المسلمون في الهند بين التهديدات والتأثير (5) التحديات

المسلمون في الهند بين التهديدات والتأثير (5)  التحديات

تهتم أكثر التحديات بالحديث عن جوانب الاحتكاك الفكري بين المسلمين والهندوس. ولا ريب أن التواصل العلمي بين المجتمعين الدينيين كان يلعب دورًا تاريخيًّا للتفاهم، يحسّن العلاقات متسامحة. 

1 . عدم وجود تصور موحّد للدين في الديانات الهندوسية، بل تتميز بوجود مفاهيم متعددة حول الإلــــه والروح والوحي وغيرها من القضايا الدينية، ولا يفيد مناخَ تعدد الديانات تكييفُ موقف واحد يُعنى بكافة هذه الديانات ككل لا يتجزأ. فيجب على دارسي الأديان من المسلمين لمعالجة هذا التحدي أن يكوّنوا تصورًا خاصًّا بكل فريق من الفرق الهندوسية بما يُراعي مفهومه المستقل. ومما يستلزم توجيه العناية أن يتمكّن دارسو الأديان المسلمون من كسب الدراية العميقة بالخلافات البينية والتناقضات الداخلية بين الديانات الهندوسية، مما يسهّل مهمة صياغة ردود إسلامية دقيقة تخص موضوعاتها الدينية. ويشتهر النزاع العقدي مثلًا بين السيفية والوايشناوية، و”وبين يدانتا” والبوذية، وبين “فوروا ميمامسا” والبوذية.

ويظهر هذا الخلاف العقدي جليًّا بين ديانتي البراهمانية و”أتويدا ويدانتا”، وهما صادرتان عن كتاب واحد هو “ويدا”. وليس “ويدا” نفسه وحيًا موحّدًا متماسكًا، وينقسم إلى شقين مختلفين: واحد يركز على الأعمال والشعائر وتنبثق عنه البراهمانية، وآخر يتمحور على المعرفة العليا وتتمخض عنه ديانة “ويدانتا” التي تعتبر ديانة الشعائر والعبادة ناجمة عن المعرفة السافلة أو الجهل “أويديا”. وتنظر ديانة المعرفة العليا إلى تصور الجنة عند البراهمانية نظرة ناقصة، كونه مترتبًا على المعرفة الدنيا، وليست الجنة مأوى ثواب أخير ينهي تناسخ الروح من جسد إلى جسد إلّا أنها مرحلة مؤقتة تتلوها الولادات القادمة؛ إذ تعتقد ديانة “ويدانتا” بأن الظفر بالسعادة النهائية عن نيل الخلاص، الذي تنقطع معه الولادات اللاحقة[2].

وتنتقد الديانة البراهمانية نفسها قائلة بأنها ديانة آرية أصيلة ذات عبادة المظاهر الطبيعية، فسدت بانتحال أفكار دخيلة فيها من ديانات التصوف أو الحب الإلهي العاطفي لأعدائها الدراويديين[3]. وتأسست البوذية أصلًا على نفي فكرة الروح “أتمان” لديانة “ويدانتا”[4]، ولا تزال تنكر البوذية شعيرة القربان بالقول بأنها باطلة وقاسية تخالف الشفقة البوذية على جميع الخلائق[5]، ونظام الطبقات لـ”فوروا ميمامسا” باسم الواجب الخلقي المتفرع عن القانون الطبيعي “دارما”[6]، ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى التنافس التاريخي، الذي تحول أحيانًا  إلى صراع ديني بين السيفية والوايشناوية، ويبدو جليًّا في علامات مختلفة يضعها أتباع هاتين الدياناتين على الجبين. وتمت إزاحة الوايشناوية على أيدي الملوك السيفيين أينما انتصروا أرضًا وايشناوية[7].

ووقع كثير من المثقفين المسلمين في سوء فهم “باكتي” الحب الإلهي الوايشناوي، واتخذوه علاقة حب بين الخادم والسيد فقط كما خدم “هانومان” قائد جيش القرود سيده الإله “راما”. وهذا المفهوم الغالب بلا ريب محسوب على المصلح الوايشناوي “راما ناندي” وطائفته، غير أن هناك معنًى ظاهرًا لهذا الحب يشير إلى الحب البشري بين العاشق والعاشقة، وتؤكد عليه الفرقة الوايشناوية “كاوديا”[8]. والأخطر من ذلك ما أوّلته فرقة “ساهاجيا” من أن هذه العلاقة علاقة اتصال جنسي مقدس[9]، وقوبل هذا التأويل بمعارضة شديدة من قبل “الوايشناوية “كاودييا”، ووصفته بأنه بذيء سافل يستفز اتجاه التصوف العاطفي[10].

