الشيطان والإنسان(4) عوامل نجاح الشيطان في تحقيق هدفه بشكل نسبي

الشيطان والإنسان(4)  عوامل نجاح الشيطان في تحقيق هدفه بشكل نسبي

على الرغم من محدودية فعالية إبليس وسعيه الدوؤب ومحاولاته المستمرة هو وأتباعه، وأنه ليس له سلطان ابتداءً على بني آدم، إلّا أن الكثير من الناس وبسوء اختيارهم قد سقطوا في حبال إبليس وضلّوا طريق الحق. من هنا جاء الخطاب الإلهي الذي يُرجع سقوط من سقط إلى عدم التعقل والتزام طريق الحق والصواب والاستقامة: ﴿وَلَقَدْ اَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً اَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة يس، الآية 62).

وإبليس نفسه في خطابه الأول توقّع ما سيكون عليه بني البشر: ﴿وَلاَ تَجِدُ اَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (سورة الأعراف، الآية 17). كما أن غلبة التمايلات النفسانية على العوامل والدوافع الفطرية، وإيثار الدنيا على الآخرة قد حقّق ظن إبليس وأمله في إضلال الكثير من الناس: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلـٰى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (سورة سبأ، الآيتان 20-21).

إن إبليس بعد امتناعه عن السجود لآدم وطرده من محضر الكبرياء الإلهي، توقّع وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ اَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (سورة ص، الآيتان 82-83)، وقد صحّ هذا التوقع بالنسبة لهؤلاء القوم. فمع أن إبليس قد قال حديثه هذا توقعًا وتخمينًا، لكن هذا التوقع صار واقعًا في النتيجة، واتّبعه ضعاف الإيمان والإرادة وسقطوا في فخاخه زرافات ووحدانًا، إلا مجموعة صغيرة من المؤمنين استطاعت تحطيم سلاسل الوساوس الشيطانية، وتفادت الوقوع في مصيدته، جاؤوا أحرارًا وعاشوا أحرارًا ورحلوا أحرارًا، ومع أنهم كانوا قلّة من حيث العدد، إلا أن كل واحد منهم كان يعدل أمة من حيث القيمة المعنوية الهمّة والإرادة للتغيير والإصلاح[1]

ولقد اتسعت دائرة الظفر والنجاح النسبي لإبليس إلى الحد الذي نجى منه فقط المخلصون والشاكرون بفضل الله ورحمته: ﴿يَا اَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَاْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ اَحَدٍ اَبَداً وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة النور، الآية 21).

وقد بيّن القرآن العوامل التي أدّت إلى تمكّن إبليس من إغواء بني آدم وخديعتهم. ومن أهم تلك العوامل ما يلي:

  1. الكفر

 فقد بيّن القرآن كيف أنه من السنن الإلهية أن من يكفر ويتعامى عن طريق الحق، فإنه سيسقط في ولاية الشيطان: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ اَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية27)، ﴿اَلَمْ تَرَ اَنَّا اَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلـٰى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ اَزّاً﴾ (سورة مريم، الآية 83)، ﴿وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً﴾ (سورة النساء، الآية 38).

  1. الشرك

 فالشرك بالله يبعث على تسلط إبليس على الإنسان: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلـٰى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (سورة النحل، الآية 100).

  1. الإعراض عن ذكر الله

 ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (سورة الزخرف، الآية 36). فالغفلة عن ذكر الله، والغرق في لذات الدنيا، والانبهار بزخارفها ومغرياتها يؤدي إلى تسلط الشيطان على الإنسان ويكون قرينه دائمًا، ويلقي لجامًا حول رقبته يشدّه به، ويجرّه إليه ليذهب به حيث يشاء[2]. وقد جاء في كتاب مصباح الشريعة المنسوب إلى الإمام الصادق (ع): “لا يتمكن الشيطان بالوسوسة إلى العبد إلا وقد أعرض عن ذكر الله، واستهان بأمره، وسكن إلى نهيه، ونسي اطّلاعه على سرّه”[3].  

