إشكالية الشر، التدخل الإلهي، وإعادة بناء الرؤية للشرور في ظل الحرب*

مقدمة: من سؤال الشر إلى أزمة المعنى التاريخي

تعدُّ إشكالية الشر من أكثر الإشكاليات استقرارًا في تاريخ الفلسفة والدين، لكنها لا تظهر في أقصى قوّتها داخل الكتب الفلسفية المجردة، بل داخل لحظات الانكسار الإنساني الكبرى، حين يصبح الألم تجربة معاشة لا فكرة نظرية. في هذه اللحظات يتحول السؤال من صيغة معرفية مثل “لماذا يوجد الشر؟” إلى صيغة وجودية أكثر حدة: “كيف يمكن للعالم أن يكون مفهومًا أخلاقيًّا إذا كان يسمح بهذا القدر من الألم؟”.

في السياق المعاصر، خصوصًا في البيئات التي عاشت الحروب المتكررة مثل لبنان، تتضاعف الإشكالية، لأن المعاناة لا تُختبر كحادث فردي، بل كبنية تاريخية ممتدة. وهنا تتداخل الأسئلة اللاهوتية مع الأسئلة السياسية والنفسية: لماذا لا يتدخل الله مباشرة لإيقاف الظلم؟ لماذا لا تُمنع الكوارث كما تُمنع الأخطاء في نظام مُحكم؟ ولماذا يبدو أن الباطل قد ينجح تاريخيًّا بينما يتأخر انتصار الحق؟

أولًا: الخطأ الكامن في فهم العدالة الإلهية

ينطلق كثير من الناس من افتراض غير معلن مفاده أن العدالة تعني أن يحصل الأخيار دائمًا على نتائج أفضل من غيرهم داخل التاريخ نفسه، لكن هذا الافتراض لا تؤيده التجربة الإنسانية ولا التاريخ.

فالأنبياء أنفسهم تعرضوا للاضطهاد. وكثير من المصلحين والعلماء عاشوا الفقر أو السجن أو التهميش. ولو كانت العدالة تعني الراحة المباشرة لما أمكن تفسير حياة عدد كبير من الشخصيات العظيمة في التاريخ.

إن الخلط بين العدالة والراحة يمثل أحد أهم مصادر الاعتراض على وجود الله. فالعدالة ليست وعدًا بإلغاء الصعوبات، بل ضمانة أن الوجود في مجموعه ليس عبثيًّا، وأن الخير لا يضيع وإن تأخر ظهوره.

أرسطو والخير الكلي

رأى أرسطو أن الحكم على الأشياء من خلال النظر الجزئي قد يقود إلى نتائج مضللة. فما يبدو شرًّا في موضع معين قد يكون جزءًا من نظام أوسع يحقق خيرًا أكبر.

ويضرب الفلاسفة مثال الجراحة المؤلمة التي تنقذ حياة المريض. فالجرح شر من زاوية محددة، لكنه خير من زاوية أوسع. وهذا لا يعني تمجيد الألم، بل التنبيه إلى أن تقييم الأحداث يحتاج إلى رؤية كلية.

إن كثيرًا من الاعتراضات على الشر تنطلق من رؤية موضعية للحوادث، بينما تتطلب العدالة الإلهية النظر إلى السياق الأوسع للتاريخ والحياة والإنسان.

صدر المتألهين والشر النسبي

قدم صدر المتألهين الشيرازي معالجة فلسفية عميقة لمشكلة الشر. فهو يرى أن الوجود بما هو وجود خير، وأن الشر غالبًا ما يكون أمرًا عدميًّا أو نسبيًّا.

فالمرض ليس وجودًا مستقلًّا، بل فقدان للصحة، والجهل فقدان للعلم، والظلم فقدان للعدل. ومن هنا فإن الشر لا يمتلك جوهرًا قائمًا بنفسه بقدر ما يعبر عن نقص أو محدودية.

كما يؤكد صدر المتألهين أن العالم المادي بطبيعته عالم تزاحم. فلا يمكن وجود حياة بلا موت، ولا حركة بلا احتكاك، ولا نمو بلا تحديات. ولذلك فإن المطالبة بعالم يخلو تمامًا من الشرور تعني عمليًّا المطالبة بعالم مختلف جذريًّا عن العالم الذي نعرف.

ثانيًا: لماذا لا يتدخل الله مباشرة؟

السؤال الشائع: “لماذا لا يتدخل الله مباشرة لإيقاف الشر؟” يفترض نموذجًا تشبيهيًّا للعالم يشبه نظامًا رقميًّا يمكن تعديله لحظيًّا دون تغيير في بنيته، لكن في الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية، خصوصًا عند المتكلمين والفلاسفة، يُفهم العالم بوصفه منظومة من “العلل والأسباب” التي تشكل بنية وجوده.