وينبغي على الدعاة المشتغلين في بلاد الهندوسية أن يعوا بهذه الاختلافات الدينية والانتقادات البينية بين الطوائف الهندوسية وعيًا شافيًا يساعد على إقامة حوار مؤثر يتميز بالحكمة مع أي فرقة منهما، اقتداء بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (سورة النحل، الآية 125). فيدرج عدم الإلمام بهذه التباينات العقدية على قائمة التحديات التي تجعل الطرف الإسلامي المحاور ناقصًا للتحضير، وفاقدًا للحكمة.

ومن نقاط الضعف الهندوسي العقدي أن الإله الأعلى كان عاجزًا عن السيطرة الشيطان “رواوانا”، كما أشرنا سابقًا. ويبدو أيضًا وَهْنًا عقديًّا ظاهرًا أن آلهة الدرجة الثانوية غير قادرة على الهروب من الولادات اللاحقة والمتكررة  التي هي لب المعاناة الدنيوية، وكأنهم ضعفاء يستحيل أن يتفادوا دائرة الميلاد التالي، الذي يتسبب في تواصل الألم بالعالم[11].

ومما يتطلب حكمة المحاور المسلم أن يتيقظ إلى جوانب الضعف والقوة العقديين في الأديان الأخرى بما فيها الهندوسية حتى يكون عرضه في طاولة الحوار مؤثرًا، وتقديمه للإسلام جذّابًا. 

2 . عدم معرفة اللغة الدينية الخاصة بالديانات الهندوسية. ويستمر عجز المسلمين في هذا المجال تحدّيًا عظيمًا ينتج إلمامًا سطحيًّا يُفقد التعمق في عقائد وشعائر هذه الديانات مما يقود المسلمين إلى تبني مواقف ناقصة وأحيانًا خاطئة. ويجب أن تحظى جهود الجامعات الغربية بتقدير الدارسين المسلمين من أجل أعمالها العلمية بهذا الصدد بعد أن يقضي باحثوها سنوات عديدة في تعلم اللغات الهندوسية الأصيلة مثل السنسكريتية أو الهندية أو التاميلية[12]، ويقدموا بحوثًا ثمينة توفر المعرفة المباشرة بالقضايا الدينية الهندوسية كما صدرت دراسات قيّمة لا نظير لها في تاريخ الطوائف الهندوسية على يدي أبي الريحان البيروني، إلّا أن هناك إشكاليات منهجية غربية تمس الحياد البحثي، ويفضي العدول عنها إلى غض النظر عن الموضوعية البحثية مثل المنهج المتأثر بالاستشراق، والذي كدّس الفرق متناقضة المحتويات ومتباينة الآلهة ومتضاربة التقاليد قلبًا وقالبًا، ووضعها باسم واحد ديانة واحدة هي الهندوسية. ويلتزم بعض علماء مقارنة الأديان في الغرب بهذا الرأي بعد أن أشار المستشرق الشهير إدوارد سعيد إلى معضلة البناء الفكري الاستشراقي، الذي لم يترجم شأنه واقعًا حقيقيًّا لدول آسيا، بل وخدم مصالح الاستعمار الغربي ووجهات نظره[13]. ولا ينكر أي عارف بمقارنة الأديان تأثر الكتابات العربية الحديثة في الهندوسية بالتناول الغربي للأفكار الهندوسية ونقل المؤلفين العرب بهذا الفهم الثانوي فيها. وهذا ما يبدو جليًّا في مؤلفات الأستاذ الكبير أحمد شلبي، وقد رسم نفس الإحاطة الاستشراقية بالهندوسية كأنها ديانة واحدة[14]. ولكن الوضع الحقيقي أن هناك ديانات عديدة يمكن أن يشترك فيها موضوعان فقط: تناسخ الأرواح[15]، والتقشف أو الزهد بشكليه العالي والسافل[16]. ويعود أصل الأخير إلى الرهبة المنبوذين الذين استقروا بجوار منصة إحراق الجثث وصدرت عنهم أدبيات “تانترا”[17]، وتأثرت بها الديانات السيفية والوايشناوية والشاكتية. وتعدها البراهمانية مبتدعة[18]، وتتبع حتى الآن التقشف العالي للطبقات العالية التي يتميز عضوها باللجوء إلى الغابات باسم “وانا فيراسادا” في آخر مراحل حياته[19].  

