ارتبطت زيارة الأربعين في المخيال الشعبي والديني، والتقليد الشيعي بمظلومية مقتل سيدنا الحسين (ع) وحادثة استشهاده بأيدي طاغية زمانه يزيد بن معاوية سنة 61 ه، وتأصلت نظريًّا ودينيًّا انطلاقًا من مقولة الإمام الحسن العسكري الذي حصر الإيمان في خمس علامات ومن أهمها زيارة الأربعين بقوله: “عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ الْإِحْدَى وَالْخَمْسِينَ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ”.

 تكمن في زيارة الأربعين معاني روحية وعقائدية وقيمية يتجسد فيها معنى التطهير والتوبة وتزكية النفس والتقرب إلى الله ومنهج رسوله وآل بيته الأطهار، كما الارتباط بالمطلق المعنوي والقيم الإلهية السامية المتجردة من مكبلات الدنيا ومنغّصات الحياة، وكذا ترسيخ معانٍ فلسفية مفادها علوية قيم الحق والعدل في مواجهة جبروت القوة والشرّ والطغيان والظلم، وملخّصها أن الانتصار في مثل هذه المعركة الوجودية حتميّ لصالح الخلود القيمي والأخلاقي والمبدئي حتى وإن هُزم أصحاب هذا الطريق وسالكيه في لحظة زمنية محددة عسكريًّا، واعتبار أن خسارة معركة محددة لا تعني بالضرورة خسارة الحرب الوجودية،كما أن حدوث مأساة في التاريخ لا تعني بالضرورة استمرارها، بل يمكن تحويلها إلى فرصة للتخلص من أدوات القهر والاستعباد والظلم والطغيان.

ولزيارة الأربعين معاني اجتماعية وإنسانية تتجلى في ظواهر الضيافة والتكافل والتضامن والخدمة الطوعية، كما إقراء الضيف وتوفير السكن والأكل والراحة للزائر من دون مقابل أو مصلحة، وبدون النبش والتفتيش في انتمائه أو طبقته أو قوميته أو جنسيته، ويبذل زوار الأربعين الغالي والنفيس في هذا الأمر بإيثار وعطاء وسخاء كبير وبشكل تذوب فيه عوامل التمييز الطبقي أو التمايز  الاجتماعي والديني والهووي والحضاري، وتسود في الزيارة ثقافة السلام والأمان والتعايش الخالص والأمان المطلق، كما تَبرز المعاني الحضارية في زيارة الأربعين بالْتقاء الأديان والجنسيات والقوميات والحضارات من شتى بقاع الأرض دون تعالي أو تمييز عرقي أو مذهبي أو ديني أو قومي أو طائفي.

وبذلك يتجاوز الإنسان الذي يشارك في الزيارة الإطار الضيق لانتمائه لجماعة تاريخية وروحية تمتد من كربلاء إلى الحاضر، بل يُصار فيها إلى ترسيخ هوية حضارية قيمية منفتحة وسابحة عبر الزمان والمكان والمُثل لتُشكّل هوية منفتحة على الآخرين بشتى هوياتهم وأجناسهم وأديانهم وطوائفهم.

وحين الزيارة تتجسد وتترسخ قيم الحسين (ع) الخاصة بمباديء العدل والكرامة ونصرة المظلوم وعدم الخضوع للسائد الثقافي المنحرف، والمستبد السياسي القاهر، لتتجسد قيمًا إنسانية عامة يتبناها الجميع، وتستحق بذلك كل التضحية والاقتداء والاعتبار، وليس لأنها مجرد أدوات للتمايز بين الجماعات واحتكار هذه التقاليد والعادات والطقوس عند مجموعة بشرية أو دينية أو طائفية خاصة، وإنما لاختزانها لمعاني وقيم مُثلى أساسها الارتباط العمودي بين الأرض والسماء، والارتباط الأفقي بين جغرافيا الأوطان والبلدان، والارتباط الزمني الذي لا يفصل بين زمانها وزمن الشعوب والأمم، وذلك تمثّلًا واقتداءً والتزامًا يتوق لتغيير العالم نحو حضارة وَحْيَانِيّةٍ قيمية إنسانية مطلقة طبقًا للمقولة السائدة: “كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء”.

