للحبيب الفقي من وجهة نظر سوسيولوجية
قسم 5
ما أحوجنا اليوم إلى هذه اليقظة التي تعيد إلى الفيلسوف خاصة، وإلى المثقف عامة، دوره الطلائعي في المجتمع . (عبد الوهاب بوخديبة).
إن عالم الاجتماع كل مرة يعود إلى ينابيع معرفته الحادة إلى ما يعمل في داخله كوسيلة فهم للتشكيلات الثقافية الأكثر بعدًا عنه فهو يصنع فلسفة . (موريس مزلو – بنتي).
1. الحبيب الفقي بَيْنَ الذاتي والموضوعي
انقطعت أخباره عني، وما سألت عنه، وتعمّق البعد، ولكن بما أن النسيان لا يكون إلا في الجزئيات، ولا يكون في الكليات التي تبقى منقوشة في الذاكرة، وما بين كمون الذكرى، وبين فعل الاعتراف تنادى لي صوت صديقي عادل بالكحلة بذكر اسم الحبيب الفقي، ليثير فيّ، كلمح البرق، واجب الذاكرة، استرجعت فيها علاقة الطالب بأستاذه في أول بداياتي الجامعية بقسم الفلسفة، وقد بدأت خيوط النسيج تتفكك وتبلى.
أليس الزمن كفيلًا بأن يجعل الماضي يتخلل الحاضر ويخلخله؟ أليست تلك اللحظة – التي مضت وأصبحت في خبر كان، كانت في وقتها نقطة ستصبح مستقبلًا؟ أليست الساعة نفسها مؤلفة من أجزاء هارية… فكل ما ينفصل عنها يمضي، وما لا يزال فيها مستقبل ؟.
أسئلة واجب الذاكرة، وحق الاعتراف هي أكبر المعاني في عولمة تجعل النسيان هو الوحيد الذي له ذاكرة.
كيف لي أن أنسى أو أتناسى في واقع خيبات ومنسيات مبكيات؟ وكيف لي أن أنسى أو أتناسى تموجات الحنين تنعش الفكر أحيانًا، وتدق أجراس العودة لتشكل بداياتنا الأولى في المعرفة والفهم، أحيانًا أخرى؟
***
كتب لي صديقي، منسق منتدى التفكير في الحراك العربي والعالمي، بتاريخ 08 / 09 / 2023 رسالة هذا نصها: “نريد كتابًا جماعيًّا، تكريميًّا للدكتور الحبيب الفقي؛ لأن الكلية التي منحها عمره، لم تكرمه عند تقاعده بكتاب عن فكره؛ وأهملت رسائله الجامعية بباريس فلم تنشرها، ولم تعد نشر مقالاته في مجلد واحد، رغم أهميته المعرفية والإنسانية التي كادت تكون عالمية. ولذلك، فإنني أطلب منك، أن تشاركنا في كتاب تكريمي له. فقد كنت تلميذه بقسم الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية (…)”.
فاسترجعت دروسه في الفلسفة الإسلامية، عندما كنت أدرس في شعبة الفلسفة، قبل أن أغير التوجيه إلى شعبة علم الاجتماع. وقد كان ذلك التغيير بتشجيع من صديقي عادل بالكحلة، ثم بمساعدة منه في تلك البدايات. ولم يكن تغيير التوجيه حاملًا قطيعة مع شعبتي السابقة. فكل علماء الاجتماع تقريبًا – بدؤوا فلاسفة؛ (أوغست كونت، دوركايم، بيير بورديو، إدغار موران). ولعل نفس الإحساس الذي كنت أشعر به، وكأن صديقي يريد تذكيري إياه…
***
عندما أقارن منزلة الفلسفات العربية والإسلامية بنظيراتها الغربية، فإن مكانة كل أستاذ ستكون بحسب تخصصه ونفوذه الأكاديمي.
ومن دون شك أن الحبيب الفقي، ومعه أيضًا عبد المجيد الغنوشي، كانا يضعان الفلسفة في سياقاتها التاريخية، لينتقلا بالفلسفة الإسلامية من تكسير زجاجة “التقليد”، و”الشك”، إلى البحث عن “اليقين”، كما في تجربة الغزالي الفلسفية.