  • . عدم المعرفة الجلية الدقيقة بتفاصيل الديانة الخاصة والبيئة المنبثقة عن عقائدها. ولا يفيد الحديث عن الإله إلى قوم يؤمن بالإلهة وينفي الإله. وقد شهد التاريخ أن إلهة الديانة الشاكتية متعطشة لشرب دماء الإنسان، وتروي عطشها مائة سنة بتناول دماء النمر فضلًا عن إشباع ظمئها ألف سنة بشرب دماء البشر[20]. وتعتقد الديانة الشاكتية على سبيل المثال بالإلهة وتقديم الدم والخمر لها وممارسة الاتصال الجنسي المقدس[21]. ولا تقدر ردود المسلمين على قضايا الديانة الوايشنوية التي تتمحور حول “باكتي” الحب الإلهي على مخاطبة عقول أتباع الشاكتية. ويجمل بنا أن نلفت الأنظار إلى المصطلح “الهندوسية” ولم يخرج من أهل الدين أنفسهم، وليس في الهند أي فهم أهلي للديانة الموحدة قبل القرن التاسع عشر، ويؤدي البحث في أي فترة سابقة له إلى نفي دعوى الديانة الواحدة، بل هو مصطلح صاغه المثقفون الغرب والإرساليات المسيحية[22]. كما أنه إداري عرّفه البريطانيون واستغله الهندوس لغرض تمييز أتباع الدينين الإسلامي والمسيحي من أصحاب الديانات الأصلية الهندية في القرن التاسع عشر الميلادي[23]. ولم يستعمل المسلمون مصطلحًا موحدًا تجمع ديانات الهند. وكانوا مدققين في تسميتها وأطلق البيروني عليها: “ما للهند” في القرن الحادي عشر الميلادي، مشيرًا إلى ما كان يسود من فروق عقدية شاسعة بين هذه الديانات. وسماها ذو الفخار مفيد في القرن السابع عشر الميلادي بـ”دابستاني – مذاهب”، وقد ترجم هذا الكتاب إلى الإنجليزية، ملمحًا إلى الطوائف الدينية المستقلة، ويناقشها في هذا الكتاب جماعة تلو جماعة[24].
  • . عدم اطلاع المسلمين على التوجه الإصلاحي والنقد الداخلي بين المثقفين والمصلحين الهندوس في العصر الحديث. ويظهر الخوض في دراسة الفكر الهندوسي الحديث جوانب هامة للنقد الداخلي للقضايا الدينية الهندوسية، تسلط الضوء على أزمة فكرية تنتاب صفوف الهندوسية. ويرون أنها تشكل عراقيل تمنع الأمة الهندوسية من التقدم والصحوة، وتتسبب في تماديها في التخلف والركود. وتحجر على الهندوسية النهوض بها ديانة تقوم على الروحانية والأخلاق أعظم من الإسلام والمسيحية أو منافسة لهما[25].

ويتمثل ذلك في آراء إصلاحية للمصلح الهندوسي العظيم “رام موهان روي” (1772-1833م)، الذي أكد على تأسيس طائفة جديدة، بل وقصده بحركته “براهمو ساماج” أن يطهر الديانة القديمة من التراكمات اللاحقة غير المرغوب فيها[26]، ودعا فيها المجتمع الهندوسي إلى التشبث بالعقل والأخلاق. ورأى أنه ليس من العقل أن يلتجئ الهندوس إلى الإيمان بـ”كارما” وتناسخ الأرواح، وهما حجر الزاوية الذي تنبني عليه العقائد الهندوسية. وأهاب بترك عبادة الأصنام والأيقونات وهي منافية للعقل، وأنكر الطهارة الشعائرية التي تنجس الطبقات السافلة، ونادى الهندوس بالرجوع إلى “أوبانشاد” الجزء الأخير من “ويدا”، والذي يركّز على الإله الواحد[27].