ومن وجهة نظري المتواضعة، فإن مسيرة زيارة الأربعين مثّلت لي :

 -1منعرجًا وجوديًّا حسم مسيرة البحث المضني حول -معنى فلسفة الحياة وقيم التضحية فيها.

– ومعنى الموت وفلسفة البقاء والخلود الحقيقي.

– ومسؤولية الكائن البشري إزاء هذا العالم المزدحم والمتناقض والساقط حضاريًّا وإنسانيًّا وقيميًّا.

 -2كما أظهرت لي زيارة الأربعين الحقيقة المطلقة التي تربط الجسد بالروح، والمادة بالقيمة المثالية الفضلى، حيث تَمَظْهر ذلك في عملية إخضاع الجسد للتعب والنصب حين السير وما يصاحبه من جوع وعطش وإنهاك جسدي كبير، في مقابل التطلع للقيمة والمعنى والقدوة والمَثَل، وذلك لبلوغ مقام ومكان يختزل كل القيم العظمى للوجود البشري، بغاية الوصول للمرتبة القصوى الكفيلة بالسمو بالإنسان والبلوغ به منزلة أولئك الأبرار الذين ضحّوا بالغالي والأهل والنفس والنفيس من أجل بقاء الفكرة وخلودها طبق المبدأ الذي رسّخه صاحب نظرية: “إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلَا بَطِرًا، وَلَا مُفْسِدًا وَلَا ظَالِمًا، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي مُحَمَّد (ع)، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسِيرُ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ…”

 -3وعمّقت زيارة الأربعين لديّ مفهومًا جديدًا للشهادة والاستشهاد التي كنت أحار بشأن فهمها حين أرى جماعات مقاومة لا تهمها الذات البشرية وحياة الإنسان الجسدية والمادية، ونراها تبذل النفس والجسد فداءً لفكرة وفلسفة مثالية خالدة، وقيمة رسالية ضاربة في التاريخ والحاضر، وتجسدت كأمثال حية في حزب الله بلبنان، وأنصار الله باليمن، ومجاميع المقاومة في العراق وأهل الفداء وقادته في إيران ومجاهدي القسام والجهاد.

 في غزة وهو ما اكتشفت كنهه الحقيقي ومعانيه وأبعاده وخلفياته انطلاقًا من تلك القيم الحسينية الضاربة في التاريخ، والمتمثلة من جديد في حاضرنا المعاصر بتمثلات بشرية حسينية معاشة واقعًا وحاضرًا.

 -4أدركت من خلال زيارة الأربعين أن التاريخ والأحداث الماضية لا يمكن نسيانها إذا اقترنت بالتضحية والفداء والبذل والعطاء، وخاصة إذا ارتبطت بفكرة عابرة للزمان والمكان، وإذا تبلورت في قيمة حضارية إنسانية فكرية وفلسفية متناغمة مع الرسالة العالمية المحمدية الإسلامية الخالدة، وأدركت أنه يمكن استدعاء الماضي بقصد تجديد الحاضر وانبعاثه من جديد كطائر الفينيق الذي يخرج من تحت الرماد، ويهدف إلى بناء فكرة يستطيع من خلالها وعلى مقتضاها اختراق الحاضر، وترسيخ مستقبل القيم والمبادئ الصرفة، كما التقدم والنماء والرخاء سواء بسواء وذلك انطلاقًا من تحمل المسؤولية الأخلاقية التاريخية والآنية وأعبائهما بنفس القدر ونفس الإرادة والعزيمة التائقة للتحرر والانعتاق.

فالزيارة توحي لكل الحاضرين والعاشقين برمزية رفض الظلم ومناهضة المستكبرين بدون نسيان أو تبرّم من تحمل المسؤولية الأخلاقية ماضيًا وحاضرًا.

 -5حين استدعيت رسميًّا لزيارة الأربعين من طرف العتبة الحسينية المقدسة كنت أعتقد في الأول أني سأزور وأمشي في مسيرة منتظمة ومحددة الوجهة لغاية بلوغ مقام سيدنا الحسين (ع) فقط، ولم يخطر ببالي أني سألتقي أممًا شتى وقوميات متعددة وأجناس مختلفة.

