مقدمة
في أيام عيد الغدير المبارك، حيث يتجدد الحديث عن الولاية والوفاء لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، جرى نقاشٌ في إحدى المجموعات حول عادةٍ متداولة بين بعض المؤمنين في هذه المناسبة؛ إذ يضع بعضهم يده في يد أخيه ويعاهد الله تعالى قائلًا: “على أني إن كنتُ من أهل الجنة والشفاعة، وأُذن لي بدخول الجنة، فلا أدخلها إلا وأنت معي”.
وبينما رأى بعضهم في هذا العهد تعبيرًا راقيًا عن المحبة والوفاء، طرح آخر تساؤلًا بدا وجيهًا للوهلة الأولى: كيف يمكن لإنسانٍ أن يفكر في غيره يوم القيامة، والقرآن يصوّر ذلك اليوم بأنه يوم الفزع الأكبر، حيث يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. (سورة الحج، الآية 2).
فإذا كان كل إنسانٍ مشغولًا بنفسه، فكيف نتحدث عن شفاعةٍ للآخرين؟ وكيف نتصور أن يتذكر الإنسان صاحبه أو أخاه في ذلك الموقف العظيم؟
هذه التساؤلات تفتح بابًا مهمًّا لفهم طبيعة يوم القيامة، وحدود الانشغال بالنفس، ومعنى الشفاعة، وموقع الولاية والمحبة الصادقة في المشهد الأخروي.
الانشغال بالنفس لا ينفي الشفاعة
لا شك أن القرآن الكريم يصوّر القيامة بوصفها يومًا استثنائيًّا في شدته وهوله، حتى يفرّ الإنسان من أقرب الناس إليه:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. (سورة عبس، الآيات 34-37).
لكن التأمل في الآيات يكشف أن هذا الوصف يتحدث عن مرحلةٍ من مراحل القيامة، وعن حالٍ من أحوال الناس قبل استقرار المصير وصدور الأحكام النهائية.
أما القرآن نفسه فيثبت وجود الشفاعة بإذن الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. (سورة البقرة، الآية 255).
ويقول سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. (سورة الأنبياء، الآية 28).
فلو كان الانشغال بالنفس مانعًا مطلقًا من الالتفات إلى الآخرين، لما كان للشفاعة معنى أصلًا، بينما القرآن يثبتها في مواضع عديدة، ولكن ضمن شروطٍ إلهية وحكمةٍ ربانية.
فإثبات الشفاعة قرآني بقدر ما أن إثبات الفزع قرآني.
القيامة ليست موقفًا واحدًا
من الأخطاء الشائعة تصور يوم القيامة وكأنه لحظة واحدة متجانسة، بينما تشير النصوص القرآنية والروائية إلى تعدد المواقف والمراحل.
فثمة لحظات فزعٍ وانتظارٍ وحساب، وثمة مواقف أخرى بعد انكشاف المصائر وصدور الأحكام الإلهية.
ويؤيد هذا الفهم أن القرآن نفسه يصف أحوالًا متعددة لأهل القيامة؛ ففي مواضع يركّز على الخوف والذهول والانشغال بالنفس، وفي مواضع أخرى يتحدث عن الحوار بين أهل الجنة، وعن تلاوم أهل النار، وعن شفاعة المأذون لهم، وعن اجتماع المؤمنين بأهليهم وإخوانهم. وهذا التنوع في الأوصاف يكشف أن القرآن لا يتحدث عن لحظةٍ واحدة جامدة، بل عن مشاهد متعاقبة لكل منها طبيعتها وأحكامها.
كما أن اختلاف الأحوال يوم القيامة ليس أمرًا مستغربًا؛ فذلك اليوم هو يوم ظهور الحقائق وانكشاف المصائر. فمن الطبيعي أن يمر الإنسان بمواقف يغلب عليها الخوف والترقب، ثم ينتقل إلى مواقف أخرى تتجلى فيها الرحمة الإلهية، وتظهر فيها آثار الكرامة التي يمنحها الله لأنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين. ومن هنا كانت الشفاعة جزءًا من المشهد الأخروي نفسه، لا أمرًا خارجًا عنه أو متعارضًا معه.
ولهذا لا تعارض بين قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. (سورة عبس، الآية 37). وبين ثبوت الشفاعة للمأذون لهم من الأنبياء والأوصياء والصالحين.
