كتاب “حروب الرحماء”… لإبراهيم عيسى بعد دم الحسين والقتلة الأوائل في رحلة الدم

كتاب “حروب الرحماء”… لإبراهيم عيسى بعد دم الحسين والقتلة الأوائل في رحلة الدم

عرض وتعليق

تمهيد

حول حروب الرحماء وإبراهيم عيسى

رغم أن كتاب “حروب الرحماء.. القتلة الأوائل” صدر منذ فترة، أي عام 2018، في دار نشر كرمة بالقاهرة، ولكنه أُعيد طبعه مرات، وهو في النهاية، لشدة الإقبال عليه، فهو جدير بالعرض، جدير بالقراءة، يستحق التنويه عنه.

ولا ينفك المؤلف “إبراهيم عيسى” الصحفي والإعلامي والكاتب المفكر، يثير من حوله غبارًا دينيًّا، وآخر ما فعل أنه أنكر رحلة المعراج النبوي، على شاشة التلفزيون في برنامجه اليومي على قناة “القاهرة والناس”، وحدث هجوم شرس عليه، وهو هجوم ظل متلاحقًا فترة، متلاحق من كل مكان، هجوم من رجال الأزهر ومن السلفيين، ومن العوام من المصريين وغيرهم، ثم من شباب شبكة المعلومات الدولية، كلها تسبه وتنكره، حتى قال عن نفسه إنه تعرّض لأكبر “محكمة تفتيش في التاريخ”، ويشبه ما حدث له بمحاكم التفتيش، التي أقامها الأسبان للمسلمين بعد سقوط غرناطة في بلاد الأندلس، وهو تشبيه فيه بعض المبالغة، ولكنه يؤكد أن الهجوم عليه كان ضاريًا بالفعل.

ألّف إبراهيم عيسى العديد من الكتب والكثير من البرامج والمئات من المقالات، ولعل أشهر كتبه “مقتل الرجل الكبير” عام 1999، واعتبره الرئيس الراحل حسني مبارك ورجاله إسقاطًا عليه، وأنه المقصود بالرجل الكبير المقتول في الرواية، ورُفعت عليه القضايا، وخرج منها جميعًا بعد أن برأته المحاكم، على أساس أن العمل الروائي ليس دليلًا جنائيًّا.

ومن الملاحظ أن إبراهيم عيسى ارتبط بالفكر الحسيني ونقد الرجال الكبار من الصحابة، بعد وفاة الرسول (ص)، فاتهمه البعض بالتشيع، واتهمه آخرون بأنه من جماعة القرآنيين، والبعض جاء من النهاية واتهموه بالكفر والردة، يجب قتله بعد أن أصرّ على نقد ما يعتقد الناس أنه المعلوم من الدين بالضرورة.

أصدر عيسى كتاب “دم الحسين” عام 2005، ثم أصدر ثاني كتبه حول نفس الفترة الزمنية عام 2016 “رحلة الدم… القتلة الأوائل”، والقتلة الأوائل المعنيون، هم الصحابة وما حدث بينهم من تنازع، بداية من الحروب التي عُرفت بحروب الردة.

ثم أصدر الكتاب الثالث “حروب الرحماء… القتلة الأوائل”، ويُعتبر كتاب “حروب الرحماء” الجزء الثاني من “رحلة الدم” وهو الذي نعرضه، على أساس أنه من الكتب التي تنتقد العقل الإسلامي، وتنحاز للخيار الثوري، وعدم العصمة إلا للأنبياء، وجاء العنوان الفرعي للكتابين”القتلة الأوائل” في رحلة الدم وحروب الرحماء،  دليلًا على ما يريده من رغبة في تأكيد أن مصائب المسلمين بدأت مبكرًا من قبل القتلة الأوائل.

كتاب حروب الرحماء

إننا أمام عمل فنّى مادتُه التاريخ، وليس سردًا تاريخيًّا مملًا، حتى من يعرف تلك الوقائع، لن يترك الرواية حتى يفرغ من قراءتها، متشوقًا ومتأملًا، مثلما كان الجزء الأول من رحلة الدم، تتحرى الرواية التاريخية الوقائع، ولكنها تجعلنا نراها بشكل جديد، وبطريقة معاصرة، تمنحنا مسافة للتأمل، تعيد تحليل مكونات الشخصية.

تفصل الرواية، مثلًا، بين فروسية الإمام علىّ (ع) وتقواه، وبين الطريقة التي أدار بها معاوية حربه، وهو عدو يعرّف السياسة بوصفها فن الخداع والخسة، وهو ما يجعلنا نتأمل الضعف الإنساني، وتقيم صراعًا داخل الشخصيات، لا يقل أهمية عن الصراع الدموي على الأرض، الذي تفنن عيسى في وصفه وتجسيمه، فكأن أشلاء الأمس، تذكرنا بأشلاء اليوم، وكأن تكفير المسلمين لبعضهم بدعة شنيعة، تتخفى في ثوب الفتنة، وتلبس في كل عصر ثوبًا.

