مقدمة
لكل نزعة من نوازع النفس البشرية ملتقى بشخصية الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي؛ نزعات تلتقي فيه الأريحية بالنبل؛ فقد نال الشهادة التي طلبها؛ فانضم منذ يوم 28 فبراير/شباط 2026 إلى قوافل الشهداء من أهل البيت وشيعتهم؛ فكان استشهاده نبراسًا لمن يأتي من بعده، وقد صدق فيه قول أمير المؤمنين (ع) الحياة في مَوتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين[1].
لقد استشهد السيد الشهيد وهو قاهر لأعداء الإنسانية من الاستكبار العالمي والصهيونية؛ وقهر من يساعدهم من العملاء في محاولة كسر الإرادة الإسلامية؛ وفشلوا.
لقد فجرت إيران الثورية بقيادة الإمام روح الله الخميني، ثم الإمام الخامنئي كوامن وعوامل النصر من العقيدة الإسلامية؛ فكان من نتائج نجاح الثورة الإسلامية ظهور قوى المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني وسوريا والعراق واليمن؛ كما تسرب إلى المسلمين شعور الافتخار بالإسلام وبروحه الوهاجة في عصر الهيمنة الكاذبة من قوى الاستعمار والصهيونية.
كما قلنا، فإن لشخص وروح وفكر وثقافة الإمام الخامنئي الشهيد؛ أبعاد مختلفة تلتقي لتكون جميعًا مرشدًا هاديًا للمستضعفين في الأرض؛ وقد رأينا أن نكتب عن بعدين يمثلان الروح الدافقة عند الشهيد النبيل؛ وهما البعد الثوري الحسيني، والدعم للقضية الفلسطينية؛ وذلك في ثلاثة محاور:
المحور الأول: فلسفة الثورة في فكر الإمام الخامنئي
عند الحديث عن فلسفة الثورة عند الإمام الخامنئي لا بدّ أن نعود إلى روح الماضي الثوري؛ خاصة عند الثورة الحسينية.
أثر الثورة الحسينية على فكر الإمام الخامنئي
لا يمكن الحديث عن الثورة الإسلامية في إيران، من دون أن نقرأ ونتأمل الفكر الثوري الحسيني، لأن ثورة الإمام الحسين (ع)، هي أم الثورات التي قامت على الكلمة وبذلت الروح من أجل المبدأ.
وهي الثورة التي كانت ملهمة لما جاء بعدها من الثورات في التاريخ الإسلامي، وهي أيضًا الثورة التي ألهمت الثورة الإسلامية في إيران بمفرداتها، فانتصرت على أعظم وأقوى الأنظمة والاستعمار بأسره، ولقد ارتبط اسم الحسين (ع) بالثورة، وارتبطت الثورة به، عند محبيه وخصومه على السواء.
كان الحسين (ع) ثائرًا، لا له نظير في التاريخ البشري، وجعلت من ثورته نبراسًا هاديًا لكل الثائرين، لأن كل البشر يتوقون لرجال تحاط سيرتهم بهالة من الضياء القدسي، يستمدون منهم القدوة، كما يحتذي سيرته الحائرون والذين يتلمسون طريقهم نحو النجاة من وحل الدنيا وطغيان الإنسان لأخيه.
إن ثورة الحسين (ع) نموذج لكيفية إدارة الصراع مع الشر دون اللجوء إليه لحسم هذا الصراع، ودون اللجوء إلى خيانة الوسيلة مقابل إحراز النصر[2].
إن ثورة الإمام الحسين (ع) وإن أخفقت على الصعيد العسكري في معركة غير متكافئة، فإنها حققت انتصارًا على مدى الأزمنة، وكانت النموذج الذي تستلهمه الحركات الثائرة ضد الطغيان، وتختزنه الشعوب في وجدانها عنوانًا للحرية والكرامة واستعادة حقوقها المغتصبة”[3].
لقد قدم الحسين (ع) وآله وأصحابه في ثورتهم على الحكم الأموي الأخلاق الإسلامية العالية بكل صفائها ونقائها، ولم يقدموا إلى المجتمع الإسلامي هذا اللون من الأخلاق بألسنتهم، وإنما كتبوه بدمائهم”[4].
وقد أخبر النبي الكريم (ص) بما سيقع لأمته فقال: “ألا إن رحا الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا وإن كتاب الله والسلطان سيختلفان، فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم، إن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم، فقالوا: وما نفعل يا رسول الله؟ فقال (ص): كما فعل أصحاب موسى، حُملوا على الخشب، وُنشروا بالمناشير، فوالذي نفس محمد بيده لموت في طاعة خير من حياة في معصية”[5]. وسمع الحسين كل ذلك واستشرف مستقبل الأمة، وأذنه تردد مقولة الإمام على (ع): “الحياة في موتكم قاهرين، والموت في حياتكم مقهورين”[6]. ولذلك لم يتردد الإمام الحسين (ع ) في القول بأن الدعي ابن الدعي قد خيرنا بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، ومثلي لا يبايع مثله.
لقد تفاعل الإمام الخامنئي بروح الثورة الحسينية، وجاهد تحت قيادة ورفقة الإمام العظيم روح الله الخميني؛ وكان له دور مهم في نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، ثم صار مرشد الثورة حتى حصوله على الشهادة النورانية.
إن الحركات الثورية المعاصرة والتي اتخذت الثورة الحسينية منهجًا لها كتب لها النجاح سواء كانت الثورات ضد الظلم الداخلي (الثورة الإيرانية نموذجًا)، أو ضد طغيان استعماري خارجي (حزب الله لبنان)، والثورة الفلسطينية حتمًا سيكتب لها النجاح؛ لأن شباب الانتفاضة وعوا جيدًا كل مفردات الثورة الحسينية، و”ألا إنّ لكل دم ثائرًا”[7]؛ وهى كلمة قالها الإمام علي (ع) وطبقها الإمام الحسين (ع)، وأنار بها الطريق إلى سالكي دربه، ومتخذي سيرته نبراسًا يهدي الحائرين، وسيرة الحسين الخالدة يتردد صداها في كل مكان، وفى كل زمان، ولا تقتصر على يوم عاشوراء، لأنه لا يُقيد بعاشوراء[8].
