ثمَّة أسئلةٌ تنامُ في أعماق الفلسفة قرونًا طويلة، لا يُوقظها إلا أن يُزلزل التاريخُ الأرضَ من تحت أقدام البشر. أسئلة ترتبط بالإله والإنسان والكون؛ سألها الإغريق، ثمَّ سألها المسلمون، ومن بعدهم سألها الأوروبيّون. واليوم، يجد البشر أنفسهم أمام سؤالٍ من جنسٍ آخر، أكثر حدّةً وأشدّ إلحاحًا؛ لأنَّه لا يتعلّق بما يُحيط بالإنسان أو يخدمه، بل يتعلّق به هو نفسه، بما اعتقد أنَّه حكرٌ عليه، وملكيّتُه الأبديَّة التي لا تُنازَع: عقلُه، وتفكيرُه، وقدرتُه على الخلق والفهم والتأويل.
لم يكن الذكاء الاصطناعي وليدَ يومٍ واحد. فقد تراكمت إرهاصاتُه عقودًا، وتقاطعت فيه مسارات الرياضيات، والمنطق، وعلم الأعصاب، والفلسفة، وعلوم الحاسوب، حتى بلغ في السنوات الأخيرة عتبةً تُعيد فيها تعريفَ الممكن. لكنّ ما يُميّز اللحظةَ الراهنة ليس تراكمَ الإمكانات التقنيَّة وحسب، وإنَّما بلغ هذا التراكم حدًّا باتت معه الأسئلةُ الوجوديَّة تفرض نفسها بإلحاحٍ لا يحتمل التأجيل: ما الإنسان؟ وما الذي يُعرّفه؟ وأين تقع الهوّة الفاصلة بينه وبين ما صنعه بيديه؟
هذا العدد يتوقّف عند هذه العتبة. لا يحتفي بالتقنيَّة احتفاءً ساذجًا، ولا يرفضها رفضًا ردّة فعل. يقرأها قراءةً فلسفيَّة ونقديَّة تحترم عمقَ السؤال، وتأبى أن تنزلق إلى الأحكام المسبقة. وهذه الافتتاحيَّة ليست مقدّمةً لمضمون العدد فحسب، بل هي محاولةٌ أولى للنظر في المرايا التي يُقيمها هذا الكائنُ الجديد أمام وجهنا، وما يعكسه فيها من صورةٍ قد لا نكون مستعدّين لرؤيتها.
أوّلًا: هل العقلُ ملكيَّة إنسانيَّة؟
منذ فجر الفلسفة، ميَّز الإنسانُ نفسه عن سائر المخلوقات بفضيلةٍ واحدة جوهريَّة: العقل. لم يكن هذا التمييز ترفًا نظريًّا، بل كان البنية الحاملة لكلّ ما شيَّده الإنسانُ من أخلاقٍ وقانونٍ وفنٍّ وعلم. (أرسطو) الذي عرَّف الإنسانَ بأنَّه “حيوانٌ عاقل” لم يكن يُعرِّفه فحسب، بل كان يُؤسِّس منظومةً ترتكز على ثنائيَّة الروح والمادة، وعلى أنَّ العقلَ هو ما يرفع الإنسانَ فوق ما دونه. و(ابنُ رشد) حين شرح هذا التعريف وناقشه، أضاف إليه بُعدًا أكثر تعقيدًا: العقلُ الفعّال الذي يُنير المعرفة ويجعل الكلّياتِ مُدرَكة، ليس ملكيَّة فرديَّة بالضرورة، بل هو أفقٌ تشتركُ في ضوئه كلّ العقول البشريَّة. وكانت المسألةُ في تلك القرون مسألةً تجريديَّة ميتافيزيقيَّة، لا يُهدّدها واقعٌ ملموس.