  1. قسوة القلب

 ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَاْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأنعام، الآية 43). فقسوة القلب تمهّد الأرضية لكي يزيّن الشيطان الأعمال السيئة للإنسان.

  1. الرذائل الأخلاقية

إن تلوث قلب الإنسان بالرذائل الأخلاقية كالكبر والتفاخر والرياء هو مما يؤدي إلى استحواذ الشيطان على الإنسان: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَاْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَاَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً *
 وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ اَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً﴾ (سورة النساء، الآيتان 36-38). إن هؤلاء الذين اتصفوا بالكبر والبخل والأنانية قد اختاروا الشيطان رفيقًا وقرينًا لهم، فمنطقهم منطق الشيطان، وسلوكهم سلوكه سواء بسواء، فهو من يقول لهم: إن الإنفاق بإخلاص يوجب الفقر ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (سورة البقرة، الآية 268)[4].

  1. الابتعاد عن آيات الله والتعلق بالدنيا واتباع الهوى

إن الابتعاد عن آيات الله والتعلق بالدنيا والالتصاق بعالم المادة وبهارجها، واللذائذ غير المشروعة للحياة المادية (الإخلاد إلى الأرض بتعبير القرآن) من المعدّات الأساسية لتغلغل الشيطان إلى نفس الإنسان وتمكّنه منه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَاَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَاَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ اَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآيتان 175-176).

تحكي الآيات قصة رجل كان في البداية في صف المؤمنين، وحاملًا للعلوم الإلهية والآيات، لكنه انحرف عن هذا النهج، فوسوس له الشيطان فكانت عاقبة أمره أن انجرّ إلى الضلال والشقاء. ويستفاد من أغلب الروايات وأحاديث المفسرين أن هذا الشخص هو (بلعم بن باعوراء)، الذي عاصر النبي موسى (ع)، وكان من مشاهير علماء بني إسرائيل، لكنه مال نحو فرعون وإغراءاته فانحرف عن الصواب، وفقد مقاماته المعنوية حتى صار بعدئذ في جبهة أعداء موسى (ع). ويستفاد من التعبير القرآني ﴿فَاَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أن الشيطان كان أول الأمر آيسًا منه تقريبًا لأنه كان يسلك سبيل الحق تمامًا، وبعد أن انحرف لحقه الشيطان وتربص له وأخذ يوسوس له حتى انتهى أمره إلى أن يكون من الضالين المنحرفين الأشقياء[5]. ثم يشبّه القرآن هذا الشخص بالكلب، الذي يخرج لسانه لاهثًا دائمًا كالحيوانات العطاشى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ اَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية 176). فهو لفرط اتباعه الهوى وتعلقه بالمادة انتابته حالة من العطش الشديد غير المحدود وراء لذائذ الدنيا، الأمر الذي أمكن منه الشيطان.

  1. أكل الربا

﴿الَّذِينَ يَاْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذٰلِكَ بِاَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (سورة البقرة، الآية 275). وهنا نجد القرآن ينظر إلى المرابين كالمبتلين بالصرع الذين يبتلون بالخطل واختلال الفكر على أثر إقدامات إبليس.

  1. اتباع سنن السابقين من غير تعقل وتفكر

إن التقليد الأعمى للأقوام السابقين والاتباع اللاعقلاني لسننهم وعاداتهم يُخرج الإنسان من تبعية الأنبياء ومعيّتهم، ويلقي به في تبعية إبليس وولايته: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا اَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (سورة لقمان، الآية 21).

  1. المعصية

إن تسلط الشيطان على الإنسان إنما يتحقق على أثر ارتكاب المعاصي والذنوب: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ (سورة آل عمران، الآية 155)، ﴿هَلْ اُنَبِّئُكُمْ عَلـٰى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلـٰى كُلِّ اَفَّاكٍ اَثِيمٍ﴾ (سورة الشعراء، الآيتان 221-222).

  1. ترك القول الحسن واستعمال الخشونة في الكلام والمجادلة

﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِى هِيَ اَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ (سورة الإسراء، الآية 53). ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ (سورة الحج، الآية 3).