ليست المعاني في الذاكرة، وإنما في القدرة على استنهاضها من أجل التذكر وتحريك سواكن المتخفي.
ففي إنجاز كتاب تكريمي عن الحبيب الفقي ردٌّ للاعتبار إليه واعتراف به.
وقد اقترح علي صديقي بتولي تقديم إحدى مقالاته ، في تقاطع مع سوسيولوجيا المعرفة، وتحليل أهم أفكاره وما تمثله من قيمة بالنسبة إلى الفكر التونسي، والفكر العربي في بداية الثمانينيات من القرن العشرين وما بعدها، ثم إبراز دوره في إثراء الدراسات المهتمة بالفلسفة العربية والإسلامية.
وأول ما تبادر إلى ذهني في كيفية تقديم مقال فلسفي في الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر سوسيولوجية، هو العمل على إبراز أهمية العوامل الاجتماعية والسياسية في ما ورد بالمقال من آراء. فهذا موريس – مزلو بونتي يؤكد أن الارتباطات التاريخية نفسها التي منعت الفيلسوف من الاستئثار بولوج مباشر إلى الكوني أو الأبدي، تمنع عالم الاجتماع من الحلول محله في هذه الوظيفة زمن إعطاء قيمة أنثروبولوجية للتوضيع الاجتماعي من قبل العلمي .
أما المسألة الثانية التي تبادرت إلى ذهني، فهي أن الاهتمام بـ”الحبيب الفقي” ليس بالضرورة تبني أفكاره. كما أن اختصاص الحبيب الفقي، أو هنري كُرْبان، أو روجيه أزنُلْدَاز، في الفلسفة الشيعية الإسماعيلية، لا يستوجب “اتهام” المفكر بـ”تشيعه”، كما يتشنج البعض من المتدينين الدغمائيين، من الطلبة آنئذ والذين أصبح بعضهم أساتذة فلسفة في التعليم الثانوي والعالي. فأستاذنا وباحثنا، كان موضوعيًّا في دراسته وتدريسه، ولم يكن في أي جملة من جمله، وفي أي فكرة من أفكاره داعية إديولوجيا، بأي وجه من الوجوه. وهذا التشنج التعصبي ليس شأنًا يغني من جوع معرفي وإنساني، خاصة أننا نعترف موضوعيًّا أن حجم الفلسفة الإسلامية الشيعية أعظم حجمًا من الفلسفة الإسلامية السنية.
فنحن في حاجة ماسة للتواضع مع الحبيب الفقي الذي تخرّج على يد أعظم دارسي الفلسفة الإسلامية في العالم؛ وكان ديكولونياليًّا، إذ كان أصيلًا في إصراره على الاختصاص في فلسفة المسلمين، تاركًا فسحة للحوار بينها وبين فلسفة الآخرين. وذلك بتعميق دراسة إنتاجه المعرفي ونقده، من قِبَل من يرى في نفسه الكفاءة التي تسمح له بذلك، والتي لا أراها حاليًّا تتوفر فيّ، رغم أنني لا أخفي ما استفدته منه. فقد صحح الحبيب الفقي بعض المفاهيم التي كانت رائجة، ولم يسبق التطرق إليها أو نقدها.
استحسنت اقتراح صديقي في معالجة مقالة أستاذنا “الفلسفة الإسماعيلية وقانون الموازنة”، إذ وجدتها قريبة من استعداداتي الفلسفية، وتقاطعاتها السوسيولوجية.
2. التأطير العام للمقال
كرّس الحبيب الفقي حياته العلمية للاهتمام بفرقة إسلامية تختلف عما هو مهيمن وشرعي ثقافيًّا في تونس، خصوصًا وأن الحبيب الجنحاني بيّن في اقتفائه للحركة الإصلاحية التونسية خلال نصف قرن قبل الاحتلال الفرنسي أنه لم يكن الوسط الثقافي يهتم بدراسة تاريخ المذاهب في الإسلام أو التاريخ الإسلامي، أو يعتمد على الأمهات في الدراسات الإسلامية، بل يقتصر على التصانيف المتأخرة، الركيكة الأسلوب، المعقدة المعاني، وأكثرها شروح وحواشي . وذلك لتوقف باب الاجتهاد بجغرافيتنا الثقافية منذ قرون، فكانت بداية الحركة الإصلاحية مما يشبه الصفر الثقافي، وهذا على عكس الجغرافيا التشيعية التي استمر فيها الاجتهاد. ولذلك لم يكن من الغريب أن يكون جمال الدين الأفغاني رائد الإصلاح في العالم الإسلامي السني، أي من خارجه.