لكنَّ ما يجري اليوم نقلَ هذه المسألةَ من فضاء التجريد إلى فضاء التجربة المَعيشة. حين نقرأ نظامَ ذكاءٍ اصطناعي يُولِّد نصًّا فلسفيًّا، أو قصيدةً تحمل إيقاعًا وصورًا، أو حلًّا لمعضلةٍ رياضيَّة ظلّت معلّقةً عقودًا، فنحن لا نواجه مجرَّد آلة مُتطوِّرة، بل نواجه تحدّيًا عميقًا لما اعتقدناه حكرًا على نوعنا. فالسؤالُ الذي كان فلسفيًّا بامتياز، أصبح اليوم سؤالًا وظيفيًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا في آنٍ واحد: هل العقلُ ظاهرةٌ فيزيائيَّة قابلة للمحاكاة؟ أم ثمَّة في الوعي الإنساني شيءٌ يتخطّى كلّ محاكاة؟
عالج الفيلسوف الأمريكي (جون سيرل-John Searle) هذه المسألة في تجربته الذهنيَّة الشهيرة “الغرفة الصينيَّة”؛ حيث أثبتَ بمنطقٍ صارم أنَّ معالجة الرموز ليست فهمًا، وأنَّ آلةً تُولِّد إجاباتٍ صحيحة لا تعني بالضرورة أنَّها تفهم ما تقوله[3]. أمّا الفيلسوف الأسترالي (ديفيد تشالمرز-David Chalmers)، فقد ذهب في الاتجاه المقابل، وطرح ما سمّاه “المشكلة الصعبة للوعي”: حتى لو فهمنا الآليَّات الفيزيائيَّة كلّها للدماغ، يبقى لغزٌ عصيٌّ، هو لماذا يكون لهذه الآليَّات طابعٌ ذاتي، لماذا يكون للألم وقعٌ مؤلِم، وللفرح طعمٌ مختلف[4]. وهذه المشكلة حتى اللحظة لا يُقدِّم لها الذكاءُ الاصطناعي جوابًا، بل هو يجعلها أكثر إلحاحًا.
لكنّ المسألة لا تنتهي عند حدود الفلسفة التحليليَّة الغربيَّة. ففي الفلسفة الإسلاميَّة، ميَّز (الفارابي) و(ابن سينا) تمييزًا دقيقًا بين العقل بالقوّة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، وكان في قلب هذا التمييز أنَّ العقلَ الإنساني الناضج يُدرك الحقائقَ الكلّيَّة بما هي كلّيَّة، ويعي ذاتَه وهي تُدرِك. أمّا (ملا صدرا الشيرازي)، صاحب الحكمة المتعالية، فقد بنى فلسفتَه على مبدأ “أصالة الوجود”، و”الحركة الجوهريَّة”، ورأى أنَّ الإنسان ليس كائنًا ثابتًا، بل هو وجودٌ في تصاعدٍ مستمرّ، ينتقل من مرتبةٍ إلى مرتبة في سلّم الوجود، بحيث يكون إدراكُه في أعلى مراتبه ضربًا من الحضور، لا مجرّدَ معالجةٍ للمعلومات. وحين يُقاس هذا الإطار الصدرائي العميق بما تفعله الأنظمة الاصطناعيَّة اليوم، يتبيّن الفارقُ الجوهري: هي تُعالج ولا تحضر، وتُولِّد ولا تعي، وتُحاكي ولا تُوجَد.
لكنَّ هذه التفريقات الدقيقة لا تُسكت القلق؛ لأنَّ السؤال العملي يظلّ قائمًا: إذا كانت محصّلة أداء الآلة لا تختلف عن محصّلة أداء الإنسان في ميادين شتّى، فهل يهمّ حينئذٍ ما يجري في الداخل؟ وهل يبقى الفارقُ الأنطولوجي بين الوعي والمحاكاة ذا أثرٍ عملي؟ هذه هي المعضلة التي تحتلّ صدارة النقاشات الفلسفيَّة الراهنة، وهي معضلةٌ لم يحسمها أحد.
ثانيًا: الهوّة بين الأداة والفاعل
تاريخ الإنسان هو بوجهٍ ما تاريخ أدواته. صنع الحجرَ المقطوع، ثمَّ العجلة، ثمَّ المحرّك البخاري، ثمَّ الحاسوب. وفي كلّ مرحلة خاف ممّا صنع، وتكيّف معه، ثمَّ أدمجه في حضارته وانتقل إلى ما هو أبعد. فهل يختلف الذكاءُ الاصطناعي عن سابقيه من الأدوات؟ أم أنَّ ثمَّة في طبيعته ما يجعله يقفز من فئة الأداة إلى فئةٍ أخرى لم تتشكّل لها أسماءٌ بعد؟
الأداة بتعريفها الكلاسيكي تمديدٌ لإرادة الإنسان وتحقيقٌ لغرضه. المطرقة تُثبّت المسمار؛ لأنَّ إنسانًا يُمسكها ويُوجِّهها. تُنجز الآلةُ الحاسبة العمليَّات؛ لأنَّ إنسانًا يُدخل البيانات ويُحدّد العمليَّة. حتى الحاسوب في نسخته الكلاسيكيَّة يظلّ في حدوده هذه: يُنفِّذ ما يُبرمَج له، ولا شيء أكثر. لكنّ الأنظمة التوليديَّة الحديثة تُخرق هذا الإطار خرقًا جذريًّا. إنَّها تُنتج مخرجاتٍ لم تُبرمَج مباشرةً، وتُظهر سلوكًا لم يُتوقَّع تفصيلًا، وتُؤدّي في سياقاتٍ مفتوحة تتجاوز ما يُحيط بها من تعليمات؛ أي إنَّها تتجاوز حدَّ الأداة دون أن تبلغ حدَّ الفاعل الحقيقي، وتقيم في منطقةٍ وسطى غير مسبوقة.