تبيّن الآيات أسلوب الحديث والاستدلال مع المعارضين، لأنه مهما كان المذهب عالي المستوى والمنطق قويًّا، فإن ذلك لا تأثير له ما دام لا يترافق مع أسلوب صحيح للبحث والمجادلة مرفقًا بالمحبة بدلًا من الخشونة. فإذا ترك الناس القول الحسن من حيث المحتوى والبيان، والأحسن من حيث التلازم بين الدليل ومكارم الأخلاق والأساليب الإنسانية، واتبعوا الخشونة في الكلام والمجادلة فـ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾، ويثير بينهم الفتنة والفساد، فلا ينبغي أن ننسى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾.[6]

  1. إلقاء التهم الباطلة (الإفك)

إن الاتهام الباطل للمظلومين بارتكاب أعمال هم منها براء من موجبات نزول الشياطين على بني آدم: ﴿هَلْ اُنَبِّئُكُمْ عَلـٰى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلـٰى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (سورة الشعراء، الآيتان 221-222).

  1. التبذير والإسراف

إن صرف النعم الإلهية في غير مواردها والعيش بترف وبذخ والإنفاق بإسراف وتبذير يُعدّ من العوامل المهمة لقرب الإنسان من إبليس ومن معدات انعقاد روابط الأخوة مع الشياطين: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ (سورة الإسراء، الآية 27).

إن كون المبذرين إخوان الشياطين، لأنهم كفروا بنعم الله، إذ وضعوها في غير موضعها، وقد كفر الشيطان حين أعطاه الله قدرة وقوة واستعدادًا وذكاءً خارقًا، ولكنه استفاد من هذه الأمور في غير محلها، أي في طريق إغواء الناس وإبعادهم عن الصراط المستقيم.

كما ورد في الروايات إشارات إلى عوامل أخرى، منها:

  1. الشهوة والغضب

ورد في العديد من الروايات أن الغضب والنساء من جنود الشيطان وأسلحته. ومن ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين (ع): “احذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس”[7]

وعن الإمام الصادق (ع): “ليس لإبليس جندٌ أشد من النساء والغضب”[8].  

وعنه (ع): “ليس لإبليس وهق أعظم من الغضب والنساء”[9].   

وعنه (ع): “الغضب مفتاح كل شر”[10].

وعن رسول الله (ص): “النساء حبائل الشيطان”[11].

  1. مجالسة أهل الهوى

ورد عن أمير المؤمنين (ع): “واعلموا أن… ومجالسة أهل الهوى منساة للإيمان، ومحضرة للشيطان”[12].  

فالهوى لا يعرف الحدود والقيود فيملأ كيان الناس ويستهلك فكرهم فلا يدع من مجال للإيمان، ومن الطبيعي أن يكون مثل هذا المجلس محضرًا للشيطان. ومخالطة الآخرين على درجة من الأهمية بحيث ورد عن رسول الله (ص) أنه قال: “المرء على دين خليله وقرينه”[13]، وعن أمير المؤمنين (ع): “قل لي من تعاشر، أقل لك من أنت”[14].

  1. الابتداع وخلط الحق بالباطل

قال أمير المؤمنين (ع) في الخطبة (50) من نهج البلاغة:

“إنما بدء وقوع الفتن أهواءٌ تُتّبع، وأحكام تُبتدع، يُخالف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجالٌ رجالًا، على غير دين الله. فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق، لم يخفَ على المرتادين، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل، انقطعت عنه ألسن المعاندين؛ ولكن يُؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث، فيُمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه”[15].    

  1. اكتناز الذهب وعبادة المال

إن اكتناز الذهب والتعلق بالأموال من العوامل المهمة لتسلط إبليس على بني آدم.

