تمرحلت فكرة التعبير عن هذا الكائن البشري منذ فجر الخليقة وإلى يومنا هذا. فمن البشر إلى الإنسان، فالمرء، مرورًا بالفرد وانتهاءً بالذات. ولكنّ السؤال الذي يقفز أمامنا: هل إنّ هذه توصيفات أم كواشف؟ أي هل هي وصف لماهية هذا الكائن من حيث هو، أم أنّها تكشفه، أي ندرك ما هو عليه؟ هل هي عملية انطلاق من خارج هذا الكائن لوصفه أم من داخله؟

وبرأيي كل هذه (التوصيفات أو الكواشف) لم تفلح في الوصول إلى حقيقة هذا الكائن. فإذا قلنا: إنّ للإنسان حقوق وواجبات، فإنّنا بذلك نتعامل مع كيان قائم بحدّ ذاته، له بداية ونهاية؛ أي له ماهية مستكشفة لا بدّ أن نتعامل مع أقاصيها. مثلًا أن يحترم ولا يظلم، ويعيش بحرية وكرامة، وتبقى مسألة إعدامه أمرًا جدليًّا. هذه هي الإمكانات التي يتعامل من خلالها مع الإنسان حتى ضمن لائحة حقوق الإنسان.

ولكن أين هو ذاك الكائن من هذا الإنسان؟ أي ما هو وجه الإمكان فيه؟ لأننا وفق هذا التعامل قد أمتنا فيه جانب الإمكان؛ أي قد أوصدنا أيّ باب يمكن لهذا الذي يُسمّى إنسانًا أن يكون في طور أعلى من إنسانيته؛ لأنّ الإنسانية ليست هي طور ولا هي إمكانية، بل هي صفة يشترك فيها مع المجموع، إما لأنسه معهم، أو لأنّه يتشارك معهم ضمن أفق العيش؛ لهذا سُمّي إنسان. وبهذا نكون قد أوقفنا حركة الإمكان في الكائن. إن ما يميزنا كأفراد وليس كمجموع هي هبة الإمكان. فبالإمكان أن نكون فوق ما نحن عليه، وليس ضمن ما نحن فيه؛ أي ليس ضمن أفق الإنسان أن تكون عالمًا أو فيلسوفًا أو حاكمًا أو عارفًا أو شاعرًا، بل هذه توصيفات لأمر داخل أفق الإنسان.

عندما نتحدث عن الإمكان، فإنّنا بذلك نفتح كل الآفاق أمامنا ككائنات بإمكانها أن تكون في طور أعلى مستوى وأرفع من الإنسانية. فالذاتية أمر خاص، والأنا انتقاء من المجموع، ونمط من الاغتراب، والفردية لا تصح للإنسان أبدًا، والشخصانية ضرب من النرجسية المغلّفة، والبشرية نحو اشتراك مع المخلوقات نحو النهاية المحتومة بالموت. فلم يقف الفكر الإنساني على إمكانية الكائن. نحن ككائنات قد لا نفهم هذه الإمكانية التي فينا. ولا أقصد بالإمكانية المعنى الذي يعطيه “جورجيو أغامبن” في كتابه الإمكانيات، بل هو معنى يغاير ذلك تمامًا؛ لأنّ “أغامبن” يتحدث عن اللاإمكانية في واقع الإمكان؛ أي ما معنى أن تقول لا للإمكان؟ أما أنا فأتحدث عن كيف يمكنك أن تستفز إمكانك على نحو يتجلى لك من خلاله أفق جديد من الإمكان. فكلّ إمكان مستحصل، متأتٍّ هو بمثابة بطاقة عبور إلى إمكان جديد.

نحن طور فوق الإنسان بما نمتلك من إمكانات. نحن في لعبة تحدٍّ أمام أنفسنا، وعلينا أن نغلب ذلك الطور الذي نحن عليه حتى ننتصر. انتصارنا في هذه الحياة هو على إنسانيتنا وليس ضمنها. ولا أصرّح هنا بضرب من البربرية أو النكوص إلى انغلاقات القرون الوسطى، أو أنّني أتحدث عن نمط (راديكالي) فكري يهدف إلى الإمعان في إذلال الكائن وقتله، بل أهدف إلى كشف جانب أنطولوجي أساس كامن فينا. وهذا الجانب الأنطولوجي هو حركة داخلية تستصرخنا من أجل إخراجها من رقدتها. نحن نقتل أنفسنا وفق تاريخ الاتفاق على مسمّى لنا. فإنّ التسمية تعمية؛ لأنّها ضرب من انعكاس المرايا. فلا يمكن أن يكون الناس طورًا واحدًا وعلى إمكانية متساوية وفق وجودهم في هذا العالم. فنحن إمكانات كامنة تكشف عن مهارتنا في البحث عنها وإعمالها.

إنّنا نعامل بنمط من القطيعية عندما نوصف بالإنسان؛ أي إنّ لنا هدف مشترك وعلينا واجبات، ولكلّ واحد منا نفس الأفق ولا يمكن أن يكون أكثر من ذلك. لا أبدًا نحن لسنا ضمن نفس الأفق، ولا يفهم من كلامي هذا هو تحذير من التواضع، ودعوة إلى التكبر أو الافتخار، أو حتى السوبرمان النيتشوي وفق رائحة سحق لما هو دون، أو عدم اكتراث لمن هم أقل شأنًا، بل إنّني أكشف عن طاقة وجودية مستترة فينا ككائنات تنشد بنا أن نكون في طور أسمى ورتبة أعلى. فبتنا نوصف على أنّنا فوق الحيوان، والحيوان فوق النبات، والذي يكون أعلى من الجماد – كما يعبرون عنه- ولكن هذا التقسيم هو تقسيم حياتي وعقلي ليس إلا. فالإنسان ذلك الكائن العاقل (الناطق) وفق الفهم الفلسفي، لسنا كذلك البتة، بل نحن أطوار لا تقف عند حد. فسمتنا الارتقاء- ولكن ليس بالمعنى الدارويني – وطاقتنا الإمكانية ومسيرنا التجدد. فلا بدّ أن نكون في كلّ مرحلة في طور جديد يكشف لنا عن إمكاناتنا المودعة والتي اكتفينا بما هو متاح راهنًا لدينا.