يقدم الحبيب الفقي في هذا المقال ما يعتبره جوهر الفلسفة الإسماعيلية التي لها جذورها ومفاهيمها ومنطلقاتها النظرية والمنطقية والسياقات التاريخية ومؤسسيها. وهذا النص يعتبر سوسيولوجيًّا مهمًّا؛ لأنه يبحث في السردية التي كونت المتخيل الإسلامي عبر قرون، وحفر أركيولوجي في تكون الإديولوجي والمذهبي، ويؤكد واقعية الإسلام التي ينجح المسلمين في الالتزام بها حينًا، ويخفقون أحيانًا أخرى.
يقطع هذا المقال مع الأفكار المسبقة التي تكشف عن حقد دفين بين الفرق والمذاهب الإسلامية، حيث يتهم الواحد منهم الآخر بالزيغ عن الإسلام، في حين أن الحبيب الفقي كان يرى أن الإسلام مفتوح على الاختلاف والتنوع. والسبب يعود في رأيه إلى أن الإسلام استطاع أن يحقق “المعجزات على مستوى الحضارة” . ولكنه يقر أن الإسلام وجد صعوبات جمة في تحقيق فكر موحد، وبناء شخصية إسلامية متلاحمة الأجزاء ؛ وذلك لاعتقاد الكثير من المسلمين أن الإسلام يملك عصا سحرية تحول الجاهلي إلى مسلم، دون أن يكون للفرد شأن في ذلك . ويبين الحبيب الفقي، من جهة أخرى، أن المسلمين لم يميزوا بين شخصية الرسول (ص)، وبين الإسلام بما هو دين وعقيدة، وفوجئ المسلمون بموته، ولم يتقبلوا التحول الذي فرضه فقدان الرسول، بسهولة؛ وهو ما أدى إلى “أزمة عقائدية”. وبفقدان الرسول (ص) فقد المسلمون كل الامتيازات التي تحصلوا عليها في حياته، وذهب الاطمئنان وحل محله الخوف. وعليه، “ابتدأ الصراع هنا في العقيدة، وهناك في السياسة. والناس منذئذ شيع وفرق: الفرقة الحاكمة (بإمامة معاوية)، والفرقة المعارضة بإمامة (علي). وقد انقسم الحزب العلوي إلى الإسماعيلية والإثني عشرية (الموسوية). وهناك من اتخذ الحياد” .
فقد وقف الحبيب الفقي على المرحلة المفصلية لافتراق المسلمين إلى نحل وفرق ومذاهب. ولكنه يعتبر ذلك خاصية مشتركة بين كل الأديان والأمم، ولم تكن مقتصرة على الإسلام والمسلمين. فهذه الفترة من التاريخ التي عرضها المفكر لا تعني غير حلقة معادة من التاريخ الطويل للإنسان. “وما عاشه الإسلام والمسلمون من أحداث وفتن وتفرق، هو إعادة لنفس الأحداث والفتن والتفرق التي سجلت حياة الإنسان في الماضي” .
كما أنه يرجع هذه الإعادة وهذا التكرار أساسًا إلى ظاهرة الثنائيات التي تتجاذب الإنسان وتحفظ استمراره في الكون المادي. هذه الثنائية المتعددة الأشكال من خير وشر، ونور وظلمة، وولي وعدو، وآدم وإبليس، هي التي تجعل حياة الإنسان ممكنة ومتشابهة. وفكرة التشابه هي من بين المسائل الهامة في الفلسفة الإسماعيلية .
لا بد أن نلاحظ سوسيولوجيًّا، أن لكل حركة أو مذهب من الاعتماد على سرديات مؤسسة لها. فإن قانون الديانة قد استمد حقيقته من بعض القصص الواردة في القرآن، مثل قصة آدم. وهذه القصة تعبر عن مأساة الإنسان الذي مال إلى الهوى والإغواء، وارتكب خطيئة العناد والرفض والنسيان والتحدي. وستبقى رواسب هذه الخطيئة متعلقة بذات الإنسان، إذ أصبحت الخطيئة تحمل معنى الاستمرار.
