تتشكل الرؤية القرآنية لمنظومة الحقوق والكرامة الإنسانية من منطلق التوحيد والمساواة الجوهرية في أصل الخِلقة، حيث تتجاوز النصوص التأسيسية للإسلام التصنيفات الفئوية بين الجنسين لتضع الإنسان، ذكرًا كان أم أنثى، في مقام التكريم السامي. وإذا ما أُجريت مقارنة تحليلية بيئية بين المعايير الغربية المعاصرة التي استغرقت عقودًا للوصول إلى استقلال المرأة الاقتصادي وحقوقها السياسية، وبين الأصول القرآنية، يتبيّن أن النص الإلهي أسّس منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا لاستقلالية مالية وقانونية واجتماعية مطلقة للمرأة، متجاوزًا الموروثات الثقافية والاجتماعية التي حاولت تقزيم دورها أو محاصرة حضورها التكليفي والقيادي.
تبدأ الفلسفة القرآنية في التعامل مع المرأة من إقرار الكرامة الذاتية المجرّدة عن الجنس، إذ يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء، الآية 70).
وهو تكريم شامل ينفي الأفضلية المبدئية للرجل على المرأة. كما نقض القرآن المفهوم الدخيل الذي يصوّر خلق المرأة من أصل أدنى أو ضلع أعوج، وهو مفهوم متسرّب من موروثات نصية من الإنجيل المحرّف، ليؤكد الوحدوية في أصل المنشأ الإنساني في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (سورة النساء، الآية 1).
ولم يقف التكريم عند الحدود النظرية، بل تجاوزها إلى الاصطفاء والتطهير والوحي والتكليم، كما تجلّى في اختيار السيدة مريم (ع): ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 42).
وكما تمثّل في الوحي التشريعي والإلهامي لأم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (سورة القصص، الآية 7).
مما يبرهن على أن المرأة في المنظور الإلهي مؤهلة لتلقّي الفيض السماوي والاضطلاع بالمهام الرسالية الكبرى.
وفي سياق الحقوق الأساسية، تجلّى حزم التشريع القرآني في صيانة حق الحياة وحظر الممارسات الجاهلية التي تسلب المرأة وجودها، حيث جاء الوعيد الإلهي صارمًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (سورة التكوير، الآيتان 8-9).
لتكون هذه الآية بمثابة الإعلان العالمي الأول لحظر العنف ضد المرأة وحماية حقها الفطري في الحياة. وقد اقترن هذا الحق بمنحها الاستقلال الاقتصادي الكامل، وحق التملّك والعمل، والتصرّف بمالها دون وصاية من أحد، إذ أقرّ التشريع القرآني ثمرة جهدها وكسبها المالي والمهني على حد سواء، في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (سورة النساء، الآية 32).
مع إقرار حرية التعبير وإبداء الرأي السياسي والاجتماعي. ويشهد لذلك الحوار المجتمعي والتظلّم المباشر الذي وثّقه القرآن في سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ (سورة المجادلة، الآية1).
حيث أنزل الله وحيًا يثبت حق المرأة في المحاججة والاعتراض وصيانة حقوقها الذاتية.
وعلى صعيد النماذج القيادية والمعرفية، قدّم القرآن الكريم صورًا مشرقة للمرأة التي تدير الشأن العام بحكمة وسداد، كما في نموذج ملكة سبأ التي تجسّدت فيها رجاحة العقل والإدارة الشورية الحكيمة عندما قالت: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾ (سورة النمل، الآية 32).
كذلك يتجلّى الحياء الواعي غير المكبوت في شخصية ابنة شعيب: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (سورة القصص، الآية 25).
والإخلاص والوفاء في تجربة امرأة أيوب. والأهم من ذلك أن الله جعل من المرأة أمثولة ومشهدًا إيمانيًّا يُقتدى به للرجال والنساء على حد سواء، فجعل من امرأة فرعون ومريم ابنة عمران مثلًا للذين آمنوا قاطبة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ (سورة التحريم، الآية11).
و
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (سورة التحريم، الآية 12).
مثلما جعل من امرأة نوح وامرأة لوط مثلًا للذين كفروا، كأنما أراد الله أن يثبت بأن المرأة هي المحور؛ لو صلحت صلح مجتمع بأكمله، ولو فسدت فسد مجتمع بأكمله، ليؤكد أن الصلاح أو الفساد في المجتمع يعتمد على الفرد بوصفه إنسانًا مكلّفًا، لا بناءً على التمايز بين الجنسين.
