المحور الثالث: رؤية القرآن للذكاء الاصطناعي والعلم.
جاء القرآن الكريم متحدّثًا عن العلم، والعلم لا يكون من خلال الأنبياء والمرسلين، ثم أهل الذكر، وليس مصادفة أن تكون أول آية نزلت في القرآن ﴿اقْرَأْ﴾[1]، وثاني ما نزل ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾[2]، والسطور لا تكون إلا دعوة للعلم.
ومن هنا، نبحث عن معنى العلم بكل أنواعه القرآنية، وسوف نتأكد أن القرآن دعوة للعلم والعمل والتأمّل، والقراءة والإطلاع، والبحث في الآفاق عن الجديد، واستكشاف العلوم لخدمة البشرية، وقد كان القرآن وما زال ينبوعًا للبحث العلمي المنهجي، أي وضع اللبنة للبحث العلمي مع عدم الخروج من دائرة الأخلاق والتقوى والخُلق الحسن.
إن لفظ (العلم) في القرآن الكريم، ورد بتصريفاته المختلفة فيما يزيد عن سبعمائة وخمسين مرة، مشفوعًا معظمها بالدعوى إلى التدبّر في آيات الله المسطورة، كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[3]، والتفكر في آياته المبثوثة، كما في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[4].
ولفظ (العلم) جاء في أغلب مواضعه في القرآن بمعنى العلم بالشيء، ومعرفته على حقيقته، كقوله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [5]، وقوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾[6]، وكل المعاني للعلم في القرآن تدور في فلك العلم الدنيوي المرتبط بالمفهوم الأخلاقي، وقائم على التقوى والعمل الصالح، وهو مفهوم يضبط العقول فلا تبتعد بعيدًا عن روح الدين، فلا يكون مثلًا الذكاء الاصطناعي بديلًا عن الجهد البشري، ولا وسيلة لقيام الحروب بالعقول الجبارة الشريرة، ومن هنا نتأمل معاني العلم في القرآن العظيم.
إن لفظ (العلم) ورد في مواضع من القرآن على معانٍ غير معنى العلم بالشيء، ومعرفته على حقيقته. وهذه المعاني هي كالتالي:
بمعنى (الرؤية)[7]، من ذلك قوله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾[8]، قال ابن عباس (رض)، فيما نقله عنه ابن كثير: لنرى من يصبر على مناجزة ومحاربة الأعداء. ونقل عنه أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾[9]، قال: إلا لنرى؛ وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم.
وجاء بمعنى (الإذن)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾[10]. قال مقاتل: بعلم الله؛ أي بإذن الله. وهذا على قول في تفسير (العلم) في الآية.
وبمعنى (الدين)، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾[11]. قال أبو حيان: أي من الدين. وجعله عِلْمًا؛ لأنه معلوم بالبراهين الصحيحة. وقال الرازي: أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة.
وبمعنى (الدليل والحجة)، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ﴾[12]. قال البغوي: أي كتاب وحجة من الله. وقال الشوكاني: هل عندكم دليل صحيح من العلم النافع، فتخرجوه إلينا لننظر فيه ونتدبره؟[13].
بمعنى (النبوة)، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾[14]، قال مجاهد: يعني النبوة. وروي عنه أيضًا، أن (العلم) هنا: الفقه في الدين.
بمعنى (التمييز)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾[15]. قال ابن كثير: إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك؛ ليتميز الخبيث من الطيب.
بمعنى (الفضل)، ومنه قوله سبحانه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾[16]، روى ابن كثير عن عبد الرحمن بن زيد أنه قال في معنى الآية: لولا رضا الله عني، ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال. وقال ابن قتيبة: معناه أعطاني المال لفضل عندي.
وجاء لفظ (العلم) بمعنى (ما يعدّه أصحابه علمًا، وإن لم يكن كذلك)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾[17]، قال السدّي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهلهم، فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَ تَخْرُصُونَ﴾[18]. وقال ابن عاشور: إطلاق العلم على اعتقادهم تهكّم وجري على حسب معتقدهم، وإلا فهو جهل[19].
والمتأمل في المعاني التي جاء عليها لفظ (العلم) في القرآن الكريم، يجد أنها وإن كانت تحمل دلالات محددة، يقتضيها سياق الآية، غير أنها في نهاية المطاف لا تعارض بينها ولا تنافر، بل هي في المحصلة ترجع إلى المعنى الرئيس من لفظ (العلم)، وهو معرفة الشيء على ما هو عليه.
وهو ما أردنا توضيحه لنعرف أن القرآن العظيم جاء بالمعرفة والعلم جنبًا إلى جنب التوحيد الخالص.
[1] سورة العلق، الآية 1.
[2] سورة القلم، الآية 1.
[3] سورة فصلت، الآية 3.
[4] سورة الأنعام، الآية 97.
[6] سورة البقرة، الآية 232.
[7] الرؤية تكون بالعين أو بالعلم مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾… انظر ابن منظور، لسان العرب، المكتبة الوقفية، اب الراء والياء، 1999.
[8] سورة آل عمران، الآية 142.
[9] سورة البقرة، الآية 143.
[10] سورة هود، الآية 14.
[11] سورة البقرة، الآية 120.
[12] سورة الأنعام، الآية 148.
[13] محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، القاهرة، دار الحديث، 1993، 1/142.
[14] سورة يوسف، الآية 22.
[15] سورة آل عمران، الآيتان 166 – 167.
[16] سورة القصص، الآية 78.
[17] سورة غافر، الآية 83.
[18] سورة الأنعام، الآية 148.
[19] محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، تونس، المكتبة الشاملة، الدار التونسية للنشر، 1984، بتصرف من الكتاب.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