أريد أن لا أريد، وأكون في مكان لا بدّ أن أكون فيه، وأترك ما لا يمكن لي التفكير في تركه، وألجأ إلى ما لا يعقل أن ألجأ إليه. أبحث لوحدي عن أفق يجعلني أستشعر كينونتي ليس على سبيل أنني جزء من المجموع لأتشارك معهم نمط فكرهم وعيشهم وطريقة التعبير عن إرادتهم، بل على نحو أنا من يصوغ لنفسه عالمه الخاص بعيدًا عن كلّ استلاب اجتماعي، أو وصاية فكرية، أو إمكان حقوقي. ولا يدخل هذا ضمن ما يسمّى الحرية الشخصية التي وهبت لنا كذبًا ضمن عملية تخدير ممنهجة لردود الفعل الجامحة من المظلومين، بل إنّني أصف نمطًا يكون فيه الإنسان هو سيد نفسه بلا وصاية لأحد عليه، لأنّه يعرف أنّ هذا الطور من إمكانه لا يمكن أن يفهمه من يسير وفق تصفيق الجموع. فالقانون كذبة علينا أن نصدقها من أجل إرداع الجانب الوحشي فينا، والتعليم سبيل من امتهان منهج ببغاوي لا يعتمل إلا قتل التعقل وفق الرتابة المعهودة. والسياسة ضرب من الاغتصاب الذي يتفق عليه الطرفان مع الاختلاف على التسمية. ولا ألمّح هنا إلى السلطة والمعرفة التي تحدث عنها فوكو، إلا أنني بصدد الإضاءة على ما يسيّر حياتنا وفق مسمّى الإنسان، وهو بالحقيقة المطرقة التي تهشِّم ما بقي من إمكان فينا.

لست من دعاة الثورة- ليس خوفًا – ولكن الثورات بطبيعتها مخاتلة وعملية استبدال لما لم يستجب لطموحنا وفق آخر متأمّل لذلك، وهذه كذبة نمتهنها على مرّ الزمان من أجل أن نكرّس العقل الجمعي. فالاتفاق على شيء هو أسمى درجات البعط والبلادة، وخير كاشف على قطيعتنا من دون شك. لا نحتاج أن ننتظر متى يعطف علينا ونعامل بطريقة أفضل كوننا كائنات، لأن سؤال الانتظار هو سؤال استجدائي لأنّنا في طور الموهوب له، أو قل المتصدق عليه. نحن نتطلع متى تمطر سمائهم علينا كرامة واحترامًا. فالاحترام المعطى لنا اليوم هو احترام تجميدي حتى لا نفكر فيما وراءه، والحقوق التي يتصدق بها علينا هي نمط من مخاتلتنا حتى لا نطالب بما هو أكثر. يمارس علينا منذ آلاف السنين ضربًا من التخدير، وأعتقد بأنّنا قد دخلنا في غيبوبة لعلنا نستفيق منها ولو بعد حين.

لقد أودع الله سبحانه وتعالى فينا طاقة متجددة وإمكانية لا يتوافر عليها غيرنا لنكون غيرنا، لنصبح أفضل منا. ولكننا مع الأسف خذلنا أنفسنا عندما قتلنا ذاك الإمكان وارتضينا أن نقيم في أرض مغصوبة، ولم نعلم بأنّ تلك الأرض هي ليست أرضنا. الوصاية هي ضرب من العنجهية والبربرية بشتى أصنافها، والاتباع هو مقبرة الذين يستحقون أن يكونوا تحت الطاعة. والقانون هو سيف السياسة الذي نشحذه كلما بردت أسنانه في رقابنا. لا يمتلك أحد وصاية على القواعد، وليس من حق أحد امتلاك الفكرة، ولا يجب أن نقاد إلى نقاط معلومة ومحددة، بل يجب علينا أن نخوض دروب الغابات لنستكشف المخبوء، ونسير في المتاهات، فإنّ أجمل ما يمكن أن نستثمره في هذه الحياة هي المغامرة. علينا أن نغامر، ولكن ليس بالمعنى الذي يتساوى فيه الفوز والخسارة معًا كما هو معهود، بل المغامرة التي تعطيك أفقًا جديدة للاستكشاف لم يكن يقدّر لك ذلك إلا عندما قررت أن تستغل إمكاناتك وتخوض التحدي. لا مكان للضعف في حياتنا؛ لأّن الضعف وهم نحن نلجأ إليه عندما لا نريد أن نتعب أنفسنا أكثر. أقوالنا مصوغة من ذي قبل، وأفعالنا محددة وفق القبول الاجتماعي، وإرادتنا مؤطرة سلفًا بالقانون، وحريتنا محكومة من قبل الساسة. فماذا تبقّى لنا غير أشلاء تتحرك.

كلّ واحد منا بإمكانه أن يصنع عالمًا كاملًا من الإمكانيات يعيش وفقها في طور من المغامرة المستمرة. إنّنا نعيش وفق نظرية المرايا التي لا تنفك تعطينا نفس صورتنا بكلّ أمانة، إلا أنها تسرق منا إمكان الجهة. فيصبح يميننا شمالًا، وشمالنا يمينًا ونحن نضحك كلّ يوم أمامها. رحماك يا رب. أي كائنات نحن؟


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.