النخب  الإنسانية … بين الملأ البشري والملأ الملائكي

النخب  الإنسانية … بين الملأ البشري والملأ الملائكي

تقديم

نسمع دائمًا الحديث عن النخبة والنخب، وخاصة النخب الثقافية، في إشارة لتميز تلك النخب على باقي الشعب بالعلم الغزير والثقافة الواسعة، وأنهم التنويريون الذين ينيرون الطريق للعوام أو للسلطة، أو هما معًا، فهم مجددو الخطاب الديني، وهم القدوة في السلوك الفكري.

في المقابل نجد من يلوم النخب في فكرها وقربها من الحاكم، ويقولون إنهم يستغلون مواقعهم في الإعلام والفكر لمزايا شخصية يبرروها لأنفسهم، وكثيرًا ما يلقي الناس على من يسمّون أنفسهم نخبة بأنهم سبب الفساد والإفساد، وأنهم يترفعون ويتعالون على العوام، ولكنهم يتخاذلون أمام الحاكم.

ومع ذلك، يظل مصطلح “النخبة والنخب” مصطلحًا هلاميًّا، فلا أحد يعرف على أي أساس نقول هذا من النخبة، وذاك من العامة، ثم ما معنى النخبة من الأساس، ونعلم جيدًا أن العلم العلماني يقلّل كثيرًا من تواضع النفس، ونعلم في أحيان كثيرة يكون العلم سببًا للتنازع والخلاف.

تعريف النخبة لغويًّا

معنى كلمة نخبة تدل على الندرة والقلة، كما يقول المفكر الجزائري “الدكتور عبد الكريم بن خالد”؛ إذ هي تحيل على الاصطفاء والاختيار والانتخاب والقطف والانتزاع من رأس الشيء أو من أساسه، وتمتد تلك الإحالة إلى ما يمثل خصيصة الشيء الأكثر تمييزًا له عمّا عداه، وعلى أساس التميز والنقاوة والصفاء والرفعة وعدم الاختلاط مع ما هو عام ومبذول ومبتذل وعادي.

وفي اللغة العربية يستخدم مصطلحان الأول هو النخبة، من نخب الرجل الشيء نخبًا، وانتخبه أي اختاره وانتقاه وأخذ نخبته، وتأسيسًا على ذلك تكون النخبة وجمعها نخب المختار من كل شيء، بحيث تجمع النخبة وجمعها نخبات المنتخبين، أما ثاني المصطلحين، هو الصفوة وهو ينحدر اشتقاقًا من صفا فلان القدر، أي أخذ صفوها، واستخلص ما فيها، فالمصطفى هو المختار، والصفي هو النقي من كل شيء، وجميع المعاني تدل على السمو والرفعة، لكن أيضًا بدون تحديد أساس وسبب هذا السمو وتلك الرفعة.

النخبة في المنهج القرآني

في المنهج القرآني، يُطلق لقب الملأ على النخبة، النخبة الصالحة وغير الصالحة، ويرجع القرآن أحيانًا أن العلم ربما يكون سببًا للاختلاف، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[1]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ[2]، وتكرر المعنى في سورتي الشورى والجاثية. خلاصته أن الخلاف يأتي بعد العلم، ويكون البغي والتنافس، وتأويل المتعلمين المثقفين للنصوص المقدسة، ويتكبرون على خلق الله، تمامًا كما يتكبّر ويستعلي بعض الزاهدين على الناس بالعباد، والقرآن الكريم أطلق على تلك النخب لقب بالغ الدلالة والإيجاز والإعجاز، وهو لقب “الملأ”، ويأتي أيضًا بحروف مختلفة “الملؤا”، ولكنهما تنطقان بنبرة صوت واحدة…

الملأ النخبوي البشري

“الملأ” بالمصطلح القرآني هم الأغنياء المترفون، أو النخبة كما ذكرنا، وقد جاء فعل “ملأ” بمعاجم اللغة العربية، وفي التعبيرات العامة، تعني ملأ شيء فارغ بماء أو هواء أو غيرهما، فنقول ملأ الكأس، وملأ العقل، وملأ الاستمارة، وملأ الفراغ، وقال على الملأ، أي علانية وعلى رؤوس الأشهاد.

ومن هنا جاء التعبير القرآني ليدلّل على أن “الملأ” جماعة أو جماعات فارغة مترفة، أثرياء بدون جهد حقيقي، وبالطبع فإن هؤلاء يقاومون أي حركة إصلاحية، فضلًا عن مقاومة الأنبياء الذين أرسلهم الله لهدايتهم، وهؤلاء المترفون يمكن التعبير عنهم بأنهم رجال الأعمال بالمصطلح المعاصر، أو رجال السلطة المتعاونون مع الأزلام، أو غيرهم من الذين أثروا بدون عناء أو جهد.

