إن العالم اليوم كما يراه باومان يعيش أزمة أخلاقية نتيجة تصاعد النزعات المادية المتغولة في اللذة والشهوة وقيم الاستهلاك الفوري، وهذا ما أفرز لنا قيمًا عارية متنصلة من أي رابط روحي ميتافيزيقي، لأنها جعلت من الاستهلاك ديدنها الوحيد، وبهذا انحرفت كل القيم عن مسارها الأول، وتبدلت من مدلولاتها الأصلية، ودخلت حيز السيولة والبحث عن السعادة الفورية والإشباع الآني، وهذا لكون مجتمع المستهلكين قائم على أساس وعد بإشباع الرغبات، وبالتالي تكون الدورة الحقيقية للمجتمع الاستهلاكي قائمة على الحفاظ على استمرار الاقتصاد، وتتلخص في مقولة: “اشتر استعمل، ارم”[1]، فما تستعمله مرة لا يعيد تكراره مستقبلًا.
إن المجتمع الحديث السائل مجتمع النفايات بالدرجة الأولى، لأنه يستهلك بشكل متواصل فهو مجتمع البدايات الجديدة الذي يتخلص من كل الأشياء التي لا تتوافق مع موضة العصر، فالمجتمع المتمركز على الاستهلاك لا يعرف إلا السرعة والحركة والإسراف والتبذير.. ولهذا يرى باومان أن ما بعد الحداثة لها “قدرة تدميرية قائمة على الاستهلاك التام والتقويض التام، والتفكيك التام لكل ما هو قائم، وبالتالي فهي لا تسعى لإحلال نموذج للحياة محل آخر، إنها تعد نفسها لحياة بدون حقائق ومعايير”[2]. فلا وجود لحقائق كلية ثابتة وحتى لقيم أخلاقية صلبة دائمة، بل كل ما هنالك صيرورة وسيولة متواصلة.
وبالفعل، فإن الثقافة السائدة في المجتمع المعاصر ثقافة استهلاكية، وهي الصورة الجديدة التي تطبع المنظومة القيمية المعاصرة، فهذه القيم تتربع في أساسها على الكسب والربح والمنفعة التي تروج لها وسائل الإعلام، وفي هذا الصدد يقلب الناقد الثقافي فايجل واطسون المقولة الديكارتية الشهيرة: “أنا أفكر إذن أنا موجود” والتي شكلت الأساس الذي قامت عليه الحداثة الفكرية والفلسفية في الغرب إلى “أنا أتسوق إذن أنا موجود”[3]، ويعني ذلك أن السعلة هي مركز الكون ومعبد الإنسان الراهن، فبعدما كان الإنسان مركز الكون كما خططت له الفلسفة الهيومانية[4]، صارت السلعة اليوم مركزًا يتعبد الإنسان في محرابها، وبهذا أفرغ الإنسان من معناه الروحي وصار دالًّا بلا مدلول.
لقد غيّر المشروع الحداثي موقع الإنسان داخل المنظومة الأنطولوجية. فبعدما كان خاضعًا لسلطة الكنيسة، أصبح سيدًا على الكون، وصار بذلك مرجعًا صلبًا لكل القيم الرامية لتحقيق جنة الخلد على الأرض، ولكن ما لبثت هذه القيم أن انحرفت عن مسارها الأول لتدخل في طورها الثاني المتمثل في السيولة بتعبير زيجمونت باومان، وهذا راجع إلى التقدم التكنولوجي الهائل وسيادة منطق المتلازمة الاستهلاكية الذي حوّل الإنسان إلى مجرد سلعة، وهو ما انعكس سلبًا على نفسية الإنسان المعاصر الذي لم يعد يركن لقيم الثبات، بل يسير وفق القيم الأخلاقية – البراغماتية – الاستهلاكية، التي تتسم بالمرونة والسيولة والمتنصلة من أي رابط ميتافيزيقي لاهوتي، وهذا ما لاحظه باومان، وراح يقدم مساءلة نقدية لهذه القيم الأخلاقية المتفشية في المجتمع الراهن، محاولًا إيجاد مخارج لذلك[5].
تزداد أهمية موضوع الأخلاق ومكانتها في عالم ما بعد الحداثة، وهذا لكون العالم اليوم بأمس الحاجة لعودة القيم الأخلاقية المرتبطة بالمسؤولية؛ لأنها الكفيلة بقيادة الإنسانية نحو بر الأمان، وإنقاذ الذات البشرية من عالم التشرذم والتشظي الذي استفحل خطره مع سيطرة النموذج الاستهلاكي وسيرورة النزعة الفردية، وطغيان مبدأ اللذة على الحياة المعاصرة، وهنا تغدو أهمية تحيين الهم الأخلاقي الذي دفع باومان إلى تبني الأخلاقية اللفيناسية[6]، وتنزيلها على أرض الواقع. وهذا من أجل تجاوز الأنا المنغلق على ذاته والغارق في متعته المادية، وبالتالي الانفتاح على الآخر وتحمل مسؤوليته قبل مسؤولية الأنا في حد ذاتها[7]. وبهذا فقط يتحقق العالم الإنساني، وتتشارك الذوات الهم الإنساني، ومنه إمكانية خلق عالم تعاوني “بينذاتي” تؤطره الأخلاق، وتوجه مسار رحلة الإنسان في عالم الحداثة السائلة المحفوفة بالمخاطر اللامتوقعة والمليئة بالبدايات الجديدة على حد تعبير باومان.