هذا الوضعُ الوسيط هو مصدر القلق الفلسفي والخُلُقي الأعمق. حين نقول إنَّ الآلة “تُقرِّر”، أو “تختار”، أو “تُبدع”، فنحن نُوظِّف لغةً بُنيت أصلًا لوصف فاعلٍ واعٍ متعمِّد. لكنّ هذا التوصيف اللغوي له تبعاتٌ خُلُقيَّة وقانونيَّة وحضاريَّة. من يتحمّل المسؤوليَّة حين تُخطئ الآلةُ خطًّا يُودي بحياة بشر؟ ومن يملك حقّ الإبداع حين يُنتج النظامُ عملًا فنيًّا؟ وهل للآلة حقوقٌ إذا بلغت حدًّا معيّنًا من التعقيد والتكيّف؟ هذه الأسئلة تفرضها وقائع تقنيَّة يعيشها الناس يومًا بيوم في مكاتبهم، وعياداتهم، ومحاكمهم، ومدارسهم.
والأخطر من ذلك كلّه، أنَّ هذا الكيانَ الوسيط يُعيد تشكيل تصوّرنا عن الفاعليَّة نفسها. أكّد (يورغان هابرماس-Jürgen Habermas)، في نظريَّته عن الفعل التواصلي، أنَّ الفاعليَّة الحقيقيَّة تستلزم نيَّة وتفاهمًا متبادلًا وأفقًا مشتركًا من المعنى. أمّا الأنظمة الاصطناعيَّة فهي تُقلِّد بنية التواصل دون أن تنخرط في معناه. وهذا الفارق، وإن كان ميتافيزيقيًّا في أصله، يتحوّل إلى فارقٍ سياسي حين تُوظَّف هذه الأنظمة في صياغة الرأي العام وتشكيل الخطاب وإنتاج الأخبار. حينئذٍ لا يقتصر الأمر على أداءٍ تقني، وإنَّما يتّصل بمسألة السيادة على الفضاء الرمزي الذي تتشكّل فيه الهويّات والمجتمعات.
ثالثًا: العمل والإبداع ورهان الكرامة الإنسانيَّة
أطلق الاقتصاديّون في مطلع القرن الماضي تحذيراتٍ من أنَّ المكننة ستُدمِّر سوق العمل، وجاءت الوقائع أكثر تعقيدًا مما تنبّأوا: نعم اختفت وظائف، لكن ظهرت أخرى لم تكن موجودة في مخيِّلة أحد. وهذه الحجّة يستعيدها اليوم المتفائلون بالذكاء الاصطناعي حين يُواجَهون بمخاوف البطالة التكنولوجيَّة. لكنّ ثمَّة فارقًا يُفسد المقارنة القياسيَّة: الأتمتة الكلاسيكيَّة أزاحت العمل العضلي، وفتحت الباب للعمل الذهني. أمّا الذكاء الاصطناعي التوليدي فهو يطرق أبواب العمل الذهني ذاته، بل ويدخل عليه في أكثر مجالاته رقيًّا وتخصّصًا: الكتابة، والتصميم، والطب، والقانون، والهندسة، والموسيقى، والأبحاث العلميَّة.