أمّا رجال الأعمال الذين اغتنوا بجهودهم الخاصة دون وساطة أو محسوبية أو اقتران بالسلطة الحاكمة، فهم أولًا قلة نادرة، وثانيًا لا يظهروا للناس ليعلنوا عن أنفسهم، فهم أتقياء متخفون وراء كياناتهم المهددة، من قبل المترفين ومن جهة السلطة في الوقت نفسه.

وهؤلاء “الملأ” هم الذين يرفضون أي عملية إصلاح أو تجديد من أي منظور ديني أو سياسي أو اقتصادي، وهم موجودون عند كافة الشعوب، ولكنهم في الدول المفترض أنها إسلامية أكثر وأطغى.

لقد جاء مصطلح “الملأ” في القرآن للتعبير عن صلف وغرور وطغيان تلك النخب، وهو يصلح لكل زمان ومكان، ونقرأ في القرآن الكريم، لنرى هذا الغرور وكيف تصدّى هؤلاء النخب للأنبياء، نذكر بعضها كما جاءت حول تصدي تلك النخب لدعوات الأنبياء:

  • في سورة الأعراف، الآيات 60 و66 و75: ﴿قَالَ الْمَلاَ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ*… قَالَ الْمَلاَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * … قَالَ الْمَلاَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
  • في سورة الأعراف، الآية 88 و 90: ﴿قَالَ الْمَلاَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ *… وَقَالَ الْمَلاَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ﴾.
  • في سورة الأعراف، الآية 109 و 127: ﴿قَالَ الْمَلاَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ *… وَقَالَ الْمَلاَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.
  • وسورة يونس، الآية 88: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلاَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾.
  • وسورة هود، الآية 27: ﴿فَقَالَ الْمَلاَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.
  • وفي سورة المؤمنون، الآية 33: ﴿وَقَالَ الْمَلاَ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾.
  • وسورة الشعراء، الآية 34: ﴿قَالَ لِلْمَلاَ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.
  • وسورة القصص، الآية 20: ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلاَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
  • وفي سورة القصص، الآية 38: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلاَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لاَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
  • وفي سورة ص، الآية 6: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلاَ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
  • وفي سورة البقرة، الآية 246: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلاَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ …﴾.
  • وسورة يوسف، الآية 43: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلاَ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.

من الآيات الكريمات السابقات نجد أن “الملأ” هم النخب من مثقفين وسياسيين وماليين وفنّانين وإعلاميين، وهم صانعو الرأي العام، وهم الذين يقودون العوام لمقاومة أي إصلاح، قديمًا وحديثًا، وهم كذلك متحالفون مع السلطة، يبرّرون كل سياسة، وقد عرفتهم كل الشعوب مناهضين دومًا لأي تغيير.

الملأ الأعلى

ولكنّ هذا لا يمنعنا من القول: إن مصطلح “الملأ” جاء أيضًا في القرآن للتعبير عن نخبة سماوية وبطبيعة الحال لا تخطئ، فالملأ الأعلى، كما جاء في القرآن الكريم، هو عالم الأرواح المجرَّدة، الملائكة المقرّبون، أو عامّة الملائكة.

  • كما جاء في سورة الصافات، الآية 8: ﴿لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلاَ الأعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾.
  • وأيضًا في سورة ص، الآية 69: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلاَ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، ولكنّ خصام الملائكة في “الملأ الأعلى” ليس مثل خصام البشر، ولكنه خصام في الفضائل والطاعة، يمكن التعبير عنه بالتنافس الملائكي الشريف، وهو في النهاية لا ينطبق على “الملأ” الأرضي البشري، كما ذكرنا آنفًا.

ولقد لاحظنا أن الله جلّ شأنه في معجزة القرآن المبارك، ذكر مصطلح “الملأ” بصيغة لغوية مختلفة في أربع آيات، مكتوبة بالتشكيل القرآني “الملؤا”، ولكنّها تُنطق “الملأ”.

 

الفروق القرآنية بين الملأ والملؤا

وقد احترنا في فهم الحكمة من تغيير شكل ذلك المصطلح، وقد بحثنا، وتوصلنا – لعلنا مصيبون – أن كلمة “الملؤا”، تعني الخاصة المحيطة بالحاكم، فقد ذكر القرآن الكريم آيتين ضمن آيات ملأ قوم النبي “نوح”، مرة “الملأ” وأخرى “الملؤا” .

