مقدمة
ليست الخيانة لحظة طارئة يولد فيها الانحراف فجأة، بل هي نهاية طريق طويل يبدأ من الداخل، من لحظة يضعف فيها القلب أمام بريق الدنيا، فيتقدّم الطمع خطوة ويتراجع الضمير خطوة.
وحينها لا يعود الإنسان يخون لأنه يجهل الحق، بل لأنه لم يعد قادرًا على دفع ثمنه.
ومن هنا تتجلى مأساة مسلم بن عقيل (ع)، لا بوصفها حادثة تاريخية، بل بوصفها لحظة انكشاف كبرى:
حين كُتب للحق أن يُخذل لا بغياب المعرفة، بل بحضور الطمع.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يرحم: كم مرة يمكن أن يبيع الإنسان وفاءه وهو يظن أنه يحمي نفسه؟
الطمع أصل الانحراف
حين ينحرف ميزان القلب، لا يبدأ الانحراف من فكرة كبرى أو قرار صريح بالخيانة، بل من تغيير خفيّ في معيار الحكم على الأشياء. وهنا يتسلل الطمع بوصفه أخطر ما يبدّل هذا الميزان؛ إذ يجعل الإنسان يرى كل شيء من زاوية واحدة: ماذا سأربح؟ وماذا سأخسر؟
وحين تتحول المصلحة إلى معيار أعلى من الحق، تبدأ القيم بالتراجع خطوة بعد خطوة، حتى يصبح التنازل مبرَّرًا، والصمت حكمة، والتراجع سلامة.
ولهذا حذّر القرآن الكريم من فتنة الدنيا التي تعيد تشكيل وعي الإنسان، فقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (سورة آل عمران، الآية 185). وقال سبحانه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. (سورة الأعلى، الآيتان 16و 17).
وفي كلمات أمير المؤمنين (ع) تتجلى حقيقة الطمع بوضوح صارم حين قال: “الطمع رقٌّ مؤبد”، فهو لا يصف مجرد صفة نفسية، بل يصف حالة استعباد داخلي تجعل الإنسان أسيرًا لما يرجوه أو يخشاه. ويقول أيضًا: “أكثر مصارع العقول تحت براقع المطامع”، لأن الطمع لا يفسد السلوك فقط، بل يعطل العقل نفسه، فيُلبس الباطل لباس المنطق.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي للطمع أنه لا يُسقط الإنسان دفعة واحدة، بل يغيّر منطقه الداخلي تدريجيًّا، حتى يصبح ما كان يرفضه بالأمس مقبولًا اليوم، وما كان يعدّه خيانة يراه اليوم تدبيرًا.
وهكذا لا تكون الخيانة فعلًا فجائيًّا، بل نتيجة منطق طويل يبدأ حين يُقدَّم ما عند الناس على ما عند الله، وما تريده النفس على ما يريده الحق.
سقوط الكوفة: حين انتصر الطمع
لم تكن الكوفة مدينةً بلا وعي، ولا مجتمعًا يجهل موقعه من الحق، فقد استقبلت مسلم بن عقيل (ع) بوجوهٍ مزدحمة وبيعةٍ واسعة حتى بدا المشهد وكأنه إجماعٌ على النصرة. غير أن هذا الإجماع كان هشًّا، لأن جذوره لم تكن ثابتة على مبدأ، بل معلّقة على مصالح قابلة للتبدل.
وحين دخل عبيد الله بن زياد، لم يغيّر الحقائق بقدر ما كشف ما كان مستورًا في النفوس. فبمقدار ما اشتدّ الترهيب، وبمقدار ما فُتحت أبواب الترغيب، بدأ ميزان القلوب يميل.
لم يعد السؤال: أين الحق؟ بل أصبح: أين الأمان؟ وأين المكسب؟
وهنا بدأ الانسحاب الصامت؛ واحد يتراجع خوفًا، وآخر يصمت طمعًا، وثالث يختفي انتظارًا لما ستؤول إليه الأمور. حتى تحوّلت الساحة التي امتلأت بالأمس بالبيعة إلى فراغ ثقيل لا صوت فيه إلا الوحدة.