وكأن ضيق أفق حفّاظ القرآن الذين خرج منهم قتلة الإمام علىّ، يكشف لنا خطورة أن يلغي الإنسان عقله، ويذكرنا بأن بيننا الآن مثل قتلة الإمام علي، في التزمت وضيق الأفق واحتكار الإيمان والإسلام، والشيطان في الرواية يكمن في التفاصيل، وفى النفوس أيضًا، والسلطة أمس واليوم وغدًا إغواء خارق، يندر ألا يتلوث الإنسان في سبيل طلبها أو ممارستها.

يبدو كتاب أو رواية “حروب الرحماء” متسقًا مع المفهوم العام النقدي للفكر الإسلامي الذي يتبناه. ففي كتاب “دم الحسين” يظهر إبراهيم عيسى، وكأنه بدأ الكتابة عن بداية نهاية الفتنة في مرحلتها الأولى، بعد مصرع الإمام الحسين (ع) في مذبحة “كربلاء” الدامية المروّعة، وكأنها فتنة لا تنتهي.

وهي لا تنتهي ولن تنتهي بالفعل، لأن آثار الماضي هي بالفعل غرس الحاضر والمستقبل، فإذا كان المسلمون في حاجة إلى تجديد رؤيتهم وخطابهم وفهمهم الديني، فلا بدّ من قراءة الماضي بفهم الحاضر، وليس فقط الوقوف عند حافة تقديس غير المعصومين من الصحابة، الذين هم من المفترض أننا نأخذ منهم ديننا، فلا بدّ أن نراهم على حقيقتهم بدون تذويق أو تمييز.

تأخذ رواية “حروب الرحماء” كما في “رحلة الدم” وقائع التاريخ الإسلامي التي لا يزال أثرها ممتدًا حتى يومنا هذا رغم مرور أكثر من 1400 عامًا على حدوثها، وتضفي عليها بعدًا روائيًّا ودراميًّا شائقًا.

تبدأ رواية “حروب الرحماء… القتلة الأوائل” من بداية رواية “رحلة الدم”، وتبدأ بمقتل واستشهاد الإمام علىّ بن أبى طالب (ع)، ثم عاد عيسى عشرين عامًا لتتبع حياة قاتله عبد الرحمن بن ملجم، وينتهي الجزء الأول أو “رحلة الدم” بقتل عثمان، وينتهي الجزء الثاني “حروب الرحماء” بخسارة الإمام علي للتحكيم، وتمدد نفوذ معاوية وعمرو بن العاص، وتبدأ رحلة صعود ما يُعرف بالإسلام السلطاني، وحديثًا رحلة صعود ما يُعرف اليوم بالإسلام السياسي.

ولا تكتفي الرواية بسرد ما جرى وفق ما هو متداول، وإنما تفتش في الكتب والبحوث الموثقة والمعتمدة، وتسعى لأن تقيم بناءً روائيًّا موازيًا للتاريخ الإسلامي المدون في كتب التاريخ، وهذا ما يُحسب للكاتب في “دم الحسين”، و”رحلة الدم القتلة الأوائل” و”حروب الرحماء”، لأنها من الروايات البحثية أو الأبحاث الروائية.

وعنوان الكتاب “حروب الرحماء”، يبدو دالًّا على ما فيه، لأن التناقض بين الحرب بما فيها من دماء، لا تتفق أبدًا مع الرحمة والرحماء، ومن هنا يبدو التناقض رائعًا في وصول الفكرة، ربما قبل القراءة لتشد من يريد البحث الناقد بخيال الواقع.

جورجي زيدان وإبراهيم عيسى

يخطئ من يقارن إبراهيم عيسى بـ جورجي زيدان، مؤسس “دار الهلال” في القاهرة، وصاحب أشهر مجموعة روايات عن التاريخ الإسلامي، فقد كتب جورجي زيدان 18 رواية تاريخية شملت معظم فترات التاريخ الإسلامي، إلى جانب 3 روايات للتاريخ القريب “استبداد المماليك –  المملوك الشارد – أسير المتمهدي”.