لكنّ القضيَّة لا تقتصر على الأرقام الاقتصاديَّة وأعداد الوظائف المُهدَّدة. ثمّة بُعدٌ أعمق يتعلق بمعنى العمل الإنساني في ذاته. في الفلسفة الهيغليَّة، العملُ هو ضربٌ من ضروب تحقيق الذات في العالَم. فالإنسانُ يُنتِج ويرى في ما أنتجه صورةً من صوره، ويكتسب هويّتَه من هذه العلاقة بين الداخل والخارج، بين الفكرة والإنجاز. و(ماركس-Marx) من جهته رأى في “الاغتراب” – أي انفصال العامل عن ثمرة عمله – شكلًا من أشكال الموت الوجودي. فماذا يعني حينئذٍ أن تُنجز الآلةُ في ثوانٍ ما يتطلّب من الإنسان أسابيع من الجهد والمعاناة والخبرة المتراكمة؟ هل هذا تحرّرٌ أم أنَّه اغترابٌ بلا عودة؟
والأمر في مجال الإبداع أكثر حساسيَّة. حين يُولِّد الذكاءُ الاصطناعي قصيدةً أو لوحةً أو موسيقى، يواجهنا سؤالٌ مزدوج: هل ما أُنتِج إبداعٌ حقيقي؟ وهل يُقلِّص هذا الإنتاجُ من مساحة الإبداع الإنساني أم يُوسِّعها؟ يقول المنطق الاقتصادي: إنَّ العرضَ الوفير يُخفض القيمة، وإذا كانت اللوحات والقصائد والمقطوعات الموسيقيَّة تُنتَج بمعدّلاتٍ ضخمة لا تحدّها قدراتٌ بشريَّة، فإنَّ سوق الإبداع سيشهد اضطرابًا بنيويًّا لا مثيل له. لكنّ المنطق الوجودي يقول شيئًا مختلفًا: الإبداعُ الإنساني لم يكن يومًا مجرّد إنتاجٍ، بل كان شهادةً على معاناةٍ، وتجربةٍ، وحضورٍ في العالَم. لم يؤلِّف (بيتهوفن- Beethoven) سيمفونيَّتَه التاسعة في فراغٍ، بل أوجدها من صميمٍ يُعذِّبه، ووحدةٍ تثقله، ورغبةٍ في قهر الحدود. وقد كتب (دوستويفسكي-Dostoevsky) “الأخوة كارامازوف” وهو يُصارع الديون والمرض والأسئلة الإيمانيَّة في أعماقه. فهل يحلّ الذكاءُ الاصطناعي محلّ هذه المعاناة التي هي جوهر الإبداع لا قضيَّة عرضيَّة؟
يذهب بعضٌ إلى أنَّ الإبداعَ الآلي لا يُهدِّد الإبداعَ الإنساني، بل يُعيد إلى الأخير عمقَه الحقيقي: حين تستطيع الآلةُ تقليد السطح، يتعرّى الجوهر ويُصبح واضحًا ما كان يُميِّز الإبداعَ الإنساني في الأصل. لكنَّ هذه الحجَّة، على رقّتها الفلسفيَّة، تظلّ مجرّدَ عزاءٍ إذا كان الاقتصادُ يتحرّك في اتجاهٍ مختلف، ويُعيد توزيع الفرص والموارد بمعزلٍ عن هذه التمييزات الوجوديَّة.
رابعًا: الأخلاق في عصر الخوارزميَّة
لو سألتَ فيلسوفًا خُلُقيًّا كلاسيكيًّا عن أساس الفعل الخُلُقي، لأجابك بأنَّه يقوم في النهاية على ثلاثة أركان: الإرادة الحُرَّة، والوعي بالفعل وعواقبه، والمسؤوليَّة الناجمة عن هذين. وكلّ منظومةٍ خُلُقيَّة، سواءٌ أكانت كانطيَّة أم نفعيَّة أم فضيليَّة، تستلزم وجودَ فاعلٍ يحمل هذه الأركانَ الثلاثة. فما الذي يحدث حين يُتّخذ قرارٌ يمسّ حياة البشر بواسطة نظامٍ لا إرادةَ له ولا وعيَ ذاتيَ ولا مسؤوليَّة؟
هذا ليس سؤالًا نظريًّا. فاليوم تُستخدَم أنظمة الذكاء الاصطناعي في الفرز الأَوَّلي للطلبات الوظيفيَّة، وفي تقويم ملفَّات قروض البنوك، وفي إدارة أنظمة الأسلحة، وفي توجيه آليَّات المراقبة الشاملة. في كلّ هذه الحالات، ثمَّة قرارٌ يمسّ إنسانًا بعينه يُتَّخذ بواسطة خوارزميَّات لا تعرف ألمَ من تُقصيه، ولا تُدرك بؤسَ من يُرفَض طلبُه، ولا تُعاني أيّ وخزٍ خُلُقي حين تُصدر حكمًا بلا وجه. والأخطر أنَّ هذه الأنظمة؛ لأنَّها “موضوعيَّة” في المظهر، تُعطي قراراتِها مسحةً من الحياد تجعل الاعتراض عليها يبدو عقلانيًّا، كأنَّك تعترض على الرياضيَّات لا على السياسة.
