هو سالب للحريات، وبالتالي سالب لفلسفة الوجود والتكليف والمسؤولية.

والأنبياء والأئمة الأطهار (ع) كانوا في مواجهة الطغاة، فإبراهيم واجه نمرود، وموسى واجه فرعون، وعلي (ع) واجه معاوية، والحسين (ع) كان هدفه مواجهة طغيان يزيد، الذي بدأ باستعباد الناس، والإمام علي الهادي (ع) واجه المتوكل، والإمام موسى الكاظم (ع) كان في مواجهةٍ مع هارون، وهي مواجهات حروب بين الخير والشر، وبين الحرية والاستعباد، بين الأريحية ضد الأنانية والنرجسية[19].

الحرية قضية إنسانية

لكن التغيير الحقيقي يبدأ من تحرير الإنسان من نفسه أولًا، فلا بدّ أن يتحرر الإنسان من الأنانية والشهوانية المنغرسة بداخله، يقول الإمام علي (ع): “لا تكن عبدًا لغيرك وقد خلقك الله حرًّا”[20]. فلا يكون عبدًا لشهوانيته وغرائزه، والإنسان الذي يكون عبدًا لغرائزه سيكون بسهولة عبدًا للظالم، فهو يركض وراء شهواته وجشعه وطمعه، ويكون مستبدًّا مع عائلته، وأهله، ومع تلاميذه، ومع عشيرته، ومجتمعه، ولهذا يخنع ويخضع بسهولة للظالم والحاكم المستبد، فالركون للاستبداد والدكتاتورية هو إذعان للعبودية لغير الله تعالى.

والحرية هي قضية الإنسان، وقصته منذ الأزل، حيث كان هناك صراعٌ مستمر بين الحرية واستبداد الطاغية على مر الدهور، فغاية المستبد دائمًا هو أن يضع نفسه حاكمًا سلطويًّا مطلقًا، في مقابل الله تعالى، ويصنع من نفسه ربًّا يستعبد البشر بالمال والطعام والخوف والنفاق والتضليل.

لذلك تنهار المجتمعات وتصبح مفككة هشة في ظل حكم الطغيان والاستبداد، حيث تنهار أخلاقيات الخير وتسيطر سلوكيات الشياطين وشرورهم.

الإمام الحسين في مواجهة منظومة الفساد

إن الإمام الحسين (ع) أسّس للنهضة، وأراد أن يخلّص الأمة من أغلال الشهوة، ويحوّلهم من إطار الشر إلى إطار الرحمة والحرية، ولهذا كانت رسالته إلهية إنسانية، وكذلك أراد أن يحارب منظومة الفساد، الذي استشرى في المجتمع ويحرره من ذلك الانهيار الأخلاقي والسلوكي المريع، لهذا لا يمكن أن نقول نحن حسينيون ما دمنا نقبل بالظلم والفساد والاستبداد، فهذا الامتداد العاشورائي هو امتداد للحرية الحسينية، وقد رفع أهل بيت رسول الله راية الحسين (ع) كدليلٍ للكفاح من أجل الحرية الحسينية وطلب الإصلاح في أمة رسول الله (ص)، ومكافحة الفاسدين.

والطغاة على مر التاريخ كانوا يخافون من كل تجمع أو مظاهرة، وقد حاربوا هذا الامتداد العاشورائي؛ لأنه يمثل كفاح الحرية ضد المستبدين لكنهم لم ينجحوا، لأنه كلما كانت القضية كبيرة في معانيها كان المجتمع متمسكًا بها بقوة، ومنهم النظام البائد، الذي منعها أكثر من ثلاثين سنة، ولكن هل انتهت؟ لم تنتهِ، لأنها قضية قائمة على مبادئ إلهية عظيمة تعبر كل الحقب التاريخية والأجيال المتعاقبة، فالطغاة زالوا لكن الإمام الحسين (ع) بقي، وهذه أعظم عبرة لا بدّ أن يقف عندها الجميع ليتعلموا أن شرور الاستبداد وسلوكياته السيئة لا تستطيع أن تسلب معاني الحرية الحسينية.

الوفاء للإمام الحسين

إن أساس كل الصراعات هو الخلاف الناشئ بين مبدأ الشيطان ومبدأ الله، ومبدأ الله هو الرحمة، ومبدأ الشيطان هو السلطة والشهوة، والإمام الحسين (ع) حمل مبدأ الرحمة، ولهذا نقول الحرية لأنها مرتبطة بالرحمة، وتفعيل الحرية من أجل بناء مجتمعٍ صالح تأتي من خلال قيام المجتمع بممارسة إرادته عن طريق سلوك القيم الفاضلة، فالإنسان الذي يمارس الأمانة ويصدق في فعله وقوله هو إنسان حر، كما أنه يكون معطاءً مسؤولًا متعايشًا ومتسامحًا مع جيرانه، متضامنًا مع إخوانه في المجتمع، كما أن الذي يسلك طريق العنف والقسوة والفساد والتسقيط والكذب والتهمة والغش وخيانة الأمانة ويسرق، هو عبد للسلطة والمال والظلم والطغيان[21].