وحسب الإسماعيلية، فإن “التكرار” ظاهرة تدفع بالعالم إلى الاستمرار. فتراث الأنبياء يعيد نفسه، فعهد نوح مثلًا هو ما وقع في عهد آدم، وهو ما سيقع في كل دور من أدوار الأنبياء. وهذا ما أسماه مرسيا إلياد بـ “العود الأبدي” ، حيث نشأت من التكرار فكرة “الحكاية” وهما متصلان اتصالًا وثيقًا بفكرة “الموازنة”.
3. كيف نشأت الفلسفة الإسماعيلية؟
بدأ الحبيب الفقي مقاله بالإشارة إلى نشأة الفلسفة الإسماعيلية وتحديد خاصيتها، مستبعدًا أن تكون مذهبًا فكريًّا معاديًا للإسلام، كما يتصوره البعض، وأنها نحلة “هدّامة” للعقيدة الإسلامية؛ مرجعًا نشأتها إلى “المناخ العام الذي انتشر فيه الإسلام”. يعتبر الإسماعيليون أن للديانة ميزانًا يقوم دليلًا عليها، ومنه الاستنباط والاستدلال. وإن المعرفة التي تقدمها الديانة معرفة يقينية. ففلسفتهم عقلانية، برهانية، وليست تقليدية، دغمائية.
ولا يستبعد الحبيب الفقي أن تكون الفلسفة الإسماعيلية في ثوبها الجديد قد تأثرت بمؤثرات عديدة من فلسفة يونانية، ومذاهب فارسية، وديانات سماوية، وثقافات مختلفة، رافضًا أن تكون مجرد آراء أجنبية أدخلها بعض اليهود ممن أسلموا . ذلك أن “التشبث بفكرة الإمامة التي أصبح لها من القداسة ما للنبوة” وهذه الخاصية “اللدنية” ، بتعبير ماكس فيبر، هي التي لها الإمكانية في إزالة الخلاف و”جمع الناس وتأليفهم”. وقد تفاعلت كل المذاهب الإسلامية، دون استثناء، مع النحل الأخرى، فاستدمَجَتْ ورفضت .
وطرح مسألة الإمامة، رغم أنها أمر مستفز، نوعًا ما، لحساسيتها، ولما يمكن أن تثيره حول مدى مشروعية إسقاط مفهوم لاحق على وقائع سابقة ضمن السياقات الغربية، فإنّ هذا الطرح له صلة سوسيولوجية بطرح موضوع هيمنة السلطة اللدنية، باعتبارها منظومة شرعية من ضمن منظومات شرعيات أخرى السلطة التقليدية، والسلطة العقلانية…
“اللدنية” هي اكتشاف استراتيجيات الاعتقاد التي تشكل الكائن “اللدني”، وتدخلها هو “عنف مشروع”، في تفسير العلاقات بين الأفراد. إنها السلطة المبنية على النعمة الشخصية والاستثنائية للفرد. فهي بالنسبة إلى عالم الاجتماع الألماني، فيبر، أحد الأسس الثلاثة للهيمنة التي يمارسها الإنسان على الإنسان. فالشخص “اللدني” عنده يتميز بالتفاني الشخصي للغاية من جانب الرعايا في خدمة قضية هذا الإنسان، وبثقتهم في شخصه وحده، بقدر ما يتميز بصفات مذهلة، أو بالبطولة، أو غيرها من الخصائص المثالية التي تجعل منه قائدًا . وقد نقد بيار بورديو هذا المفهوم، إذ رأى غموضه، مستبدلًا إياه بـ”رأس المال الرمزي”. وهذا ينطبق على الحدث التاريخي لظهور “الإمامة”، فهو في نفس الوقت تشبث بالشخصية اللدنية بالمفهوم الفيبري، وأيضًا هو استناد إلى “رأس المال الرمزي” بالنحت البورديوري.