أمّا القراءة السطحية التي اختزلت أحكام الإرث في معادلات غير عادلة، فإن التحليل المقارن للنصوص يتجاوزها ويكشف عن عدالة التشريع؛ ففي أحكام المواريث، لا ترث المرأة نصف نصيب الرجل إلا في حالات محدودة محكومتين بالعبء المالي والتكليفي، بينما تتساوى معه في حالات كثيرة، وترث أكثر منه في حالات أخرى متكافئة، كحالة توفّي فيها رجل وترك بنتًا وأبًا، إذ يكون للبنت النصف، وللأب السدس فرضًا والباقي بالردّ، وفق فقه جعفر الصادق (ع)، وتعصيبًا على فقه المذاهب الأربعة، فتزيد حصة الأنثى على حصة الذكر بناءً على قواعد التوزيع التكافلي في الفقه الإسلامي.
وفي المقابلة بين الخطاب القرآني والمفاهيم الشائعة خطأً حول “نقص العقل أو الدين”، أو وصف المرأة بذات التكوين الضعيف، يبرز فارق دلالي ومعجمي هائل بين وصف الإنسان بالضعف الجِبِلّي أو الخَلقي، وبين وصفه بـ”الاستضعاف”. فالقرآن الكريم لم يدمغ المرأة قط بصفة “الضعف” الذاتي المقيم، بل أشار إلى الضعف الكوني الشامل للبشرية جمعاء في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (سورة النساء، الآية 28).
بوصفه وصفًا تكوينيًّا مشتركًا بين الذكر والأنثى، ينمّ عن الافتقار المطلق إلى الخالق. وحين ورد ذكر المرأة في سياق العجز، جاء بصيغة “المستضعفة”، لا “الضعيفة”، والفرق شاسع بين الأمرين؛ فالضعيف من قصرت طاقته الذاتية، أما المستضعف فهو القوي في جوهره وطاقاته الفطرية، الذي أوقعت عليه النظم الظالمة أو البنى الاجتماعية الجائرة، قسرًا وظلمًا، حالات من القهر والتعطيل لإمكاناته، كما يتضح في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (سورة النساء، الآية 75).
فالاستضعاف حالة طارئة ومفروضة من الخارج، تعود إلى استبداد المجتمعات وظلمها أو إلى مرض، لا إلى نقص تكويني في خِلقة المرأة، بل إن القرآن جعل من هؤلاء المستضعفين طائفة مستهدفة بالرعاية والتمكين والانتصار لحقوقهم المسلوبة. علاوة على ذلك، وجّه القرآن الخطاب العقلاني بالتساوي للذكور والنساء دون تفريق، مكرّرًا العشرات من الآيات التي تحضّ على التفكير والتعقّل، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية 44).
كما أن استباق المرأة للرجل في التكليف الشرعي بعدة سنوات يمثّل سباقًا في التشريف الإلهي والتهيؤ الروحي، لا نقصان فيه.
إن البناء التاريخي للإسلام قام في أركانه الأولى على التضحية والسبق النسوي، فكانت أول من آمن وأسلم على الإطلاق السيدة خديجة بنت خويلد، وأول من بذل دمه شهادةً في سبيل العقيدة سمية أم عمار. بل إن إحدى أعظم الشعائر التعبدية التي يمارسها الملايين من المسلمين، رجالًا ونساءً، إلى يوم القيامة، وهي السعي بين الصفا والمروة، إنما هي تخليد واقتداء بفعل امرأة صابرة، وهي هاجر زوجة النبي إبراهيم (ع). وحتى في البناء اللغوي والبلاغي، آثر الحق سبحانه تقديم هبة الإناث على الذكور في القول: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (سورة الشورى، الآية 49).
وللتقديم والتأخير اللغوي دلالات تكريمية بالغة العمق. كما جاء التعقيب القرآني في قصص آل عمران بعبارة: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ﴾ (سورة آل عمران، الآية 36).
كجملة اعتراضية مقرّرة لسمو مرتبة الأنثى المصطفاة (مريم) ومكانتها التي لا يدانيها الذكر الذي كانت ترجوه أمها للتنسّك المعتاد.
إن القراءة المستنيرة للنص القرآني، والمجرّدة من الإسقاطات العرفية والأحاديث الموضوعة التي تتصادم مع الأصول المحكمة، تؤكد أن الإسلام أسّس لمقام استثنائي للمرأة، تجسّد عمليًّا في القيادة الرسالية والإيمانية للسيدات الجليلات خديجة وفاطمة وآسيا ومريم (ع)، وفي الخطابات التاريخية الهادرة للزهراء والحوراء زينب (ع)، لتبقى مدرسة القرآن هي الموئل الأول والأخير لكفالة كرامة المرأة وعزّتها عبر العصور.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