وآخر أنكر عبادة الأوثان التي رأى الفيران تُلوثها، وهجر تقديسها هو “ديانانتا سارارسواتي” (1824-1883م)، ويضاف إلى قائمة المصلحين الكبار في العصر الحديث. ودعا إلى العودة إلى الصورة النقية للديانة الويدية التي ركّزت على إله واحد مجرد خالد عالم بكل شيء. وأراد الهندوس أن يرجعوا إلى الشرع الأبدي والأزلي “سانادانا دارما”؛ لأنهم انحرفوا عنه بعبادة الأيقونات والتجسدات، وبالحج لأماكن مقدسة، وتقديس القصص والإيمان بالملحمتين “رامايانا”، و”ماهاباراتا”، والاعتقاد بكتب “برانا” التي تمتلئ بالأساطير[28].

وقال: إن المسيحية ليست فقط ديانة باطلة، بل وكل ما أضيف إلى الهندوسية بعد تقنين كتب “ويدا” المقدسة ضلال. وقام أمام الرهبة جاهرًا بأن “تيلاك” العلامة التي وضعوها على الجبين دلالة على طائفتهم، وأن الاستحمام المقدس في النهر ليس لهما أي قيمة دينية. وأعلن أمام الحجاج الوايشنويين عن أن وحيهم كتاب “باكاواتام” المقدّس باطل وغير أخلاقي، إذ يعدّه الوايشناويون وحيًا أصيلًا وتكون أسفار “ويدا” تابعة له[29].

ويستفاد من هذه التوجهات النقدية بروز الإحساس المُلح بضرورة الإصلاح الديني الهندوسي لدى العقلاء والحكماء الهندوس الكبار. وتتفق آراءهم والإسلام. وينبغي على دارسي الأديان المسلمين أن يكترثوا بهذه المواقف الصائبة التي تخدم بلا شك الدعوة الإسلامية لكي يصوغوا خريطة الاحتكاك العلمي المنشودة بالهندوس.    

  • . هناك ظاهرة جديدة في بلاد الأقليات المسلمة هي تأليف أدبيات إسلامية من قبل غير المسلمين مستفيدين من ترجمات القرآن مباشرة. يسيء بقراءة هذه الكتب غير المسلمين فهم أساسيات الإسلام التي تنتج من شخصيات لا يعرفون علومًا إسلامية تقليدية، ويصرون على أجنداتهم وبرامجهم المبيتة لإنجاح أهداف تشويه الإسلام. ويتمثل هذا جليًّا في مواقف العلّامة “ويويكاناندا”، الذي لُقّب بنبي التعددية الدينية، وداعية التسامح مع الآخرين. وقال: إن الدين المحمدي يجيز قتل جميع من لا يتبعونه. وأضاف أيضًا أن القرآن ذكر بوضوح آية “اقتل الكفار إذا لم يصبحوا محمديين، ويجب أن يكونوا ضحايا للنار أو السيف”. ويستنبط “ويويكاناندا” هذا الرأي من قراءته المباشرة لآيات تتحدث عن الكفر والكافر دون فهم مناسبات نزولها[30].

وممن يشار إليه بكتاباته عن الإسلام المؤلف الهندوسي “تيواري”، الذي جمع آيات الكفر وقرأها، وانتهى إلى أن القرآن يأمر بإيذاء وقتل غير المسلمين، ومن يهرب من هذه العقوبة يرميهم الله في نار جهنم سواء أكانوا أعضاء من أهل الكتاب أو وثنيين بعد موتهم[31]. وقد أسيء كذلك فهم آيات القتال نتيجة الأخذ المباشر من ترجمة القرآن. وتضر مثل هذه الاتجاهات الخاطئة التي تصور المسلمين فاقدي التسامح ومتعطشي الدماء، وتخلق جوًّا مليئًا بالخوف والريب للتعايش السلمي بين الأقليات المسلمة والهندوس.