إن أرقام القتلى الذي يتردد كل يوم في دار المسلمين من جراء الهجمة الأمريكية الصهيونية لا بد أن يجد رجالًا ينسون أنفسهم، ويقودون أمتهم إلى نبل المعاني وسمو المقاصد، حتى لو كان الثمن دماء هؤلاء القادة الذين يسيرون وفق سيرة سيد الشهداء، وكم من القادة الذين استلهموا السيرة الحسينية الثورية، قد أقاموا دولًا ناجحة، مثل الدولة الفاطمية، والدولة البويهية، والدولة السنوسية، بعض تلك الدول من مذهب أهل البيت، وبعضها من أهل السنة والجماعة، لأن الحسين مثل أعلى لكل بني الإنسان.. هذا فضلًا عن منهج الجمهورية الإسلامية، وكلها تنسب نفسها للحسين، أو لعلي أو للزهراء (ع)، لأنهم دومًا خلاصة الخلاصة من الأمة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، وليس لمثلهم ولمثل من ينهجون نهجهم إلا النصر بعد انتصار أكده الله كثيرًا في قرآنه الكريم، وأحاديث نبوية كثيرة توصي المؤمنين بالصبر والعمل بإخلاص المجاهدين إلى العمل الدؤوب من أجل إعلاء الحرية حيث يكون الإنسان.
لقد كانت ثورة الإمام الحسين (ع) العنوان والشعار والمنطلق للثورة الإسلامية في إيران، ذلك أنَّ الشعب الإيراني المسلم امتزج مع هذه الثورة في كلِّ وجوده وشؤون حياته.
والسؤال المهم الذي يبحث عن إجابة هو: كيف وظّف الإمام الخميني ومعه الإمام الخامنئي معطيات ثورة الإمام الحسين في الثورة الإسلامية في إيران؟
إذا أردنا الإجابة على هذا السؤال بشكل مختصر؛ لا بدَّ من الإشارة إلى الأهداف الرئيسية التي استهدفها الإمام الحسين في ثورته؛ ومن ثم نرى كيف وُظّفَت هذه الأهداف ومعطياتُها في الثورة الإسلامية في إيران والتي قادها الإمام الخميني ثم الإمام الخامنئي[9].
أهداف الثورة الحسينية
لم تكن الثورة الحسينية بدون أهداف تسعى إليها، فقد كان لها أهداف مثلى سعت إليها وحققتها، ويخطئ من يظن أن الحكم أو الملك كان هو الهدف الأساسي الذي قامت الثورة الحسينية من أجله، ولكنها أهداف مثالية يمكن تلخيصها فيما يلي:
الهدف الأول: توعية الأمة وهَزُّ ضميرها ووجدانها، وإثارةُ مشاعر العزة والكرامة في نفوس الناس الذين كانوا يعاصرونه؛ بعد أن بدأ هذا الضمير يخبو، وكادَ أن يموتَ بسبب التوسع الإسلاميّ الذي حصَل بعد الفتوحات ودخول الثروات العظيمة على المسلمين مِن خلاله، ووجود الحكم الظالم الذي كان يُخطط لحجب الحقائق عن الناس من ناحية، وتوجيههم نحو الشهوات والملذات والتمسك بالدنيا من ناحية أخرى، وهو الحكم الطويل لمعاوية بن أبي سفيان الذي حول الناس إلى أناسٍ يُباعون ويُشتَرون بالأموال، بحيثُ إنَّ البيانّ السياسيَّ الذي خطب به يزيد عند استلامه للحكم بعد معاوية من شرفة قصره، كان يتضمن أنّ هذا الأمير الجديد سوف لا يغزو بكم البحر ويتعبكم في ذلك، وسوف يزيد في عطائكم؛ أي إنه انطلق من حب الدنيا وحب المال، فالناس كانوا يباعون ويشترون بالأموال، فكان هذا مؤشرًا خطيرًا على تراجع صحوة الضمير عند الناس – آنذاك – ولذا نرى أن الإمام الحسين (ع) وجد أنَّ مِن أهداف حركته إيقاظ وهز ضمير الأمة الذي واجه خطر الموت والانحراف وعدم الشعور بقضية الظلم والعدل.
فكانت الشهادة العظيمة له وما تركته من آثار على الأمة التي تتحرك باتجاه أهدافه، وبدأت الثورات والانتفاضات واحدةً بعد الأخرى حتى سقط الحكم الأموي.
الهدف الثاني: هو بيان الحكم الشرعي اتجاه ظاهرة يزيد بن معاوية؛ الظاهرة التي كانت تعني أن يأتي حاكمٌ ويتحدث بشكل علنيٍ عن الفسق والفجور والانحراف، ويتباهى بذلك أمامَ المسلمين؛ ويحوِّلَ الحكم إلى حكمٍ قيصريٍ وكسرويٍ وكأنَّه كلُّ شيءٍ في حياةِ الناس. وهذه الظاهرة التي واجهها الإمام الحسين (ع) كانت تحتاج إلى بيانٍ للحكم الشرعيّ لدى المسلمين.
وإذا رجعنا إلى المسيرة التاريخية بعد رسول الله (ص) لا نجد الظروف واتت أحدًا من الأئمة، بل وحتى أحدًا من المصلحين من أصحاب رسول الله (ص) كأبي ذر الغفاري، أو عبد الله بن مسعود، أو عمار بن ياسر مثلًا، أو غيرهم من أصحاب الرسول (ص)، في بيان الحكم الشرعي، اتجاه الحاكم المنحرف الذي يتظاهر بالانحراف بهذه الدرجة التي كانت للإمام الحسين.