وبين لحظة وأخرى، وجد مسلم بن عقيل (ع) نفسه وحيدًا في مدينة كانت تكتظ قبل أيام بالوعود. لم تكن خيانته لحظة مواجهة بالسيف فقط، بل لحظة انكشاف أن تلك الجموع لم تكن ثابتة على موقف، بل كانت تميل مع الريح حيث تميل مصلحتها.
ولم يبقَ في المشهد إلا امرأة واحدة، طوعة، آوته حين تخلّى عنه الجميع، لتبقى شاهدة على أن الوفاء قد يسكن فردًا واحدًا حين تغيب الجماعة بأكملها.
ولعل الإمام الحسين (ع) قد لخّص هذه الحقيقة بكلمات خالدة حين قال: “الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديانون”.
فقد كانت الكوفة مثالًا واضحًا لهذا الامتحان؛ إذ بقي الدين ما دامت المصالح آمنة، فلما جاء أوان التضحية، وانكشف معدن الرجال، تراجع كثيرون، وبقي القليل ممن لم يبع دينه بدنياه، ولم يقدّم سلامته على الوفاء للحق.
وهكذا لم تسقط الكوفة حين قُتل مسلم، بل سقطت حين اختار الناس السلامة على المبدأ، والنجاة الظاهرة على الوفاء الحقيقي. عندها فقط تحوّل الطمع من شعور داخلي إلى خيانة مكتملة.
الخيانة ليست حدثًا بل حالة
تبدو الخيانة في الوعي العام وكأنها لحظة فاصلة: قرار يُتخذ، أو فعل يُرتكب في موقف محدد. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؛ فالخيانة ليست لحظة، بل حالة تتكوّن داخل النفس تدريجيًّا، حين يختل ميزان القيم ويبدأ الإنسان في التعايش مع التنازلات الصغيرة.
فالإنسان لا يصل إلى خيانة كبرى فجأة، بل يبدأ بخطوات صامتة: تساهل بسيط في موقف، تبرير صغير لمصلحة، سكوت عن حق، ثم اعتياد على تقديم الذات على المبدأ. ومع الوقت، تتراكم هذه التنازلات حتى تصبح جزءًا من بنية التفكير نفسها.
وهنا يتحول الطمع إلى نمط حياة، لا مجرد رغبة عابرة؛ فيُعاد تعريف النجاة بأنها الحفاظ على المصالح، لا الحفاظ على الحق.
ولهذا، لا تكون الخيانة دائمًا سيفًا يُرفع، بل قد تكون كلمة تُحجب، أو موقفًا يُترك، أو شهادة حق تُؤجَّل، أو سكوتًا مريحًا أمام باطل واضح.
ومن هنا نفهم أن الخيانة التي ظهرت في الكوفة لم تكن استثناءً تاريخيًّا، بل كانت نتيجة طبيعية لمنطق يمكن أن يتكرر في أي زمان ومكان حين تُستبدل القيم بالمصالح.
ولهذا جاء التحذير الإلهي صريحًا وشديدًا، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال، الآية 27). لأن الخيانة ليست نقضًا لعلاقة الإنسان بالناس فحسب، بل هي قبل ذلك سقوط في ميزان الأمانة التي أرادها الله أساسًا للحياة والإيمان.
فالخطر الحقيقي ليس في وجود الباطل، بل في قابلية النفس للتكيّف معه حين ترى أن مواجهته مكلفة.
وعندها يصبح الطمع هو الذي يحدد الموقف، لا الضمير.
وهكذا تتجاوز الخيانة كونها حدثًا تاريخيًّا، لتصبح حالة نفسية قابلة للتكرار كلما تكرر نفس الشرط: قلبٌ يختار الدنيا على حساب الحق.