ولا يقتصر الأمر على العدالة التوزيعيَّة، فالخوارزميَّاتُ التي تُدير منصات التواصل الاجتماعي تُشكِّل الفضاءَ العام الذي يتشكّل فيه الرأي السياسي، وتُحدِّد ما يُرى وما يُحجَب، وما يُضخَّم وما يُهمَّش. نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان حين صاغا نموذجَ “صنع الإذعان” كانا يُحلِّلان آليَّات الإعلام البشري وكيف تصنع التوافقَ في المجتمعات الرأسماليَّة. لكنّ الذكاءَ الاصطناعي منح هذه الآليَّات طاقةً هائلة وقدرةً على التخصيص الفردي لم تكن في الحسبان، لم يعد الفردُ يستهلك خطابًا جماعيًّا موحَّدًا، بل يُغمَر في “فقاعة” معرفيَّة تُراكم تحيّزاته، وتُديم أوهامه، وتُعمِّق انقسامه عمّن يخالفه، بدقّةٍ مُحيِّرة واحترافٍ لا يعلم عنه الفردُ شيئًا.
وفي هذه النقطة تحديدًا يلتقي النقاشُ الخُلُقي بالنقاش السياسي؛ لأنَّ القدرة على تشكيل المعرفة الجمعيَّة هي السلطةُ الأولى في أيّ مجتمع. وحين تنتقل هذه القدرة إلى أنظمة تملكها قلّةٌ من كبرى الشركات التقنيَّة العالميَّة، فإنَّ المسألة لا تعود مسألةَ أداءٍ تقني، بقدر ما تصبح مسألةَ هيمنةٍ حضاريَّة بأبعادٍ جيوسياسيَّة بالغة الخطورة.
المفارقة العميقة هنا، أنَّ الأدوات التي بُنيت في الأصل لخدمة الإنسان وتحريره من القيود قد تتحوّل، في ظلّ تراكمات السلطة ومنطق السوق، إلى أدواتٍ لإعادة إنتاج التفاوت وتعميق السيطرة. وهذه ليست استعارةً تحذيريَّة رومانسيَّة، وإنَّما هي ديناميكيَّة موثَّقة في الحاضر قبل أن تكون تنبّؤًا بالمستقبل.
خامسًا: قراءتنا نحن المسلمون
لا يمكن أن تُقرأ هذه التحوّلاتُ بمعزلٍ عن الموقع الحضاري الذي نقف فيه. العالمُ العربي والإسلامي يتلقّى الذكاءَ الاصطناعي اليوم من موقع المستهلِك لا الصانع في غالب الأحيان، وهذا الموقعُ ليس محايدًا. فالأدواتُ التي تُستخدَم في اللغة العربيَّة صُمِّمت بالأساس لخدمة اللغة الإنجليزيَّة وبياناتها وثقافتها، وتحمل في بنيتها -ولو ضمنيًّا- تصوّراتٍ عن العالَم ومعاييرَ للحقيقة والجمال والأخلاق تعكس السياقَ الغربي الحديث أكثر ممّا تعكس سياقاتنا.
هذا لا يعني أن نتبنّى موقفًا إقصائيًّا أو مناهضًا للتقنيَّة. فالتراثُ الإسلامي في أبهى صوره لم يرفض الوافدَ الخارجي، بل عرفَ كيف يمتصّه ويُحوِّله ويُثري به دون أن يذوب فيه. ما كان (الخوارزمي) الذي أعطانا الخوارزميَّات، و(ابنُ الهيثم) الذي أسّس البصريات، و(ابن خلدون) الذي كشف قوانين التاريخ، ينقلون عن الآخر نقلًا أعمى، بل كانوا يُواجهون المعرفةَ بمعرفة، والعقلَ بعقل. لكنّ الفارق اليوم أنَّ سرعة التحوّل تفوق قدرتَنا المؤسّسيَّة على الاستيعاب والنقد والبناء، وأنَّ الفجوة الرقميَّة باتت تُهدِّد بأن تُحوِّل التبعيَّة التقنيَّة إلى تبعيَّة ثقافيَّة وفكريَّة بنيويَّة.
والأمر لا يقف عند حدود تقنيَّة اللغة. فالذكاءُ الاصطناعي يطرح أسئلةً كلاميَّة وخُلُقيَّة تتقاطع مع أعمق مسائل التراث الإسلامي. مسألة الحُريَّة والجبر التي أشغلت المتكلّمين قرونًا تعود بحلّةٍ جديدة: هل الكائنُ المبرمَج يتصرّف بإرادةٍ أم بحتميَّة؟ ومسألةُ التكليف والمسؤوليَّة الشرعيَّة التي بنى عليها الأصوليّون منظومتَهم الفقهيَّة تجد نفسها أمام تحدّيات لم تتخيّلها: هل يجوز توكيلُ الآلة في ما يترتّب عليه حكمٌ شرعي؟ وهل القرار الذي تُصدره خوارزميَّة قرارٌ يحمل أثرًا خُلُقيًّا عند من أنتجها أو وظَّفها؟ هذه الأسئلة هي حاجاتٌ عمليَّة تطرق أبواب الفتوى، والقضاء، والتعليم، والطب في عالمنا اليوم.