بل إن أمير المؤمنين – على عظمته- لم تواتِه الظروف بعد رسول الله (ص) لأن يتخذَ موقفًا اتجاه الحكم الذي جاء بعد الرسول (ص)، بالرغم من وجود بعض الانحرافات في ذلك الحكم، وحتى في زمن عثمان لم يتخذ أمير المؤمنين حكمًا بالمواجهة مع عثمان، بل إن المسلمين بضميرهم ووجدانهم الحي تحرَّكوا، أما الحكم الشرعي في هذا الموضوع فلم يُبَيّن من قبل الإمام علي (ع)؛ بل كان موقفه هو تهدئة الأوضاع ومحاولة إصلاح الأمور.. كان هكذا يبيّن حكمه، وعندما قام عمار وانتقد الحكم في زمن عثمان وتعرّض للعذاب وللآلام – وكذلك أبو ذر عندما انتقد الحكم أيضًا – لم يبيّن أيٌّ منهما (رض) حكمًا شرعيًّا للمسلمين بوجوب النهوض والقيام بوجه الحاكم الجائر آنذاك، بل كانا ينتقدان الحاكم بشكل علني ويبينان الانحرافات، ويقفان عند هذا الحد دون دعوة الناس إلى القيام والنهوض، أو التغيير، هذا فضلًا عن بقية الأصحاب الذين كانوا يعاصرون الإمامين أمير المؤمنين والحسن(ع).
فحركة الإمام الحسين(ع) ونهضته كانت حركة حقٍّ، ونهضة حقٍّ؛ لأنَّ الظاهرة اليزيدية كانت ظاهرةً بالغة الانحراف بدرجةٍ تحتاج إلى هذا الموقف.
ومعنى ذلك، أن قضية الخروج والنهوض كموقفٍ تحتاج إلى قدرةٍ نفسيةٍ وروحيةٍ عاليةٍ من أجل تسجيل هذا الموقف عمليًّا؛ لأنَّ الناسَ – عادةً – لا يقتنعونَ بمجرد بيان القضايا المهمةِ الصعبةِ الثقيلةِ، وبمجرد إيضاح المفاهيم وإطلاق الشعارات والأحكام، بل يحتاجون إلى تقدُّمٍ بالعمل، إذن لا بدَّ للإنسان القائد حتى يتقدّم في العلم أن يقتحم مواقع الشر حتى يبدأ الناس بالتحرك والاقتحام.
انتصار الدم على السيف في الثورة الإسلامية في إيران
إن الذي يعرف الواقع السياسي والأمني لنظام محمد رضا بهلوي؛ الشاه الذي كان يرزح تحته الشعب الإيراني المجاهد، والأهمية الاستثنائية التي أولاها الاستكبار العالمي لهذا النظام، والدعم الكبير الذي قدمه له عسكريًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا، بحيث أصبح الظلم يعم كل الأرجاء، والسجون ممتلئة بالعلماء والثوار والمجاهدين، مع ما رافق ذلك من استهداف مركَّز لهوية الشعب الإيراني الدينية والثقافية والوطنية – إن الذي يعرف كل هذه الأمور – يكتشف أن لا مجال لمواجهة هذا النظام إلا بالتضحية، والصبر على البلاء، وتقديم قوافل الشهداء في حركة دائمة ومستمرة لا تعرف التعب أو اليأس.
الشهادة وعشق سيد الشهداء (ع)
للشهادة مكانة خاصة في الثقافة الدينية عند الإمام الخامنئي، وهي مبعث قوة وفخر في الأمة الإسلامية عمومًا، لكنها في حركة الإمام الخميني ومعه الإمام الخامنئي وفكره ونهجه، تحظى بأهمية خاصة. إن الطاقة الروحية التي يستولدها العاشق للحسين بن علي (ع)، لا يمكن أن تقاس بأية طاقة أخرى، وهي لا يمكن إلا أن تكون في خدمة الدين والأمة، هذه الطاقة لا تشحن النفوس وتعبّئها فحسب، بل تؤججها وتدفعها للبذل والصبر والتحمل لتحقيق المراد وهو لقاء المحبوب والمعشوق.
ولذا، لا يجوز أن يستهين أحد أو أن يخفف من أهمية العشق للحسين في صياغة شخصية قادرة على تغيير الواقع السيء، مهما اشتد عوده واستفحل أمره[10].
إن قدرة منهج الإمام الخميني على تفجير طاقة العشق الحسيني في موقف جهادي يتنافس فيه المحبون للحسين (ع)، هي من المميزات الهائلة التي سُخِّرت في خدمة الحق والأمة، فبدل أن يكون الحب مجرد بكاء ولطم وذكر المصاب – على أهمية ذلك – فإنه يتحول إلى مشروع استنهاض للأمة يحققه المجاهدون على أمل الشهادة ولقاء الحسين بن علي (ع).
لذا، نجد شعارات ومصطلحات هامة تغذت من رحيقها الثورة، وأصبحت عرفًا شائعًا ومحببًا في أدبيات المجتمع الإيراني، من قبيل (قوافل السائرين إلى كربلاء، قوافل العشق الحسيني…)، وهذه الشعارات متداولة بفخر واعتزاز امتلأت بها المدن والقرى.
ثقافة المنهج الحسيني الثوري
إن الثقافة العاشورائية – ومن خلال المنبر الحسيني – تبقي حبل التواصل متينًا وأصيلًا مع كل الأجيال، فتصيب من خيرها الطفل والشاب والرجل والمرأة وكل المجتمع، لتكون روح الثورة عامة ودائمة ومنهجًا مستمرًا وليس استثناءً، وهناك فرق كبير بين ثقافة تدعو إلى الثورة ورفض الظلم حينًا، وبين ثقافة قائمة على رفض الظلم ومواجهته دومًا؛ فالأولى تنفع وتفيد الأمة، لكن الثانية تبني الأمم وتحصنها من الجور والطغيان، وهذا هو بالضبط ما تحققه فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي هدف مقدس في ثورة كربلاء. وليس من قبيل المبالغة أو الشطط إذا قلنا: إن هذه الثقافة العاشورائية كانت مصدر الإلهام ومبعث القوة والاستقامة في حركة الإمامين الخميني والخامنئي، عندما تلقفها الشعب الإيراني المجاهد واعتبرها أصلًا راسخًا في التربية وبناء المجتمع، فإن ما فيها من غنى وأصالة وشمول يكفي لإحياء البشرية وإنقاذها من الضلالة، ووضعها على طريق الهداية والإيمان والعدل. أوليس الإمام الحسين هو من فجر الثورات الكبرى؟ وهو الذي تعلم كثير من القادة من نهضته فقال أحدهم: “تعلمت من الحسين كيف أكون مظلومًا وانتصر”.