مسلم بن عقيل مرآة لكل زمان
ليست سيرة مسلم بن عقيل (ع) مجرد صفحة من التاريخ تُقرأ للعبرة، بل هي مرآة تُعرض فيها حقيقة الإنسان حين يُوضع أمام اختبار الموقف والضمير.
فمسلم لم يُخذل لأنه كان غائبًا عن الناس، بل لأنه كان حاضرًا في لحظة غابت فيها القيم عن القلوب. لم يكن الضعف في رسالته، بل في النفوس التي استبدلت الوفاء بالحسابات، والمبدأ بالمصلحة، والحق بالخوف.
ومن هنا، لا يعود السؤال عن الكوفة سؤالًا تاريخيًّا، بل يتحول إلى سؤال حيّ: كم مرة يقف الإنسان في حياته أمام مسلم من نوع ما، ثم يختار أن يتراجع لأن الثمن أعلى مما يريد أن يدفع؟
إن اختبار مسلم بن عقيل لا يتكرر في صورة واحدة، بل يتكرر في صور متعددة: في كلمة حق، في موقف عدل، في أمانة تُحفظ أو تُضيّع، في شهادة تُقال أو تُكتم، في نصرة مظلوم أو تركه وحيدًا.
ولهذا، فإن جوهر المأساة ليس في الذين خذلوا مسلم بن عقيل (ع) فحسب، بل في قابلية الإنسان نفسها لأن يعيد إنتاج نفس النموذج حين تتقدّم مصلحته على يقينه.
وهنا تتحول الكوفة من مدينة في التاريخ إلى حالة داخل النفس؛ حالة تُختبر فيها القيم كل يوم، ويُعاد فيها الامتحان بصيغ مختلفة، لكن المعيار واحد: هل يبقى الحق أعلى من الطمع، أم أن الطمع هو الذي يوجّه القرار؟
إن مسلم بن عقيل (ع) لا يطلب منا أن نبكيه فقط، بل أن نسأل أنفسنا: في أي صفّ كنا سنقف لو تغيّرت الأسماء وبقي الامتحان نفسه؟
ما أشبه الأمس باليوم
إن مأساة مسلم بن عقيل (ع) ليست قصة خذلانٍ انتهت في لحظة تاريخية، بل هي كشفٌ دائم لحقيقة تتكرر كلما تكررت الظروف نفسها: حين يقف الإنسان بين الحق ومصلحته، بين الوفاء وما يغريه من الدنيا، بين الضمير وما يطلبه الطمع.
لم تسقط الكوفة لأن الحق كان غائبًا، بل لأنها حين حان وقت الاختبار، اختار كثيرٌ من أهلها أن يكونوا مع السلامة لا مع المبدأ، ومع المكسب لا مع الحقيقة. وهنا تبدأ الخيانة الأولى: حين يُقدَّم ما يُخاف فقده على ما يجب أن يُحفظ.
ولذلك، فإن أخطر ما في هذه القصة أنها لا تنتمي إلى الماضي فقط، بل تمتد إلى كل زمن تُختبر فيه القلوب. فكم من موقف صغير اليوم يعيد إنتاج نفس الامتحان، وكم من إنسان قد يظن أنه بعيد عن الكوفة، بينما هو يعيش تفاصيلها بصور مختلفة.
إن الإنسان لا يُهزم دفعة واحدة، بل حين يسمح للطمع أن يفسر له الحقائق، ويعيد تشكيل قراراته بصمت، حتى يصبح التنازل عادة، والسكوت خيارًا، والحق عبئًا ثقيلًا.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تتركه لنا هذه المأساة ليس: ماذا فعل أهل الكوفة؟ بل: ماذا يفعل الطمع في داخلنا حين نُختبر في مواقفنا الصغيرة قبل الكبيرة؟
إن الخطر ليس في التاريخ، بل في القلوب حين تُترك بلا يقظة، وحين ينجح الطمع في أن يكون أهدأ صوت داخل النفس لكنه أخطر صوت في مصير الإنسان.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا الطمع طريق سقوطنا، وارزقنا ثباتًا لا يبيع الحق مهما اشتد الامتحان.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