فالآية تتحدث عن حالٍ من أحوال القيامة، بينما الشفاعة تقع في موطنٍ آخر بإذن الله تعالى.
المحبة الصادقة لا تنتهي عند حدود الدنيا
من الملفت أن القرآن لا يقدّم العلاقة بين المؤمنين بوصفها علاقةً دنيوية مؤقتة، بل يجعل لها امتدادًا أخرويًّا.
قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. (سورة الزخرف، الآية 67).
فالاستثناء هنا بالغ الدلالة؛ إذ إن أكثر العلاقات تنقطع يوم القيامة، بينما تبقى رابطة التقوى والإيمان.
وليس من المصادفة أن يجعل القرآن المتقين وحدهم استثناءً من قانون الانقطاع العام؛ فالعلاقات التي تنشأ على أساس الهوى أو المصلحة تنتهي بانتهاء أسبابها، أما العلاقة التي يكون محورها الله تعالى فإنها تستمد بقاءها من بقاء الغاية التي قامت عليها. ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحدث القرآن عن إخوانٍ على سررٍ متقابلين، ولا أن يتحدث عن لحاق الذرية بالآباء المؤمنين، لأن الإيمان لا يبني رابطةً زمنية فحسب، بل يبني رابطةً تتجاوز حدود الدنيا نفسها.
ومن هنا نفهم أن الوعد بعدم نسيان المؤمن لأخيه ليس أمرًا مستبعدًا في المنطق القرآني، بل ينسجم مع فكرة بقاء الروابط المؤسسة على الإيمان والولاية والطاعة لله تعالى.
وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): “إن المؤمن ليشفع يوم القيامة لأهل بيته فيُشفَّع، ويشفع لجاره فيُشفَّع”.
كما ورد عنه (ع): “إن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر”. (الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب الشفاعة).
ولا يقتصر الأمر على الدلالة القرآنية، بل جاءت الروايات لتؤكد هذا المعنى وتفصّل بعض آثاره الأخروية.
وهذه الروايات والنصوص لا تتحدث عن شفاعة الأنبياء والأوصياء فحسب، بل تكشف أن الله تعالى يكرم بعض عباده المؤمنين بأن يجعلهم أبوابًا لرحمته يوم القيامة، فيتحول الإيمان الصادق إلى أثرٍ يتجاوز صاحبه إلى غيره. وهكذا تظهر الشفاعة بوصفها امتدادًا للرحمة الإلهية، لا خروجًا عن العدالة الإلهية.
ما معنى هذا العهد في الغدير؟
حين يقول المؤمن لأخيه: “إن كنتُ من أهل الجنة والشفاعة فلا أدخل الجنة إلا وأنت معي”، فهو لا يكتب قدرًا إلهيًّا، ولا يفرض على الله تعالى حكمًا، ولا يضمن لنفسه مقام الشفاعة. إنما يعبّر عن معنى روحي وأخلاقي عميق، وهو أنه لا يريد النجاة لنفسه وحدها، بل يتمنى الخير والرحمة والمغفرة لإخوانه أيضًا.
إنه إعلان ولاءٍ ومحبة، وتأكيد أن العلاقة القائمة على الإيمان ليست علاقة مصلحةٍ عابرة، بل رابطة يرجو أصحابها أن تمتد إلى الآخرة كما امتدت في الدنيا.
وبهذا المعنى يصبح العهد دعاءً أكثر من كونه ادعاءً، ورجاءً أكثر من كونه ضمانًا.
الولاية حين تتحول إلى مسؤولية
لعلّ أعمق ما تكشفه هذه المسألة أن الولاية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وروحية.
فالمحب الصادق لا يفكر في خلاصه وحده، بل يحمل همّ هداية الآخرين وصلاحهم ونجاتهم.
ولهذا كانت شفاعة الأنبياء والأولياء في جوهرها تعبيرًا عن الرحمة الإلهية المتجلية في قلوبٍ امتلأت حبًا للناس وحرصًا عليهم.
فإذا كان الإنسان في الدنيا يفرح لهداية أخيه وصلاحه، فما المانع أن يتمنى له النجاة والرحمة في الآخرة أيضًا إذا أذن الله بذلك؟
إن الولاية الحقيقية لا تصنع أفرادًا منشغلين بأنفسهم فقط، بل تصنع قلوبًا تتسع للآخرين حتى في أمانيها الأخروية.