من المعروف أن الثورة الحسينية ألهمت كل الثورات بعدها، وخاصة الثورة الإسلامية الكبرى في إيران.
تعد الثورة الحسينية ركيزة أساسية في فكر وتوجهات الإمام الخامنئي، حيث يراها نموذجًا حيًّا ومستمرًّا لمواجهة الظلم والانحراف.
يركز الإمام الخامنئي في تحليله، كما في كتابه “حين انتصر الدم”، على الدروس السياسية والتربوية، معتبرًا عاشوراء مدرسة للتضحية، ورفض الاستسلام للطاغوت، ومحاربة الانحراف في المجتمع الإسلامي لإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح.
أثر الثورة الحسينية على الإمام الخامنئي
وهو دور سياسي رائع ظل له منهج للمواجهة السياسية؛ لأنه مثل الإمام الخميني؛ فيشدد على أن “الحسينية واليزيدية” ليست مجرد تاريخ، بل معركة مستمرة بين الحق والباطل، تستوجب اتخاذ موقف دائم ضد الظلم.
المحور الثاني: الثورة والإصلاح في فكر الإمام الخامنئي
يرى الإمام علي الخامنئي أن هدف الحسين (ع)، كان منع انحراف النظام الإسلامي، وهو ما يطبقه كأولوية في حماية الثورة الإسلامية.
يؤكد الإمام الخامنئي على أهمية الجمع بين الوعي المنطقي والبعد العاطفي (البكاء والعزاء)، لإحياء الدين ونفوس المؤمنين.
كما يؤمن بأن “الدم ينتصر على السيف”، وأن الاستعداد للاستشهاد هو أيسر من البقاء تحت حكم الظالمين.
ومن ضمن ضلوعه المثالي لتوطيد الثورة، أصدر عدة كتب من أهمها: (حين انتصر الدم…(؛ تحليل للثورة الحسينية، وكتاب (مجموعة النهضة الحسينية …كلمات ورؤى).
الشعائر الحسينية عند الشهيد الخامنئي
يعتبر الإمام الخامنئي أن “كل ما لدينا هو من عاشوراء”، مما يجسد استلهامه الكامل لروح الثورة في رؤيته السياسية.
هذا، وقد ظل الإمام الخامنئي على تواصله الثقافي الروحي بفكر أهل البيت (ع)؛ ولقد اعتمد على ما روي عن الإمام الرضا (ع): “إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهليّة يحرّمون فيه القتال، فاستحلّت فيه دماؤنا وهُتِكت فيه حرمتنا وسُبِي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأُضرِمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله (ص) حرمة في أمرنا”.
لماذا ثار الإمام الحسين (ع)؟
يقول الإمام الخامنئيّ في سياق حديثه عن دروس الثورة الحسينيّة: لماذا ثار الحسين (ع)؟ لماذا ثرتَ يا حسين؛ برغم كونك شخصيّة لها احترامها في المدينة ومكّة، ولك شيعتك في اليمن؟ اذهب إلى مكان لا شأن لك فيه بيزيد ولا ليزيد شأنٌ بك، تعيش وتعبد الله وتُبلّغ.
ويوجد لدي الإمام الخامنئيّ في الإجابة عن هذا السؤال ثلاثة اتّجاهات، هي:
الاتجاه الأول: إنّ هدف ثورة أبي عبد الله الحسين (ع) هو إسقاط حكومة يزيد الفاسدة وإقامة حكومة بديلة؛ وهذا القول شبه صحيح وليس بخطأ، فلو كان القصد بهذا الكلام هو أنّ الحسين (ع) ثار لأجل إقامة حكومة، بحيث إنّه لو رأى أنّه لن يصل إلى نتيجة لقال لقد قمنا بما علينا فلْنرجع، فهذا خطأٌ. أجل، إنّ الذي يتحرّك لأجل الحكم، يتقدّم حتّى يرى إلى حيث يرى إنْ كان الأمر ممكنًا، فإذا رأى أنّ احتمال حصول هذا الأمر أو الاحتمال العقلائيّ غير موجود، فتكليفه هو أن يرجع. فإذا كان الهدف تشكيل الحكومة، فالجائز هو أن يتحرّك الإنسان إلى حيث يُمكن، وعندما يُصبح غير ممكنٍ يجب أن يرجع.
الاتجاه الثاني: هو أننا لا يُمكننا القول: إنّ الحسين (ع) ثار لأجل إقامة الحكومة، ولا القول: إنّه ثار لأجل أن يستشهد، بل يوجد شيءٌ آخر في البين. أتصوّر أنّ القائلين إنّ الهدف هو الحكومة أو الهدف هو الشهادة قد خلطوا بين الهدف والنتيجة.
الاتجاه الثالث: رؤية الإمام الخامنئي أنه كان للإمام الحسين (ع) هدفٌ آخر، والوصول إليه يتطلّب طريقًا وحركةً تنتهي بإحدى النتيجتين: الحكومة أو الشّهادة، وكان الإمام مستعدًّا لكلتا النتيجتين، فقد أعدّ مقدّمات الحكم، وكذا مقدّمات الشهادة، ووطّن نفسه على هذا وذاك، فإذا تحقّق أيّ منهما، كان صحيحًا، لكن لم يكن أيّ منهما هدفًا، بل كانا نتيجتين، وأمّا الهدف فهو شيءٌ آخر.
وبشكلٍ مختصر؛ قال الإمام الخامنئي الشهيد: لو أردنا بيان هدف الإمام الحسين (ع)، نقول: إنّ هدف ذلك العظيم كان عبارة عن أداء واجبٍ عظيم من واجبات الدّين لم يؤدّه أحدٌ قبله، لا النّبيّ (ص)، ولا أمير المؤمنين (ع)، ولا الإمام الحسن المجتبى (ع)، إنّه واجبٌ يحتلّ مكانًا هامًّا في البناء العامّ للنّظام الفكريّ والقيميّ والعمليّ للإسلام.