كما جاء في الروايات أن الكسب الحرام من عوامل تسلط إبليس على الإنسان، فقد رُوي عن الإمام الصادق (ع): “يقول إبليس لعنه الله: ما أعياني في ابن آدم فلم يعيني منه واحدة من ثلاثة: أخذ مال من غير حلّه، أو منعه من حقه، أو وضعه غير وجهه”[16]. وفي تعليقه على الحديث يقول العلّامة المجلسي: “أي شيء أعجزني في إضلال ابن آدم في أمر من الأمور ومعصية من المعاصي فلا أعجز عن إضلاله في أحد هذه الأمور الثلاثة فأغويه في واحدة منها، أي غالبًا”[17].

ونختم البحث بكلام للشيخ عبد الكريم الجيلي أورده في كتابه الإنسان الكامل:

“ثم اعلم أن آلاته [إبليس] أقواها الغفلة، فهي بمثابة السيف له يقطع به، ثم الشهوة وهي بمثابة السهم يصيب به المقتل، ثم الرياسة وهي بمثابة الحصون والقلاع يمتنع بها أن تزول، ثم الجهل وهو بمثابة الراكب، فيسير بالجهل إلى حيث يشاء، ثم الأشعار والأمثال والخمور والملاهي، وأمثال ذلك كباقي آلات الحرب. أما النساء فهن نوابه وحبائله بهن يفعل كما يشاء، فليس في عِدده شيء أقوى فعلًا من النساء، فهذه آلاته التي يقاتل بها، وله آلات كثيرة ومواسم. فمن جملة مواسمه الليل ومواضع التهم ووقت النزع وأمثال ذلك”[18]

كيف نواجه الشيطان؟

1.الإخلاص

اعترف إبليس منذ البداية بأنه لا سلطان له على المخلصين الذين لا يصل إليهم مكره وخديعته، فإخلاصهم سد منيع يحول دون وقوعهم في حبائله وحيله المضلّة: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا اَغْوَيْتَنِي لاُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الاَرْضِ وَلاُغْوِيَنَّهُمْ اَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (سورة الحجر، الآيتان 39-40). والسر في ذلك، كما يبيّن العلّامة الطباطبائي، هو أن “المخلصين هم الذين أخلصهم الله لنفسه بعدما أخلصوا أنفسهم لله، فليس لغيره سبحانه فيهم شركة ولا في قلوبهم محل، فلا يشتغلون بغيره تعالى. فما ألقاه إليهم الشيطان من حبائله وتزييناته عاد ذكرًا لله مقرّبًا إليه”[19]. ولعلّ في بعض فقرات دعاء مكارم الأخلاق ما يشير إلى هذا المعنى، حيث يقول الإمام زين العابدين (ع): “اللهمّ اجعل ما يُلقي الشيطان في روعي من التمنّي والتظنّي والحسد ذكرًا لعظمتك، وتفكّرًا في قدرتك، وتدبيرًا على عدوّك، وما أجرى على لساني من لفظة فحش أو هجر أو شتم عرض، أو شهادة باطل، أو اغتياب مؤمن غائب أو سبّ حاضر وما أشبه ذلك نطقًا بالحمد لك، وإغراقًا في الثناء عليك، وذهابًا في تمجيدك، وشكرًا لنعمتك، واعترافًا بإحسانك، وإحصاءً لمِننك[20].

 2 و 3.  الإيمان والتوكل

﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلـٰى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلـٰى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (سورة النحل، الآية 99).

  1. التقوى

  إن تحصيل ملكة التقوى واستحكامها في الإنسان من أهم العوالم التي تحفظ الإنسان من وسوسة إبليس ومن استيلاء الشيطان عليه واستحواذه على قلبه:﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية 201).

وفي المقابل، فإن غياب التقوى من عوامل انعقاد روابط الأخوة مع الشيطان والضلال المستمر. من هنا نجد الآية اللاحقة تعبّر عن الذين لا يتمتعون بصفة التقوى بـ”إخوان الشياطين”، وتبيّن أن عدم التقوى يؤدي بالإنسان إلى التمادي في طريق الغي والضلال والمكوث فيه: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية 202).