ففي سورة المؤمنون، الآية 38: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلاَ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾، وهؤلاء “الملأ” كما نرى هم النخب الساخرة والعوام وراءهم، وجميعهم يسخرون من نبي الله “نوح” ومن سفينته، وهي “سخرية نخبوية”، إن جاز التعبير.

ولكن وفي نفس سورة المؤمنون، الآية 24: ﴿فَقَالَ الْمَلؤاْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللهُ لاَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ﴾، وهنا نجد أن “الملؤا” هم بطانة الحاكم، أو حاشية الملك والأمير أو رجال الرئيس.

وما يؤكد ذلك، الثلاث آيات الأخرى التي ذكرت “الملؤا”، وهي في سورة النمل، الآيات 29 و32 و 38: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُاْ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيم*…  قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُاْ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ *… قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَؤُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.

نجد هنا أن “بلقيس” أخبرت مستشاريها المقربين بخطاب نبي الله “سليمان” لها، ثم طلبت منهم المشورة وأنها لن تتخذ قرارًا دونهم، ومعنى ذلك أن “الملؤا” هم قلة من الخواص، المستشارين القريبين من السلطة الحاكمة، ونبي الله سليمان في الآية الثالثة، سأل “الملؤا” من حوله عن الذي يمكنه نقل عرش “بلقيس” من “اليمن إلى الشام”.

الملؤا الصالح القريب من السلطة

بعيدًا عن تفاصيل القصة، نرى أن “بلقيس”، والنبي “سليمان” استشارا أقرب الناس إليهما، مما يعني أن “الملؤا” هم أقرب الناس للسلطة، قد يكونوا صالحين أو غير صالحين، أما “الملأ” بصورة عامة، فهم كما ذكرنا الأغنياء المترفون.

ومن الطبيعي أن يتصدّى الملأ لأي حركة إصلاح، أو أي تجديد للخطاب الديني، والعوام من الناس يتأثرون بخطابهم السياسي والديني، وبالتالي لا بدّ أن يتم تعليم العوام وتربيتهم، بعيدًا عن أوهام النخب الإعلامية والنفسية، ودومًا النخب تقترب في الرخاء من الحاكم وتبتعد عنه في الشدائد، يأخذون ولا يعطون، يميّزون أنفسهم بالوجاهة في أوقات الرغد.

وقد ذكرهم الإمام علي بن أبي طالب (ع)، في نصيحته لمالك الأشتر، في رسالته المشهورة، قال له: “وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل وأجمعها لرضا الرعية، فإن سخط العامة يجحف(يذهب) برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة، وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف(الإلحاح)، وأقل شكرًا عند الإعطاء، وأبطأ عذرًا عند المنع، وأضعف صبرًا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة، وإنما عمود الدين  وجماع المسلمين، والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم، وميلك معهم”[3].

قد يوجد من الملأ من يكون صالح الفكر والدين والضمير، ولكن العوام عادة ما يتأثرون بهم، وأمير المؤمنين (ع) كان حريصًا أن ترضى العامة بمنطق التقوى، وأن يتساوى الجميع أمام الوالي، لا فضل أحد على أحد إلا بتقوى الله…

ونص رسالة الإمام هو وصف دقيق لحاجة الوالي للعوام أكثر من النخب، أو الملأ بالمنهج القرآني، ولكن ربما لم تتحقق المساواة بين النخب والعامة طوال تاريخ المسلمين، لأنهم عاشوا في ظلال الدولة، التي تعطي النخب أو “الملأ” الشهرة والرخاء ليساعدوها في الحكم المستبد.

 

[1] سورة البقرة، الآية 213.

[2]  سورة آل عمران، الآية 19.

[3]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع)، الجزء 3، الصفحة 86.



المقالات المرتبطة

أصالة الوجود ومشكلة الشر

اختلف الكثير من الفلاسفة والمفكرين في أصل الشر ومبدئه، بين من ينسبه للأعمال الشيطانية، فيشكل عليه آخرون بقدرة الله على مواجهتها، فهل هو عاجز عن ذلك؟

نقد المتن في التجربة الإماميّة

شهد النشاط الحديثيّ الشيعيّ الإماميّ، ومنذ القرون الأولى، حركةً في نقد المتن، تركّزت في النصوص العقديّة والتاريخيّة

أسباب تخلّف المسلمين

كثيرة هي المعالجات التي اشتغلت على موضوع تخلّف المسلمين وانحطاطهم الحضاريّ بعد أن كانوا هم قطب الرحى في عصورهم الماضية.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<