  • . تشكل اختلافات العلماء المسلمين في مواقفهم العقدية خطرًا هائلًا يخلق خلطًا ولَبسًا في فهم أركان الإسلام لدى أوساط المسلمين وغير المسلمين. ويجدر هنا ذكر الاختلافات العقدية بين الخريجين من الجامعات السعودية، وخريجي جامعات مصر. وقد أثّر سلبًا – للأسف الشديد- على الأقليات المسلمة مؤتمر الشيشان في أغسطس عام 2016، الذي حدّد تعريف أهل السنة والجماعة، وأخرج من نطاقه بعض المدارس الفكرية التقليدية لأهل السنة والجماعة. وقد أصبح العدول عن تطبيق مصطلحات التكفير والبدعة على المسلمين الآخرين المختلفين فكريًّا ضرورة دعوية تزيد ديننا الحنيف جاذبية.
  • . تأثير أحداث العالم العربي والإسلامي مثل ظهور داعش وطالبان على بلاد غير المسلمين. وينعتون الأقليات المسلمة والإسلام فيها بالإرهاب حقدًا وحسدًا.
  • . تدريس الإسلام في معاهد دينية لغير المسلمين في طريقة تخدم أغراضهم الدينية والسعي الحثيث إلى نشر الإسلام المفبرك المصنوع من قبلهم في أوساط المسلمين البسطاء.
  • . تلقي غير المسلمين المعرفة بالإسلام الناشئة عن تأليفات المثقفين الغربيين وبالخصوص من المستشرقين، مما أسفر عن سوء فهم الهندوس للإسلام. وهذا مما يضطر المسلمين عاجلًا على تدوين الكتب الإسلامية باللغات غير العربية مثل الإنجليزية، وباللغات المحلية لغرض مخاطبة العقول الهندوسية التي تعلم غالبًا الصورة المشوهة للإسلام وهي مستوردة من المؤسسات العلمية الغربية. وهنا واقع آخر لا مفر منه أن يروج أساتذة مقارنة الأديان الجامعيون الهندوس الذين تخرجوا من الجامعات الغربية للمنهج الغربي في هذا المجال وهم يدرسون الإسلام من المنظور الغربي كجزء من الأديان الأخرى. ولا يمكن أن يتجنبوا مناهج غربية، منها ما حمله “إيريك جي. شارب” (1933-2000م) أحد جهابذة مقارنة الأديان الغربيين في القرن الماضي من المطالبة بالتنازل عن جزء من عقيدتك كشرط أن تدرس ديانات غيرك[32]. ويتطبع بهذا الموقف معظم غير المسلمين الخبراء بتخصص مقارنة الأديان في العصر الحديث؛ وهو علم من المنتجات الفكرية للتفوق الحضاري الغربي كما يزعمه الغرب. ولا يحظى هذا الشرط باحتفاء المجتمع المسلم ولو صدر من الأوساط الغربية أو أي منطقة أخرى، نظرًا لأن يقتني تناولًا قرآنيًّا وتعاملًا نبويًّا للأديان.
  • . تبني المجتمعات الهندوسية وجهة النظر الغربية التي تشوه تاريخ المسلمين وعلاقتهم مع غيرهم، وقد تطورت لديها نظرة عدائية ضد المسلمين تنم عن اعتقادها بالموقف الغربي من أن المسلمين كانوا السبب الوحيد لتدمير معابدها وثقافتها وحضارتها.

ختام … التوصيات

هذه بعض توصيات الدراسة:

