وجهة نظر خاصة  حول الطبقية والبرجوازية في تاريخ الأمة

وجهة نظر خاصة   حول الطبقية والبرجوازية في تاريخ الأمة

الأميرة والعبد… هند وحشي أنموذجًا

تقديم

عندما كتب المؤرخون كتب التاريخ، جاءت كتاباتهم فيها نوع من الطبقية المشين، يدافعون عن الأمراء ضد الفقراء، والسلاطين ضد الدهماء، فالتاريخ دائمًا ما يُكتب من وجهة نظر المنتصر، أو بالأحرى من وجهة نظر السلطة، ولا يتوقف الأمر على الدفاع، فقد كان التمييز واضحًا في العطاء المالي من بيت مال المسلمين، منذ وفاة النبي (ص)، فقد أعطى الخلفاء من بعده الأغنياء حتى أتخموا من الوفرة، ومنعوا المال عن الضعفاء، فزادوهم مسغبة.

على كل حال لو حددنا لقلنا: إن الجماعة القرشية، هي البرجوازية التي أخذت المال حتى أُتخمت، وعاش المسلمون في بطالة خطيرة، تنتظر كل يوم ما يأتيهم من غنائم من الحروب التي لا تنتهي، وهذه أمور نقدمها للقارئ كنموذج للتمييز الطبقي الشائن.

ولقد ظلم المؤرخون أنفسهم وظلمونا عندما قالوا: إن الرسول (ص) أعطى رؤساء قريش كل واحد منهم مائة من الإبل طمعًا في إسلامهم وتأليفًا لقلوبهم، ولم يعط الفقراء ولا الأنصار شيئًا، كما لو كان النبي، (وحاشاه من ذلك)، يعطي قادة الكفر القرشي رشوة لدخول الإسلام، وهو أمر نرفضه من الرواة، ولو جعلوا له أسانيد مهما كانت قوتها.

 الطبقية تنزع الإيمان

ونضرب مثلًا بذلك، عن وحشي بن حرب الحبشي قاتل حمزة بن عبد المطلب عم النبي في موقعة أحد، بتحريض مباشر من هند بنت عتبة زوج أبي سفيان زعيم قريش، أميرة وعبد، غنية وفقير، هذا كان يطلب الحرية والمال، وتلك كانت تريد الدم والانتقام فقط.

أسلم الاثنان بعد فتح مكة، هند كما تقول كتب التاريخ أن النبي هش لها وابتسم رغم مراجعاتها المتكررة له.

أمّا وحشي، فقد زعم الرواة أن النبي عفا عنه، ولكن طلب منه عدم رؤيته في أي مكان… في المسجد أو في الشارع، وهو أمر لا يغيب عن النبي المعصوم.

وهذا التمييز الطبقي، جاء لأن هندًا صارت أمًّا لخليفة، وظل وحشي أشبه بالعبد رغم حريته المفقودة، وشتان ما بين الموقفين عند الحكّام والسلاطين والمؤرخين على السواء.

الأميرة الآكلة للأكباد

هند كانت عدوة للإسلام منذ البداية، ووحشي لا شأن له، عداء هند للدعوة تضاعف بعد غزوة بدر؛ بعد أن قُتل في ذلك اليوم أبوها عتبة وعمها شيبة بن ربيعة، وابنها حنظلة، وأخوها الوليد، وظلت على هذا العداء السافر منذ بدر وحتى فتح مكة.

ووعدت أنها تنتقم من الرسول أو من علي أو من حمزة، وطلبت من وحشي أن يقتله بحربته، ثم يكون حرًّا بعدها مع مكافأة مالية كبيرة، وهذا ما حدث.

كما كانت من اللائي خرجن مع جيش الكفار في موقعة أحد تقود النساء، فكانت تحضُّ وتُحمِّس الجيش القرشيَّ لقتال المسلمين.