  1. الذكر

إن التذكّر الدائم لله والحضور، الذي لا ينقطع له سبحانه في القلب إلى جانب جريان ذكره الشريف على اللسان بشكل متواصل ومستمر، يبعد الشيطان عن قلب الإنسان. من هنا جاء الوصف القرآني للشيطان بالخنّاس (سورة الناس، الآية 4). وبحسب ما جاء في تفسير الأمثل فإن “الخنّاس صيغة مبالغة من الخنوس وهو التراجع؛ لأن الشياطين تتراجع عند ذكر الله؛ والخنوس له بمعنى الاختفاء أيضًا، لأن التراجع يعقبه الاختفاء عادة. فقوله سبحانه: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾؛ أي أعوذ بالله من شر الموسوس ذي الصفة الشيطانية، الذي يهرب ويختفي من ذكر اسم الله”[21].  

وقد روي عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: “لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُواْ اَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ (سورة آل عمران، الآية 135)، صعد إبليس جبلًا بمكة يقال له ثوير، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا:

يا سيدنا لم دعوتنا؟

قال: نزلت هذه الآية، فمن لها؟

فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا.

قال: لست لها.

فقام آخر فقال مثل ذلك. فقال: لست لها.

فقال الوسواس الخنّاس: أنا لها. قال: بماذا؟

قال: أعدهم وأمنّيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار.

فقال: أنت لها. فوكّله بها إلى يوم القيامة[22].    

وقد عّد أمير المؤمنين (ع) شهادة التوحيد – وهي نوع من الذكر – من عوامل إبعاد الشيطان وطرده: “وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له… فإنها عزيمة الإيمان، وفاتحة الإحسان، ومرضاة الرحمن، ومدحرة الشيطان”[23]. ورُوي عن رسول الله (ص) أنه قال: “إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله سبحانه خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس”[24]. وفي المقابل، نجد أن نسيان ذكر الله يلحق الإنسان بحزب الشيطان: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَاَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ اُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ (سورة المجادلة، الآية 19).

  1. الاستعاذة

 الاعتصام بالله تعالى والتحصّن به سبحانه والاستعاذة به من شرور الأعداء وأذاهم من أهم وسائل مواجهة الشياطين الأبالسة الذين يُضمرون كل الشر والحقد لعباد الله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الأعراف، الآية 200، وسورة فصلت، الآية 36)، ﴿وَقُل رَّبِّ اَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (سورة المؤمنون، الآية 97)، ﴿فَإِذَا قَرَاْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (سورة النحل، الآية 98).

ولا يخفى أن المقصود بالاستعاذة ليس فقط قول “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، فهذه أدنى درجات الاستعاذة؛ وإنما المعنى العميق للاستعاذة هو التحصن والاعتصام الحقيقي والدائم بالله تعالى. وعلى هذا الأساس تكمن الاستعاذة الحقيقية في اللجوء إلى الحصن الحصين للتوحيد الخالص والاحتماء في قلعة وحدانية الله الصمد، والتذود المعنوي من القرآن، والاعتصام الوثيق بحبل الله ورسوله والعترة الطاهرة. وبعبارة، فإن الاستعاذة الحقيقية هي التخلي عن الرذائل[25].

يقول الشيخ محمد جواد مغنية في تفسيره الكاشف حول معنى الاستعاذة بالله من الشيطان: “وهذه الاستعاذة التي ندب الله إليها لا تنحصر بقولك: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، بل إن إطلاقها يشمل الثقة بالله، والتوكل عليه، والخوف منه، وإن لم يقترن باللفظ والقول. فمن أقدم في المهمات معتقدًا أن من ورائه قوة تمده وتعينه على العمل الصالح، ومن مالت نفسه إلى فعل الحرام فصدّها عنه طاعةً لله، ومن مرّ به خاطر لا يدري أربّاني هو أم شيطاني، وقبل تنفيذه عرضه على شريعة الله واتخذ منها مقياسًا للإقدام والإحجام، كلّ أولاء مستعيذون بالله حقًّا وواقعًا من الشيطان الرجيم. ولا ظاهرة أقوى وأدلّ على الاستعاذة بالله واللجوء إليه من ثقة الإنسان بخالقه، موقنًا بأن العبد لا يضر ولا ينفع، وأنه لا شيء إطلاقًا يُغني عن عناية الله ورعايته”[26]