إن ما يواجهه الإنسان المعاصر يتمحور حول وجوده الأخلاقي الذي انسلخ عنه محدِثًا شرخًا كبيرًا في طريقة عيشه التي تحولت إلى شبح يطارده، فهو في مجتمع مفرط في الفردانية. وأضحى الاستهلاك ثقافة تنخر في عظم الإنسان المستسلم، حتى إنه لم يعد هناك أمرًا لم تَطَله يد الاستهلاك[8]، فنجد “استهلاك اللحظة والمكان حتى الطفولة لا تسلم من الاستهلاك: سعي محموم للسلع ونهم للاقتناء، وسيل جارف من الإعلانات التي لا ترى في الطفل مواطن المستقبل بل مستهلك الحاضر”[9].
أصبح المجتمع المعاصر يتسم بكونه حالة مدنية مبنية على الاستهلاك، وتسمه ميزة فقدان الاستمرارية والثبات، حيث التحول الدائم المقرون بغياب الإحساس بالسلام والطمأنينة سمة أساس للإنسان المعاصر.
في زمننا هذا، يرى باومان أن الاستهلاك قد تجاوز فكرة السلعة المادية إلى استهلاك العواطف والعلاقات الإنسانية وتكنولوجيا التواصل، بالصورة التي أثرت كثيرًا على معاني الحياة والحب والأخلاق، وبالطريقة التي جعلتنا مراقبين باستمرار بسبب استهلاكنا النهِم للتكنولوجيا الحديثة، مما أدى إلى سيولة الخوف تحت وطأة الاستهلاك والقلق مما يخبئه الغد، وأنتج لنا اضطرابًا أخلاقيًّا أصبح معه الشر مُبررًا حتى من جانب الدولة.
ويرى باومان أن ما يحكم العلاقات في مجتمع الاستهلاك هو التعامل مع العاطفة بالتعامل نفسه الذي نتعامل به مع السلعة، فهو عالم من الصلات العابرة التي يمكن الاستغناء عنها كأي منتج تم استهلاكه، وهي الصلات، أو العلاقات، التي يطلق عليها علاقات “الجيب العلوي”، كناية عن سهولة الاستغناء عنها بعد إشباع الاستهلاك، ويتناول باومان الحياة العاطفية، فيدخل إلى عالم الصلات العابرة، حيث كل الصلات يمكن الاستغناء عنها – مثل منتج تم استهلاكه – فالعين تمتد دومًا إلى ما وراء اللحظة، وتتطلع إلى ما يتم تزيينه أنه الأفضل، غير راضية بما هو متاح.
إن التحديث المتتالي والاستهلاك المستمر قد تسببا في حالة من الفردية طغت على أهمية الجماعة، فأصبح كل فرد يواجه الحياة بمفرده، فأضحى المجتمع عبارة عن جماعة تواجه مشاكلها بشكل فردي، كل فرد على حدة، فأصبحت التجمعات البشرية، في الحفلات والمعارض والمنتجعات السياسية والمراكز الرياضية، تجمعات صاخبة تخلو من أي علاقات إنسانية، بل هي علاقات سطحية تقوم على ممارسة اللحظة الحاضرة واستهلاكها دون الاهتمام بتكوين روابط حقيقية.
يشرح باومان في كتاب “الأزمنة السائلة: العيش في زمن اللايقين” تصوره عن زمننا المعاصر وفق الترتيب الآتي: الحياة الحديثة السائلة ومخاوفها، حركة الإنسانية الدائبة، الدولة والديموقراطية وإدارة الخوف، معًا.. ولكن فرادى، وأخيرًا: اليوتوبيا في عصر اللايقين.
والأزمنة السائلة في تفسير باومان هي حياتنا المعاصرة التي تعاني من تحول في هياكل المجتمعات من الصلابة إلى السيولة – كما هو معتاد – وهي التحولات التي يرى باومان بدايتها من تفكك الأبنية المجتمعية والمؤسسات التي تضمن العادات المجتمعية وأنماط السلوك، والتي لم تعد قادرة على الحفاظ على عادات المجتمع وسلوكه لفترات طويلة كما السابق، وهو ما أدى إلى ارتفاع رصيد المخاوف نتيجة غياب التوقع وتآكل العرف ومنظومة الأخلاق الاجتماعية[10].