فعند وصولي إلى مدينة كربلاء المباركة وجدت ضيوفًا من ماليزيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وهولندا وفنلندا ورومانيا وجنوب أفريقيا وكندا وأذربيجان ومن التشيك وإيران، ومن كل البلدان العربية والإسلامية، وعلمت أن 172 جنسية قد مثّلوا الحاضرين في زيارة الأربعين لهذه السنة 2026، وقد فاق عدد الزائرين الأجانب 4 ملايين من جملة 22 مليون زائر تواجدوا في كربلاء المقدسة بين 1 أوت، و5 أوت) أغسطس) لسنة 2026، أي بين 15 صفر و20 صفر لسنة 1448 ه.

الغريب أني وجدت أشخاصًا مسيحيين لهم رتب دينية- قساوسة ورهبان- وعرضوا بحوثًا ورؤى ثقافية وفلسفية وفكرية بخصوص تقارب الحضارات وتسامح الأديان، كما بحوث تخصصت في إبراز رمزية سيدنا الحسين (ع)، وبهكذا معاينة أدركت أن سبط رسولنا وابن حيدر الكرار أضحى رمزًا أمميًّا مشاعًا عند كل الأمم والشعوب والمذاهب والطوائف والقوميات والأديان والجنسيات، وأضحى دمه نبراسًا للثورة والتحرر والانعتاق، كما التسامح والتعارف والتجميع انطلاقًا من رمزيته الثورية المناهضة للظلم، وكذا الإنسانية العابرة للزمن والتاريخ والجغرافيا والأمم.

وأضحت كربلاء في الوعي الجمعي الإنساني رمزًا للصراع بين الكرامة والاستبداد، وبين الحرية والاستعباد طبقًا لمقولة الإمام الشهيد: “هيهات منا الذلة”، بدلالتها الفلسفية والإنسانية والأخلاقية والوجودية، حيث بلغ إنسانٌ اصطفاه الله من طينة خالصة درجة يُفضّل فيها الكرامة والحرية والالتزام على حب الحياة والدنيا الزائلة، ويصدع بموقفه ضدّ الظلم والطغيان مهما كلفه من ضيم وظلم وعدوان، ويبذل من أجل ذلك دمه وروحه وحياته وأهله من دون ريبة أو خوف من انحسار فكره أو بتر نسله، وذلك إيمانًا منه أن هناك من سيحمل أفكاره وقيمه، ويخلد بعضًا من نسله وهي أخته زينب (ع) التي أكدت هذا المعنى حين واجهت يزيد بن معاوية بقولها:  “فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جُهْدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا…”.

وبذلك أضحت زيارة الأربعين عندي وعند خلق كثير من أحرار هذا العالم ذكرى ومذاكرة وتذكير بأن الحرية ليست مجرد حق سياسي، وإنما هي قيمة أخلاقية إنسانية حضارية ووجودية سامية. وأن الولاء للحسين البارزة في مسيرة الأربعين تعني في ما تعني الولاء والوفاء لمنظومة متكاملة من قيم العدل والإحسان والكرامة والحرية والفداء والثورة على الظلم والظالمين، ونصرة الحق ومناهضة المستبدين الفاسدين مهما كانت قوتهم وجبروتهم.

 -6تعلمت وفهمت من خلال زيارة الأربعين أن كربلاء الحسين قد تألقت عالميًّا وإنسانيًّا وحضاريًّا في مستوى العمل التطوعي والمجاني، حيث أنشأت العتبة الحسينية سنة 2021 مؤسسة وارث الدولية لعلاج الأورام السرطانية وهي أكبر مؤسسة استشفائية بالشرق الأوسط في اختصاص معالجة الأورام الخاصة باليافعين والأطفال، وتعتمد العلاج الكيميائي والمناعي والبيولوجي والهرموني، إضافة إلى العلاج الإشعاعي والجراحة وغيرها.