  • يجب إغلاق مجال الترجمة المباشرة للقرآن الكريم، والإسهام في كتابة مؤلفات مستقلة تتحدث عن موضوعات عقدية في الإسلام، مثل مفهوم الإلـــــه في الإسلام، أو الوحي في الإسلام، أو موقف الإسلام في الروح، إلى آخره. والبحث عن أقرب الفرق الهندوسية قلبًا وقالبًا إلى العقائد الإسلامية، وبدء الحوار الديني معها أولًا.
  • تشجيع الجماعات الإسلامية على نبذ نزاعاتهم العقدية، وتقديم مواقف توافقية من العقائد الإسلامية إلى غير المسلمين، وترشيد البيت العلمي الداخلي حتى تخرج منه رسالة إسلامية موحدة خالية من الطابع الافتراقي، لتخاطب قضايا عقدية معينة للديانات الأخرى بعد دراستها المرجوة ومناقشتها في مجالس علماء الأقليات المسلمة.
  • تحفيز علماء المسلمين المتواجدين في منطقة الديانة المعينة على دراسة قضاياها العقدية الخاصة، وصياغة الأجوبة والردود لتكون ملائمة لقضايا أتباعها؛ لأن الردود العامة للهندوسية العامة لا تقدر على مخاطبة العقول الطائفية في بلاد الهندوسية، ويجب أن تخص الأجوبة على جماعة منفردة وقضاياها العقدية على حدة.
  • حمل دارسي مقارنة الأديان على تعلم لغات الديانات الأخرى ليكونوا مدققين في بناء رد صحيح على قضايا عقدية لهذه الديانات، على غرار الخبراء الغربيين المنحدرين من جامعتي “أوكسفورد” و”هافارد” في مقارنة الأديان، وذلك تفاديًا للغرق في السطحيات، والفهم الثانوي لقضايا الديانات الأخرى.
  • توخي أسلوب البحث في دراسة عقائد هذه الديانات مع تجنب أسلوب الفتوى حتى لا يهرب أتباع هذه الديانات من سماع المواقف الإسلامية. وينبغي كذلك على المسلمين العناية بجذب العلماء والأكادميين والباحثين من غير المسلمين إلى الفكر العقدي الإسلامي، وتستحيل هذه المهمة إلا بإصدار بحوث عميقة تقارن قضايا عقدية بين الإسلام والديانات الأخرى مقارنة تتسم بالطابع العلمي العالي، ولا تنفع هنا كتيبات مترجمة تخاطب البسطاء.
  • الحذر من ظهور دين جديد مُشوّه باسم الإسلام يمتزج مع المعتقدات الهندوسية كنموذج ل”دين ـ إلهى” للملك أكبر، ويخدم أغراضًا سياسية مبيّتة تستميت التيارات العنصرية بتحقيقها بصرف نظر المسلمين عن مناشدة حقوقهم الخاصة بالدين مثل قانون الأحوال الشخصية. ويضاف إلى هذا الاحتراز عدم التسليم بصورة الهندوسية المحرفة الناشئة عن المستشرقين. وتناول واقع هذه الديانة المحلي كما هو متواجد في أراضيها بالدراسة العميقة والموضوعية البحثية لكي لا يقع المنظور الإسلامي اتجاه قضايا كل فرقة منها في مستنقع المشاحّة والغموض.
  • رصد المستجدات المنهجية في علم الأديان أو مقارنة الأديان سواء أكانت من الغرب أو غيرهم لكي يستفيد الباحثون المسلمون من خيرها، ويُحفظ طلاب دراسة الأديان من اقتفاء آثار شرها. ويعين تتبع تطورات علمية في مقارنة الأديان الغربية على بلورة الموقف الإسلامي من اتجاهات مقارنة الأديان الجديدة مما يساعد تلاميذ الدراسة الجامعية من الأقليات المسلمة على النأي بأنفسهم عن استنساخ الأفكار الغربية في هذا التخصص. ويجب أن تقوم وجهات النظر الإسلامية بهذا الصدد على الموضوعية والعمق متمثلين في البحوث الجامعية كرسائل الدكتوراه.
  • الحث على المنظمات الخيرية الإسلامية أن توجه ثرواتهم إلى تعليم أبناء الأقليات المسلمة تعليمًا منشودًا يراعي ظروفهم المحفوفة بالتحديات العقدية ويحفظهم من تأثيرات عقائد الديانات الأخرى بدلًا من تكديس أموالها لمشروعات البنى التحتية مثل الآبار، ومما يُحزننا عدم حرص المنظمات الخيرية وبالخصوص العربية على المشروعات التعليمية والبحثية المنبثقة عن علماء الأقليات المسلمة المحليين الذين يحق لهم فقط أن يقدموا مقترحات تعليمية وبحثية تهتم بتحديات التعايش، وتُعنى بطرق حفظ عقائد أفراد مجتمعهم من الأزمات الفكرية الدينية المنبعثة من الديانات الأخرى. ومن الحاجات الماسة للأقليات المسلمة أن تدعم الدول الإسلامية جامعات ومعاهد محلية للأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين. ويتحتم على الدول المسلمة توفير المنح الدراسية لأبناء الأقليات الإسلامية المؤهلين في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، والسماح لهم بكتابة رسائل علمية تقارن موضوعات عقدية بين الإسلام والديانات الأخرى.
  • توفير فرص الحوار الديني والاحتكاك العلمي بين علماء الأغلبية الدينية غير الإسلامية وعلماء المسلمين للأقليات المسلمة، وكل من الطائفتين منتمية إلى بلاد واحدة، ويمكن إتاحتها في مؤتمرات وندوات مراكز المسلمين العالمية للحوار الديني مثل مركز الملك عبد الله للحوار بين الثقافات والأديان المختلفة في “ويانّا”، ومؤسسة “إقبال” للبحوث والحوار في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد، ومنتدى الدوحة للحوار الديني. وبعث دعاة وافدين من العالم العربي والإسلامي يزورون بلاد الأقليات المسلمة للاحتكاك العلمي الديني بالأغلبية غير المسلمة، إذا لم يعرفوا ديانات تلك الدول وقضاياها. وهؤلاء دعاة غير أكفاء يُحتمل أن تزعج آراءهم بيئة التعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم فيها. وإظهار الجوانب الإيجابية من صفحات علاقات المسلمين مع الهندوس وغيرهم، وبلورة جوانب التعايش السلمي وإبراز دور المسلمين في استقلال هذه الدول من الاستعمار.
  • وختامًا، تدعو الأوضاع الراهنة والبيئة الحالية في بلاد الهندوسية إلى تقوية مقومات الأقلية المسلمة الفكرية الإسلامية للحيلولة دون الانصهار في خضم التأثير الفكري، كونها واضحة بيّنة يقدر بها المسلمون على حفظ أسسهم الدينية والإدراك المنشود بمجهول ينتظرهم، والقيام بالإجراءات اللازمة للمضي قدمًا نحو مستقبل أفضل. وتقتضي الظروف الحساسة التي يمكن أن يؤجج فيها أي خطأ من قبل المسلمين ولو كان تافهًا توترات خطيرة بالامتناع عن اقتراف أي مكروه يضر بالتعايش السلمي. ويجب عليهم أن يعززوا خطوات بنّاءة تسهم بالتفاهم والتعاون في القضايا المشتركة. وبالنسبة للاحتكاك العلمي يكون وعي المسلمين بما اعترى ويظل يعتري الفكر الهندوسي من تطورات هائلة وبالخصوص بعد دراسات غربية ثرية للهندوسية لا ترتقي أعمال الهندوس أنفسهم إلى حجمها وتنوعها، أكثر أهمية من تمنيات أن يعرف الهندوس الإسلام ومحتوياته؛ لأن طريقة تناول المسلمين للقضايا الدينية الهندوسية يجب أن تكترث بالمستجدات العصرية وتعبأ بالعثور على أعمال أصحاب الإصلاح الحقيقي في العصر الحديث. ولا تتم هذه المهمة إلا بتواصل المستوى العالي بين عقلاء المجتمعين الدينيين، إما في مؤتمرات جامعية، وإما في حوارات مؤسسية، وإما في ندوات للبحث والمناقشة.