لقد ضحى الإمام الحسين (ع) بنفسه وأصبحت عائلته سبايا من أجل حريتنا، وأن نعيش أحرارًا في حياتنا، وهذه التضحية تحفّزنا لنكون بمواجهة الطغاة، وأن نحمي حريتنا لكي نكون أوفياء للإمام الحسين (ع)، وأن نكون في معسكره، كما فعل (الحر بن زياد) حين شعر أن عليه أن يتخذ القرار بنفسه، إما أن يكون حرًّا مع الإمام الحسين (ع)، أو أن يكون عبدًا ليزيد، فوقف وقفة شجاعة ومارس حريته في الاختيار، واختار الحق فعاش بسيرته بين الأحرار.

مواصفات الإنسان الحر

إن العبودية تجعل الناس أمواتًا وهم أحياء، والحرية تجعل الناس أحياء وهم أموات ففي الآية القرآنية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[22]، والآية: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚبَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾[23]، لأنهم أحرار، والزائر المبارك أمامه فرصة كبيرة عندما يأتي للزيارة وخصوصًا زيارة الأربعين، وعليه معرفة كيف يستطيع أن يتأثر بهذه الأجواء ويستلهم القيم والمبادئ، ويأخذ الأفكار العظيمة.

الإنسان الحر يبتعد عن الصراعات والأنانية ويكسر أصنام العبودية الذاتية والأصنام، مثل التكبر والغرور وشغف التسلط وشهوة السلطة، الأنانية والاستئثار والاحتكار وتهميش الآخر، الشهوات والغرق في مستنقع الغرائز، والطمع واللهاث وراء الماديات دون أي ورع أو تقوى.

أما الحر، فهو الذي يكون شغوفًا بحب العطاء وبذل المال، فهو يتنفس الصعداء ويشعر براحة كبيرة إذا تبرع للمدارس أو المستشفيات أو الأيتام، فيكسر الأغلال ويتخلق بالأخلاق الحسينية، ويكون في قمة العطاء الإنساني والمشاركة في بناء المجتمع الصالح، ولعل الأغنياء عليهم المسؤولية الأكبر في هذا الجانب مثل دعم الكتاب الحسيني، أو المؤسسات الحسينية الثقافية والتعليمية والخدمية أو الجامعات، والمساهمة في بناء المجتمعٍ الحسيني الحر[24].

المحور الثاني

الإطار الثقافي

زيارة الأربعين وآفاق النهوض الثقافي

ثقافة الثورة الحسينية تتمثل في إطارها النهضوي الثقافي الإمامي الحر، وعندما يكون الإنسان بلا ثقافة أو عاطفة، فإنه لا يفهم معاني الكثير من المشاعر الإنسانية الثقافية، فهو مثلًا لا يفهم ما هو الخشوع، وربما يسمع بمفردة الرأفة، ولم يجربها في حياته، لذلك الإنسان عندما تجف عاطفته، قد يكون شبيهًا بالروبوت الآلي، الذي يتم تصنيعه في اليابان أو أمريكا أو غيرها، حيث يقول الخبراء المصنعون: إنهم يصنّعون كائنات ذكية، تشبه الإنسان، ولكنها بلا مشاعر، لذا يمكن أن نشبّه الإنسان الفعلي الخالي من العاطفة بالروبوت[25].

وهذا يعني أن الإنسان ينبغي أن يوازن بين المادي والعاطفي، ويحتفظ بالثنائية وقانون التضاد بين الأشياء، حتى تكون حياته كلها متوازنة، فمثلًا عندما يكون الإنسان ماديًّا، قد يحقق نجاحات كبيرة على مستوى الثراء وما شابه، لكنه لن يكون سعيدًا، لأنه لا يهتم بعاطفته ولا يعبأ بمشاعره، وربما لا يعرف البكاء طوال حياته، فتكون حياته كلها مكرّسة للمادة فقط، فيخسر الجانب العاطفي، ويصبح كمن يرى الحياة بعين واحدة.