كما يوجد في المؤسسة مركزٌ للعلاج بالنظائر المشعة، وتتوفر به تقنيات مثل PET/CT والعلاج الإشعاعي الموضعي. . .(Brachytherapy)

والغريب في الأمر أن هذا المستشفى بضخامته واختصاصاته المتعددة، وكفاءاته الطبية الكبيرة، وحصوله على اعتماد JCI الدولي يقوم بكل أعماله العلاجية والجراحية والوقائية والاستشفائية بشكل مجاني وكلي وبدون مقابل لكافة المرضى الأطفال ما دون سن 15سنة، والقادمين من شتى أصقاع الدنيا وهي إضافة حضارية وإنسانية فريدة في العالم لا يوجد مثلها أو نظير لها فوق البسيطة، وهو ما يجعل روح الحسين الشهيد الحي ترياقًا ينبض في عروق الأطفال وأجسادهم التي تمت معالجة أمراضها مجانًا وبدون مقابل، كما غدت بلسمًا يعالج جراح الطفولة المكلومة، وبذلك استمر فيض عطائه مخترقًا حجب الأزمان والعصور والبلدان، ولم تعد زيارته لبث الأحزان فحسب، بل غدت فيضًا يبث الصحة والعافية والشفاء في أجساد الطفولة الواثبة، كما أضحت روحه الحية تسري بين الناس لتدخل الفرحة والأمان على العائلات الحائرة.

وكان لجامعة الزهراء للبنات في كربلاء إضافة نوعية في مجال التعليم المجاني؛ وهي جامعة أهلية غير ربحية معترف بها من وزارة التعليم العالي العراقية، وتضم أربعة كليات رئيسية، وهي: كلية الصيدلة، وكلية التقنيات الصحية والطبية، وكلية التربية، وكلية الهندسة وتكنولوجيا المعلومات، وتدرس البنات من كافة الجنسيات والدول والبلدان مجّانًا، وتساهم العتبة الحسينية في نفقات هذه الجامعة.

وحين زرنا هذه الجامعة انبهرنا باتساعها وضخامتها وتطور التقنيات التكنولوجية المعتمدة بها، وأحسسنا أن مكارم  الحسين وكراماته وأفضاله تطوف بيننا وبين أرجائها علمًا وثقافة وتقدّمًا وإشعاعًا، وأضحى سبط نبينا وابن الزهراء وابن من  قال فيه رسولنا: “أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها، فمن أراد المدينةَ فليأتِ الباب” قد أضحى دليلًا ورائدًا لطلب العلم، وحافزًا على التعلم والرقي.

فهمت من خلال زيارة الأربعين أن القيّمين على تنظيم هذه الذكرى لم يكونوا مجرد متديّنين انطباعيين وعاطفيين لا يرقون لمستوى التطور الذهني والتكنولوجي والمجتمعي المطلوب،كما يصورهم الإعلام العربي والغربي المضلل والكاذب، وإنما كانت لمشائخ ورجالات العتبة الحسينية المقدسة والمشرفين على هذه الزيارة رؤية استراتيجية متكاملة لا تختص بتنظيم موسم واحد لذكرى زيارة الأربعين، بل لديهم استراتيجية بعيدة المدى تمتد من 2026 إلى 2050، وتهدف إلى وضع خارطة طريق علمية للتعامل مع النمو المستمر في أعداد الزائرين وتحويل الأربعين إلى نموذج عالمي في إدارة الحشود والخدمات.

وهذه الرؤية المستقبلية الممتدة على ربع قرن تقوم على استشراف أعداد الزائرين وتعدّد وتغيّر احتياجاتهم، الأمر الذي  اضطر مركز كربلاء للبحوث والدراسات المبادرة  بإعداد خطط طويلة المدى بدلًا من الاقتصار على الإجراءات الموسمية، وذلك بقصد جعل كربلاء وجهة دينية عالمية قادرة على استيعاب النمو المستقبلي، ومواكبة التطورات والتحولات المجتمعية والعالمية، وتجاوز كل التحديات والإشكاليات الطارئة والممكنة، بخلاف ما يروج له الإعلام المضلل. وتعتمد هذه الخطط والرؤى على:

1-إدارة الحشود؛ وذلك بتطوير الأساليب العلمية الكفيلة بإدارة وتنظيم وتسهيل عملية انسياب وحركة ملايين الزائرين باستخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لمراقبة حركة الزائرين، وتحسين حراكهم وانسيابهم، كما بناء منظومة للتنبؤ بالاختناقات قبل حدوثها.

2- إيلاء أهمية للبنية التحتية؛ وذلك بتوسيع شبكة الطرق، وزيادة مسارات المشاة، وتطوير مرافق الإقامة والخدمات يراعى فيها احتياجات كبار السن وذوي الإعاقة.