“اللدنية”، عند فيبر، بعيدة عن كونها حيازة شخصية لخصائص غير عادية (القوة البدنية، أو شجاعة المحارب، أو الموهبة الخارجة عن المألوف، أو المزاج المهيب). فهي نتاج تاريخي لـ “المجتمع العاطفي” الذي يميل أعضاؤه إلى تحسس علامات العظمة، وعليه ترسيخ شرعيتها، و “الاعتراف مِنْ قِبَلِ أولئك الذين يهيمنون في ذلك المجتمع، بما هو اعتراف حر، مضمون بالتأكيد […]، يولد من التخلي عن الوحي، وتبجيل البطل، والثقة في شخص القائد، مقررًا صلاحية اللدنية” .
وتعمل “اللدنية” بطريقة الشعور: الشعور بالقوة، من جانب حامل اللدنية، والشعور بالاحترام أو الإعجاب أو التبجيل من جانب المجتمع الذي تأخذ فيه اللدنية مفعولها.
في “أهل البيت” (وعلى رأسهم علي بن أبي طالب الذين هم أحق بخلافة الرسول)، تُخلق الصفات التي تشكل الكائن اللدني ونوع الارتباط العاطفي الذي يتم إنشاؤه معًا، مما يجلبه إلى الحياة بشكل جماعي التقدير أو الاستحسان، لدى أولئك الذين يختبرون هالة حامل اللدنية؛ ولكن أيضًا يحقق آلية فردية وجماعية لا تنفصم، موضوعية وذاتية، لفرض العظمة.
وهكذا، فإن اللدنية عند تمثلها، وإعادتها إلى الأرانات التي تجعلها فعالة، وانفصالها عن آلية التفسير النفسي العادي، تكشف عن نفسها بما هي حاملة للمعرفة الثمينة حول تنظيم المجتمعات البشرية. ودراستها تسمح لنا بفهم كيفية تطور نظريات السلطة وممارساتها.
ولم تفقد اللدنية محتواها، رغم أنها لم تعد تحتل المكانة الإلزامية لحكومة الشؤون الجماعية؛ ولم تعد ناظمة لدليل القوة .
وفي سياق إصرار الفلسفة الإسماعيلية على ما تراه ضرورة لاستمرار السلطة اللدنية للرسول (ص)، نجد لديها مقولة “الوصي”. وهو الشخص الثاني بعد النبي، أو الناطق في سلم مراتب الدعوة. ويسمى أيضًا بالأساس، لأنه أساس الدين وبيت الشريعة … وقسطه من الشريعة هو شرح التأويل، وإيضاح الحقيقة، وإظهار المعنى الباطن للدين، وإبعاد ما ران عليه من تصوير مادي، وإزالة التناقض والاختلاف بإرجاعه إلى المعنى الأصلي. فهو حجة الرسول وبابه .
وبعد أن حلل الحبيب الفقي مفهوم “الإمامة”، تناول أسباب بروز فلسفة جديدة، ضبط منهجها الإسماعيليون، الذين كانوا من بين المفكرين الذين اتجهوا بتفكيرهم إلى كشف أسرار الكون، ومعرفة أجزائه واستخدموا في ذلك قانونًا يسمى بالقانون الموازنة، أو قانون “موازنة المخلوقات” . وهكذا يحاول الإسماعيلية إبراز كل ما من شأنه أن يظهر التقارب والمماثلة ليدعوا إلى مبادئهم ويقيموا فلسفتهم، وإن كان بعض ما يذكرونه يتسم بالسذاجة والتلفيق .
وبالإضافة إلى تشبث الإسماعيلية بفكرة “الإمامة”، والكشف عن أسرار الإنسان والكون بواسطتها، حلل الحبيب الفقي ما يكون فلسفتهم الجديدة ومنهجهم، مثل نظرية الدعوة، ومسألة التأويل، وصدور الموجودات، وغير ذلك من المسائل. والغاية من ذلك – في اعتقادهم – هي الرجوع بالإسلام إلى أصالته، وتوضيح سبل المعرفة الحقيقية، كما عرفها الأنبياء. وهذا ما يساعد – في نظرهم – على معرفة العوالم؛ (العالم الكبير) في ضوء معرفة الإنسان لجوهره العالم الصغير.
فقد اتجه الإسماعيلية إلى كشف أسرار الكون والإنسان، بصياغة قانون لذلك سموه قانون الموازنة.