لذلك ينصح علماء النفس الأشخاص الأذكياء والأقل ذكاءً بعدم التفريط بالعاطفة، وكثير منهم يؤكدون على مزايا الخشوع والتفاعل الإنساني الحميم والبكاء، ويؤكدون أيضًا أن الإنسان، الذي يوازن بين العاطفي والمادي يكون أكثر سعادة واستقرارًا ونجاحًا من الإنسان، الذي يفتقد أحد الجانبين، وكلاهما يفشل في تحقيق التوازن، ولا يمكن أن يكون هناك مفكر بلا عاطفة، إلا إذا كان فكره مقتصرًا على الأفكار المادية البحتة.

توجد أهمية المزاوجة بين المادة والعاطفة، بين الثقافة والجهل، ومن ثمة تطوير المسار الثقافي للمجتمع على أساس التوازن العاطفي الفكري والمادي.

من هنا، ينبغي أن يكون لدى القائمين على المؤسسات الثقافية والمنظمات والاتحادات والمنتديات رؤية وتصور واضح عن أهمية الربط بين العاطفي والمادي، وانطلاقًا من هذه الرؤية يمكن للمعنيين بالثقافة في العراق والبلدان الإسلامية والمسلمين في كل مكان، أن يستفيدوا من زيارة الأربعين لتحقيق الموازنة بين العاطفي والمادي.

إن بعض علماء النفس يؤكدون أن استعداد الإنسان العاطفي للتثقيف والفهم وهضم التجارب النظرية والتطبيقية، يكون أفضل من الإنسان ذي التفكير المادي البحت.

من هنا، علينا أن ندرب الأشخاص على أهمية الموازنة بين مشاعرهم وأفكارهم المحصورة بالعلم والمادة وما شابه، وهذا جانب بالغ الأهمية، ولا ينبغي إهماله لأي سبب كان، ويمكن أن تكون زيارة أربعين الإمام الحسين (ع) منطلقًا لنا نحو تحقيق هذا الهدف الجوهري، على أن تكون هناك خطوات واضحة للمضي الحثيث والسليم في هذا الاتجاه[26].

الإطار الثقافي المنهجي في الفكر الحسيني

من المتعارف عليه للجميع، أن ملايين الزوار الكرام من عموم المسلمين، من مشارق الأرض ومغاربها، من خارج العراق وداخله، تتدفق إلى مرقد سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) في زيارة الأربعين، لأداء مراسم هذه الزيارة السنوية المليونية، ولإحياء مبادئ الإمام الحسين، وأئمة أهل البيت (ع)، هذه الملايين تحمل في صدورها المشاعر الجيّاشة، والعواطف الصادقة والإنسانية الراقية، وتحمل من الخشوع كنوزًا لا تحصى ولا تُعدّ، فهي في الواقع، وكما يلاحظها المتابع مفعمة بالعواطف، ومن المناسب جدًّا أن تجد من يرعاها ثقافيًّا.

لذلك تكون زيارة الأربعين عاملًا مساعدًا لتثقيف الملايين من المسلمين، ويمكن أن تكون هذه المناسبة الدينية منطلقًا للنهوض بملايين المسلمين أينما كانوا، عندما تتم المزاوجة بصورة مخطط لها من لدن المعنيين، بين أداء مراسم الزيارة وبث الثقافة والوعي في عقول وإدراك الملايين اللذين يتوافدون إلى كربلاء المقدسة.

ولا شك أن التنظيم والتخطيط، ومن ثم التنفيذ الحاذق من لدن المعنيين، لتحقيق القفزة النوعية المطلوبة ثقافيًّا للمسلمين، يمكن أن تتحقق في هذه الزيارة المليونية، فهناك عوامل مساعدة كثيرة تصب في إنجاح الجهود المباركة التي تسعى لرفع المستوى الثقافي، ومستوى الوعي لجماهير المسلمين القادمين لمواساة أبي الأحرار(ع).

المقصود بالتثقيف المنهجي، هو عدم الارتجال، والتنظيم، والتركيز على الفكر الحسيني وما يفيض به من قدرات هائلة، معنوية وفكرية وإنسانية وعاطفية، تدعم الفعل المادي للإنسان، وتجعله منضبطًا بإرادة ذاتية، تحصّنه من الانحراف، لأن الإنسان المثقف المؤمن بمبادئ الحسين (ع)، يكون قادرًا على مواجهة مغريات الحياة، ولا ينحرف بسهولة، من هنا تتضاعف الدعوات لأهمية زيادة ثقافة المسلمين، ويتأتّى التركيز على هذا الجانب من حاجة المسلمين إلى النهوض مجددًّا والاصطفاف إلى جانب الأمم المتطورة.