وبرغم أنّ هذا الواجب مهمٌّ وأساس، فلماذا لم يؤدَّ حتّى عهد الإمام الحسين (ع)؟ كان يجب على الإمام الحسين (ع) القيام بهذا الواجب ليكون درسًا على مرّ التّاريخ، كما أنّ تأسيس النبيّ (ص) للحكومة الإسلاميّة أصبح درسًا على مرّ تاريخ الإسلام، وكما أصبح جهاد النبيّ (ص) في سبيل الله درسًا على مرّ تاريخ المسلمين وتاريخ البشريّة إلى الأبد.
كان ينبغي للإمام الحسين (ع) أن يؤدّي هذا الواجب ليُصبح درسًا عمليًّا للمسلمين وعلى مرّ التاريخ؛ ولكنه لم يفعل؛ فقد كان الهدف أداء هذا الواجب، وعندها تكون نتيجة أداء الواجب أحد الأمرين، إمّا الوصول إلى الحكم والسّلطة، وقد كان الإمام الحسين (ع) مستعدًّا لذلك، لكي يعود المجتمع كما كان عليه في عصر رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع)، وإمّا الوصول إلى الشّهادة وهو (ع) كان مُستعدًّا لها[11].
يركّز الإمام الخامنئي في العديد من الأمور والثوابت العاشورائيّة التي ينبغي الاهتمام بها، وملاحظتها بشكل دائم، ومنها:
أ. محرّم شهر العاطفة والحزن
للعاطفة – كما يذكر الإمام الخامنئيّ – دورٌ مميزٌ في واقعة كربلاء وفي استمرارها، أدّى إلى إيجاد برزخٍ بين النهضة الحسينيّة والشيعيّة من جهة، وبين النهضات الأخرى من جهة ثانية، فواقعة كربلاء ليست قضية جافّة ومقتصرة على الاستدلال المنطقيّ فحسب، بل قضيّة اتحد فيها الحبّ والعاطفة والشفقة والبكاء.
إنَّ الجانب العاطفيّ جانب مهمّ، ولهذا أمرنا بالبكاء والتباكي، وتفصيل جوانب الفاجعة، فلقد كانت زينب الكبرى (ع) تخطب في الكوفة والشام خطبًا منطقيّة، إلّا أنّها في الوقت نفسه تقيم مآتم العزاء، وقد كان الإمام السجاد (ع) بتلك القوّة والصلابة ينزل كالصاعقة على رؤوس بني أميّة عندما يصعد المنبر، إلّا أنّه كان يعقد مجالس العزاء في الوقت نفسه.
ب. أهميّة إحياء عاشوراء
لقد تحدّث الإمام الخامنئيّ في أكثر من مناسبة شارحًا خصائص عاشوراء وضرورة الاهتمام بإحيائها قائلًا: “إنّ مراسم عزاء الإمام الحسين (ع) وفضل إحياء ذكرى عاشوراء، من أهمّ ما يميّز الشيعة عن سائر إخوتهم المسلمين، فمنذ أن أصبحت ذكرى مصيبة الإمام الحسين (ع) سنّة يعمل بها، تفجّرت فيوض ومعنويّات في قلوب محبّي أهل البيت (ع) وأذهانهم، وما زالت تتفجّر إلى يومنا هذا، وستبقى كذلك بفعل ذكرى عاشوراء. فإحياء هذه الذكرى هو في الحقيقة عمل ذو فضل عظيم، ومن هنا كانت مسألة البكاء والإبكاء على مصاب الحسين (ع) سائدة حتى زمن أئمتنا (ع)، وينبغي أن لا يفكّر أحد بعدم جدوى البكاء، في زمن الفكر والمنطق والاستدلال، فهذا فكر خاطئ، لأنّ لكلّ شيء مكانه، ولكلّ سهمه في بناء شخصية الإنسان، العاطفة من جهة، والمنطق والاستدلال من جهة أخرى، أمور كثيرة لا تحلّ إلّا عن طريق العاطفة والمحبّة، ولن يؤثر فيها المنطق والاستدلال [12].
ج. ينبغي،كما يذكر الإمام الخامنئيّ، أن تسهم هذه المجالس في زيادة حبّ أهل البيت في قلوب الناس، لأنّ الرابطة العاطفيّة رابطة ذات قيمة عظيمة، عليكم أن تعملوا ما من شأنه أن يزيد من حبّ الناس المشاركين للحسين بن عليّ (ع) وآل بيت الرسول (ص) ومصادر المعرفة الإلهيّة، وإذا ما قمتم في هذه المجالس، لا قدر الله، بما من شأنه عدم تقريب المستمع عاطفيًّا من أهل البيت (ع)، أو قمتم بما من شأنه إبعاده عنهم لا سمح الله، وانزجاره ممّا يسمع، يعني نقلتم الواقعة بشكل يبعد المستمع عاطفيًّا عن أهل البيت (ع)، عندها ستفقد مجالس العزاء أحد أكبر فائدة قامت من أجلها، بل ستصبح أحيانًا مضرّة، عليكم أن تعلموا ما ستفعلونه، أنتم القائمين على المجالس والخطباء فيها، اعرفوا كيف تزيدون من عواطف الناس اتجاه الحسين بن علي (ع) وأهل بيت النبوة[13].
د. إيضاح مبادئ الثورة الحسينيّة
يجب – كما يؤكّد الإمام الخامنئيّ – أن تتوضّح مبادئ قيام عاشوراء للناس، فيجب أن لا نأتي إلى مجالس الحسين بن عليّ (ع) ونرتقي المنابر ونخطب ونخرج – وهو من أهل الفكر والتأمل وما أكثرهم في مجتمعنا اليوم من شباب وشيوخ ونساء ورجال- هذا المستمع وهو يتساءل: لم جئتُ إلى هنا وعلام ذرفت الدموع؟ ما القضية؟ لماذا يجب البكاء على الحسين (ع)؟
لماذا قدم الحسين إلى كربلاء لتحصل واقعة عاشوراء؟ يجب أن تجيبوا عن هذه الأسئلة قبل أن تتبادر لأحد، يجب أن تتوضّح مبادئ واقعة كربلاء[14].