وبعد انتصار أهل مكة على المسلمين في نهايات غزوة أحد قامت بالتمثيل بالجثث المسلمة الواحدة تلو الأخرى، فكانت تُقَطِّع الآذانَ والأنوفَ، حتى وصلت إلى حمزة عمِّ الرسول أمرت وحشي أن يبقر بطنه، وأخرجت كبده، وفي حقدٍ شديد لاكت منه قطعة، فما استساغتها، فلفظتها.

وقد أثَّر هذا الموقف بشدة في النبي، روى الطبري وغيره “وقف رسول الله  على حمزة، وقد مُثِّلَ به، فلم يَرَ منظرًا كان أوجع لقلبه منه، فقال: “رَحِمَكَ اللهُ أَيْ عَمِّ؛ فَلَقَدْ كُنْتَ وَصُولاً لِلرَّحِمِ، فَعُولاً لِلْخَيْرَاتِ”، كما خرجت هند مع المشركين في غزوة الأحزاب، واستمرَّت في حربها ضد الإسلام حتى اللحظات الأخيرة قُبَيْلَ  فتح مكة، حتى إنها رفضت ما طلب زوجها أبي سفيان من أهل مكة أن يدخلوا إلى بُيُوتهم؛ طلبًا لأمان النبي، ودَعَت أهل مكة لقتل زوجها أبي سفيان عندما أَصَرَّ على الخضوع ودفعتهم إلى القتال.

تمييز المؤرخين بين الأميرة والعبد المهمّش

وبعد هذه الرحلة الطويلة من العداء الشديد، فتح رسول الله مكَّة، وأقبل أهلُها من كلِّ مكان يبايعون على الإسلام.

ومن بعيد جاءت هند وهي منتقبة متنكِّرة لا يعرفها، تريد أن تبايع كما يبايع الناس، ولما بدأت النساء تبايع، قال النبي لهن: “بَايِعْنَنِي عَلَى أَلاَّ تُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا”.

فقالت هند بنت عتبة وهي منتقبة، والرسول لا يعرفها: “والله إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال”؛ أي إن هناك تفصيلات كثيرة للنساء، والرجال قد بايعوا بيعة واحدة، لكن الرسول لم يلتفت إلى اعتراضها، وأكمل: “وَلاَ تَسْرِقْنَ”.

فوقفت هند وقالت: “يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني، ويكفي بَنِيّ، فهل عليَّ من حرجٍ إذا أخذت من ماله بغير علمه؟”.

فقال النبي: “خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ”، ثم انتبه  إلى أن هذه التي تتكلم هي هند بنت عتبة زوج أبي سفيان.

فقال (ص): “وَإِنَّكَ لَهُنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ؟”، قالت: نعم، هند بنت عتبة، فاعفُ عمَّا سلف، عفا الله عنك.

قال رسول الله:” وَلا تَزْنِينَ”.

فقالت: يا رسول الله، وهل تزني الحرة؟!

فقال النبي “وَلا تَقْتُلْنَ أَوْلاَدَكُنَّ”، فقالت هند: “قد ربيناهم صغارًا، وقتلتهم كبارًا، هل تركت لنا ولدًا إلا قتلته يوم بدر؟! أنت قتلت آباءهم يوم بدر، وتوصينا الآن بأولادهم”، فتبَسَّم النبي ولم يقل شيئًا.

ثم قال :”وَلا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيِدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ”، فقالت هند: والله إن إتيان البهتان لقبيح.

فقال النبي: “وَلا تَعْصِينَنِي فِي مَعْرُوفٍ”.

فقالت هند: “والله ما جلسنا هنا وفي أنفسنا أن نعصيك في معروف”، هنا ندرك أن عفو النبي عن هند كان عفوًا نهائيًّا كما هو معروف عن خلقه الكريم النزيه، وهو الذي قال (ص): “الإسلام يجبّ ما قبله”، أي يمحو الذنوب التي فعلها الإنسان قبل إسلامه.