وهذا الهدف ليس مستحيلًا، بل هو في متناول اليد، ولكن نحن كمسلمين موالين لأمير المؤمنين (ع)، نحتاج إلى الإرادة أولًا، والتخطيط، واستثمار الفرص الثقافية المتاحة لنا، للارتقاء بثقافة ووعي الإنسان، وتشكل زيارة الأربعين فرصة راقية ومناسبة للشروع بالتثقيف المنهجي على الفكر الحسيني، حتى نضمن إنسانًا حسينيًّا إنسانيًّا واعيًا ومثقفًا، ومن خلال هذه النماذج الواعية، تُبنى الأمة من جديد، وتستعيد أمجادها، وتسترد مكانتها، ودورها التنويري الريادي، فتكون في الموقع، الذي يؤهلها مجدّدًا للعب الدور الإنساني التثقيفي الحاسم.

لأن الثقافة الحسينية هي ثقافة إنسانية في جوهرها، والقادمون إلى كربلاء المقدسة في هذه الزيارة، كلهم حسينيون، لذلك من الأفضل أن يرتفع بهم المعنيون والقائمون على الثقافة إلى المستوى الثقافي المطلوب.

كذلك ينبغي تحقيق المنهج التثقيفي بصورة منهجية وليست عشوائية، على أن تشترك في هذا الأمر جميع المؤسسات الثقافية، وكل من يهمه رفع المستوى الثقافي للمسلمين، بما يعزز مبادئ الفكر الحسيني في نفوس جميع الزائرين، عن فهم ووعي وإيمان، حتى يكون الإنسان عاطفيًّا خاشعًا وعالمًا ومثقّفًا في الوقت نفسه.

ونضع هذه النقاط المقترحة، في إطارها الثقافي؛ وذلك من أجل النهوض بالثقافة والوعي، وكي يسترد المسلمون دورهم بين أمم العالم أجمع، بالاستفادة من مناسبة زيارة الأربعين، ومن هذه المقترحات ما يلي:

– أن تشترك جميع المؤسسات والمنظمات الثقافية بوضع البرامج الثقافية عبر التخطيط والتنسيق المشترك.

– أن يتم التركيز على فحوى الفكر الحسيني الإنساني الرافض للطغيان، والداعي إلى الحرية والعدالة الاجتماعية ولكل القيم الإيجابية.

–  توظيف الجهد الإعلامي للفضائيات، لا سيّما الدينية منها والتي تبث فكر أهل البيت (ع)، للمساعدة في إيصال المنهج الثقافي الحسيني إلى أكبر قدر من المسلمين عبر العالم.

–  ربط الثقافة بزيارة الأربعين يمنحها بُعدًا عمليًّا أفضل، من حيث الإقبال من عدمه.

–  لا بدّ أن يحرص القائمون على الثقافة الحسينية، ويباشرون مسؤولياتهم عمليًّا وفق تخطيط وتنظيم دقيق.

–  أن يتم تقديم ندوات واسعة ومهرجانات كبيرة عن الفكر الحسيني مع استثمار زيارة الأربعين في هذا الجانب.

–  أن يكون هناك دور مهم للمسرح الحسيني، لزيادة الثقافة والوعي من خلال عرض الأعمال المسرحية في الأماكن المناسبة.

–  الاستفادة من المواكب الحسينية لعرض المسرح الحسيني مثل التشابيه، ولكن بطريقة فنية تهز المشاعر وتضاعف من الوعي.

–  ويبقى التخطيط لنشر الثقافة الإنسانية الحسينية، بحاجة قصوى إلى التخطيط والتنظيم والتنفيذ، حتى نقطف الثمار المرتقبة من جميع الجهود التي يتم بذلها في هذا المضمار.

المحور الثالث

الإطار الاجتماعي في الزيارة الأربعينية

داخل كل دين ظاهرة اجتماعية أو إطار فكري، يشمل المجتمع بناسه وبيئته وجغرافيته، والإسلام عندما جاء به الله بالقرآن العظيم على قلب النبي (ص) الأمين لم يكن بعيدًا عن هذا الإطار الاجتماعي، فقد جاء الإسلام بتذويب الفوارق بين الطبقات، وإشاعة العدل والمساواة والإخاء.

إن كل ظاهرة دينية يمكن دراستها بملاحظة البعد الإيماني العَقدي مرة، وملاحظة البعد العملي التقنيني مرة أخرى، وباللحظ التاريخي التحليلي ثالثة فهذه الأبعاد الثلاثة هي الرائجة في دراسة الأديان والظواهر الدينية؛ ولكن لكل من الدين وظواهره أبعاد ولحظات أخرى لا بدّ من إشباعها بحثًا وتنقيبًا بشكل ينسجم مع واقعها وعمقها ومن هذه الأبعاد، بل في مقدمتها، الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية والنفسية … وغيرها[27].

