قد يكون المرء بين جمع غفير من الناس، لكنه يشعر بالغربة وتعتصره الوحدة. غير أن القلب المعمور ببِشر الإيمان لا يعرف الخوف، ولا يتطرق إليه الحزن؛ ففي العزلة طمأنينة وسكينة إذا كانت مقرونة بذكر الله، والتفكر في بديع صنعه، وإخلاص الدعاء له وحده، لا شريك له.

وعلى الرغم من أن المخالطة سنة بشرية لا بدّ منها، وهي سبيل التكامل وميدان الابتلاء، فإن المطلوب من الإنسان أن يجعل الله سبحانه نصب عينيه، فيكون في الناس ببدنه، لا بقلبه وهواه، كما أُثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): “كن في الناس ولا تكن معهم”.

يا هذا، خليل الرحمن إبراهيم (ع)، حين اعتزل قومه، تجلّت في اعتزاله إحدى لطائف العزلة الإيمانية، إذ أعقبتها هبات ربانية وعطايا إلهية، مضى مبتهلًا: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ۝ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
(سورة الصافات، الآيتان 99-100).

فجاءت البشرى الإلهية تباعًا:

﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (سورة الصافات، الآية 101).

وحين قطع رجاءه من الخلق، ولجأ إلى الخالق:

﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (سورة مريم، الآية 48).

تنزلت عليه الفيوضات الإلهية:

﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ۝ وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (سورة مريم، الآيتان 49-50).

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا﴾ (سورة الأنعام، الآية 84).

وكذلك كليم الله موسى (ع)، حين طلب العزلة عن قومه إذ لم يؤمنوا:

﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (سورة الدخان، الآية 21).

فوهبه الله من رحمته، وشد عضده بأخيه:

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ (سورة مريم، الآية 53).

ومن المشاهد القرآنية المنيرة، أنموذج الصديقة الطاهرة مريم (ع)، حين اعتزلت في محرابها للعبادة، فأفاض الله عليها من نعمه بغير حساب:

﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (سورة آل عمران، الآية 37).

وفي ذلك المقام الشريف، حين رأى زكريا (ع) هذه الكرامات، توجه إلى الله بالدعاء:

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (سورة آل عمران، الآية 38).

﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ (سورة مريم، الآية 5).

فجاءته الاستجابة السريعة:

﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 39).

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (سورة الأنبياء، الآية 90).

ثم تجلت العزلة الثانية للصديقة مريم (ع) في أعظم الاختبارات وأشدها صبرًا، فكانت الهبة القدسية غير كل الهبات:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ۝ فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (سورة مريم، الآيتان 16-17).

فجاءها الملك بالبشرى:

﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (سورة مريم، الآية 19).

فكانت الهبة الإلهية كلمة الله وروحه عيسى (ع)، المنادي في المهد:

﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ۝ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ۝ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ۝ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (سورة مريم، الآيات 30-33).

إن هذا المعنى الشريف يدعو إلى العزلة الإيجابية المثمرة؛ العزلة التي تشحذ الروح وتقوي الصلة بالخالق. أما إذا كانت صور الاعتزال انطواءً على الذات، وهربًا من المسؤولية والأزمات، أو تعاليًا عن مخالطة البشر، فتلك هي الرهبانية المبتدعة التي نهى عنها ديننا الحنيف.

اللهم، حين يعتصر القلب في غربته ولا يجد إلا أنسك، اجعلنا ممن يدعوك صادقًا:

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (سورة الفرقان، الآية 74).

ما أعظم مدرسة القرآن.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.