هـ . المحافظة على مجالس العزاء التقليديّة
يحرص الإمام الخامنئي على المحافظة على مجالس العزاء التقليديّة وإثارة عواطف الناس اتّجاه الحسين (ع) وأهل بيت النبوّة (ع)، فيقول: هناك أمور تقرّب الناس من الله ومن الدين، مجالس العزاء التقليديّة هذه تقرّب الناس من الدين، وهذا ما أوصى به الإمام الراحل. إنّ الجلوس في المجالس والاستماع إلى العزاء والبكاء واللطم على الرؤوس والصدور والخروج في مواكب العزاء، كلّ ذلك يثير عواطف الناس اتجاه أهل بيت النبوة (ع) وهذا أمر عظيم [15].
ويقول الإمام الخامنئيّ: “إنّ هذه المواكب الحسينيّة التي تتحرّك وتنشط في الأيّام العشرة الأُولى من شهر محرّم في كلّ عام هي كماء المطر الذي يجري على الأرض فيطهّرها وينظّفها ويزيل الأوساخ والأقذار كافّة منها، وهكذا تلك المواكب، فهي تطهّر بيئتنا الاجتماعيّة من كلّ الوساوس والشبهات والتلقينات الفاسدة التي يبثّها الأعداء، وتضفي عليها روحًا جديدة عابقةً بالعشق لله تعالى والإيمان به.
وهنا نؤكد على أن الثورة تتمحور في فكر الإمام الخامنئي حول كونها مسارًا مستمرًّا لبناء “الحضارة الإسلامية الحديثة”، وليست مجرد حدث تاريخي، حيث يشدد على صون “الروح الثورية”، وحتمية جهاد التبيين، والانتقال من نظام إسلامي إلى دولة ومجتمع إسلاميين، وصولًا إلى أهداف الثورة العظمى في العدالة، والحرية، والاستقلال، والتمهيد للظهور.
يؤكد الإمام الخامنئي أن الثورة الإسلامية في إيران هي تجديد تاريخي أعاد الإسلام للميدان، ومنح الشعب الإيراني العزة، وأن الأهداف لم تتغير، بل تزداد ترسيخًا بمرور الزمن.
الثورة في فكر الإمام الخامنئي
لا يعتبر الإمام الخامنئي الثورة مرحلة وانتهت، بل هي مسار متواصل نحو أهداف سامية (العدالة، الحرية، الكرامة).
ويرى أن الثورة هي استبدال “الإسلام الأمريكي” المستسلم) بإسلام الكتاب والسنة، والجهاد، والقيام، والعدالة).
ويرى أن مراحل تحقيق أهداف الثورة عدة مراحل، وهي تقوم على الآتي[16]:
- الثورة الإسلامية.
- النظام الإسلامي.
- الدولة الإسلامية.
- المجتمع الإسلامي.
- الحضارة الإسلامية الحديثة.
وعنده رؤية لجهاد التبيين الذي يعتبره فريضة حتمية وفورية لمواجهة التحريف وتزييف الحقائق، والتعريف بأهداف الثورة.
وهو يرفض الهيمنة الغربية (الشرقية والغربية) والاعتماد على النفس (لا شرقية ولا غربية – الجمهورية الإسلامية)، مع التركيز على “إيران القوية” كنموذج.
وكذلك صون الروح الثورية: حيث يركز على ضرورة إبقاء الحماس الثوري حيًّا، خصوصًا لدى الشباب، لمواجهة المشكلات العالمية.
ومن أقوال الإمام الخامنئي:
– إن الاستقلال والحريّة والسيادة الشعبيّة والثقة بالنّفس الوطنية، والاعتماد على الذات الوطنية والعدالة، والأعلى والأرقى منها كلّها تحقّق أحكام الدين والشريعة وتطبيقها في البلاد. هذه الشعارات حُفظت بما كانت عليه من نضارة في البداية.
– العدالة كانت الشعار الأساسي والهدف الكبير للثورة الإسلاميّة ونظام الجمهوريّة الإسلاميّة ولا تزال.
– إن مقارعة الاستكبار جزء من ماهيّة هذه الثورة ومن الأعمال والمطالب الأساسيّة والرئيسيّة لهذا الشّعب.
– كان هدف الثورة الإسلاميّة في الدرجة الأولى أن تُرسي نظامًا داخل البلاد لا يكون تابعًا، بل مستقلًّا.
– الثورة الإسلاميّة كانت أعظم تحوّل وتغيير للسلطة على مرّ تاريخ بلادنا؛ حوّلت أساس الملكيّة والحكومة الفرديّة إلى حكومة شعبيّة.
الإسلام المحمدي الثوري
كما يتمحور فكر الإمام الخامنئي حول أصالة الإسلام المحمدي، مواجهة الهيمنة الغربية، الغزو الثقافي، وتعزيز الوحدة الإسلامية، والاهتمام بالشباب والأسرة. يشدد على العقلانية، التوحيد العملي، وفقه التبيين، معتبرًا الفن التزامًا أخلاقيًّا، والفن والثقافة أدوات لبناء الحضارة الإسلامية ومقاومة طمس الهوية الثقافية المحلية.
أما أبرز مرتكزات ثقافة وفكر الإمام الخامنئي؛ فهي موجودة في الرؤية المعرفية والتوحيد: يعتبر القرآن والسنّة والعقل المصادر الرئيسية للمعرفة. التوحيد ليس مجرد اعتقاد، بل هو عبودية لله ونفي للألوهية عن غيره الكفر بالطاغوت.
وأيضًا مواجهة الغزو الثقافي: يحذر من تقليد الغرب الذي يؤدي إلى إبادة الثقافات المحلية، ويدعو إلى الحفاظ على الهوية الإسلامية الأصيلة في نمط الحياة.