ونلاحظ أن هندًا لم يدخل الإسلام في قلبها في تلك البيعة، بدليل أنها ذكّرت النبي بالقتلى من أهلها، وقالت له صراحة: “هل تركت لنا ولدًا إلا قتلته يوم بدر؟! أنت قتلت آباءهم يوم بدر، وتوصينا الآن بأولادهم”.

وفي نفس الوقت لم تذكر ولم يذكّرها النبي بما فعلته بكبد حمزة، وصارت هند من الطلقاء مثل زوجها وابنها معاوية، وعندما كتب المؤرخون كتبهم قالوا إنها أسلمت وحسن إسلامها، فهي أم الخليفة معاوية، الذي كُتب التاريخ أولًا بأمره وأمر من جاء بعده.

جريمة العبد وحشي

أما وحشي فقد ظلمته كتب التاريخ وادّعت أن النبي قبل إسلامه ولم يتقبل رؤيته أو تقزز منها، رغم أن وحشيًّا عندما قتل حمزة لم يكن يملك نفسه ولا حريته ولا قراره.

نفّذ القتل بتحريض الأميرة البرجوازية وطمعًا في الحرية والمال، ثم يحاول المؤرخون تبرئتها من تهمة التحريض، بل يروي بعضهم أن المحرض كان “مطعم بن عدي”؛ وهو مالك “وحشي”، وكله لإبعاد الشبهات عن القتلة الحقيقيين، كما حدث بعدها مآسي وتشويهات عبر تاريخ المسلمين طوال أعمارهم.

قال وحشي كما أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، والبيهقي في الدلائل، والطبري في تاريخه: “لما قَدِمْتُ مكَّة أُعْتِقْتُ حسب الوَعْد، ثمَّ أقَمْتُ بها حتى دخلها النبي عليه الصلاة والسلام يوم الفتح، فهَرَبْتُ منها إلى الطائِف.

فلما خرج وفْدُ الطائف إلى النبي عليه وآله الصلاة والسلام لِيُسْلم ضاقَتْ عَلَيَّ المذاهب، وقُلْتُ: ألْحُق بالشام أو اليمن أو سِواهما، فوالله لأني في ذلك من هَمِّي وحُزْني إذْ قال لي رَجُلٌ: وَيْحَكَ إنَّ رسول الله لا يقْتُلُ أحدًا من الناس يدْخُلُ في دينه، فَخَرَجْتُ حتى قَدِمْتُ على النبي في المدينة فلم يرني إلا قائِمًا أمامه أشْهَدُ شهادة الحقِّ، أشْهد أنْ لا إله إلا الله، وأشْهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، فلما رآني النبي، قال: أَوَحْشِيٌّ أنت؟! قلتُ نعم، يا رسول الله!

فقال: حَدِّثْني كيف قَتَلْتَ حمزة؟ فَحَدَّثْتُهُ فلما فَرَغْتُ من حديثي، قال: وَيْحك غَيِّبْ عني وَجْهَك، اللهم هذا قَسْمي فيما أمْلك، فأنا أملكُ أنْ أعْفُوَ عنه، ولكن لا أمْلكُ أنْ أراه! قتَلَ أحبَّ الناس إلى النبي، وهو أمر لم ينطبق على هند، (كما روى الرواة ووضع المؤرخون) التي لاكت الأكباد وقطعت الأذان والرؤوس.