4. الأهمية الكونية والوجودية لقانون الموازنة
قانون الموازنة هو ميزان مقاربة شيعية – إسماعيلية لمعرفة ما غاب عن حواسنا وعقولنا، مما دق من أسرار الكون، ومعرفة خاصيات حقائق الأمور وتطابقاتها.
وحسب هذا القانون، فإن قصة آدم وإبليس الواردة في الكتب المقدسة، مع تفاوت في مضامينها بتلك الكتب، دفعت الإسماعيلية إلى الوقوف عند النزاع الوجودي الذي خيض في العالم العلوي حين استجاب البعض لنداء الرب فسارع بالطاعة والعبادة بواسطة العقول التي سبقت غيرها بالاستجابة ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ، مِن ظُهُورِهِمْ، ذُرِّيَّتَهُمْ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا بَلَى ، شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾َ (سورة الأعراف، الآية 172)، بينما رفض البعض الآخر الاعتراف بالوسائط فتحيروا ونكصوا، وأصابهم الفتور، وقال لهم الله: ﴿أَهبِطُوا بَعضُكُم لِبَعْضٍ عَدُهُ. وَلَكُم فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌ، وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾ (سورة الأعراف، الآية 24).
ويعرف الحكماء الإسماعيلية “آدم الروحاني”، بأنه عقل من عقول عالم الإبداع الذي أصابه الفتور وتأخر عن رتبته، ثم تاب وأناب. ويعرفون “آدم الكلي” بأنه أول ظهور لـ “آدم الروحاني” في الشكل الإنساني؛ ويعرفون “آدم الجزئي” بأنه المشار إليه في الكتب المقدسة .
وعالم الإبداع هو عالم العقول المفارقة. ويشمل العقول العشرة التي تبتدئ بالعقل الأول، الذي يسمى في اصطلاح الإسماعيليين بالمبدع الأول، وتنتهي بالعقل العاشر وهو مدبر عالم الكون والفساد .
و “قانون الموازنة” هو نظرية صاغها حميد الدين الكرماني ، بما هي مفهوم مركزي في فلسفة الإسماعيلية، استند فيها إلى آيات القرآن الكريم (الآية 53 من سورة فصلت): ﴿سَنُرِيهِم ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِم حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، و(الآية 2 من سورة الملك): ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُت﴾، واستنادًا أيضًا إلى حديث الرسول (ص): “إن الله أسس دينه على مثال خَلْقِه، ليستدل بخلقه على دينه، وبدينه على وحدانيته”. وقد برهن الحكماء الإسماعيلية على مقولة أن الله خلق الأشياء مزدوجة، لتكون دلالة على وحدانيته.
ويُرجع الحبيب الفقي أصول هذه الفكرة إلى نظرية المثل الأفلاطونية . ذلك أن في عالم الإبداع إزاء كل شخص ملك من الملائكة. لذلك، فإن هذه الازدواجية هي أساس الخلق، يدلنا أحد طرفيها على الطرف الآخر. فالظاهر هو الذي يدل على الباطن، والجسد يدل على الروح . وهذا المبدأ هو أساس التأويل في الحكمة الإسلامية الإسماعيلية.
و “التأويل” هو “الانتقال من معنى ظاهر إلى معنى آخر، باطن وحقيقي” . فهو “طريقة عامة تعتمد على قاعدة أساسية، هي المنهج الفلسفي الأصيل الذي يؤدي بدوره إلى قواعد أخرى، هي التفسير والتحليل والتركيب بالمعنى الخام” . وقد بقي مشكل التأويل الرمزي للشريعة في الفكر الإسلامي، فحاول ابن رشد أن يوفق بين الحكمة والشريعة، وتكفل الفلاسفة بـ “تأويل الشريعة، بنور العقل، بشرط أن يحترموا مبادئها الأساسية، كالاعتقاد بوجود الله وخلود النفس” . وقد حرص المؤوّل على أن يراعي طبقات العقول والمستويات الذهنية (…). وبهذا الشرط، يصبح الدين قائمًا بدوره الأخلاقي والاجتماعي، فيقدم للناس مبادئ عملية يضمن القيام بها السعادة الكاملة، ويساعد على التعايش الاجتماعي المشترك الذي يسوده التفاهم والإخاء .