[1] محاضر بقسم مقارنة الأديان، كلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية العالمية، إسلام آباد بباكستان.

[2] Paul Duessen, Translater: Charles Johnston, The System of  Vedanta, p455.  مصدر سابق

[3] Gavin Flood, An Introduction to Hinduism, p-32. مصدر سابق

[4] Ananda Coomaraswamy, Buddha and the Gospel of  Buddhism, (London, George G Harrap and Company,1916), p203.    

[5] Stutely, Margarret ,Hinduism Eternal law: An Introduction to the Literature, Cosmology and Cults of Hindu Religion,p25.    

[6] Margret and James Stutley, A Dictionary of Hinduism, Its Mythology, Folklore and Development 1500 BC-!500AD, p76.   

[7] Monier Monier Williams, Brahmanism and Hinduism; or Religious Thought and Life in India, p66.  

[8] Gavin Flood, An Introduction to Hinduism, p146 . مصدر سابق

[9] Ibid-p-140. Gavin Flood, An Introduction to Hinduism مصدر سابق.

[10] O. B. L. Kapoor, The philosophy and Religion of Sri Caitanya, (New Delhi, Munshi Ram Manohar Lal Publisher Pvt.Ltd,1976), pp216-217.    

[11] Laws of Manu, Tra.by Georg Buhler, Sacred Books of the East, Ed. by Max Muller (New Delhi, Motilal Publishers,1989), xii:42-50, pp493-495.        

[12] Robert Caldwell, A Comparative aagrammer of The Dravidian or South Indian Family of  Languages,(London, Trubner & Co, Ludgate Hill,1875).   