أخذ جورجي زيدان في منهجه روح المؤرخ المنحاز للتقليد، لا روح الباحث، فقد كتب رواياته في شكل درامي رائع بديع، وفي السياق الروائي اختلط الخيال بالتاريخ، الأحباب العشّاق الخياليون بالأشخاص الحقيقيين، صحيح أنه حافظ على التكوين التاريخي العام حسب ما هو مدّون في المراجع والكتب، ولكنه انحاز في النهاية للفكر المحافظ السائد، بدون أي نقد.

ولكن إبراهيم عيسى دخل بإرادته الكاملة إلى أكثر مناطق حساسية في تاريخ المسلمين، بروح الباحث عن الحقيقة والناقد للمفاهيم التراثية المتوارثة جيلًا بعد جيل.

 

تفاصيل التفاصيل في حروب الرحماء

دخل المؤلف في تفاصيل التفاصيل، ولكنها لم تكن التفاصيل التي يدخل منها الشيطان، فالشيطان دخل من قبل في التفاصيل، حين حدثت الفتنة الأولى بين المسلمين، عندما قتل أصحاب رسول الله (ص) بعضهم بعضًا، من رضي الله عنهم، قتلوا من رضي الله عنهم.

وكلهم حسب المفهوم التاريخي، عدول ومن أهل الجنة، ولكن المؤلف أدرج الأسماء المشهورة بكل صراحة وشفافية، عبد الله بن عمر، سعد بن أبي وقّص، عثمان بن عفان، عبد الرحمن بن عوف، وكبار القرشيين، وأهمهم أبو سفيان صاحب المكر الذي تزول منه الجبال، ووالد معاوية، وهو المحرّض الأكبر في خلافة عثمان بن عفان ليحولها إلى دولة أموية. فأبو سفيان كما قال عن نفسه، لا يعرف ما هي الجنة وما هي النار، فليتداولوها تداول الكرة، وهو ما حدث، حكم أعداء الثورة، الدولة، والدين، وحرّفوا الثورة/الدين عن مسارها الطبيعي أو المأمول.

 الازدواج العقلي الوجداني الإيماني

إبراهيم عيسى يدرك خطورة الكلمة وخطورة الموضوع فكتب عنه بروح المحايد، الذي يرى الأحداث بعد وقوعها ولو بعد مئات السنين، فقد عصم الله دماء “عيسى” منهم، ولكن عقله ولسانه وقلمه لم يكف عن أحد فيهم، لأن الأمة ما زالت تعيش مأساوية تلك الأحداث.

هذا إلى جانب أن كل شخصيات الرواية حقيقية، بعكس ما فعل جورجي زيدان، أو علي أحمد باكثير، ولقد كتب “عيسى” بالتفاصيل الدقيقة الحقيقية، ومن ثمّ كان من الضروري أن تمتد صفحاتها إلى أكثر من 600 صفحة، وهذا يعود إلى دقة الأحداث وخطورتها، وأحقية إبراهيم عيسى وأحقيتنا في عدم إغفالها أو تناسيها.

مواقف كثيرة في “حروب الرحماء” تؤكد كيفية الازدواج العقلي الوجداني الإيماني عند كثير من مشاهير المسلمين الأوائل، مثل أن بعضهم في أيام معركة “صفين” كانوا يصلّون خلف علي بن أبي طالب، ولكنهم كانوا يأكلون على موائد معاوية بن أبي سفيان، وبرروا تناقضهم بأن الصلاة خلف “علي” أتقى، وأن طعام “معاوية” أشهى، وهو تبرير دنيوي مقيت في ثوب ديني.

وإبراهيم عيسى أبرز هذا التناقض في صورته الإنسانية، التي تجمع الخير مع الشر، تخلط الصالح بالطالح في الأفعال، ثم تدّعي الإيمان، وهم من استضعفوا معظم الأنصار الذين تم خذلانهم في المناصب والأموال، رغم أنهم بالفعل كانون الجنود الحقيقيون في حروب الرسول(ص)، كما لم ينس إبراهيم عيسى مواقف المستضعفين والفقراء من   المسلمين الأوائل، ومنهم من آمن مبكرًا وعذّب في سبيل الله، مثل عمار، بلال، صهيب، خبّاب، أبو ذر، وغيرهم الأتقياء، فلهم وجود حقيقي إيجابي ومنصف داخل الرواية. المسلمين.

وبالتالي، فإن القارئ يستدعي بصورة عفوية في ذهنه صورة المسلمين الحالية، وهم يسعون للصلاة في المساجد، ولكنهم لا يلتزمون الصدق في معاملاتهم الشخصية والحكومية، ولا يرعون الله في الضعفاء من البشر والمهمشين من المسلمين، وهي المقارنة التي نرى أن إبراهيم عيسى يريد توصيلها للقارئ في كتبه، ونراه حقق فيها النجاح بالفعل.