وزيارة أربعينية الإمام الحسين (ع) باعتبارها ظاهرة دينية تكرارية – تتجدد في كل عام – لا بدّ من دراستها بجميع أبعادها لأجل اقتطاف الثمرة المرجوة منها؛ لأن السلوك دينيًّا كان أم غير ديني، إذا لم يخضع للفكر سيكون عشوائيًّا ويذهب سدى دون فائدة تذكر لذا قيل: أصل السلوك فكرة.

أضف إلى ذلك، أن السلوك المستند إلى فكر رصين يكون المحرك والباعث عليه قناعة راسخة في ذهن الإنسان منشؤها الفكر تولد التزامًا وحرصًا ودقة في مقام التطبيق.

وانطلاقًا من ذلك سنسلط الضوء وبشكل مختصر على الأبعاد الاجتماعية لهذه الزيارة التي صارت بحق أكبر التجمعات الدينية في جميع أصقاع العالم، وأكثرها تنوعًا من حيث الانتماءات والقوميات؛ إذ يمكن تلخيص تلك الأبعاد بعدة نقاط أهمها[28]:

1 .التلاقح الفكري

إن التلاقح الفكري والتواصل المعرفي يعتبر أحد أهم الركائز التي بنيت عليها الحضارات في شرق الأرض وغربها، وسبب أساس في التعايش السلمي.

وزيارة الأربعين توفر فرصة لالتقاء شتى الحضارات الشرقية منها والغربية، بما يكفل لكل زائر أو صاحب موكب أن يخرج بحصيلة معرفية ومبدئية متنوعة المصادر، ففيها تجد الشرقي والغربي ومن شتى الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية في حالة من التواؤم والتعايش، تكفل تحقيق هذه الثمرة إن تم رعايتها بالشكل المطلوب، كما أنها تمثل نقطة تلاق بين الشيعة أنفسهم ومن شتى بقاع العالم، وبين مبادئهم الإنسانية التي تم اختصارها بنقطة تدعى “طف كربلاء”.

2 . تكريس ثقافة العمل التطوعي

زيارة الأربعين بما لها من خلفية دينية عاطفية فكرية تملك من المحركية والباعثية الاجتماعية، على العمل التطوعي قدرًا يفوق كل الإمكانات المؤسساتية العالمية في هذا المجال، فعلى مدى آلاف الكيلومترات ومن جميع الاتجاهات المؤدية إلى كربلاء ولعدة أيام تجد الشيبة والشباب؛ الرجال والنساء في حركة متواصلة يبذلون جهودًا جبّارة وأموالًا طائلة عن قناعة وإخلاص دون أدنى تذمّر أو إحباط، وبدون أي أجر مادي دنيوي في قبال ما يبذلونه[29].

3 .تكريس ثقافة التكافل الاجتماعي

إن التكافل الاجتماعي قيمة إنسانية، قبل أن تكون مبدأ دينيًّا، فالشارع المقدس قننها وأرشد إليها، ولكن لم يكن مؤسسًا في تشريعها؛ كما يعد هذا المبدأ من أهم المبادئ التي تضمن للإنسان حد الكفاف على أقل التقدير بما يمنحه حياة كريمة بعيدة عن الذل والامتهان، لذا نتصور أنها أهم مبدأ تفتقر له مجتمعاتنا اليوم[30].

وزيارة الأربعين عندما تجمع بين العمل التطوعي من جهة، والعطاء المادي والروحي اللامحدود، ودون مقابل من جهة أخرى، تبلغ بذلك ذروة التكافل التي لم تبلغها المؤسسات الدولية فضلًا عن غيرها؛ إذ من أهم السمات التي يكتسبها الإنسان في زيارة الأربعين هي سمة العطاء، الذي يورث بدوره خصالًا أخلاقية وإنسانية كثيرة من قبيل الكرم والجود والإيثار وتغييب البخل والأنانية والحب المفرط للذات[31].

4 . القضاء على التمييز العنصري وتكريس ثقافة المساواة والتواضع والتذكير بالأخوّة الإنسانية عامة والإسلامية خاصة.