  1. دوام المراقبة والاستقامة

وفي إشارة إلى الاستغفار وإلى دوام المراقبة والاستقامة وذكر الله في مقابلة الشيطان والتصدي له، ورد في مصباح الشريعة منسوبًا إلى الإمام جعفر الصادق (ع): “فكن معه [أي الشيطان] كالغريب مع كلب الراعي يفزع إلى صاحبه في صرفه عنه، كذلك إذا أتاك الشيطان موسوسًا ليضلّك عن سبيل الحق وينسيك ذكر الله، فاستعذ منه بربك وربه، فإنه يؤيد الحق على الباطل وينصر المظلوم، بقوله عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ولن تقدر على هذا ومعرفة إتيانه ومذاهب وسوسته إلا بدوام المراقبة والاستقامة على بساط الخدمة وهيبة المطّلِع وكثرة الذكر، وأما المهمل لأوقاته فهو صيد الشيطان لا محالة”[27].

  1. التضرع إلى الله

إن التذلل إلى الله تعالى، والاستسلام والخضوع له في أوقات الشدائد والبأساء والمكروه، كالجدب والسيل والزلزلة والخوف والفقر والمرض، من العوامل التي تقي الإنسان وتحفظه من تزيينات الشيطان: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَاْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأنعام، الآية 43).

  1. الطهارة

إن النقاء والطهارة مما يبعد الإنسان عن دنس الشيطان ووساوسه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ (سورة الأنفال، الآية 11). والرجز هو الرجس والقذارة، والمراد برجز الشيطان القذارة التي تطرأ على القلب من وسوسته وتسويله[28].  

  1. الصوم

ورد عن الرسول الأكرم (ص) أنه قال يومًا لأصحابه وهو يدلّهم على عمل يباعد بينهم وبين الشيطان: “الصوم يسوّد وجهه”[29]. ولا يخفى أن حقيقة الصوم ليس فقط الإمساك عن الطعام والشراب، بل هو تربية ورياضة شرعية يتعلم من خلالها الصائم المراقبة وحفظ النفس من ارتكاب كل ما يغضب الله تعالى.

وعلاوة على ما تقدم ذكره، ورد في الروايات أن عمل الإنسان بما يعلم يوجب سعة القلب وتقوية الإنسان وتثبيته في مواجهة إبليس، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع): “إذا سمعتم العلم فاستعملوه، ولتتّسع قلوبكم، فإن العلم إذا كثر في قلب رجل لا يحتمله، قدر الشيطان عليه، فإذا خاصمكم الشيطان فأقبلوا عليه بما تعرفون، فإن كيد الشيطان كان ضعيفًا، فقلت: وما الذي نعرفه؟ قال: خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله عز وجل”[30].  

 كما ورد في روايات أخرى أن الصدقة وأكل بعض أنواع الفاكهة كالرّمان والسفرجل مما يعين الإنسان في صراعه مع الشيطان[31].   

من ناحية أخرى فإن رعاية الموازين الشرعية واجتناب مواضع التهم من الأمور الضرورية في مواجهة الشيطان. رُوي أن رسول الله (ص) كان واقفًا بعد غروب أحد الأيام يتحدث مع زوجته السيدة صفية بنت حيي، وفي الأثناء مرّ رجلان من الأنصار، فناداهما رسول الله (ص) وقال لهما: هذه زوجتي صفية. فقالا له: سبحان الله يا رسول الله! فقال رسول الله (ص): إن الشيطان يجري في ابن آدم كجري الدم في العروق؛ إنّي خشيت أن يصيبكما سوء الظن[32].