في التصور الأشعري مثلًا، يُفهم العالم بوصفه خاضعًا للإرادة الإلهية المباشرة، لكن ضمن نظام “عادة إلهية” تحكم تتابع الأحداث Al-Ghazali, The Incoherence of the Philosophers). ). أما في الفلسفة المشائية عند ابن سينا، فالعالم قائم على نظام سببي ضروري، حيث تتدفق الموجودات عبر فيض وجودي من العلة الأولى Avicenna, The Metaphysics of The Healing).).

في كلا النموذجين، التدخل المباشر المستمر الذي يلغي السببية سيؤدي إلى انهيار مفهوم النظام نفسه. فلو أُلغيت نتائج الأفعال باستمرار، فإن مفاهيم مثل المسؤولية، القرار، الأخلاق، والحرية تصبح غير قابلة للتطبيق.

بعبارة أخرى، العالم ليس “لعبة تُعاد برمجتها لحظيًّا”، بل بنية وجودية قائمة على الاستمرار السببي. التدخل المستمر لا يُنتج عدالة، بل يُنتج انهيارًا في معنى الفعل نفسه.

من هنا، يمكن فهم موقف الفلسفة الإسلامية التي ترى أن العدالة ليست دائمًا “تدخلًا فوريًّا”، بل “اكتمالًا زمنيًّا للمعنى”.

ثالثًا: كربلاء وإعادة تعريف النصر

تمثل كربلاء أحد أهم النماذج التاريخية لفهم العلاقة بين الحق والنتائج الظاهرة. فمن منظور سياسي وعسكري ضيق يمكن وصف ما جرى بأنه هزيمة، لكن التاريخ كشف أن المسألة أعمق بكثير.

لقد انتصر الإمام الحسين أخلاقيًّا وحضاريًّا رغم خسارته العسكرية. وأصبح رمزًا عالميًّا للكرامة والحرية والالتزام بالمبدأ.

تكمن أهمية كربلاء في أنها ترفض اختزال الحقيقة بالنجاح المادي السريع. فهي تعلمنا أن النصر الحقيقي قد يتأخر ظهوره، وأن بعض الانتصارات الأخلاقية تحتاج إلى زمن كي تتجلى آثارها.

 لماذا لا يكون أهل الحق في مواقع القوة دائمًا؟

يتساءل كثيرون: إذا كان الحق حقًّا فلماذا لا يتصدر أصحابه المشهد دائمًا؟ ولماذا لا يصل الأكفاء إلى المواقع التي يستحقونها؟

تشير دراسات علم الاجتماع إلى أن الوصول إلى السلطة والتأثير لا يعتمد على الكفاءة وحدها. فهناك عوامل تتعلق بالبنية المؤسسية والثقافة وشبكات النفوذ والظروف التاريخية.

ولهذا، فإن تخلف بعض الأكفاء أو تقدم بعض غير الأكفاء لا يمثّل حكمًا نهائيًّا على قيمة الأشخاص أو الأفكار. إن التاريخ أكثر تعقيدًا من أن يختزل في معادلة بسيطة بين الاستحقاق والنتيجة.

رابعًا: الحرب في لبنان وأزمة المعنى المعاصر

في التجارب الحديثة للحروب، مثل الحرب في لبنان، لا تظهر المشكلة في شكلها النظري، بل في شكلها الاجتماعي والنفسي. فالمجتمعات لا تفقد فقط البنية المادية، بل تفقد أيضًا “نظام تفسير العالم”.

تظهر هنا ثلاث أزمات متداخلة: انهيار التوقع الأخلاقي بأن الخير يؤدي إلى الأمان، وانهيار الثقة في العدالة الزمنية، ثم انهيار القدرة على تفسير الألم ضمن سردية متماسكة.

هذه الحالة لا يمكن معالجتها عبر التبرير النظري فقط، بل عبر إعادة بناء “اقتصاد المعنى” داخل المجتمع، أي الطريقة التي يُنتج بها المجتمع تفسيره للمعاناة.

 القرآن الكريم ومعنى الابتلاء

يقدم القرآن رؤية مختلفة للابتلاء فهو لا ينكر وجود الألم، بل يضعه ضمن إطار أوسع من الحكمة والمعنى.

قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (سورة البقرة، الآية 216). وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾(سورة البقرة، الآية 155).

هذه الآيات لا تلغي الألم، لكنها تمنع اختزال الواقع فيه. فهي تفتح أفقًا أوسع لفهم الأحداث وربطها بمسار إنساني وأخلاقي طويل.

روايات أهل البيت (ع)

ورد عن الإمام علي (ع): “للحق دولة وللباطل جولة”.

وتشير هذه الكلمة الموجزة إلى أن الباطل قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكن ذلك لا يعني امتلاكه المستقبل.