 هذا الكتاب الموسوعي الذي ألفه الباحث الكبير القديس “روبرت كالدويل” (1814-1891م) المنتمي إلى “أيارلاندا” خير مثال للتأثير اللغوي الواقعي على الدين، وقد درس مؤلفه لغات مجتمعات دينية أخرى دراسة عميقة الأثر وفصلها عن الديانة البراهمانية للأغلبية الهندوسية. ويناقش أصل لغات قوم “دراويدا” بجنوب الهند وهي “تاميل” و”مالايالام” و”تيلونكو” و”كانّادام”. ويثبت أيضًا الاختلاف الكامل بينها وبين اللغة السنسكريتية وعدم نشأتها عن الديانة البراهمانية ولغتها الدينية السنسكريتية. وهي لغات مستقلة عن أصل درايودي مستقل. وقد خلف هذا البحث أثرًا لا نظير له، وكأنه مرجعية أصيلة لأرومة هذا العرق، إذ يلتزم مثقفو قوم “دراويدا” في إقليم “تاميل نادو” الهندي بأن البراهمانية أو الهندوسية ليست ديانتهم ولا تنحدر حضارتهم وثقافتهم عنها، ويرون أنها ديانة الغزاة الآريين.

[13] Klaus K. Klostermeir, A Short Introduction Buddhism, p12. مصدر سابق

[14] أحمد شلبي، مقارنة الأديان والاستشراق، القاهرة، مطبوعات معهد الدراسات الإسلامية، الصفحات 241-265.

[15] دين محمد، المسلمون الخريطة الدينية العالية المعاصرة، مصدر سابق، الصفحة 130.

[16] Gavin Flood, An Introduction to Hinduism, p148. مصدر سابق

[17] Ibid, p161. Gavin Flood, An Introduction to Hinduism مصدر سابق .

[18] Ibid,pp158-159. Gavin Flood, An Introduction to Hinduism مصدر سابق.

[19] Gualtherus H. Mees, Dharma and Society, p74. مصدر سابق

[20] Monier Monier Williams, Brahmanism and Hinduism; or Religious Thought and Life in India, p190.

[21] Gavin Flood, An Introduction to Hinduism, p189. مصدر سابق

[22] Andrew J. Nicholson, Unifying Hinduism Philosophy and Identity in Intellectual History,(Ranikhet, permanent Black,2011)pp196-197.   

[23] Klaus K. Klostermeir, A Short Introduction Hinduism, p13. مصدر سابق

[24] Hinduism During the Mughal of India of the 17th century, Translated by David shea and Anthony Throyer.   

[25] Gavin Flood, An Introduction to Hinduism, p251. مصدر سابق

[26] Stutely, Margarret ,Hinduism Eternal law: An Introduction to the Literature, Cosmology and Cults of Hindu Religion, p142.    

[27] Gavin Flood, An Introduction to Hinduism, pp 252-253. مصدر سابق

[28] Ibid, pp254-255 Gavin Flood, An Introduction to Hinduism  مصدر سابق.

[29] Klaus K. Klostermaier, A Short Introduction Hinduism, p141. مصدر سابق

[30] Shaikh Nikhat Mohammed Rashid, Hindu Perception of Islam in Modern Times, Ph. D Thesis, p 306.   

[31] Ibid, p308. Shaikh Nikhat Mohammed Rashid, Hindu Perception of Islam in Modern Timesمصدر سابق.

[32] Eric J. Sharpe, Comparative Religion: A History, (London,Duckworth,2009), p2.



المقالات المرتبطة

نظرية الفيض بين الفلسفة والدين

تمثّل نظرية الفيض واحدة من النظريات الأساسية في الفلسفة عمومًا، والفلسفة الإسلامية خصوصًا؛ ولذا فهي تستحق الوقوف عندها والتأمّل فيها

الفكر العربي الحديث والمعاصر | المنهج في فلسفة زكي نجيب محمود (3)

نظر زكي نجيب محمود إلى الفلسفة باعتبارها منهجًا، فهي ليست كما اعتاد الناس النظر إليها كموضوعات ترتبط بوقائع تشكل الميتافيزيقا ركنها الأساسي، بل كلّ قضيتها تنحصر في تحليل الكلام والبحث عن الروابط،

تاريخ علم الكلام | الدرس الثاني | كليّات (2) تعريف علم الكلام وتاريخ ظهوره

مرّ علم الكلام منذ أسئلته الأولى حتّى تشكّله كعلم مستقلّ بمسار تاريخي خاصّ. إنّ تبدّل مصطلح الكلام من المعنى اللغوي الى المعنى الاصطلاحي الجديد حصل عبر وضع تعيّنيّ.

لا يوجد تعليقات

أكتب تعليقًا
لا يوجد تعليقات! تستطيع أن تكون الأوّل في التعليق على هذا المقال!

أكتب تعليقًا

<