ويعد الإمام زين العابدين (ع) –  في مناجاته – العبادة، والشوق والسعي لكسب محبة الله، والحفظ والرعاية الإلهيين، والتقوى، والمعرفة والبصيرة، والاستيقاظ من الغفلة، وإنكار عمل إبليس، من عوامل دفع الشيطان وطرده عن طريق الإنسان. يقول (ع): “اللهمّ اخسأه عنّا بعبادتك، واكبته بدؤوبنا في محبتك، واجعل بيننا وبينه سِترًا لا يهتكه، وردمًا مصمتًا لا يفتقه… واعصمنا منه بحسن رعايتك…  وزوّدنا من التقوى ضد غوايته واسلك بنا من التقى خلاف سبيله من الردى…  اللهم وما سوّل لنا من باطل فعرّفناه، وإذا عرّفتناه فقناه، وبصّرنا ما نكايده به، وألهمنا ما نُعدّه، وأيقظنا عن سِنة الغفلة بالركون إليه، وأحسِن بتوفيقك عوننا عليه. اللهم وأشرِب قلوبنا إنكار عمله، والطف لنا في نقض حيله”[33].  

وطبقًا لما ورد في الروايات، فإن إبليس نفسه يقول: إنه لا سلطان له على خمسة أصناف من الناس. فقد رُوي عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: “قال إبليس: خمسة أشياء ليس لي فيهن حيلة، وسائر الناس في قبضتي: (1) من اعتصم بالله عن نيّة صادقة واتّكل عليه في جميع أموره، (2) ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره، (3) ومن رضي لأخيه المؤمن ما يرضاه لنفسه(4)، ومن لم يجزع على المصيبة حين تصيبه، (5) ومن رضي بما قسمه الله له ولم يهتم لرزقه”[34].

ويذكر صدر المتألهين الشيرازي أن جميع طرق المواجهة مع الشيطان مرجعها ومردها سلامة القلب من كدورات الشهوة وظلمة الغضب. وبحسب تعبيره، لا شيء أنفع للإنسان بعد المعرفة من سلامة القلب[35]. ويذكر الفيض الكاشاني أن الرياء وطلب الجاه والسمعة من أهم الطرق التي ينفذ من خلالها الشيطان إلى الإنسان. يقول (قده): “اعلم أن من الناس من يترك العمل خوفًا من أن يكون مرائيًا به وذلك غلط وموافقة للشيطان… لأن الشيطان يدعوك أولًا إلى ترك العمل، فإذا لم تجبه واشتغلت فيدعوك إلى الرياء، فإذا لم تجب ودفعته بقي يقول لك: هذا العمل ليس بخالص وأنت مراء ٍوتعبك ضائع فأي فائدة لك في عمل لا إخلاص فيه، حتى يحملك بذلك على ترك العمل، فإذا تركته فقد حصلت غرضه… فترك العمل من أصله هو ترك الإخلاص مع أصل العمل، فلا معنى له”[36]. ثم يذكر أن المتخلّصين عن الرياء في دفع خواطر الشيطان بالرياء هم على أربع مراتب:

المرتبة الأولى: أن يردّه على الشيطان فيكذّبه، ولا يقتصر عليه، بل يشتغل بمجادلته ويطيل الجدال معه لظنّه أن ذلك أسلم للقلب، وهو على التحقيق نقصان؛ لأنه اشتغل عن مناجاة الله وعن الخير الذي هو بصدده، وانصرف إلى قتال قطّاع الطريق، والتعريج على قتال قطّاع الطريق نقصان في السلوك.

المرتبة الثانية: أن يعرف أن القتال والجدال نقصان في السلوك فيقتصر على تكذيبه ودفعه ولا يشتغل بمجادلته.

المرتبة الثالثة: أن لا يشتغل بتكذيبه أيضًا، لأن ذلك وقفة [يتوقف فيه عن العمل الصالح] إن قلّت، بل يكون قد قرّر في عقد ضميره كراهة الرياء كذب الشيطان، فيستمر على ما كان عليه مستصحبًا للكراهة غير مشتغل بالتكذيب ولا بالمخاصمة.