 التمييز العنصري على أساس اللون والعرق والجنسية والانتماء الفكري والديني يعد من أبرز اللعنات التي أصابت المجتمع البشري بصورة عامة شرقًا وغربًا، لدرجة أن الدول الحديثة رغم تسارع عجلة التقدم والتطور فيها، ورغم ما شرعته من قوانين للحيلولة دون هذا التمييز، لا زالت نشرات الأخبار تطل علينا بين الفينة والأخرى بأحداث مروعة من عنف مادي ومعنوي فيها بسبب العنصرية رغم التكتم الإعلامي الشديد، ولكن زيارة الأربعين بما تستمده من الإمام الحسين (ع) من قيم دينية ومبادئ إنسانية ورصيد فكري رصين، تمكنت من إذابة جميع الفوارق العنصرية بين الحشود المليونية الزاحفة إلى كربلاء؛ إذ تجد فيهم شتى الجنسيات والقوميات والأديان والاتجاهات الفكرية كما تجد الأسود والأبيض وقد تساوى الجميع في (الملبس، المطعم، المجلس، المنام، الخدمة …. إلخ)، بل يسير بعضهم إلى جنب بعض، في أجواء زاخرة بالأخوة والمحبة ونسيان الذات، وكأنهم تخلوا عن جميع الفوارق وانتُزع الغل من قلوبهم بمجرد أن وضعوا أقدامهم على طريق كربلاء، حتى يبلغ ذلك ذروته عندما تجد أن هذه القوميات والأعراق والألوان كل منها يفتخر بأن يكون خادمًا للآخر بروح ملئها المحبة والعطاء.

5 . تمنح الفرد الكثير من القيم الإنسانية التي تساعد في بناء مجتمع متماسك وتمنحه القدرة على الصمود بوجه كثير من المزالق، ومن هذه القيم  ترسيخ الإيمان، الحرية، العدالة، الصبر.

6 . تذكير المجتمع بالمبادئ الحسينية الإنسانية.

7 . تعد فسحة للتعبير عن عاطفة ممزوجة بالفكر والتعقل، مما يثمر نضوجًا في المنهج الإيماني والإنساني على حد سواء.

المحور الرابع

الإطار الاقتصادي للزيارة الأربعينية

الزيارة الأربعينية تنشط الدورة الاقتصادية[32]؛ لأن التجمعات المليونية لا بدّ أن تلد تبادل فكري وثقافي واقتصادي، من خلال تبادل السلع والمنتجات من زائري دولة لزائري دول أخرى، بل داخل العراق نفسه، عندما يلتقي الزائرون من بغداد والموصل وواسط وسامراء وغيرها، وأيضًا الزيارة الأربعينية للإمام الحسين بدون أدنى شك، تساهم في دعم الاقتصاد الوطني العراقي، وأيضًا الدول الأخرى مواطن رأس الزائرين، مثل الحج ليشهدوا منافع لهم.

إن أعداد الزائرين لكربلاء المقدسة لأداء الزيارة الأربعينية تزداد من سنة إلى أخرى، متحدية المجاميع الإرهابية والتي لم تقف عن جرائمها بحق الزائرين العزل الذين يريدون التقرب إلى الله بحب نبيهم محمد وآل بيته منذ التغيير، إضافة إلى مشقة السفر إلى كربلاء وذلك لضخامة عدد الزائرين، حيث إن أعدادهم لا تقل عن 15 مليون زائر[33].

هذا الرقم الهائل من الحشود البشرية يترك أثارًا كبيرة على صعيد الإنفاق الكلّي (الطلب العام على السلع والخدمات) من خلال المداخيل التي يحصل عليها أصحاب الخدمات التي يوفرونها للزائرين، مثل قطاع النقل والمواصلات، الفنادق والمطاعم، والمحلات التجارية بما فيها باعة الأقمشة والهدايا، والكتب الدينية والتاريخية، الإيرادات المالية لهذه القطاعات، سوف تنفق بمرور الزمن، وبذلك تنشط الدورة الاقتصادية، لأن زيادة الطلب على المنتجات الزراعية مثل الرز والخضروات من قبل أصحاب المواكب الحسينية، سوف يؤدي إلى زيادة الطلب على زراعة هذه المنتجات، وزيادة الطلب على أماكن النوم، يزيد الطلب على بناء فنادق جديدة، وعلى استخدام أراضي جديدة لهذا الغرض، وزيادة الطلب على المواصلات سوف يجبر الحكومات في الاستثمار بتأسيس طرق وجسور ومعابر حدودية ومطارات جديدة وإيجاد وسائط نقل سهلة للزائرين مثل خط قطارات متقدم وأساطيل باصات جديدة.

ثم إن هناك منافع اقتصادية غير منظورة لهذه الزيارة، أهمها هو تعرف رجال الأعمال العراقيين برجال أعمال عرب وأجانب، تعرّف الوافدين للزيارة على المنتجات العراقية، وتعرّف العراقيين بمنتجات بلدان الزائرين، التعرّف على لغات الزائرين وثقافاتهم، وأداة لتنشيط الاستثمار الأجنبي في العراق وغير العراق.

إن الزيارة الأربعينية وإن كان هدفها تجديد البيعة لرسول الله والولاء إلى أهل بيته من قبل الملايين من المسلمين، إلا أن الزيارة أيضًا مناخ اقتصادي واجتماعي وفكري، في كل الأطر المختلفة، ولكن يبقى الأهم هو الجانب الروحي، وهو بالطبع مقدمة باقي الأطر.