ينتقل الحبيب الفقي إلى مفاهيم فلسفية عديدة، استندت عليها الفلسفة الإسماعيلية، وهي تمثل نسقًا متكاملًا يشكل أسس نظريتهم والتي يعتبرون أن لها نتائج عملية على الوجود الإنساني وعوالم تجمع الموجودات الثلاثة: عالم العقول أو العالم العلوي عالم الملائكة في لسان الدين، بعيد عن مداركنا، فهو عالم الثبات، وعالم الطبيعة بأفلاكه وكواكبه وأرضه (عالم) إمكانية الخطيئة، يجمع كل المتناقضات: الكون والفساد والتغير، وعالم الدعوة أو عالم العقول السفلية. ولإنقاذ النفس من أسر الهيولى، يجب أن “نعمل بالقرآن والسنة”.
ولإثبات وجود التطابق والتماثل و”الموازنة”، يؤكد الإسماعيلية أن عالم الوضع يرشدنا إلى عالم الغيب. وعليه، فإن القصص التي وردت في القرآن الكريم، مرت بمرحلة عالم الحقيقة من جهة، وبمرحلة عالم المادة من جهة أخرى. فقصة آدم مثلًا – جرت في عالم المادة؛ ووفق “قانون الموازنة”، “وقعت بكاملها في العالم الروحاني”.
لهذا، يفرق الإسماعيلية بين “آدم الروحاني”، بما هو عقل من عقول عالم الإبداع، و”آدم الكلي” أول آدم على الأرض، و”آدم الجزئي” الذي وردت قصته في القرآن.
إن هذه الفلسفة المستوفية الشروط، يريد بها الحكماء الإسماعيلية بناء الإنسان بما هو إنسان. فهو “غاية الطبيعة، وهو غرض الباري”. وعليه سوسيولوجيًّا – يصبح الإنسان فاعلًا اجتماعيًّا بامتياز، و”نقطة دائرة الموجودات”، و”مختصر العالم الكبير. فالإنسان هو أول الفكرة، وآخر العمل”.
فالله تعالى “لم يخلق العالم بأسره إلا لإبراز صورة الإنسان”. ولن يصبح هذا الإنسان عقلًا بالفعل، إلا من حيث هو كائن اجتماعي. في العالم الكبير وجود الإنسان، والإنسان سبب وجود عالم الدين الذي هو صورة المعاد وسبب التكليف والعبادة والأمر والنهي. فلولا الإنسان لم يكن ذلك شيء. وهذه الفكرة الشيعية – الإسماعيلية العظيمة عبر عنها إخوان الصفاء بقولهم: “في حد الحكمة إنها التشبه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية” ، عن طريق الشوق.
لا تكمن أهمية “قانون الموازنة” من حيث التعرف على الموجودات في حركتها وتعاقبها، بل كذلك من حيث وضع سُبُل سُلْمِيّة للمعرفة. ففي السوسيولوجيا ختم وجود الإنسان عالم الوضع، رغم أن المادة تحكم وجوده فكان عالم الدعوة الذي يقوم بالتغيير، فلا قيمة للإنسانية حسب الحكمة الإسماعيلية – دون وجود الدعوة التي تفرض أرانية على الوجود الإنساني حتى لا يكون سكونيًّا، [“إخلاديًّا إلى الأرض”]. وبذلك يصبح عالم الوضع وسطًا بين عالمين عالمًا ثالثًا يقوم بنوع من التربية النفسية ليجعل من الإنسان القوة. فهي رمز الخلاص والبحث الجديد.
إن المدرسة الشيعية مدرسة تُمعن في التأويل، وفي التفرقة بين الظاهر والباطن، أو الشريعة والحقيقة، واستمرار النبوة والوحي، باتصال الإمام بالله بواسطة العقل الفعال وما فوق العقول. واستمدت المدرسة الشيعية سياستها، بما هي سياسة العدل والأخوة والمساواة، ضد دولة أهل الشر. فغاية الحكمة الشيعية الإسماعيلية القصوى سياسية، وهي تثبيت ميزان القسط والعدل والسلام في كل العالم، إذ نجد أعمدتها يستعيدون دائمًا: ﴿ولَقَد أَرسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ، وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتٰبَ وَالْمِيزَانَ، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة الحديد، الآية 25)؛ وكل هذه المسائل، على هذا التأويل الوجودي، تحتاج إلى برهنة فلسفية لا مناص منها، كما ينص محيي الدين عزوز .