ويرصد الكاتب إبراهيم عيسى رحلة عبد الرحمن بن ملجم، (الإرهابي الأول كما يصفه)، الذي قتل الإمام عليًّا (ع)، تقرّبًا إلى الله، ويرصد “عيسى” رحلة ابن ملجم، الرجل التقي الورع الحافظ للقرآن، من أول هجرته لليمن وتلمذته في مدينة الرسول على يد الصحابيين معاذ بن جبل، عبد الله بن مسعود، وحفظه للقرآن الكريم، ثم رحلته إلى مصر مع عمرو بن العاص، ثم عودته لمصر لتنفيذ أبشع المؤامرات في تاريخ الأمة.

خيال الروائي بروح الباحث

لقد تخيل إبراهيم عيسى عبد الرحمن بن ملجم، وتدخل في ضميره، وهو يناجي معشوقته “الفتاة قطام” بحبه لها، كما يناجي سيفه بدمه، والإرهابي الأول أحب، فاتخذ كلام من يهواها قلبه رأي أو فتوى للثـأر لمن مات من أهلها الخوارج أو التكفيريين القدامى.

والمدهش أن ابن ملجم كان يعلم أنه مقتول بعد أن يقتل أمير المؤمنين، ولكنها الدقائق القليلة قبيل الاغتيال، ليرتشف من الحب لحظات قبيل لقاء الحور العين كما كذب ويكذب أمثاله اليوم، فقام وهو ينادي “لا حكم إلا لله” بورع زائف تبريرًا لإرهابه، وهي الجملة التي أضحت شعار القتل للمتطرفين المسلمين على مر العصور، رغم أنها شعار حق يراد بها الباطل، كما قال الإمام علي (ع).

كذلك تشير الرواية في صورة غير مباشرة إلى أن صراعات الرجال الذين يعصمهم المسلمون لها أبعادها الشخصية، تتمثل في رؤاهم لأنفسهم، بأنهم الأحق في المناصب مهما علت، وضرورة الوصول إلى المنصب سواء بطريقة مشروعة سلمية، أو غير مشروعة دموية.

ويرى المؤلف أيضًا أن معركة “صفين” كانت بمثابة الثأر لمعركة “بدر”، كما كانت مذبحة “كربلاء” المروعة أيضًا من ضمن هذا الثأر الأموي من معركة “بدر”، وهو ما رصده إبراهيم عيسى في “دم الحسين”، تمامًا مثلما تكشف رواية “حروب الرحماء” عن إنسانية الصراع بين المسلمين، لأن من خاض الحروب بشر في النهاية، يجب الحكم عليهم من خلال الدنيا، لا من خلال الإيمان.

خلاصة العرض

“حروب الرحماء”، مثل “رحلة الدم”، روايتان شقيقتان بديعتان، تختبران المثالية في مواجهة الواقع، وتفصلان ببراعة بين الدين والمصحف، وبين فهم المسلمين لهما؛ روايتان عن تعقيد الطبيعة الإنسانية، وتقلبها، وهو أمر أبعد غورًا، وأعظم منالًا، من كتب التاريخ، وكتابات المؤرخين، ثم إن الفتنة التي يحكيها عيسى ما زالت تنفثُ سمومها حتى اليوم.

ما زالت المصاحف مرفوعة لأسباب سياسية، ما زال المسلمون يتقاتلون من أجل السلطة، وما زال التكفيرُ سيفًا على رقاب الجميع… ثم نقول عن الحروب القديمة حروب معصومين ضد معصومين، وإبراهيم عيسى وصفها بـــ “حروب الرحماء”، ربما سخرية منه، وهي سخرية من تناقض سلوك المسلمين… كل المسلمين…

 


الكلمات المفتاحيّة لهذا المقال:
حروبالرحماءالدمالازدواج العقليعيسى

المقالات المرتبطة

الفكر العربي الحديث والمعاصر | أركون والدين والتراث والحداثة

بعد أن رأينا في الجزء الأول من البحث المنهج ومميزاته ومصادره عند محمد أركون، ننتقل الآن للحديث عن التطبيقات العملية

الفكر العربي الحديث والمعاصر | زكي نجيب محمود ورؤيته الفلسفية (4)

هل صحيح أنّ موضوع الفلسفة هو الإنسان؟ وهل هذا الكلام يقود بشكل تلقائي إلى إلغاء موضوع الفلسفة كما ورد في التعريفات التقليدية؟

تعيين ليلة القدر (مقاربة للروايات الشيعيّة والسنيّة)

يشترك السنّة والشيعة في تعظيم ليلة القدر، والحثّ على إحيائها بالعبادة والتضرّع إلى الله، وبأنّها خيرٌ من ألف شهر،

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<