خاتمة

في ختام هذا البحث نجد أن الزيارة الأربعينية لسيد الشهداء الإمام الحسين (ع)، لها أبعاد وأطر تنتمي للسياسة والثقافة والتاريخ والاجتماع والاقتصاد.

 وتعد زيارة الإمام الحسين (ع) في العشرين من صفر في كربلاء، أو الزيارة الأربعينية، أكبر مشروع إصلاحي لواقع الأمة، بهدف بنائها على المستوى التوعوي والفكري والعملي، وتقويم وتحسين مسارها السياسي والفكري. إن زيارة الأربعين تجمّع إنساني وعالمي يتجاوز الطابع الديني، ويشكّل حدثًا اجتماعيًّا غير مسبوقٍ في العالم لما تجمعه الزيارة من دلالات على المستوى التربوي والعقائدي والسياسي والإعلامي والثقافي.

تختزن الزيارة أكبر عملية تفاعلية على عدة مستويات، فهناك الارتباط بين عالمي الغيب والشهود؛ وامتداد الماضي والحاضر والمستقبل؛ ومفاهيم بناء النفس الإنسانية؛ وديناميكيات الثورة الإصلاحية، وعناصر الهوية العاشورائية، وغيرها.

تؤمن الزيارة الأربعينية أبعادًا استراتيجية، الثورة بمعناها التقدمي التحرري الأوسع دلالة من الزمان والمكان بما ينتفي معه إمكانية تصنيفها من المنظور العلمي بالظاهرة الخاضعة للعوامل الزمكانية.

ويظهر البعد التقدمي الشمولي في ما ترسخه الزيارة من نهج صراع الحق ضد الباطل، فكريًّا وسياسيًّا، عبر إدامة حالة الصراع مع الطواغيت، والعمل على تفكيك أجندة الخصم وإبطال أدواته، وترشيد القواعد الشعبية وربطها بالفكرة والمنظور والمشروع عبر منظومة من المفاهيم، وتحديث حالة التفاعل الفكري والإرادي بكسر الأنماط الفكرية البالية وتحرر المنظومة، والخروج على جمود الوعي وتفعيل حالة المواجهة، واستعادة الدور المطلوب والمسار الصحيح.

إن الزيارة وإن تتسم بالطابع المذهبي الشيعي إلا أنها تعبّر عن تجذر القضية الحسينية في الوجدان الإيماني للمسلمين عمومًا والضمير الإنساني للعالم أجمع، فهي عمليًّا نبض حياة متجدد للفكر الثوري الجهادي الباحث عن الحرية من سلطة الظالمين، وانعتاق الروح من قيود مفاهيم الخضوع والذل والانكسار.

سلام على الإمام الحسين يوم وُلد ويوم استشهد ويوم أربعينيته، ويوم صار رمزًا لدفع الظلم وإقامة العدل، والبحث عن الحق المطلق، مهما كان الثمن غاليًا، فقد قدّم دمه الشريف ليكون نبراسًا للحائرين، ولكافة المصلحين، لم يخن الوسيلة أبدًا في مقابل النصر[34].

ولكنّه آمن بالله والوسيلة الشريفة، انتصر به الدم الحسيني على السيوف الأموية وكل سيوف البغاة الظالمين.

[1] الحديث مشهور ومتواتر عند مذهب أهل البيت، وفي كل كتب أهل السنة أيضًا، كما في البخاري ومسلم ومسند أحمد بن حنبل، وكل المسلمين يعتقدون بصحة هذا الحديث.

[2] تم دفن الرأس الشريف مع الجسد الطاهر في كربلاء المقدسة، ويوجد للرأس أيضًا ضريحا في المسجد الحسيني بالقاهرة، وفي الجامع الكبير بدمشق، حيث يتنافس المسلمون حول وجود الرأس، وهو تنافس شريف يؤكد عمق حب المسلمين لسيد الشهداء.

[3]محمد طاهر الصفار، زيارة الأربعين، نظرة تاريخية واجتماعية، موقع شبكة النبأ المعلوماتية، https://webcache.googleusercontent.com/ الزيارة في المصادر، الأربعاء 27 شباط/2008.

[4] أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1365 هـ، الجزء2، باب فضل زيارة الحسين، الصفحة 17.

[5] أبو الريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية، المكتبة الشاملة الإلكترونية، الصفحة 331.

[6]حسين بن محمد تقي بن علي محمّد بن تقي النوري، مستدرك السائل ومستنبط الوسائل، لندن، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، 1987، باب 9، الصفحة 215.

