يؤكد الإمام الخميني (قده) أن ثورة الإمام الحسين (ع) لم تكن حدثًا عابرًا في التاريخ الإسلامي، بل كانت الحصن الذي حفظ الإسلام من الانحراف والعودة إلى الجاهلية، وفي هذا السياق يقول: “لولا سيّد الشهداء (ع) لاستطاع هؤلاء تقوية وتدعيم نظامهم الطاغوتيّ ولأعادوا الوضع إلى ما كان عليه في الجاهليّة… لقد أنقذ الإمام الحسين (ع) الإسلام”. (كتاب عاشوراء، في فكر الإمام الخميني، المعارف الإسلامية، ص39)، كما يقول أيضًا: “ولولا عاشوراء لسيطر المنطق الجاهليّ لأمثال أبي سفيان”.

تختزل هذه الكلمات رؤية عميقة لطبيعة نهضة عاشوراء ودورها المصيري في تاريخ الأمة، فالإمام الخميني لا ينظر إلى كربلاء بوصفها معركة بين فريقين على السلطة، بل باعتبارها مواجهة فاصلة بين الإسلام المحمدي الأصيل، وبين مشروع جاهلي أراد أن يرتدي لباس الإسلام ويحتكر اسمه فيما يفرغه من محتواه وقيمه، ومن هنا فإن الحديث عن منع الارتداد إلى الجاهلية ليس حديثًا عن مرحلة تاريخية مضت، وإنما عن صراع مستمر بين خط الرسالة وخط الطغيان، بين منطق العدل ومنطق الاستكبار، وبين ثقافة الشهادة وثقافة الهيمنة.

الجاهلية التي حاربها الإسلام لم تكن مجرد عبادة للأصنام الحجرية، بل كانت منظومة متكاملة تقوم على العصبية والظلم وعبادة القوة وإخضاع الإنسان لإرادة المستكبرين، وعندما بعث الله تعالى النبي محمدًا (ص) هدم هذه البنية الفكرية والأخلاقية، وأقام مكانها مجتمع التوحيد والعدالة والكرامة الإنسانية، لكن الخطر الذي واجه الأمة بعد رحيل النبي لم يكن في ظهور جاهلية جديدة من خارج الإسلام، بل في محاولة إحياء الجاهلية القديمة من داخل الدولة الإسلامية نفسها.

لقد مثّل حكم بني أمية ذروة هذا الانحراف، فمع تولي يزيد بن معاوية زمام السلطة برزت محاولة واضحة لتحويل الخلافة إلى ملك وراثي، وإخضاع الدين لمصالح الحكام، وإعادة إحياء القيم التي ثار الإسلام عليها، وكان أخطر ما في هذا المشروع أنه رفع شعار الإسلام في الوقت الذي كان يعمل على تفريغه من جوهره. لذلك لم يكن الإمام الحسين (ع) أمام خيار سياسي عادي، بل أمام مسؤولية تاريخية لحماية الرسالة من التشويه.

ومن هنا نفهم سرّ رفضه البيعة ليزيد، فقد أدرك أن السكوت في تلك اللحظة كان يعني منح الشرعية للانحراف، وأن بيعة الحسين ستُفسَّر على أنها موافقة من سبط رسول الله (ص) على ما يجري باسم الإسلام. لذلك نهض معلنًا أن هدفه “طلب الإصلاح في أمة جده”، ليعيد رسم الحدود الفاصلة بين الإسلام الأصيل والإسلام المزيف.

لقد منعت عاشوراء الارتداد إلى الجاهلية لأنها كشفت حقيقة الصراع أمام الأمة، فلو انتصر المشروع الأموي من دون معارضة حقيقية لا يلتبس الحق بالباطل، ولأصبح الاستبداد جزءًا من الدين في نظر الأجيال اللاحقة، أما شهادة الإمام الحسين (ع) فقد هزّت ضمير الأمة، وأسقطت القناع عن السلطة، وأثبتت أن الإسلام لا يمكن أن يجتمع مع الظلم مهما حمل الظالم من شعارات دينية.

إن عظمة الشهادة الحسينية تكمن في أنها لم تكن هزيمة عسكرية، بل كانت انتصارًا حضاريًّا وأخلاقيًّا، فقد استطاع الإمام الحسين (ع) بدمه أن يحفظ روح الإسلام، وأن يجعل من كربلاء معيارًا دائمًا يُقاس به الحق والباطل، ومنذ ذلك اليوم أصبحت عاشوراء مدرسة للأحرار، يتعلم منها المؤمنون أن قيمة الإنسان لا تُقاس بطول عمره، بل بمقدار ثباته على الحق.

وإذا كانت الجاهلية في زمن الحسين قد تمثلت في الحكم الأموي، فإنها في عصرنا تتجلى بأشكال جديدة، فالاستكبار العالمي الذي يحتل الأرض، وينهب الثروات، ويدعم الظالمين، ويسعى إلى إخضاع الشعوب لإرادته، إنما يجسد الجوهر نفسه الذي قامت عليه الجاهلية الأولى، فالاستكبار ليس مجرد قوة سياسية أو عسكرية، بل هو عقلية ترى نفسها فوق الحق وفوق الإنسان وفوق إرادة الشعوب.

ولهذا، فإن استلهام عاشوراء اليوم لا يقتصر على إحياء الذكرى، بل يقتضي حمل رسالتها في مواجهة أشكال الهيمنة والاستبداد المعاصرة، فكل موقف يُتخذ دفاعًا عن المظلومين، وكل رفض للهيمنة والاحتلال، وكل مقاومة للفساد والانحراف، يمثل امتدادًا عمليًّا لخط الإمام الحسين (ع)، وكما وقف الحسين في وجه طغيان عصره، فإن أتباعه مدعوون للوقوف في وجه الطغيان أينما كان وبأي صورة ظهر.

إن المحافظة على المجالس الحسينية والشعائر العاشورائية تكتسب أهميتها من هذا المعنى بالذات، فهي ليست مجرد مناسبة عاطفية، بل وسيلة لحفظ الوعي التاريخي والرسالي للأمة. ومن هنا نفهم لماذا حارب الطغاة هذه المجالس عبر العصور، لأنهم أدركوا أن عاشوراء تصنع إنسانًا يرفض الذل، ويؤمن بالكرامة، ويستلهم من الحسين روح المقاومة والثبات.

وخلاصة القول: إن الإمام الحسين (ع) لم يمنع ارتداد الأمة إلى جاهلية القرن الأول الهجري فحسب، بل أقام بدمه المبارك سدًّا تاريخيًّا في وجه كل مشاريع الجاهلية المتجددة، لقد حفظ الإسلام من الذوبان في سلطان الطغاة، وترك للأمة معيارًا خالدًا تستطيع من خلاله أن تميّز بين الإسلام الذي يدعو إلى العدل والحرية والكرامة، وبين كل مشروع استكباري يحاول أن يتستر باسم الدين، وما دامت عاشوراء حاضرة في وجدان الأمة، فإن رسالة الإسلام ستبقى حيّة، وسيبقى طريق الحسين (ع) منارة تهدي الأحرار في مواجهة كل أشكال الجاهلية والاستكبار.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.