المرتبة الرابعة: أن يكون قد علم أن الشيطان سيحسده عند جريان أسباب الرياء، فيكون قد عزم على أنه مهما نزغ الشيطان زاد فيما هو فيه من الإخلاص والاشتغال بالله عز وجل، وإخفاء الصدقة والعبادة غيظًا للشيطان، وذلك هو الذي يغيظ الشيطان ويقمعه ويوجب يأسه وقنوطه حتى لا يرجع[37].      

[1] الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل، الجزء 10، الصفحة 547.

[2] الأمثل، المرجع السابق، الجزء 12، الصفحة 381.

[3] مصباح الشريعة، ترجمة وشرح العلّامة حسن مصطفوي، الصفحة 206.

[4] الأمثل، مصدر سابق، الجزء 3، الصفحة 133.

[5] المصدر نفسه، الجزء 4، الصفحة 571.

[6] الأمثل، مصدر سابق، الجزء 7، الصفحة 320.

[7] محمد الريشهري، ميزان الحكمة، الجزء 5، الصفحة 1932.

[8] المصدر نفسه، الصفحة 1932.

[9] المصدر نفسه، الصفحة 1932.

[10] المصدر نفسه، الجزء 3، الصفحة 2264

[11] النراقي، جامع السعادات، الجزء 1، الصفحة 292.

[12] نهج البلاغة، الخطبة 86.

[13] مولى محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي، الجزء 10، الصفحة 42.

[14] ناصر مكارم الشيرازي، نفحات الولاية: شرح عصري جامع لنهج البلاغة، الجزء 3، الصفحة 322.

[15] نهج البلاغة، الخطبة 50.

[16] المجلسي، بحار الأنوار، الجزء 60، الصفحة 223.

[17] بحار الأنوار، مصدر سابق، الصفحة 223.

[18] الإنسان الكامل، الصفحة 206.

[19] الميزان، الجزء 14، الصفحة 164.

[20] الصحيفة السجادية، دعاؤه إذا ذكر الشيطان.

[21] الأمثل، الجزء 15، الصفحة 628.

[22] الميزان، الجزء 20، الصفحة 461.

[23] نهج البلاغة، الخطبة 2.

[24] بحار الأنوار، الجزء 60، الصفحة 194.

[25] تفسير موضوعي قرآن كريم، الجزء 9، الصفحة 333.

[26] التفسير الكاشف، الجزء 1، الصفحة 19.

[27] مصباح الشريعة، الصفحة 208.

[28] الميزان، الجزء 9، الصفحة 21.

[29] علي رضا رجالي طهراني، جن وشيطان (فارسي)، الصفحة 203.

[30] أصول الكافي، الجزء 1، كتاب فضل العلم، باب استعمال العلم، الحديث 7.

[31] انظر، بحار الأنوار، الجزء 63، الصفحات 161-167.

[32] إبليس دشمن قسم خورده، الصفحة 118.

[33] الصحيفة السجادية، دعاؤه إذا ذكر الشيطان.

[34] بحار الأنوار، الجزء 60، الصفحة 248.

[35] صدر المتألهين الشيرازي، تفسير القرآن الكريم، الجزء 5، الصفحة 275.

[36] الفيض الکاشاني، المحجة البيضاء، الجزء6، الصفحتان 190-191.

[37] الفيض الکاشاني، المحجة البيضاء، مصدر سابق، الصفحتان 177-178.



المقالات المرتبطة

النور

ورد عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: “إن الله كان إذ لا كان فخلق الكان والمكان وخلق نور الأنوار

تجليات عبقرية الشهادة في جدلية الموت والحياة

إلهي يداي خاويتان… لكنني ادّخرت في يداي شيئًا وأملي معقود على هذا الشيء، إنهما كانتا ممدودتين إليك… وعندما كنت أضعهما لأجلك على الأرض وعلى ركبتي، وعندما حملت السلاح بيدي لأجل الدفاع عن دينك.

الأسباط أنبياء … وليسوا أبناء يعقوب ولا إخوة يوسف

قديمًا عندما قرأنا حديثًا للنبي محمد (ص)، نراه صحيحًا لأنه متواتر، ولا يخالف النصوص القرآنية

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<