[7]مستدرك المسائل، مصدر سابق، 4|219.

[8] مستدرك المسائل، مصدر سابق، باب 28، الصفحة 90.

 [9]المصدر نفسه، الصفحة 101.

 [10]المصدر نفسه، الصفحة 124.

[11] اعتمدنا في الإحصائيات على المنشور والمشهور في وسائل الإعلام المختلفة، بجانب رؤيتنا الشخصية، حيث عاصرت تلك الزيارات بشكل شخصي.

[12]من خلال مشاهدتي الشخصية عند زياراتي في عاشوراء، وفي الأربعينية الشريفة.

[13]من خلال مشاهدتي الشخصية عند زياراتي في عاشوراء، وفي الأربعينية الشريفة.

[14] الحديث مشهور في كل الكتب والسير عند أهل البيت، وعند أهل السنة، كما جاء في البخاري ومسلم، كما ذكرنا في الصفحات السابقة.

[15]مرتضى معاش، بمناسبة زيارة الأربعين أجرت قناة المرجعية الفضائية في بثها المباشر لقاءها الثالث مع الشيخ مرتضى معاش المشرف العام على مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام تحت عنوان: البعد السياسي في زيارة الأربعين، وهي متوفرة على شبكة المعلومات الدولية الإنترنت.

[16]سورة الأعراف، الآية 157.

[17]سورة الأعراف، الآية 157.

[18]نهج البلاغة، الخطبة 51.

[19] عباس محمود العقاد، أبو الشهداء الحسين بن علي، القاهرة، دار المعارف، 1999م، الصفحة 15.

[20] محمد الريشهري، ميزان الحكمة، نسخة كمبيوترية، الجزء1، الصفحة 582.

[21]سعد السلامي في تحليل لقناة النبأ، البعد السياسي في زيارة الأربعين، شبكة النبأ المعلوماتية، http://webcache.googleusercontent.com/

[22] سورة آل عمران، الآية 169.

[23] سورة البقرة، الآية 154.

[24] سعد السلامي، في تحليل- في برنامج قناة النبأ، البعد السياسي في زيارة الأربعين، مصدر سابق.

[25] المصدر نفسه.

[26] سعد السلامي، البعد السياسي في زيارة الأربعين، مصدر سابق.

[27]الشيخ ليث الكربلائي، البعد السياسي في زيارة الأربعين، شبكة النبأ المعلوماتية،

http://webcache.googleusercontent.com من -· 17-10-2018  

[28] الشيخ ليث الكربلائي، البعد السياسي في زيارة الأربعين، مصدر سابق.

[29]من خلال رؤيتنا لهؤلاء الشباب المؤمن في زياراتنا في الأربعينية.

[30] الشيخ ليث الكربلائي، البعد السياسي في زيارة الأربعين، مصدر سابق.

[31] الشيخ ليث الكربلائي، البعد السياسي في زيارة الأربعين، مصدر سابق.

[32]محمد رضا عباس، المنافع الاقتصادية لزيارة أربعينية الإمام الحسين، موقع صوت العراق،  /webcache.googleusercontent.com

[33] المصدر نفسه.

[34] د. علي أبو الخير، في رحاب كربلاء، القاهرة، مركز يافا للدراسات والأبحاث، 2001م، الصفحة 5.

حسن خاك رند

حسن خاك رند

سياسي وباحث ومؤرخ ومترجم إيراني،له عدة أبحاث وكتب خاصة كتاب مذكراته (كنت سفيرًا بمصر)، عندما عمل قائمًا بالأعمال في سفارة إيران بالقاهرة بعد نجاح الثورة الإسلامية، وعمل مستشارًا في وزارة الخارجية والثقافة ومجمع أهل البيت (ع)، ويعمل حاليًّا مستشارًا في مؤسسة عاشوراء الدولية....



المقالات المرتبطة

مسيرة ومحاولات تجديد الخطاب الديني في مصر رموز العقل والنقل والتنوير | المبحث الرابع علمانيون|ليبراليون علمانيون بدون علمانية

لا يوجد علماني مصري يقول إنه علماني، يمكن أن يقول إنه ليبرالي أو منحاز للدولة المدنية|الليبرالية، أو أنه باحث لا

الصهيونية واليهودية

هل يمكن اعتبار الصهيونية كحركة يهودية؟ إن طرح هذا التساؤل في الواقع ربما ينطلق من حقيقة أن هدف الصهيونية الأساسي المعلن كان: تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين

مفهوم الحداثة في فكر محمد سبيلا

يعدّ المفكّر محمد سبيلا أحد أعمدة الفكر المغربي المعاصر، نظرًا لما خلّفه الرجل من غزارة في التأليف والكتابة الفلسفية

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<