الموقفُ الأسلم، وهو ما نميل إليه، أن نواجه الذكاءَ الاصطناعي بأدواتنا الفكريَّة النقديَّة كاملةً، دون استسلامٍ لبهرجه، ودون ذعرٍ من مجهوله. أن نطرِح أسئلتنا الخاصّة، المستقاة من عمقنا الفلسفي والفقهي والحضاري، ولا نكتفي بترجمة أسئلة غيرنا. وأن نُسهم في بناء أنظمةٍ تنعكس فيها لغتُنا وقيمُنا ومعارفُنا، بدل أن نكون مجرّد مستهلِكين لما يُصنع في سياقاتٍ لا تعنينا.
سادسًا: الخوف المشروع والأمل المسؤول
لمن يُتابع النقاشات الدائرة اليوم في أرقى المنتديات الأكاديميَّة والفكريَّة والسياسيَّة، يتبيّن أنَّ الخوف ليس ثقافةَ التخلّف، وأنَّ التحذير ليس ضربًا من الجمود والرجعيَّة. يُوقِّع العلماءُ الأكفاء عرائضَ تطالب بوقف تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي العامّة حتى تُوضَع ضماناتٌ كافية. وفيلسوفٌ بحجم (نيك بوستروم- Nick Bostrom) أفنى عقودًا في رسم سيناريوهات المخاطر الوجوديَّة التي قد تُخلِّفها أنظمةٌ تفوق الإنسانَ ذكاءً وتتحرّر من رقابته. وعالِمٌ بكفاءة (جيفري هينتون-Geoffrey Hinton)، أحد آباء التعلّم العميق، ترك شركةَ “غوغل” ليُحذِّر بِحُريَّة أكبر من مخاطر ما ساعد هو نفسه في بنائه.
لكنَّ الخوف يمثّل مقدّمة أكثر منه موقفًا. والتاريخ يُعلِّمنا أنَّ الخوف الذي لا يُفضي إلى فهمٍ ثمَّ فعلٍ منظَّم لا يُنتج إلا ذعرًا عاجزًا أو إنكارًا أحمقَ. ما نحتاج إليه ليس أن نُقرِّر مسبقًا أنَّ الذكاءَ الاصطناعي نعمةٌ أو نقمة، وإنَّما أن نُطوِّر أطرًا تحليليَّة وخُلقيَّة وقانونيَّة وسياسيَّة تستطيع مواكبة هذا التطوّر المتسارع وتوجيهه في خدمة الكرامة الإنسانيَّة لا تقويضها.
الأملُ المسؤول لم ولن يقول إنَّ كلّ شيءٍ سيكون بخيرٍ بالضرورة. وإنَّما يقول إنَّ بمقدور البشر، إذا انتظموا وتفاهموا وأعملوا العقل الجمعي في الوقت المناسب، أن يُوجِّهوا هذه القوّة الهائلة نحو تحقيق ما ظلّت الإنسانيَّة تحلم به قرونًا: علاجُ الأمراض المستعصية، ودراسةُ المناخ بدقّةٍ غير مسبوقة، وتعليمٌ يصل إلى كلّ طفلٍ في أيّ زاوية من زوايا العالَم، وإنتاجيَّة تُحرِّر البشر من شقاء العمل الرتيب وتُتيح لهم وقتًا للتأمّل والإبداع والحياة. لكن هذا المستقبل لن يُصنع وحده، ولن يأتي هدية. وإنَّما يُصنع بإرادةٍ جماعيَّة واعية، تُقاوم منطقَ السوق حين يقتضي المقامُ المقاومة، وتُكيِّف التقنية بما يُلائم قيمَها وأولويَّاتها، لا العكس.
خاتمة
نحن نسعى هنا إلى سؤال يُحرج كلَّ يقين وينخر في كلّ بداهة: إذا كانت الآلةُ تستطيع أن تُفكِّر، فماذا يبقى للإنسان؟ والجواب الصادق أنَّنا لا نعرف بعد. لكنّ حتى عبارة “لا نعرف” هذه ليست فراغًا ينبغي ملؤه بالأوهام أو بالخوف، وإنَّما هي الفضاءُ الحيوي الذي يُمارس فيه الفكرُ الحقيقي مَهمّتَه: التساؤل بلا قرارٍ مسبق، والنقد بلا إدانةٍ جاهزة، والبحث عن المعنى في ما يبدو أنَّ التقنيَّة تتعدّى عليه.