والاقتداء بأمير المؤمنين (ع) لا يكتمل برفع اسمه أو إظهار الولاء له، بل بالسير على نهجه في حمل همّ الآخرين والسعي إلى نجاتهم وصلاحهم. فالولاية التي لا تنتج رحمةً بالناس تبقى دعوى ناقصة، أما الولاية التي تُنشئ قلبًا يحمل الخير لغيره فهي الولاية التي أرادها أهل البيت (ع).
ولذلك ليس غريبًا أن تُنتج ثقافة الغدير عهودًا يتمنى فيها المؤمن الخير لغيره كما يتمناه لنفسه؛ لأن الولاية التي أرادها الإسلام لا تصنع أفرادًا متجاورين، بل تصنع قلوبًا مترابطة يجمعها مصيرٌ واحد وطريقٌ واحد.
ومن هنا يمكن فهم سرّ ارتباط هذه المعاني بعيد الغدير تحديدًا؛ فالغدير لم يكن مجرد إعلان لمقام أمير المؤمنين (ع)، ولا مجرد دعوةٍ عاطفية إلى محبته، بل كان تأسيسًا لمجتمعٍ يقوم على الولاية بمعناها الرسالي. والولاية في بعدها العميق لا تعني الارتباط بإمام الحق فحسب، بل تعني انتقال الإنسان من مركزية الذات إلى مسؤولية الجماعة، ومن طلب النجاة الفردية إلى حمل همّ الهداية والصلاح للآخرين. ولذلك كان الاقتداء بأمير المؤمنين (ع) يقتضي السير على نهجه في الرحمة بالناس والسعي إلى خيرهم، لا الاكتفاء بإظهار الولاء له.
الخلاصة:
قد تصوّر بعض آيات القرآن أهوال القيامة وشدة انشغال الإنسان بنفسه، لكنها لا تنفي الشفاعة التي أثبتها الله تعالى، ولا تنفي بقاء الروابط التي بُنيت على الإيمان والتقوى. فالقرآن نفسه يثبت أن هناك من يُؤذن لهم بالشفاعة، وأن هناك علاقاتٍ لا تنقطع عند حدود الموت، لأنها لم تُبنَ على مصلحةٍ عابرة، بل على طاعة الله ومحبته.
ومن هنا فإن العهد الذي يتبادله المؤمنون في عيد الغدير لا يُراد به الادعاء بامتلاك الجنة أو فرض الشفاعة، بل التعبير عن أسمى معاني الوفاء؛ أن يبقى الإنسان محبًّا لإخوانه حتى في أمانيه الأخروية، وأن لا يتمنى النجاة لنفسه وحدها.
ولعلّ أجمل ما يكشفه هذا العهد أن الولاية ليست مجرد انتماءٍ فكري أو شعارٍ يُرفع في المناسبات، بل حالةٌ من المحبة الصادقة التي تتجاوز حدود الدنيا. فإذا كانت كثير من الروابط تنقطع عند أول امتحان، فإن الولاية الحقيقية هي التي يرجو أصحابها أن تبقى حتى بعد الحساب، وأن تعبر بهم أهوال القيامة برحمة الله وفضله.
فليس السؤال الحقيقي: كيف يتذكر المؤمن أخاه يوم القيامة؟ بل كيف استطاعت بعض العلاقات أن تتجاوز حدود العمر والموت والخوف والحساب؟ وكيف تتحول المحبة حين تُبنى على الإيمان والولاية إلى قيمةٍ تبقى حيث تسقط سائر القيم؟
لعل هذا هو السر الذي يريد ذلك العهد البسيط أن يعبّر عنه؛ أن المؤمن لا يكتفي بأن يسأل الله النجاة لنفسه، بل يحمل في قلبه أمنية أن تشمل الرحمة الإلهية كل من شاركه طريق الإيمان. وحين تبلغ المحبة هذه المرتبة، لا تعود مجرد علاقةٍ بين شخصين، بل تصبح أثرًا من آثار الولاية التي تعبر الدنيا، وترجو أن تعبر أهوال القيامة أيضًا.
اللهم اجعل ولايتنا صادقة، ومحبتنا خالصة لوجهك الكريم، واحشرنا مع محمدٍ وآل محمد، ولا تفرق بيننا وبين أحبّتنا المؤمنين برحمتك يا أرحم الراحمين.
المصادر:
– القرآن الكريم.
– الشيخ الكليني، الكافي.
– العلامة المجلسي، بحار الأنوار.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