 3-بناء استراتيجية تتعامل مع النقل باعتباره منظومة متكاملة، لا مجرد توفير حافلات فقط، وتشمل حركة الوصول إلى كربلاء، ثم التفويج العكسي وإعادة الزائرين إلى محافظاتهم بالتعاون مع الحكومة وكل المتداخلين.

 4-وضع مركز كربلاء للبحوث رؤية استراتيجية صحية تعتمد تعزيز الخدمات الصحية والخدمية بما يتناسب مع النمو المستمر في أعداد المشاركين.

 5-وضع المركز رؤية متكاملة في بناء مشاريع بُنية تحتية صديقة للبيئة، مع بحث الاستدامة وإدارة الموارد باعتبارهما جزءًا من مستقبل الزيارة.

6-أصبح التحول الرقمي لدى مركز كربلاء للبحوث محورًا مركزيًّا في رؤية 2050 ، وقد رفع المؤتمر العلمي الدولي العاشر الذي حضرته هذه السنة 2026 شعار “زيارة الأربعين: رسالة حضارية في عصر التحول الرقمي”، وتضمنت محاوره التحول الرقمي وإدارة الحشود بالذكاء الاصطناعي والإعلام الذكي.

7- بناء استراتيجية للإعلام والاتصال الدولي وجعله أداة لبناء الحضور الدولي لمناسبة الأربعين قصد التواصل مع الزائرين من مختلف البلدان وبمختلف اللغات، وذلك من خلال ما أعدّه المركز سنة2026  من خطة إعلامية تضمنت التغطية، وتدريب المتطوعين، وإنتاج الأفلام والمواد التعريفية.

وقد واكبتُ عديد الفعاليات الإعلامية التي صاحبت المؤتمر العلمي الدولي العاشر، ومواكب المسيرات وحشود السير المتجهة نحو كربلاء ومقام الإمام، وقدمت في هذا الصدد بعض الملاحظات الضرورية والمقترحات العملية لتطوير هذه الخطة وتجاوز الإخلالات القائمة للبلوغ بها نحو الاكتمال والشمول والانتشار والعالمية والتغطية الشاملة المؤثرة والمقنعة.

8-تناول مركز كربلاء للبحوث والدراسات تصورًا أوسع لزيارة الأربعين على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي يقوم على الإدارة والخدمات، وقد اهتم هذا المؤتمر العاشر بهذه المجالات، وخصص محاور لـ علم اجتماع الأربعين، واقتصاديات الزيارة، والاستدامة، والأبعاد الروحية والفكرية للزيارة.

وقد تميزت استراتيجية 2050 لمركز كربلاء للبحوث والدراسات بالانتقال من إدارة موسم الأربعين إلى إدارة منظومة الأربعين.

أي إن التخطيط لم يعد يقتصر على الزيارة وما يكتنف فعالياتها أيامًا قبلها وأيامًا بعدها، وإنما يُتعامل مع الأربعين باعتبارها مشروعًا حضاريًّا مستدامًا يحتاج إلى تخطيط عمراني، ونقل وصحة وأمن وبيئة ورقمنة وإعلام واقتصاد وثقافة وخارطة طريق تمتد لـ 25 سنة، وتتضمن أهدافًا عامة وخططًا تفصيلية، وآليات ووسائل تنفيذ عملية وشركاء ولجان موكول إليها متابعة ومرافقة وإنجاح المشاريع الاستراتيجية.

وبمثل هذه الرؤية الاستراتيجية الاستشرافية يصبح العقل الكربلائي عقلًا علميًّا استراتيجيًّا مبدعًا يُطَمئِن الوافدين والزائرين وكل السائرين على منهج الحسين في العالم، وترتقي فيه مثل هذه المحافل الدولية العظمى لبلوغ المستوى الحضاري والثقافي الضروري والمطلوب الذي يقطع مع العشوائية والانفلات وغلبة مظاهر التخلف، مع إبراز الروحية العظمي والمحبة المثلى التي تبشر العالم بمستوى أخلاقي وتضامني وقيمي وتنظيمي كربلائي مبدع يُظهِر مثل هذه المواكب في شكلها الحضاري المبشر لا المنفّر، وتعيد إنتاج ثقافة وقيم الحسين المثالية والأممية المتعالية والفضلى.

   


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقًا

قد يعجبك أيضاً


اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.