ختامًا، يمكن القول: إن التحول الذي عرفته المجتمعات نحو النزعة الفردية والثقافة الاستهلاكية بفعل العولمة ساهم في الانتقال إلى ما سمّاه باومان “الحداثة السائلة” والتي كان من تجلياتها تحول الحياة الإنسانية إلى “حياة سائلة”. كما أصبحت القيم والعواطف والروابط الإنسانية تحكمها في زمن الحداثة والحياة السائلة منطق التسليع، حيث غدا التعامل مع هذه الروابط والعلاقات بمنطق النفعية والبراغماتية، القائم على أساس الإقبال والشراء، أو الإحجام والاستغناء مثل أي سلعة أو منتج استهلاكي.
المراجع
– باومان، زيجمونت، الحياة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016.
– باومان، زيجمونت، الأخلاق في عصر الحداثة، ترجمة سعد البازغي وبثينة الإبراهيم، أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، الطبعة 1، 2016.
– باومان، زيجمونت، الأزمنة السائلة: العيش في زمن اللايقين، ترجمة حجاج أبو جبر، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة 1، 2017.
– جدراوي، عفاف، وبوالسكك عبد الغاني، الأخلاق كأفق لعالم الحداثة السائلة: زيجمونت باومان قارئًا لإمانويل لفيناس، مجلة المقدمة للدراسات الإنسانية والاجتماعية، المجلد 7، العدد 2، 2022.
– جدراوي، عفاف، الأخلاق كقيم استهلاكية عند زيجمونت باومان، مجلة أفكار وآفاق، المجلد 11، العدد 1، السنة 2023.
– خوالدية، منال وكيحل، مصطفى، أخلاق ما بعد الحداثة في أفق الاهتمام بالذات عند ميشال فوكو، مجلة آفاق للعلوم، المجلد 7، العدد 4، 2022.
– طلعتي، محمد هادي، الهيومانية: دراسة تحليلية نقدية للأسس والجذور، تعريب: حسن علي مطر، سلسلة مصطلحات معاصرة، النجف- العراق، العتبة العباسية المقدسة – المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، الطبعة1، 2022.
– كليجز، ماري، بيرك، باري، دورسون، إريك وآخرون، ما بعد الحداثة دراسات في التحولات الاجتماعية والثقافية في الغرب، ترجمة: حارث محمد حسن، وباسم علي خرسان، بيروت، دار الروافد الثقافية، ناشرون، 2018.
[1] باومان، زيجمونت، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة سعد البازغي وبثينة الإبراهيم، أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، الطبعة 1، 2016، الصفحة 199.
[2] كليجز، ماري، بيرك، باري، دورسون، إريك وآخرون، ما بعد الحداثة دراسات في التحولات الاجتماعية والثقافية في الغرب، ترجمة: حارث محمد حسن وباسم علي خرسان، بيروت، دار الروافد الثقافية، ناشرون، 2018، الصفحة 42.
[3] معن الطائي: السرديات المضادة (بحث في طبيعة التحولات الثقافية)، الصفحتان 40 – 41.
[4] الهيومانية: تطلق على الآراء الفكرية والفلسفية القائلة بوجود قيمة اسثنائية رفيعة للإنسان وللتجارب والرغبات والحقوق الإنسانية. للتوسع في هذا المفهوم، يُنظر: طلعتي، محمد هادي، الهيومانية: دراسة تحليلية نقدية للأسس والجذور، تعريب: حسن علي مطر، سلسلة مصطلحات معاصرة، النجف- العراق، العتبة العباسية المقدسة – المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، الطبعة 1، 2022، الصفحات 15 – 24.
[5] جدراوي، عفاف، الأخلاق كقيم استهلاكية عند زيجمونت باومان، مجلة أفكار وآفاق، المجلد 11 ، العدد 1، السنة 2023، الصفحة 83.
[6] نسبة إلى إيمانويل لفيناس Emmanuel Levinas، فيلسوف يهودي فرنسي لتواني الأصل (1906 – 1995).
[7] جدراوي، عفاف، وبوالسكك عبد الغاني، الأخلاق كأفق لعالم الحداثة السائلة: زيجمونت باومان قارئًا لإمانويل لفيناس، مجلة المقدمة للدراسات الإنسانية والاجتماعية، المجلد 7، العدد 2، 2022، الصفحة 34.
[8] خوالدية، منال وكيحل، مصطفى، أخلاق ما بعد الحداثة في أفق الاهتمام بالذات عند ميشال فوكو، مجلة آفاق للعلوم المجلد 7، العدد 4، 2022، الصفحة 471.
[9] باومان، زيجمونت، الحياة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2016، الصفحة 81.
[10] للتوسع في هذه الفكرة، يُنظر: باومان، زيجمونت، الأزمنة السائلة: العيش في زمن اللايقين، ترجمة حجاج أبو جبر، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة 1، 2017، الصفحات 29 – 49.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