الخاتمة
(1) ساهم الحبيب الفقي في فهم الفلسفة الإسماعيلية، خاصة، والإسلامية عامة . وضبط مفاهيمها ومبررات نشأتها من وجهة نظر موضوعية. وقدم الثقافة الإسماعيلية التي وصلت ذروتها في الفكر الفلسفي والديني . واكتشفنا في مقاله “الفلسفة الإسماعيلية وقانون الموازنة” ثراء الفلسفة الإسلامية مبنى ومعنى، إذ هي لا تقل أهمية عن بقية الفلسفات اليونانية والغربية الحديثة.
(2) ينهي الحبيب الفقي مقاله بالقول: إن الكرماني خصص كتابه راحة العقل لـ “التحليل الفلسفة الإسماعيلية” طبق “قانون الموازنة”، مشيرًا إلى أنها حاولت البحث عن التوفيق بين عالم الدعوة بأنبيائه، وأسسه وحدوده وأسمائهم، ودلالة هذه الأسماء ودلالة الحروف والنقط .
(3) أن نشأة أي حركة دينية تخضع إلى سياقات تاريخية واجتماعية وسياسية واقتصادية يجب عدم التغافل عنها.
(4) أن كل حركة تبغي الانتشار والتوسع لا بد من وجود شخصية لدنية لهذا كانت فكرة “الإمامة” فكرة محورية لدى الإسماعيلية، وعليه أنجزت جهازًا دعويًّا في قمة التنظيم .
(5) أن أي حركة دينية لا بد لها من فلسفة نسقية منطقية متكاملة تحول الفكرة إلى عمل.
(6 ) لم يقتصر الفلاسفة الإسماعيلية على تقديم الأدلة المبرهنة على الوجوب العقلي للإمامة، وإنما قرنوها بالنبوة، معتبرين أنها امتداد لها، لاشتراكهما في أداء نفس المهمة التبليغية. بالإضافة إلى ذلك، تحولت الإمامة إلى قوة خارقة، قادرة على حماية الكون وضمان بقائه واستمراريته، وبغيابها يختل النظام وتتفشى الفوضى ، بما أن الإنسان هو غاية الخلق الإلهي.
(7) مارست الفلسفة مع العقل الشيعي الإسماعيلي دورًا في بيان تكامل الفلسفة والدين وتقرير ما بينهما من اتصال، والتصريح بأنهما يدعوان إلى حقيقة واحدة، وإن اختلفا في مناهج البحث عنها وكيفية البوح بها. ثم كان على الفلاسفة أن يحلوا تلك الاختلافات الظاهرية بين الدين والفلسفة حتى يبددوا تلك الحيرة التي استولت على عديد من رجال العلم، فقسمت المسلمين إلى ملل ونحل متناحرة.
كما كان من الواجب عليهم أن يعيدوا إحياء التفكير الديني. فهناك اتصالًا جذريًّا بين البحث الفلسفي والرسالة القرآنية، عند أبي إسحاق الكندي (870-798م)، وعند فلاسفة المسلمين “عرض بكثير من الجرأة والتحرر” .
(8) في الأخير، نحن في حاجة ماسة إلى دراسة هذا الموروث الإسماعيلي. فقد أشار المؤرخ عثمان الكعاك إلى أنه “تشيع كثير من الناس في تونس يومئذ، وتشرّقوا، كما كان يقال، ووقعت اجتماعات المناقشات بين المالكية والشيعة ؛ وكذلك قد يعلم التونسيون، وقد لا يعلمون، أن كثيرًا من مؤسساتهم هي ذات أصل إيراني، سواء في الإدارة، أو العسكرية أو العمارة، أو التجارة، أو الفلاحة، أو الصناعات التقليدية (…)؛ و أن كثيرًا من العلماء التونسيين قد أقرأوا بإيران ، وأن ابن خلدون هو من أكبر المؤرخين الذين درسوا في شيء من الاستعجاب تاريخ إيران وفلسفة التاريخ الإيراني .
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