كما ورد عن الإمام الصادق (ع): أن المؤمن قد يبتلى على قدر دينه. والمعنى ليس تمجيد الألم، بل الإشارة إلى أن الصعوبات ليست دليلًا على الغضب الإلهي أو التخلي الإلهي.

 التعويض الإلهي بين الفلسفة والدين

يُساء فهم فكرة التعويض الإلهي أحيانًا وكأنها مجرد استبدال حسابي بين الألم والنعيم.

لكن الرؤية الأعمق ترى أن التعويض يرتبط بكشف المعنى الكامل للأحداث. فالإنسان يعيش داخل مقطع محدود من الزمن، بينما تتعامل العدالة الإلهية مع الصورة الكلية.

ولهذا، فإن بعض الأسئلة التي تبدو بلا جواب داخل حدود الدنيا قد تجد تفسيرها ضمن أفق أوسع من الوجود.

خامسًا: كيف نحول المعاناة إلى مشروع نهوض؟

  • إن القيمة العملية لأي معالجة فكرية تظهر في قدرتها على تحويل الرؤية إلى فعل.
  • تحويل الذاكرة إلى وعي. يجب ألا تبقى التجارب المؤلمة مجرد مصدر للحزن، بل ينبغي أن تتحول إلى معرفة وخبرة.
  • الاستثمار في الإنسان. فإعادة بناء التعليم والثقافة والصحة النفسية أهم من إعادة بناء الحجر وحده.
  • تعزيز المؤسسات. فالمجتمعات لا تنهض بالعواطف وحدها، بل بالمؤسسات الفاعلة.
  • ترسيخ ثقافة المسؤولية. فالابتلاء لا ينبغي أن يقود إلى السلبية، بل إلى مزيد من المبادرة والعمل.
  • إعادة تعريف النجاح. النجاح ليس مجرد مكسب مادي سريع، بل القدرة على بناء إنسان أكثر وعيًا ومجتمع أكثر صلابة.

خاتمة: من تفسير الشر إلى إنتاج المعنى

إشكالية الشر لا يمكن حلها عبر تفسير واحد نهائي، لأنها ليست مجرد مشكلة معرفية، بل بنية وجودية يعيشها.

الإنسان داخل الزمن. غير أن الفلسفة والكلام والتجربة التاريخية تقدم مجتمعة إطارًا يسمح بإعادة فهم العلاقة بين المعاناة والمعنى.

كربلاء والحرب اللبنانية لا تكشفان فشل العدالة الإلهية، بل تكشفان خطأ التوقع بأن التاريخ يتحرك بمنطق العدالة الفورية. فالتاريخ في الرؤية القرآنية ليس محكمة نهائية، بل ساحة اختبار تُمارس فيها الحرية ضمن سنن ثابتة. ومن هنا فإن السؤال الأعمق ليس لماذا لم يمنع الله الشر دائمًا، بل كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع الشر دون أن يفقد المعنى، وأن يحول الذاكرة من جرح مفتوح إلى قوة أخلاقية وحضارية قادرة على إعادة بناء العالم.

المراجع والمصادر

  • القرآن الكريم.
  • ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله. (2008)، الإلهيات من كتاب الشفاء، تحقيق جورج قنواتي وسعيد زايد، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  • الكليني، محمد بن يعقوب. (1986)، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (1966)، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، القاهرة: دار المعارف.
  • الطباطبائي، محمد حسين. (1997)، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
  • الشريف الرضي، محمد بن الحسين. (1993)، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، قم: دار الهجرة.
  • الشيرازي، صدر الدين محمد (صدر المتألهين). (1981)، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • الصدر، محمد باقر. (1979)، المدرسة القرآنية، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
  • الصدر، محمد باقر. (1982)، فلسفتنا، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
  • الصدر، محمد باقر. (1987)، السنن التاريخية في القرآن الكريم، ضمن: المدرسة القرآنية، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
  • المجلسي، محمد باقر. (1983)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: مؤسسة الوفاء.
  • مطهري، مرتضى. (2008)، العدل الإلهي، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
  • مغنية، محمد جواد. (2004)، التفسير الكاشف، بيروت: دار العلم للملايين.
  • فرانكل، فيكتور. (2012)، الإنسان يبحث عن معنى (ترجمة طلعت منصور)، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
  • هيك، جون. (2010)، الشر وإله المحبة (ترجمة عربية)، بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
  • رو، ويليام. (د.ت.)، مشكلة الشر وبعض صور الإلحاد، ضمن دراسات معاصرة في فلسفة الدين.
  • أرسطو. (2013)، الأخلاق النيقوماخية (ترجمة أحمد لطفي السيد)، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

* مقالة في فلسفة الدين، الكلام الإسلامي، والوعي التاريخي للمعاناة.


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.