لكنَّ الوقوفَ عند العتبة لا يعني الصمت، وإعمالَ النظر لا يعني التحييد المزيَّف للموقف. ثمَّة ما تقوله الرؤية الإسلاميَّة في هذه اللحظة بالذات، وهو قولٌ ينبع من موقفٍ فلسفي وخُلُقي متماسك يمتلك إمكانيَّات نقديَّة حقيقيَّة، يُجدر إحضارُها إلى صدارة النقاش لا إبقاؤها في هوامشه .هذه الإمكانيَّات بنظرنا هي:
- مفهوم الخلافة والأمانة: يقوم التصوّر القرآني للإنسان على ثنائيَّة جوهريَّة: الإنسانُ خليفةٌ في الأرض، وهذه الخلافة ليست مجرّد مكانةٍ شرفيَّة، بل هي تكليفٌ ثقيل بالعدل والإعمار والمسؤوليَّة. ويُقابل هذا التكليفَ أنَّ الإنسانَ حمل أمانةً أبت السماواتُ والأرض والجبال أن يحملنها. في هذا الإطار، يُطرح السؤال: أيُّ أمانةٍ تلك التي يُودِعها الإنسانُ في نظامٍ لا يَعي ثِقلَها؟ وأيُّ خلافةٍ تلك التي تُفوَّض جزئيًّا إلى خوارزميَّة لا تُفرِّق بين الحقّ والباطل إلا بمقدار ما تعلّمت من بياناتٍ قد تكون هي نفسها مُلوَّثة بأحكامٍ مسبقة وانحيازاتٍ بشريَّة مُدسوسة في طيّاتها؟ الأمانةُ في التصوّر الإسلامي تستلزم وعيًا وإرادةً وقدرةً على المحاسبة، وهذه الثلاثة غائبةٌ بالضرورة عن أيّ نظامٍ اصطناعي مهما بلغت درجة تعقيده. ومن ثَمَّ، فإنَّ توظيفَ هذه الأنظمة في مجالاتٍ تمسّ كرامةَ الإنسان وحقوقه وحريّاته هو في جوهره إحلالٌ للأداة في مكان الأمانة، واستبدالٌ للضمير بالحساب.
- نقد مركزيَّة النموذج الغربي التقني في تعريف المعرفة: النماذجُ اللغويَّة الكبرى التي تُهيمن على المشهد اليوم لا تُمثِّل المعرفةَ الإنسانيَّة بمجملها، بل تُمثِّل حصّةً ضخمة من المعرفة المُنتجة بالإنجليزيَّة، والمُنقَّحة وفق معايير أكاديميَّة وتقنيَّة وتجاريَّة غربيَّة في معظمها. حين يُفتى بالاستناد إليها، أو حين تُوظَّف في التعليم الديني، أو الإرشاد الخُلُقي، أو الحكم القضائي، تُصبح المعرفةُ الإسلاميَّة – بكلّ تراثها الحضاري الثريّ من كلامٍ وفقهٍ وفلسفةٍ وتصوّف ومنطق – في موقع الهامش، أو في أحسن الأحوال في موقع المُضاف بعد حين إلى نظامٍ لا تحكمه قيمُها. والخطرُ الأعمق أنَّ هذا التهميش يجري بصمتٍ وبلا صخب، مُغلَّفًا بخطاب الموضوعيَّة والكفاءة وحياد البيانات، وكلّها أقنعةٌ لا تصمد أمام النقد المعرفي الجاد.
- توظيف الذكاء الاصطناعي في منظومات الحرب والاستهداف والمراقبة: ما جرى ويجري في غزَّة ولبنان وإيران وفي غيرها من ساحات حروب الهيمنة يكشف أنَّ هذه التقنيَّة وجدت طريقها إلى أنظمة التعرّف على الوجوه في الحواجز والمطارات، وإلى خوارزميَّات تُحدِّد قوائم المستهدفين العسكريين، وإلى أدوات مراقبةٍ شاملة تُحوِّل كلّ مواطنٍ إلى ملفٍّ مفتوح في يد الدولة أو في يد العدوّ. الشريعةُ الإسلاميَّة، في قواعدها الكليَّة الراسخة، تُقرِّر أن لا ضرر ولا ضرار، وأنَّ الضرورات تُقدَّر بقدرها، وأنَّ حفظَ النفس والعقل والعدل من أعلى مراتب المقاصد. وحين تُستخدَم الأنظمةُ الاصطناعيَّة لتوليد قوائم اغتيال أو تمكين رقابةٍ كليَّة أو إدامة تفاوتٍ بنيوي، فهي تُخالف مقاصدَ الشريعة مخالفةً مُوثَّقة لا تحتاج إلى تأويلٍ من بعيد.
- توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الديني: ثمّة فتاوى تُصاغ بمساعدة نماذج لغويَّة، ومحاضراتٌ دينيَّة تُعدَّ بها، ومقاطعُ وعظيَّة تُوزَّع بعد تحريرٍ آلي. والمشكلة ليست في الاستعانة بالأداة التقنيَّة في إخراج المحتوى وتنظيمه، بل في أنَّ الفتوى في التراث الإسلامي لا تُبنى على كفاءةٍ لغويَّة وحدها، بل على ورعٍ واستحضارٍ لمقاصد المشرّع وحضورٍ وجداني في حال المُستفتي ومآلات قوله. وكلّ هذا حضورٌ إنساني لا تملكه خوارزميَّة. فأيُّ تفريطٍ هذا حين نُحلّ محلّ هذا الحضور الثقيل توليدًا آليًّا لنصوصٍ ربّما كانت صحيحةَ الشكل مُفرغةً من الروح؟
- الفجوة بين المنتِج والمستهلِك في العالَم الإسلامي: إنَّ ما يُنتجه الذكاءُ الاصطناعي اليوم لا يُمثِّل قيمنا، ولا يعكس أسئلتنا، ولا يحمل معجمنا الحضاري إلا بمقدارٍ ضئيل. واللغةُ العربيَّة، وهي وعاءُ القرآن ولغة مئاتٍ من ملايين البشر، لا تزال في موقع الهامش في أغلب النماذج الكبرى. والمجتمعاتُ الإسلاميَّة الأكثر هشاشةً اقتصاديًّا هي التي ستتحمّل أعلى تكاليف التحوّل التقني دون أن تكون شريكةً في رسم معالمه. هذه الفجوة هي إشكاليَّة هيكليَّة تستدعي إرادةً سياسيَّة وعلميَّة وتعليميَّة جادّة تُعيد للأمة دورَ الفاعل لا المُتفاعِل.
ففلسفةُ الإنسان نشأت دائمًا في لحظات الاحتقان والتحوّل حين يقف الكائنُ الفكري أمام ما لا يُحيط به، فيجد نفسه مضطرًّا إلى أن يُعيد سؤاله من أساسه. ونحن الآن في لحظةٍ كهذه. وما ندوّنه هنا هو دعوةٌ إلى الوقوف معًا عند هذه العتبة، وإمعانُ النظر فيما ينتظرنا في الجانب الآخر، بعيونٍ مفتوحةٍ، وعقولٍ يقظة، وقلوبٍ لا تتخلّى عن إنسانيَّتها.
فالإنسانيَّة في نهاية المطاف مشروعٌ وجودي مفتوح، يُبنى بالمعنى والاختيار والمسؤوليَّة والحضور الكامل أمام نداء الآخر. وما دام الذكاءُ الاصطناعي عاجزًا عن أن يُعاني ويأمل ويُحبَّ ويُحاسَب، فإنَّ هذا المشروعَ يبقى ملكَنا. والسؤال الحقيقي ليس هل تستطيع الآلةُ أن تكون إنسانًا؟ بل هل نحن – في هذا العصر المتسارع المُرعِب المُبهر- نستطيع أن نبقى إنسانًا؟
والحمد لله أوًلًا وآخرًا
لائحة المصادر المراجع
- Searle, John R., “Minds, Brains, and Programs”, Behavioral and Brain Sciences, Cambridge University Press, Vol. 3, No. 3, Cambridge, 1980.
- Chalmers, David J., “Facing Up to the Problem of Consciousness”, Journal of Consciousness Studies, Imprint Academic, Vol. 2, No. 3, Exeter, 1995.
[1] هذه المقالة هي افتتاحية مجلة “أمم” العدد الحادي عشر والتي تصدر عن مركز براثا للدراسات والبحوث.
[2] مُفكّر لبنانيّ بارز، مدير مركز براثا للدّراسات والبحوث، ورئيس تحرير مجلة أُمم للدّراسات الإنسانيّة والاجتماعيّة.
[3] Searle, John R.: “Minds, Brains, and Programs”, Behavioral and Brain Sciences, Vol. 3, No. 3, pp. 417–424.
[4] Chalmers, David J.: “Facing Up to the Problem of Consciousness”, Journal of Consciousness Studies, Vol. 2, No. 3, pp. 200–219.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