التأكيد على ضرورة توضيح الحقائق ومواجهة الحركة المضللة التي تستهدف وعي الأمة، خاصة الشباب.
كما يركز على إعطاء المرأة حقوقها كاملةً استنادًا إلى التعاليم الإسلامية، معتبرًا إياها حجر الزاوية في الأسرة، وينتقد النظرة الغربية التي تحولها إلى سلعة.
وأسس الفكر السياسي والوحدة عند السيد الإمام الشهيد تكمن في فلسفة أهل البيت الثورية، فهو يدعو إلى وحدة المسلمين، ويعتبر التقية أسلوبًا مرنًا لإدارة الصراع، وينادي بالعودة إلى نهج الإمام الخميني كضمانة للنصر. ويرى أن الفن موهبة إلهية يجب أن تلتزم بالمضمون الأخلاقي والمسؤولية، وليس فقط بالقالب الفني.
ورغم توجهه الشيعي الإمامي الجعفري، فقد أبدى اهتمامًا كبيرًا بنتاج الفكر السني الحركي الثوري في مرحلة ما قبل الثورة الإيرانية.. وبعد الثورة الإسلامية أيضًا، فتم تأسيس المجمع العلمي للوحدة الإسلامية في طهران، وهو امتد لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة التي تم غلقها في أواخر السبعينيات من القرن الماضي بسبب انتشار الفكر التكفيري الوهابي، مع العلم أن دار التقريب، أسسها الشيخان الجليلان محمود شلتوت، وتقي الدين القمي، كما تنشر مؤلفات لكتّاب من أهل السنة مثل عباس محمود العقاد (عبقرية الإمام وسيد الشهداء الحسين بن علي). وطه حسين (الفتنة الكبرى… جزآن… عثمان – علي وبنوه)، وعبد الرحمن الشرقاوي (الحسين ثائرًا والحسين شهيدًا)، وغيرهم كثيرون يفوقون الوصف والحصر.
وأبرز الكتب العربية التي ترجمها الإمام الشهيد الخامنئي للكاتب المصري سيد قطب، وهي: (في ظلال القرآن – المستقبل لهذا الدين – الإسلام ومشكلات الحضارة)، ولم ير الإمام الشهيد أي غضاضة في تدريس جنود الحرس الثوري كتب سيد قطب، جنبًا إلى جنب الكتب الثورية. هذا بالإضافة إلى مؤلفات روح الله الخميني (قده).
المحور الثالث: فلسطين الثورية في فكر الإمام الخامنئي
تتمحور رؤية الإمام السيد الشهيد علي الخامنئي اتجاه فلسطين حول حتمية زوال الكيان الصهيوني، واعتبار القضية الفلسطينية محورًا للجهاد الإسلامي، مؤكدًا على شعار “فلسطين من البحر إلى النهر”.
تحتل القضية الفلسطينية عمومًا، وقضية المقاومة، والانتفاضة تحديدًا، موقعًا متميزًا في فكر ومواقف السيد الإمام الشهيد علي خامنئي، وفي ما يلي قراءة في شذرات من هذه المواقف نعرضها وفق التالي:
أولًا: إعادة الاعتبار للعنوان الإسلامي للقضية الفلسطينية
ثمة إصرار لدى الإمام الخامنئي الشهيد، على إعادة الاعتبار للعنوان الإسلامي، لا بالمعنى السياسي فحسب، وإنما بالمعنى الديني أيضًا، ذلك “أن فلسطين هي جزء من الأرض الإسلامية، ولدى المذاهب الإسلامية، وبإجماع الفقهاء، أن لو اقتطعت أرض من أراضي المسلمين، واحتلتها دولة معادية للإسلام، فواجب الجميع الشرعي أن يسعوا ويجاهدوا من أجل إعادة هذا الجزء المغتصب إلى الجسد الإسلامي”.
وبهذا الاعتبار، تخرج القضية الفلسطينية أولًا عن كونها قضية سياسية، إلى كونها قضية دينية بامتياز، وتصبح مسألة تحريرها التزامًا وإنفاذًا للحكم الشرعي، وهذا ما يرتقي بها إلى مرتبة القضايا المقدسة، كما يجعلها مسؤولية إسلامية عامة لا يمكن لأي مسلم أن يغض النظر عنها.
وثانيًا: من شأن هذا الاعتبار أيضًا، أن يحصنها في مواجهة الآلاعيب السياسية، التي تبقى تخضع لموازين، ومعادلات القوى والمصالح. بكلام آخر، إن العنوان الديني يحافظ على الطابع المبدئي للقضية الفلسطينية، ويجعلها، بالتالي، خارج لعبة المساومات السياسية وغير السياسية.
ومن نافلة القول: إن الطابع المبدئي للقضايا، هو ما يمنحها أفقها الاستراتيجي والتاريخي الممتد عبر الزمن، بحيث لا تكون مهمة التصدي لها مهمة جيل من الأجيال، وإنما مهمة تاريخية تقع على كل المعنيين بها، وهذا بدوره يحرر هذه القضية من ربقة رهانات الظروف والضغوطات الطارئة.
وثالثًا: فإن هذا العنوان يخرج القضية الفلسطينية، من كونها مهمة أو مسؤولية داخلية: “فالمسألة ليست داخلية، فلو فرضنا أن لا أحد من الشعب الفلسطيني انتفض بوجه الصهاينة، فسيبقى المسلمون خصمًا للكيان الصهيوني وحماته، لأن الأمر مرتبط بفلسطين، فكيف وإن الشعب الفلسطيني قام وانتفض وقاوم وانتصر اليوم”.
وهذه النقطة في غاية الأهمية، ذلك أن واحدًا من الأهداف الاستراتيجية للحروب العدوانية للصهاينة على الدول العربية، كانت تتمثل في السعي المستمر إلى تحويلها من قضية إسلامية، إلى قضية قومية أولًا، ومن ثم تحويلها من قضية قومية إلى قضية وطنية ثانيًا، ومن ثم تحويلها من قضية وطنية إلى مجرد مسألة أو شأن داخلي إسرائيلي.