قال وحشي: فَكُنْتُ أتنكَّبُ طريق رسول الله حيثُ كان، أيْ لا أُواجِهُهُ حتى لا يراني حتى قبضه الله إليه قال: فلما خرجَ المُسلمون إلى مُسَيْلَمة الكَذاب صاحِبِ اليمامة خَرَجْتُ معهم وأخذْتُ حَرْبتي التي قَتَلْتُ بها حمزة، فلما الْتقى الناسُ رأيـْتُ مُسَيْلمة الكذاب قائِمًا في يده السَّيْف وتهيَّأتُ له، وهَزَزْتُ حَرْبتي حتى إذا رَضيتُ منها دَفَعْتُها عليه فَوَقَعَتْ فيه، فإنْ كُنْتُ قد قتلْتُ خير الناس بحربتي هذه، وهو حَمْزة، فإني لأرْجو اللهَ أنْ يغفر لي إذْ قَتَلْتُ بها شرَّ الناس مُسيْلَمَة”.

طبعًا لا نصدق أن النبي كان يتقزز من رؤية وحشي المسكين.

والنبي سمح عفو خاصة أمام الضعفاء من الناس، وهو من أكثر الضعفاء قدرًا ومسيرة، حيث لم تحرره هند، والنبي (ص) هو الذي حرره، وأكاد أحزن إذا تخيلنا فرار حمزة من طرق النبي، والنبي الأعظم معصوم لا يأخذ الناس إلا بعفوه وتسامحه، مع المحرض على الجريمة (هند)، والمنفذ للجريمة (وحشي).

إنصاف وحشي

نحن نصدق رواية أخرى غير مشهورة في نفس الكتب تقول: قال: “وحشي :… فقلت : يا رسول الله استغفر لي، فتفل رسول الله في الأرض ثلاثة، ودفع في صدري ثلاثة وقال: وحشي اخرج فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصد عن سبيل الله”.

ذلك ما نقتنع به، عفو النبي واستغفاره له، وقد فعل الخير عندما قتل مسيلمة.

وهند لم تفعل خيرًا في الإسلام حتى نتشكك في إسلامها، ومع ذلك ظلت سيرة الطبقية التاريخية كما دونها المؤرخون.

ويروون أن الذي أكرم “وحشي” في أواخر عمره عندما عاش في دمشق، هو معاوية بن أبي سفيان، أسكنه دارًا وأجرى له رزقًا، وهي مكافأة متأخرة لكنها مفهومة القصد والسلوك.

ولكنهم في المقابل رووا أن وحشيًّا كان مدمنًا للخمر، ومات وهو سكران.

والله أعلم، ونحن نعلم أن المهمشين دائمًا لهم الله، رغم أن الناس يبتعدون عنهم، وليست هي الصيغة البشرية المرجوة، التي جاء بها نبي الله (ص)، وما نفذه الإمام علي (ع) والأئمة من بعهده…

وحتى اليوم يرفض المسلمون الترضي على وحشي ولا يعتبروه من الصحابة العدول منهم وغير العدول، ولكنهم يترضون على هند ويعتبروها صحابية جليلة، كما يترضون على أبي سفيان، والعجب أن يكره المسلمون أبا سفيان ويقولون هو في الجنة، وفي المقابل يحبّون أبا طالب ثم يقولون هو في النار…

 



المقالات المرتبطة

تاريخ علم الكلام | الدرس الرابع عشر | كلام الإماميّة مدرسة الحلّة الكلاميّة

تبيّن في الدرس السابق أنّ الريّ كانت أفضل مكان لانتشار فكر الشيعة بعد أفول مدرسة بغداد، فمع دخول مجموعة من تلامذة بغداد إلى مدينة الريّ تهيّأت النواة الأوّليّة لتأسيس مدرسة كلاميّة

النور

ورد عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: “إن الله كان إذ لا كان فخلق الكان والمكان وخلق نور الأنوار

الفكر العربي الحديث والمعاصر |حسين مروة وقضية المنهج الأسس والتطبيقات

قدّم حسين مروة قراءة نقدية للدراسات التي عملت على التراث العربيّ الإسلاميّ، واعتبرها لا تلبي احتياجات النهوض الحضاري، لأنّها لم تتوفر على أسس تاريخية مما أفقدها قدرتها التغييرية وأبقاها تعيد إنتاج الماضي

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<