الدفاع عن فلسطين واجب شرعي
يعتبر الإمام الخامنئي أن الدفاع عن فلسطين واجب شرعي وسياسي، رافضًا خيار المساومة أو المفاوضات، وداعمًا بقوة للمقاومة المسلحة باعتبارها السبيل الوحيد لتحرير الأرض، ومؤكدًا أن القدس عاصمة أبدية لفلسطين.
وهنا نجد الاحتفال بيوم القدس العالمي، وهو مناسبة سنوية، دعا إليها الإمام الخميني عام 1979، واستمر العمل بها مع الإمام الخامنئي؛ حتى قبيل شهادته، وهي تُحيى في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك من كل عام للتضامن مع الشعب الفلسطيني ودعم حقوقه. تهدف الفعالية إلى تعبئة المسلمين لإحياء القضية الفلسطينية.
مرتكزات فكر الإمام الخامنئي حول فلسطين
إن الهدف النهائي عند الإمام الخامنئي – كما ذكرنا -هو إنهاء )الغدة السرطانية (الكيان الصهيوني، وإزالة دولة إسرائيل من الوجود، باعتبار فلسطين أرضًا إسلامية لا تقبل التقسيم.
كما يشدد الإمام الشهيد، على أن خيار المفاوضات هو “سراب”، ويؤدي إلى تمكين الاحتلال، بينما الانتفاضة والمقاومة المسلحة هي السبيل الاستراتيجي والوحيد لتحرير الأرض.
كما رأى الإمام الشهيد أن فلسطين تكون من البحر إلى النهر، ولا يعترف بالحدود الفاصلة بين ما قبل 1967 وما بعدها، فالأرض كلها فلسطينية.
وأن القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية عربية أو قومية، بل هي قضية إسلامية في صلب اهتمامات العالم الإسلامي، وواجب ديني على جميع المسلمين دعمها.
ويؤكد على ضرورة دعم الشعب الفلسطيني والمجاهدين، وكل حركات المقاومة، بكل السبل، ويعتبر نضالهم امتدادًا للثورة الإسلامية الإيرانية.
ويرفض التطبيع؛ فيصف التطبيع “بالخيانة” للمبادئ الإسلامية وللشعب الفلسطيني.
ويطرح الإمام الشهيد حلًّا ديمقراطيًّا، يتمثل في إجراء استفتاء عام يشارك فيه الفلسطينيون الأصليون (المسلمون، المسيحيون، واليهود) لتحديد نظام الحكم في كامل الأرض الفلسطينية.
ويؤكد على ضرورة الإيمان بالنصر، لأنه يرى أن الآفاق المشرقة للشعب الفلسطيني تعني تحرره وتحقق وعد الله بوراثة الأرض للصالحين.
سلام إلى روح الإمام الشهيد، الإمام والسيد الكريم علي الخامنئي، المرشد الراشد والسياسي الثوري والفقيه المجدد، سلام عليه …وعليه السلام.
[1] الإمام علي (ع)، نهج البلاغة، بيروت، دار العلم للملايين، 1997، الجزء 4، الصفحة 45. من خطبة الإمام علي لجنوده عندما احتل جنود معاوية شريعة الفرات.
[2] علي أبو الخير، في رحاب كربلاء، القاهرة، مركز يافا للدراسات، 1997، الصفحة 5.
[3] المصدر نفسه، الصفحة 7.
[4] من مجلة بقية الله، نقلًا عن موقع www.tebyan.net/index.aspx
[5] صحيح البخاري، نسخة كمبيوتر، 5|123.
[6] الإمام علي (ع)، نهج البلاغة، مصدر سابق، ومكررة.
[7] علي أبو الخير، علي الإمام المبين، القاهرة، مركز الفارابي للأبحاث، ومركز الفارابي للدراسات، 2004، الصفحة 54.
[8] علي أبو لخير، في رحاب كربلاء، مصدر سابق، الصفحة 22.
[9] بقية الله، الثورة الحسينية وأثرها في الثورة الإسلامية الإيرانية، نقلًا عن موقع:
www.tebyan.net/index.aspx، مصدر سابق.
[10] فهمي هويدي، إيران من الداخل، القاهرة، دار الشروق للنشر، 1983، بتصرف من صفحات الكتاب خاصة فصل التفسير الكربلائي للتاريخ.
[11] الإمام الخامنئي، إنسان بعمر 250 سنة، إعداد لجنة التأليف في مركز المعارف للتأليف والتحقيق، لبنان – بيروت، دار المعارف الإسلاميّة الثقافية، 2015م، الطبعة 2، الصفحات 202- 204. من خطاب لسماحته بمناسبة عاشوراء الإمام الحسين (ع)، بحضور جموع من المصلين، بتاريخ 10 محرم الحرام 1416 ه.
[12] من خطاب لسماحته لدى استقباله العلماء والفضلاء وطلبة محافظة كهكيلويه وبوير أحمد في مصلّى مدينة ياسوج، بتاريخ 29 ذي الحجة 1414ه.
[13] من خطاب لسماحته لدى استقباله العلماء والفضلاء وطلبة محافظة كهكيلويه وبوير أحمد في مصلّى مدينة ياسوج، بتاريخ 29 ذي الحجة 1414ه.
[14] من خطاب لسماحته لدى استقباله العلماء والفضلاء وطلبة محافظة كهكيلويه وبوير أحمد في مصلّى مدينة ياسوج بتاريخ 29 ذي الحجة 1414ه.
[15] من خطاب لسماحته لدى استقباله العلماء والفضلاء وطلبة محافظة كهكيلويه وبوير أحمد في مصلّى مدينة ياسوج، بتاريخ 29 ذي الحجة 1414ه.
[16] من خطاب لسماحته لدى استقباله العلماء والفضلاء وطلبة محافظة كهكيلويه وبوير أحمد في مصلّى مدينة ياسوج، بتاريخ 29 ذي الحجة 1414ه.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
قد يعجبك أيضاً
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اكتشاف المزيد من معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
